الأحد، 6 يناير، 2008

عن عبدالله أوجلان



من أغرب مفارقات الشعر وتاريخه (أو الشعر وسنينه) أن التجريب في الشعر الإنجليزي قد بدأ على يد اثنين أمريكيين حدث أن عاشا في لندن، وحدث أنهما كانا يكنان احتقارا بالغا للشعر الإنجليزي بل وجملة المشهد الأدبي الذي انتقلا للعيش في كنفه. إنهما إزرا باوند وتي إس إليوت.


لم يكن عمر إزرا باوند يتجاوز الثالثة والعشرين حينما وصل إلى لندن عام 1908، قادما من كلية واباش بولاية إنديانا الأمريكية، مطرودا من وظيفته كأستاذ جامعي بعد أن ضبط وهو يتناول الإفطار في غرفته بالسكن الجامعي مع ممثلة منوعات بريطانية!


ومنذ أن وطأت قدماه أرض لندن، بدأ باوند في ممارسة الشيء الوحيد الذي يجيده: الإزعاج.


لم تكن مهمة الرجل أقل من القيام بثورة شعرية توازي وتدعم وتسير جنبا إلى جنب مع ثورته الأخرى، التي لم تكن تقل ضراوة وتأثيرا، وإن كانت هذه المرة ثورة سياسية.


مضت سنوات باوند اللندنية في محاولة الإمساك بملامح ثورته الشعرية التحديثية، والغريب أنه لم يقبض على عناصر تجربته "التحديثية" تلك، إلا عبر الغوص في كلاسيكيات دانتي (صاحب الجحيم) والشعر الصيني القديم.


في الوقت نفسه، كان باوند يجمع من حوله حشدا من الكتاب الشباب الطليعيين الذين سخرهم للهجوم على كل صاحب ذوق فاسد (أي مغاير لذوق باوند). ولم يحل عام 1915 إلا وقد انضمت إلى بطانة باوند أسماء بالغة التأثير في تاريخ الأدب العالمي، ويكفي أن من بينهم تي إس إليوت (صاحب الأرض الخراب) وجيمس جويس (صاحب عوليس، ورائد اتجاه تيار الوعي).


تلك السنوات الأولى الثرية في حياة باوند هي موضوع القصة الشيقة التي يتناولها ديفيد مودي في كتاب صدر له مؤخرا بعنوان "إزرا باوند، صورة للشاعر والإنسان والشعر". وقد راعى مودي أن يولي شعر باوند أهمية أكبر من التي أولاها له مؤلفون سابقون وضعوا كتبا في سيرة حياته، ولكنهم اهتموا برؤاه الفاشية وإعجابه بموسوليني أكثر مما اهتموا بتجديده الشعري. ولا شك أن ديفيد مودي محق في مخالفته لسابقيه إلى الكتابة عن باوند. فإذا كان اهتمام أولئك قد انصب في معظمه على المواقف السياسية لباوند انطلاقا من أن هذه المواقف كانت ذات تأير كبير في حياته، خاصة وأن السلطات الأمريكية حينما فكرت في شنق إزرا باوند، فهي لم تفعل ذلك اعتراضا منها على شعره. إذا كان الاهتمام بالسياسة في حياة باوند مبررا لهذا السبب، فالاهتمام بالشعر واجب، وللسبب نفسه أيضا. فالشعر ـ وليس سواه ـ هو الذي أثار سؤالا ضخما في مواجهة السلطات الأمريكية: هل من اللائق شنق أكبر شاعر أمريكي مهما تكن الأسباب؟
السياسة إذن هي التي ذهبت بباوند إلى المشنقة، والشعر هو الذي أزاح حبلها عن عنقه. ومع أنها نقلة كبيرة في الجغرافيا والتاريخ، إلا أن المرء لا يملك إلا أن يتذكر ليلة قيل فيها للمتنبي: ألست من قال إن "الخيل والليل والبيداء تعرفني/والسيف والرمح والقرطاس والقلم" فكان ذلك ربما آخر ما سمعه المتنبي قبل مقتله، ولا يملك المرء إلا أن يتذكر الحلاج، وكل أولئك الذين يحفل بهم تاريخنا ـ فقط؟ ـ والذين كانت كتاباتهم سببا في إنهاء حياتهم.


