الأحد، 27 أكتوبر، 2013

أكوان متوازية

أكوان متوازية

آندرو كرومي







خلافا للمتوقع، بدأ "آندي موراي" بداية قوية في مباراته أمام "روجر فيدرير" في نهائي بطولة ويمبلدن لكرة المضرب سنة 2012، الأمر الذي جعل الكاتب "ماثيو نورمن" يقول في عمود له بصحيفة "ديلي تلجراف" متبعا أسلوب كتّاب الخيال العلمي: "لقد بدا وكأننا انتقلنا إلى واحد من تلك الأكوان الموازية التي ينتقل إليها ’دكتور هو  Doctor Who’ بمنتهى السلاسة". وبعد عام من ذلك، إذا بالعالم البديل يصبح هو العالم الحقيقي، حيث حصل موراي على اللقب جاعلا الصحفيين يستخدمون نفس الصورة مرة أخرى. ففي مقارنة بين موراي والبطل المزدوج "جوناثان ماراي" ـ الذي لا يزال يعيش في شقة بالإيجار ويسوق سيارة فورد فييستا برغم حصوله على لقب جراند سلام ـ كتب صحفي في ديلي ميل يقول "إن الواقع الصادم هو أن البطلين، على اشتراكهما في الولع بكرة المضرب، يعيشان ويعملان في كونين متوازيين".
من أين جاءت فكرة الأكوان المتوازية تلك؟ الخيال العلمي مصدر واضح ولا شك: ففي ستينيات القرن الماضي التقى "كابتن كيرك" بـ "ذاته الأخرى" في حلقة من مسلسل "ستار تريك" بعنوان "المرآة .. المرآة" بينما تخيلت رواية "رجل القلعة الشاهقة" ـ الصادرة لـ "فيليب كيه ديك" سنة 1963 ـ عالما بديلا فيه الولايات المتحدة دمية تتلاعب بها النازية. ومنذ ذلك الحين شاعت الفكرة، طارحة فكرة الطرق المتشعبة في كومديا "الأبواب المنزلقة" التي قدمتها السينما الأمريكية سنة 1998، وفكرة "ماذا لو؟" المرعبة في رواية "فيليب روث  الصادرة سنة 2004 بعنوان "مؤامرة على أمريكا" والتي تصورت انتصار الطيار المعادي للسامية "تشارلز ليندبرج" على روزفلت في انتخابات الرئاسة الأمريكية سنة 1940. ولكن ثمة أيضا حقيقة علمية. ففي عام 1935 طرح "إرفين شرودنجر" تجربته الذهنية الشهيرة عن قطة في صندوق، تتوقف حياتها أو موتها على حدث كمومي، وفي عام 1957 وضع عالم الفيزياء الأمريكي "هيو إيفرت" نظريته المتعلقة بـ "العوالم الكثيرة" التي ذهب فيها إلى أن فتح صندوق شرودنجر يتعلق بانشقاق كونين: في أحدهما القطة حية، وفي الآخر ميتة.
ومؤخرا، بات علماء الفيزياء يقرون بجرأة فكرة العوالم المحتملة أو "الكون المتعدد[1]". فلقد قال "ريتشارد فيينمان" ـ على سبيل المثال ـ إن الضوء عند انتقاله من النقطة ألف إلى النقطة باء يسلك كل الطرق المحتملة، ولكننا لا نرى إلا المسار الأسرع، لأن بقية المسارات يتم إلغاؤها. وفي كتابه "الكون في قشرة جوز"[2] الصادر  سنة 2011، ذهب "ستيفن هاوكن " إلى تأييد فكرة الكون المتعدد معلنا من قبيل الحقائق العلمية أن هناك كونا موازيا حصد فيه "بلايز" كل الميداليات الذهبية في الألعاب الأولمبية. فالكون بالنسبة لهاوكنج نوع من "نادي القمار الهائل" الذي يسلك النرد فيه مسارات شديدة التشعب: نرى واحدا منها، ولكن البقية حقيقية.
***
غير أن المدهش هو أن فكرة الأكوان المتوازية أقدم بكثير من أي من تلك الإشارات، فهي لا تني تظهر في الفلسفة والأدب منذ عصور سحيقة. حتى مفردة "الكون المتعدد" نفسها لها تاريخها. ففي جريدة ترجع إلى عام 1895، أشار [الفيلسوف وعالم النفس الأمريكي] "وليم جيمس" إلى "أكوان التجربة"، وفي مجموعته "وردات إنجليزيات" الصادرة سنة 1899، أضفى الشاعر "فردريك أوردي وارد" على الكلمة ظلا روحيا: "في الحضور والغياب، في المكان والعدم/الآن صخرة الأكوان الجليلة ..."
وفي أقصى ما يصل إليه هذا التاريخ الخفي يوجد ديموقراط Democritus الذي كان يعتقد أن الكون مؤلف من ذرات تتحرك في فراغ لانهائي، وبمرور الوقت تتلاقى هذه الذرات وتفترق وتتلاقى على كل نحو ممكن: فما العالم الذي نراه من حولنا إلا مجرد ترتيب واحد من ترتيبات كثيرة يقينا سوف تظهر. أما إبيقور Epicurus ـ الذي كان يرى أن الذرات في بعض الأحيان تمر بحركة عشوائية مباغتة (يسميها الـ "انحرافة")، فلم يكن المستقبل بالنسبة له مفصلا وفق مبادئ ميكانيكية كما كان في رأي ديموقراط، بل إن مساراته متعددة. كانت الإبيقورية هي المبدأ الذي بقي حتى عهد الرومان، كفسلفة حياة في العموم، لا كنظرية وحسب. حتى لقد احتفى به لوكريتيوس Lucretius في قصيدته De Rerum Natura  [في طبيعة الأشياء] وشيشيرو Cicero في فقرة من الأكاديميا Academica قال فيها:
"ألا تصدق أن عوالم لا حصر لها موجودة فعلا ... وأنه مثلما نحن قريبون في هذه اللحظة من باولي Bauli  ناظرون إلى بوتيولي  Puteoli، فهناك أشخاص لا حصر لهم في الأماكن نفسها بالضبط ولهم نفس أسمائنا، وأمجادنا، وأذهاننا، وأشكالنا، وعصورنا، ويناقشون نفس المواضيع؟".
كان التاريخ ـ بالنسبة للذريين الإبيقوريين ـ سلسلة تصادمات اعتباطية، والعلاقات الإنسانية خاضعة للمادة، أو للصدفة البحتة، لا لإرادة الرب، وما يترتب من نتائج على الأحداث حيثما كانت ومتى كانت كان يمكن أن يكون سواه. وهكذا تكهن ليفي Livy (ولم يكن ذريا لكنه كان مؤمنا بالصدفة) بما كان يمكن أن يكون لو غزا الإسكندر إيطاليا. ولقد اجتنب المؤرخون المسيحيون المتأخرون سيناريوهات "ماذا لو؟" هذه، لما رأوا أن العناية الإلهية هي المبدأ الهادي لمسيرة الشئون البشرية الكبرى. وكما قالها هاملت "هناك سماء تصوغ مصائرنا...".
***

