الاثنين، 8 أكتوبر، 2012

رحلات داخلية



رحلات داخلية

نيك أوتشر

أصحاب الخيال، أولئك الذين كان لهم عند "وليم بليك" اسم خاص: الرحالة الذهنيون. قد تكون أجسامهم مغللة، ولكن أرواحهم لا تعرف العبودية، فهي تجوب الآفاق وترى "ما لم يعرفه رحالة الأرض الباردة وما لم يتخيلوه".
إن كنت تعد نفسك أحد هؤلاء، فما أهنأها صحبتك. معك بوذا، ووليم بليك نفسه، معك جان دومينيك باوبي (وسيرته "الجرس والفراشة") ـ وكلهم رحالة ذهنيون.
نوستراداموس أيضا. 
نوستراداموس

 كان من مجلسه غير المريح على مقعد في غرفة علوية بمنزله في سالون دو بروفينس يرى أشكالا وأحداثا من المستقبل البعيد، فكيف لا يكون ذلك الفرنسي الذي عاش في القرن السادس عشر أحد الرحالة الذهنيين وعن جدارة؟
قد يكون العام الحالي هو نهاية العالم بحسب تقويم المايا، ولكن ريتشارد سايبيرث يقدم لنا ترجمة جديدة ورائعة لـ "نبوءات نوستراداموس". تضم جميع النبوءات التي هزت المجتمع الأوربي وقت صدورها. إليكم إحدى أشهر هذه النبوءات:
الأسد الشاب يقهر الهرِم
في ميدان المعركة في مبارزة واحدة:
سوف يضع عينيه في قفصه الذهبي
ويظفر بكل شيء، ومن بعد ذلك ضربة الموت القاسية.
تلك الرباعية بالذات ـ وكان نوستراداموس يسجل رؤاه على شكل رباعيات ـ نشرت في عام 1555. ثم حدث في عام 1559 أن لقي الملك هنري الثاني عاهل فرنسا مصرعه في مبارزة من على ظهور الخيل بضربة رمح اخترق خوذته.
هذا وقد كان هنري الثاني هو الأكبر سنا بين المتباريين، فراجت النبوءة، وبدا في تحققها دليلا لا يدحض على موهبة نوستراداموس. وحقق ذلك المتنبئ والمعالج الشهير ـ الذي نظر إلى الموت الأسود عينا لعين ـ من الشهرة ما لا يضاهيه في أيامنا هذه إلا شهرة الكاتب الرائج دان براون [صاحب شفرة دافنشي].
ولكن ما السر في استعصاء رباعيات نوستراداموس على الفهم؟ الحق أن نموذج "الأسد الشاب" يبدو سهلا إلى حد كبير (سواء صدقت النبوءة أم لم تصدق) ولكن رباعيات أخرى أقل سهولة. ما السر في كل ذلك الغموض؟ ما الذي منعه أن يقول ما لديه بوضوح؟
يذهب ستيفان جيرسون في مقدمة لهذه الترجمة إلى أن "المتنبئ فيما يبدو استساغ الغموض". والمتنبئون عادة لا يفهمون بسهولة، ولعل نوستراداموس بالذات "أدرك قيمة الإخفاء، وخطورة الإفشاء، وهو الذي عاش في زمان متقلب".
باختصار، كان الصراحة قمينة بأن تكون سيفا على رقبته.
أكان نوستراداموس إذن يحمي نفسه؟ الحق أن تفسير جيرسون أحن كثيرا من تفسيرات آخرين. ففي عام 1882 شبه التنبؤات بالغيوم بما أن كليهما "رخوة مرنة إلى حد أن يرى فيهم الرائي ما يريد أن يراه". وهناك من ذهب إلى أن نوستراداموس كان حقا يتواصل مع الأرواح وينقل عنها تنبؤاته، وهناك من قال إنه مزج بين حسابات فلكية دقيقة مع جرعة لا بأس بها من التنويم المغنطيسي.
وهناك من بعد ذلك أعداء النوستراداموسية الذين يرون في ذلك الرائي سكيرا عجوزا "يخربش بالقلم أي شيء قبل أن تحل عليه ضربة السكر"، وذلك مقتطف يثبته إدجار ليوني في طبعته القيمة من النبوءات.
مهما يكن سبب الغموض ـ سواء هو الحرص على السلامة الشخصية أم النبيذ القوي إذ يؤتي ثماره العجائبية ـ بقيت النبوءات وعاشت. وكثير من الناس يرون أن بصر نوستراداموس  امتد حتى رأى اغتيال جون كينيدي، وأحداث الحادي عشر من سبتمبر، بل ونهاية العالم.


عن لوس آنجلس تايمز
نشرت في ملحق "مرايا" ـ جريدة عمان ـ بتاريخ الخامس من أكتوبر 2012