أوجلان .. وجلاندم وإيمان


ولد عبد الله أوجلان في قرية عادية من قرى صنليروفا، وهي مقاطعة تقع على حافة المنطقة الكردية. وأوجلان نفسه كان كثيرا ما يقول إنه لا يعرف على وجه التحديد في أية سنة كان مولده، فقد سجل أبواه في شهادة ميلاده أنه من مواليد عام 1949، ولكن تسجيل المواليد قد يتأخر في بعض الأحيان في بعض المناطق الريفية التركية لمدة عام أو اثنين نتيجة لعدم الاهتمام بمثل هذه الرسميات، أو رغبة من الأبوين في أن يحظى ابنهما بفرصة أفضل في الجيش عند اختياره للتجنيد. وكان يعيش في المنطقة التي ولد فيها أوجلان أكراد وأتراك وأرمن، في مزيج واحد. حيث كان الأبناء المنتمون إلى الجماعات الثلاث يلتحقون بنفس المدارس، وبينما يعمل الآباء في نفس الأعمال، أو هكذا كان الحال في القرى المسلمة على الأقل، كما كانوا يتزوجون من بعضهم البعض. ولم يتعلم أوجلان التركية حتى التحق بالمدرسة الابتدائية.
كانت الحياة في تلك المناطق تعاني من فقر مدقع يشمل الجميع إلا طبقة الملاك. ولم تكن الحياة مختلفة في قرة أومريلي التي ولد فيها أوجلان، فقد كان الرجال والنساء يستحلبون الأرض ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، حتى إذا أقبل الصيف، إذا بهم يهرعون لجمع القطن من أرض الملاك الأثرياء عساهم يجنون دخلا إضافيا. كانت حياة شاقة، قل فيها المال عن الضروريات، وغاب عنها الأمل في غد أفضل. وفيما بعد، سوف يقول أنصار أوجلان إنه جاء من بيئة فقر ومعاناة شأن إخوانه في النضال، ولم ينحدر ـ شأن كثير من كبار الشخصيات الكردية ـ من أسر ثرية ذات صلات قبلية قوية.


وبعد ثلاثين عاما من ميلاد أوجلان، استطاعت مقالة في لوموند الفرنسية أن تبرز دائرة الفقر الجهنمية تلك، حيث ركزت على الحياة في إحدى قرى مقاطعة مندرين على الحدود مع سوريا. وقد ورد في تلك المقالة أن "لكل أسرة بضع دجاجات وربما خمس نعجات أو ست. وبين الحين والآخر، يظهر الأغا [مالك الأرض] في زيارات يؤكد بها سلطته ويوزع المهام. ولم تكن تلك المهام تخرج عن نطاق جني القطن في السهل الواقع على مسافة مائتي متر أسفل القرية في منطقة ما بين النهرين. فينزل الجميع ـ إلا حديثي السن والطاعنين فيه ـ إلى السهل، ليعملوا إحدى عشرة ساعة كل يوم. ولقاء ذلك يحصلون على ما يعادل دولارا للطفل، ودولارا ونصف دولار للمرأة ودولارين للرجل. ويعتقد أهل القرية أن نسبة وفيات الأطفال لديهم تصل إلى ثلاثين في المائة".


نشأ أوجلان ـ وهو الأكبر بين سبعة إخوة ـ في بيئة يسودها العنف والإحباط. قال مرة "تفتحت عيناي على الاقتتال الدائم داخل أسرتي. كانت فيها تعاسة طاغية". حتى لقد سعى أحد التقييمات السيكولوجية لشخصية أوجلان إلى تفسير جهوده الوطنية العسكرية فيما بعد في ضوء رغبتين متزامنتين، أولاهما رغبة في أن يحظى باحترام أبويه له، والأخرى رغبة في التنفيس عن غضبه تجاههما". وبرغم أن هذا المنطق غير مضمون تماما، إلا أن ثمة ما يدعمه، إذ أن أوجلان كان غالبا ما يشير في حواراته وخطبه إلى طفولته وما مر به فيها، ليبين كيف تعلم أهمية الانتقام واستخدام العنف.


ولم يقتصر أمر أبي أوجلان على كونه أشد فقرا من أقرانه، بل كان فيما يبدو ضعيف الشخصية، يشعر بالضآلة سواء أمام أهل قريته أو أمام زوجته. "بل إن أقاربه أنفسهم ما كانوا يحفلون به، وكان يلقى الأذى منهم. كان بينهم كما لو لم يكن له وجود، كأنه مات" وهذه هي كلمات أوجلان نفسه في حوار واسع الانتشار أجري في مطلع تسعينيات القرن الماضي.


في المقابل كانت أم أوجلان صلبة قوية الشخصية غضوبا لا تبالي بشيء، تهين زوجها على الملأ لعجزه عن التكفل باحتياجات بيته. كلا الأبوين دفعا ابنهما البكر دفعا إلى العنف والعدوانية. حتى أنه تعرض ذات يوم للضرب من أترابه فعاد إلى البيت باكيا، فنهرته أمه ودفعته خارج البيت آمرة إياه ألا يعود قبل أن يثأر لنفسه. ولطالما قال أوجلان إن طبيعته الخجول لم تكن تتسق مع مثل هذا الموقف، ولكنه أحاط نفسه بسمعة الطفل القاسي بارد الأعصاب. وقال "برغم أنني أجبرت على هذا في المرة الأولى، إلا أن رغبتي في العمل من أجل الثأر بدأت في ذلك اليوم. وبدأت أصبح مهاجما، فحطمت رءوس الكثير من الأطفال".


من أشد الصدمات وقعا على نفسه في عهد طفولته زواج أخته هافا ـ وكانت الأقرب إليه بين إخوته ـ من رجل يعيش في قرية أخرى. لم يكن للحب دور في مثل تلك الزيجات، ولا كانت للعروس كلمة. لقد "بيعت" هافا ببضع أجولة من القمح ومبلغ من المال غير محدد. وفيما بعد قال أوجلان إنه رأى في مثل تلك الزيجات قتلا للمرأة، وقد أشار المنظر الأيديولوجي في حزب العمال الكردستاني "محمد كان يوس" إلى أن زيجة هافا تركت أثرا كبيرا على مناصرة أوجلان لتحرير المرأة من قمع العلاقات التقليدية الكردية بين الذكر والأنثى.


يتذكر أوجلان تلك الفترة التي تزوجت فيها أخته قائلا "انتابني إحساس بالذنب، فلو أنني كنت ثوريا آنذاك، لما سمحت بحدوث ذلك. لما استطاعاوا أن يبعدوها".


شأن كثير من البلدان الصغيرة، لم يكن في أومريلي مدرسة ابتدائية، وهو أمر اعتبره الأكراد محاولة لإبقاهم جهلاء أميين، في حين أن نشر المدارس كان ليصب في صالح أنقرة، إذ إنه كان سيعجل من دمج تلك المجتمعات. ولعل الحقيقة أبسط مما كان يتصور الأكراد. فمع كثرة القرى والبلدات الصغيرة كان من الصعوبة بمكان تدبير المال اللازم والموارد البشرية الكافية لإقامة المدارس في كل مكان. وبدلا من ذلك، وشأن كثير من أطفال القرى، كان على أوجلان أن يشق طريقه كل يوم لمدة ساعة ليذهب إلى مدرسة في قرية مجاورة. كان أوجلان طالبا متفوقا، استطاع بسهولة أن يستوعب التركية لغة وهوية وتاريخا، لدرجة أنه كان يتمنى أن يصبح ضابطا تركيا محترفا. ولم يكن حلمه ذلك غريبا على طفل كردي درس بطولات مؤسس تركيا وجنرالها الأكبر مصطفى كمال أتاتورك. ولكن أوجلان فشل في اختبار الالتحاق بالثانوية العسكرية، فالتحق بثانوية مهنية في أنقرة كانت تعد الطلبة للعمل من بعد في مكاتب تسجيل الأرض التابعة للدولة.


تزامن وصول أوجلان إلى أنقرة في عام 1966 مع نمو هادئ لهوية كردية جريئة في المدن الكبرى. كان المراهقون يتعمدون تدخين سجائر البيتليس، والتي يشير اسمها إلى مدينة جنوبية ينمو فيها التبغ. كما كان الطلبة الأكراد المحبطون ينظمون اجتماعات في تلك المناطق للمطالبة بالحقوق الديمقراطية والاحتجاج على قمع هويتهم. وكان من المستحيل ألا يلاحظ أوجلان كل ذلك. قال أوجلان فيما بعد: "لقد تركت تلك الاجتماعات أثرا علي، حتى وإن لم يكن سوى أثر محدود".


ولم يكن أوجلان استثناء في ذلك بين شباب الأكراد الذين بدأوا يتعرفون على هويتهم أثناء دراستهم الثانوية أو الجامعية. فوقع بعضهم تحت جناح معلم أو زعيم وطني سري شاب، وبعضهم رأى بعيني رأسه التناقض الصارخ بين حياتهم التي عاشوها في قرى تتكلم الكردية وتستمع إلى الإذاعة الكردية التي يلتقطونها من خارج الحدود، وبين الأيدولوجية الرسمية التي تصر على أن الأكراد ما هم إلا أتراك. وكما حدث لأوجلان، انجرف كثير من هؤلاء الشباب إلى الحركات اليسارية والراديكالية الكردية التي بدأت بشائرها في الظهور في أواخر الستينيات من القرن العشرين.


عندما تخرج أوجلان من المدرسة المهنية في عام 1969، وجد وظيفة في إدارة حكومية بديار بكير كانت مسئولة عن قياس الأرض من أجل منح صكوك الملكية في المنطقة الكردية. وبعد عام واحد انتقل أوجلان إلى اسطنبول. وكانت نهاية عقد الستينيات تشهد حراكا سياسيا كبيرا في تركيا، ولم يكن أوجلان ـ كغيره من الشباب ـ على بينة من الوجهة التي ينبغي له أن يوليها. لم يكن قد أصبح قوميا كرديا بعد، ولكنه بدأ يدرك أن ثمة مشكلة كردية وأنه لا بد من عمل شيء ما لحلها. وبعد أن قرأ كتابا بعنوان "ألف باء الاشتراكية" قرر أنه أصبح اشتراكيا.


ولكنه لم يكن يعرف كيف يجمع بين هويته السياسية الكردية الناشئة وبين مثله الاشتراكية. وفي اسطنبول، بدأ يتبع الحركة الراديكالية ذات القيادة الطلابية والتي كانت تؤمن بأن على تركيا أن تحرر نفسها من الهيمنة الأمريكية والعبودية للرأسمالية. كان من المستحيل في ذلك الوقت أن يعزل المرء نفسه عن الفوران الذي يجيش به حرم الجامعة، حتى وإن لم يكن المرء طالبا جامعيا بل مجرد موظف بسيط يعمل في مكتب لتوثيق العقود كما كان حال أوجلان.


لم يكن من الغريب بأية حال أن يبدأ شاب أو شابة من الأكراد الذين نشأوا في تركيا في ذلك الوقت في التفكير في مسألة الهوية الكردية من وجهة نظر سياسية. فلم تكد تتأسس الجمهورية التركية في عام 1923 حتى ثار القوميون الأكراد على سلطة الدولة. وتم إخماد تلك الثورة بعنف بالغ وسُنَّت مجموعة من القوانين لإزالة وجود الهوية والتاريخ الكرديين. تم تغيير أسماء القرى الكردية إلى أسماء تركية، وأزيلت من الكتب كلمة الكردية التي كانت حتى ذلك الحين تشير إلى منطقة جغرافية ومنع استخدامها تماما.


وبلغ قمع تركيا للهوية العرقية الكردية مبلغ الكمال، ودب الوهن في أوصال الأكراد بعد فشل الثورات لدرجة أن كتب أحد الدبلوماسيين البريطانيين أثناء مروره بمنطقة الأكراد قائلا "إنني لم ألحظ ولو رائحة للقومية الكردية التي لا يمكن لأقل العابرين انتباها ألا يلاحظ وجودها في العراق".


ولكن تركيا لم تستطع أن تغمض عينها عن الأنشطة الوطنية الكردية في الدول الأخرى ولا عن التحولات التي شجعت على تبني منهج جديد ليبرالي من أجل الحصول على الحقوق السياسية والمدنية. وقد ساعدت تلك العوامل على تغير رؤى الأكراد ومطالبهم وسبل تحقيق غاياتهم.


في عام 1960، قام الجيش التركي بانقلاب لوقف ما رآه تزايدا للدور الأوتوقراطي الذي يلعبه رئيس الوزراء عدنان مندريس. والمفارقة أن هذا الانقلاب الذي دعمته النخبة الثقافية كان فاتحة لأكثر الحقب التي شهدها الشعب ليبرالية. إذ تم توجيه الدعوة إلى مجموعة من الأكاديميين لوضع دستور جديد. فنتجت عن ذلك وثيقة كفلت حرية تأسيس النقابات والجمعيات والاتحادات، والدعوة إلى الإضراب، وكان كل ذلك محدودا للغاية منذ إقامة الجمهورية.


تزامن هذا التوسع في الديمقراطية التركية مع ظهور جيل جديد من الأكراد المتعلمين الكوزموباليتيين. كان جيلا من الأكراد المولودين بعد الثورة، ممن كبروا وهم حاملون لنفس المخاوف والذكريات للقمع العسكري العنيف للثورة الذي أسكت آباءهم. كان ثمة عدد أكبر من الأكراد في الجامعات، وكان هؤلاء أكثر احتكاكا من آبائهم بالأفكار الجديدة وبغيرهم من الشباب الكردي. وفي الوقت نفسه كان الفلاحون الأكراد يتحركون ـ بهدف التخلص من المصاعب الاقتصادية ـ إلى المدن، حيث باتوا أكثر قربا من الحديث الدائر عن الظلم الاقتصادي والتفاوت بين الأكراد والأتراك والهمس الذي يتناقله الكثيرون عن الهياج السياسي الكردي القائم في تركيا وفي العراق.


في عام 1961 تأسس حزب اشتراكي شرعي باسم حزب العمال التركي. ولم يكن غريبا أن يجد مناصرة كبيرة من الأكراد الذين انجذبوا إلى رسالته القائمة على العدل الاجتماعي والمساواة الاقتصادية. ولكن مما يؤشر على مدى حساسية المسألة الكردية أن الحزب لم يتعامل بأي صورة مع قضايا الأكراد لمدة عقد كامل. وقد حاول بعض الناشطين الأكراد أن يختبروا مدى ليبرالية المناخ السياسي الجديد ولكن خاب سعيهم. فقد سارعت الدولة غلى إغلاق المجلات الثقافية والجرائد الصادرة بالكردية متهمة محرريها وكتابها بالشيوعية والانفصالية. وبدا أن ليبرالية تركيا لم تصل إلا إلى هذا الحد.


ولكن سرعان ما حدث ما كان تخشاه تركيا طول الوقت: تجاوز النضال الكردي في العراق الحدود إلى تركيا. فبعد الإطاحة بالملكية في العراق عام 1985، وجهت الحكومة العراقية دعوة إلى الزعيم الكردي الملا مصطفى برزاني ليعود إلى الوطن من منفاه في الاتحاد السوفييتي. كان برزاني مقاتلا شهيرا ووطنيا بارزا قاد ثورة في العراق في أربعينيات القرن الشعرين وساعد في الدفاع عن الجمهورية الكردية في مهد أباد بإيران عام 1946. ومع أن الثورة فشلت، وجمهورية مهد أباد المدعومة من الاتحاد السوفييتي لم تستمر سوى عام، فقد ظل برزاني أقرب ما يكون إلى بطل حقيقي للأكراد، وكانت عودته من المنفى وقودا جدد الحياة في صدور الأكراد أينما كانوا. وسرعان ما انهارت علاقة برزاني ببغداد على إثر مطالبة الأكراد بالاستقلال الذاتي، وبدأ برزاني ثورة جديدة.


وألهبت تلك الانتفاضة خيال أكراد تركيا، فأسسوا في عام 1965 حزب تركيا الديمقراطي التركي (السري). وكان ذلك أول حزب كردي يتأسس داخل تركيا منذ أن سحقت الدولة ثورة 1938. كان ذلك الحزب يدعو إلى تأسيس فيدرالية كردية داخل تركيا، ونادى ـ ولو على المستوى النظري ـ بالعمل المسلح لتحقيق تلك الغاية. كان الحزب على المستوى الأيديولوجي قريبا من حزب برزاني، ولكن سرعان ما تبدت مصاعب قيام وحدة كردية. فلم تحظ الرسالة التي بعثها الحزب إلى برزاني معربا عن الرغبة في مساعدته برد منه. وهو أمر اعتبره أعضاء الحزب إشارة إلى عزوف برزاني عن رفع سلاحه في وجه تركيا.


"وبرغم ذلك" ـ كما يقول المحامي الكردي شريف الدين إلجي المتعاطف مع حزب تركيا الديمقراطي التركي ـ "رأى الحزب أن مساعدة برزاني تمثل مسئولية وطنية".


لم يحظ الحزب بشعبية كبيرة بين الأكراد حتى داخل تركيا. فقد كان الشباب الأكراد أكثر انبهارا وانجذابا إلى الأفكار اليسارية التي يدعمها حزب العمال التركي والمنتشرة في الجامعات. وكان حزب تركيا الديمقراطي الكردي يدعو إلى نفس المنهج التقليدي المحافظ الذي كان برزاني يتبناه، كما كان الأمين العام للحزب فائق بوجاك ينحدر من عائلة ثرية من ملاك الأراضي في جنوب تركيا. وازداد الحزب ضعفا بمقتل بوجاك عام 1966 ـ ويعتقد الكثير من الأكراد أن مقتله تم على أيدي القوات الحكومية التركية.


وفي ظل ضعف هذا الحزب، والتفاف الشباب الكردي حول الحركات اليسارية غير الكردية، وفي ظل حالة الفوران السياسي التي كانت تشهدها تركيا، كان المسرح مهيأ تماما لظهور بطل جديد.


* هذا هو الفصل الأول من كتاب دم وإيمان لأليزا ماركوس والذي قدمنا عرضا نقديا له الأسبوع الماضي


نحن ما نقول


واشنطن بوست ـ ستيفن بينكر


تأتي اللغة بصورة طبيعية للغاية حتى ليسهل علينا الظن بأن ثمة منطقا جوهريا يربط بين الاسم والمسمى، بين الدال والمدلول. ثمة شخصية تدعى كراتيلوس ـ في أحد محاورات أفلاطون ـ تذهب إلى أن قوة أكبر من البشر هي التي تمنح الأشياء أسماءها الأولى.


ولكن كراتيلوس كان مخطئا. فاللغة ليست سوى ثمرة للعقل البشري. والشيء لا يبالي بالاسم الذي نخلعه عليه. والكلمات وقواعدها لا تنبئنا بشيء عن العالم، وإنما تنبئنا بالكثير عن ذواتنا.


تلك هي الفرضية البسيطة التي يقوم عليها آخر عمل قام به ستيفن بينكر في مجال العلم الجماهيري. حيث يرى بينكر، أستاذ علم النفس بجامعة هارفرد، أن البشر "سلالة تعيش على الكلمات". فلو أنكم أردتم أن تفهموا كيف يعمل العقل، وكيف يفكر في المكان والسببية والزمان، وكيف يتعامل مع المشاعر والعلاقات الاجتماعية، فليس عليكم سوى أن تتبعوا الأرنب عبر جحره إلى عالم اللغة. فما التواءات كلامنا إلا باب على العقل.


في "مادة الفكر" يقدم بينكر نفسه كوسيط يعمل على المصالحة العلمية بين "الحتمية اللغوية" و"الفطرية المتطرفة". فالقائلون بالحتمية اللغوية يرون في اللغة سجنا للفكر. إذ أن الكلمات التي نعرفها هي التي تحدد معرفتنا بالعام. ولذلك تجد لدى الإسكيمو أسماء للجليد تفوق أسماءه في اللغة الإنجليزية، وذلك لأن أهل الإسكيمو يميزون بين أنواع مختلفة من الجليد. وفي حين ينبذ بينكر النسخ المتطرفة من هذه النظرية، إلا أنه يعترف بأن هذه "النسخ المملة" من الحتمية اللغوية ربما تكون دقيقة. ولا ينبغي أن نندهش من حقيقة أن اختيارنا للكلمات يمكن أن يصوغ الأحداث، أو أن مفرداتنا هي انعكاس لنوعية الأشياء التي نصادفها في الحياة اليومية. (فلماذا لدى الإسكيمو كثير من الأسماء للجليد؟ لأنهم محاطون بالجليد طوال الوقت). ولكن اللغة التي نتعلمها صغارا قد لا تكون هي المحدد لتفكيرنا، ولكنها بالقطع تؤثر على تفكيرنا.




على الجانب الآخر، نجد الفطريين المتطرفين، وهم يقولون إن جميع مفاهيمنا العقلية ـ


أي الخمسمائة ألف مفردة أو نحو ذلك ـ هي جميعا فطرية. فنحن نولد عارفين بالمكربنات ومقابض الأبواب وأجهزة الآيبودز. وهذه النظرية الغريبة ـ التي تكاد تتماهى مع الفيلسوف جيري فودر ـ تبدأ بافتراض أن معني الكلمات لا يمكن أن ينقسم إلى أجزاء. فمقبض الباب هو مقبض الباب هو مقبض الباب. مما يضطر بينكر إلى استهلاك بضع صفحات لإثبات ما هو واضح، وهو أن كل كلمة ليست وحدة غير قابلة للانقسام. وإذا لم يكن العقل يولد صفحة بيضاء، فهو لا يولد أيضا مكدسا بالملفات.


وإذن، ما الحل الذي يقدمه بينكر؟ يناصر بينكر المنطقة الوسطى الخاصة بـ "الدلالات المفاهيمية"، والتي ترى أن معاني الكلمات تقوم على إطار خفي من المفاهيم المعرفية الأساسية. (وهنا يعترف بينكر أنه يدين كثيرا لكانط). فأزمنة الأفعال (الماضي والمضارع والمستقبل على سبيل المثال) تصاغ بناء على إحساس فطري بالزمن. والأسماء محدودة بأفكارنا عن المادة. ومن خلال النظر إلى اللغة عبر منظور أفكارنا، يبين بينكر أن كثيرا من المظاهر التي تبدو عشوائية في اللغة، هي غير عشوائية بالمطلق، ولكنها انعكاس لتطور آلتنا الذهنية، أو هي منتجات ثانوية لعملية التطور تلك.


كثير من الأمثلة التي يطرحها الكتاب لا تنطبق على غير اللغة الإنجليزية إلا بصعوبة، خاصة وأن بالكتاب فصولا كاملة تتناول السباب الأمريكي المحلي، إضافة إلى شرح الذهنية الكامنة خلف الفعل المتعدي والفعل اللازم من خلال الفعل الدال على الجماع في العامية الأمريكية أيضا. ولكن يبقى الإطار النظري الحاكم للكتاب صالحا للتطبيق على لغات أخرى.


فالكتاب ـ كما كتب استاذ اللغويات جون ليهرر في واشنطن بوست ـ محاولة طيبة ومتفائلة لإثبات قوة اللغة وقدرتها على إخراجنا من كهف المنطق الأفلاطوني، بما يسمح لنا بـ "تجاوز حدودنا العاطفية والمعرفية". وهي كما يقول ليهرر محاولة طيبة و"لكنني لا أقبل بها، إذ إنها في صلبها تؤكد محدودية اللغة، وتقول إن ما يكتبه البشر من نثر وشعر هو محدود بكوابح فطرية لا سبيل لنا إلى فهمها. وصدق فلوبير حينما قال: ما اللغة إلا مرجل مثقوب ندق عليه أنغامنا كي ترقص عليها الدببة، فيما نحاول نحن طوال الوقت أن نستدر عطف النجوم".






اكتشاف التسامح


الإيكونوميست


هذه هي الرؤية البروتستنتية التقليدية لتاريخ أوربا الديني: في العصور الوسطى دب الفساد في الكنيسة الكاثوليكية الرومانية وتمنعت على النقد، ثم جاء عهد الإصلاح ليبث تيارا جديدا من الحرية والتسامح، ثم كانت انتكاسة عابرة بلغت ذروتها في حرب الثلاثين عاما من 1618 إلى 1648، وبعدها أخذت أوربا تسير بسلاسة إلى عصر التنوير ثم انتقلت منها إلى فكرة التسامح العلماني. جرى الأمر في أوربا على غير ما جرى عليه تماما مع الإسلام وفظائع الإمبراطورية العثمانية.


غير أن هذه الصورة النمطية في معظمها تنطوي على أخطاء فادحة بحسب ما يبين لنا كتاب بنيامين كابلان الرائع. فمما لا شك فيه أن الكنيسة الكاثوليكية القروسطية ظلت تحارب البدع والهرطقات بلا هوادة، ولكن البروتستنتيين في عهد التنوير لم يكونوا ملائكة متسامحين، بل لقد كانوا متعصبين بدورهم، وليتهم كانوا كذلك ضد الكاثوليك وحسب، بل ضد بعضهم البعض أيضا وهو ما يدلل عليه الكتاب في مفتتحه.


لقد احتاج أغلب الأوربيين إلى ما يقارب مائة وخمسين عاما بعد توقيع معاهدتي ويستفاليا للسلام في عام 1648 لكي يستوعبوا مفهوم التسامح الديني. في حين كانت الإمبراطورية العثمانية حتى القرن التاسع عشر أكثر استيعابا وترحابا من معظم أجزاء أوربا للأقليات الدينية.






وتمضي قصة الكتاب بمؤلفها ليجول في ربوع أوربا، معطيا ثقلا مناسبا لبريطانيا وأيرلندة، متناولا عددا من الأحداث التاريخية التي تناقض القول السائد بأن الإنجليز أكثر تسامحا من الفرنسيين على سبيل المثال. فلقد كان التعصب سمة عامة في أوربا كما يحاول الكتاب أن يقول.


ويولي الكتاب اهتمامه الأكبر للمناطق الأوربية التي شهدت اختلاطا دينيا مثل سويسرا وهولندا (كابلان ـ أستاذ التاريخ أمريكي المولد ـ متخصص أساسا في الشئون الهولندية) وفوق ذلك كله الإمارات الألمانية التي قامت على أكتافها الإمبراطورية الرومانية المقدسة التي تبنت ومارست المبدأ القاسي الداعي إلى أن "دين الأرض هو دين مالك الأرض" وهو المبدأ الذي خول لكل حاكم على قطعة من الأرض أن يفرض على أهلها الدين الذي يشاء.


ومن بين الاكتشافات الصادمة التي يقدمها هذا الكتاب هو أن القرن السادس عشر كان أكثر تسامحا في أوربا من الفترة التالية لانتهاء الحروب الدينية بعد قرن من ذلك. فقد كان بوسع البروتستنت في القرن السادس عشر أن يؤدوا صلواتهم خارج جدران المدن الكاثوليكية في أماكن تعرف بالـ آوس لاوف.


لقد مر وقت طويل للغاية على مسيحيي أوربا قبل أن يستعيدوا روح التسامح الديني التي كانت موجودة لديهم ـ ولو بحدود ـ في القرن السادس عشر. وذلك شيء ينبغي أن يبقى في أذهان كل من ينتقدون المتعصبين الإسلاميين اليوم، إذ إنهم بحاجة فقط إلى مزيد من الوقت لكي يستعيدوا بدورهم روح التسامح الديني التي عرفها الإسلام، وعرفتها الإمبراطورية العثمانية من قبل.