في القرن السابع عشر، قدّم الفيلسوف وعالم الرياضيات "جوتفريد فون لايبنتز" نوعا جديدا من "الكون المتعدد". وكان ما أثار اهتمامه إلى ذلك ودفعه إليه هو الطريقة التي رأى عليها الكثير للغاية من العمليات الطبيعية، فقد رأى أنها "مقامة على التفاؤل بتحقيق أكبر قدر ممكن من الكمال" ـ ففقاعات الصابون تقلل سطحها بأن تكون كروية، وأشعة الضوء تسلك أقصر المسارات في الفراغ. ومن خلال ملاحظته لأعمال يد العناية الإلهية، ذهب لايبنتز إلى أن الرب أقام الكون في كل تفصيلة منه على التفاؤل، ومن هنا كانت فكرة "التفاؤلية optimism" (التي سخر منها فولتير أمرّ السخرية في "كانديد") ، وهي فكرة تذهب إلى أننا نعيش في أفضل العوالم الممكنة. ولتطبيق هذه النظرية على مشكلة سر وجود الشر، أعطى لايبنتز الأمر شكلا تصويريا، فصوَّره على شكل هرم لا نهائي، كثير الغرف، في كل غرفة عالم محتمل. في قمة الهرم يوجد العالم الوحيد الحقيقي الذي نقطنه. وضرب لايبنتز مثالا بالحيوات المحتملة لـ "سكستوس تاركوينيوس" سيء السمعة، متصورا أنه في أغلب الغرف يعيش حيوات فاضلة، لكنه في الغرفة العليا يغتصب لوكريشيا ويكون جزاؤه النفي. فلماذا هذا إذن أفضل العوالم الممكنة؟ لأن نفي تاركوينيوس يفضي إلى تأسيس الجمهورية الرومانية: وبذلك يفضي فعل الشر إلى خير أعظم منه. أو لأن كل شيء له سبب، مثلما يقول متفائلو زماننا حينما يحاولون التوافق مع كارثة.
خلافا لـ ديموقراط (الذي كان ملحدا)، أصر لايبنتز على أن الوجود المحض للعوالم المحتملة إنما هو قائم في عقل الرب الذي يصطفي من بينها واحدا يكون هو الوجود الحق. كون لايبنتز إذن كون يعرضه الرب عرض الشكل المجسم hologram في كل عقل، ويثبته بـ "مبدأ التناغم". وما لهذا الكون من رسوخ إلا بإحسان من الرب وبما جبل عليه الرب من حب للخير: فهو ما كان ليحتال علينا ويحملنا على الاعتقاد بحقيقة عالم زائف. وهو سيناريو سيظل معلقا في انتظار كتّاب يجيئون متأخرين للغاية ليتأملوه في أفلام سوداوية من قبيل "ذي ترومان شو" (من إنتاج 1998) و"المصفوفة" (من إنتاج 1999).
ولقد أعانت قصيدة "مقالة عن الإنسان" المنشورة سنة 1734 لـ "ألكسندر بوب" في دعم تفاؤلية لايبنتز ("يكن ما يكون/لا يكون غير الصواب")، ولا يحدث إلا في القرن التاسع عشر أن نرى عودة جديدة وجادة لظهور فكرة أن العالم قد يكون نتاج الصدفة في نهاية المطاف. فقد تكهن الباحث البريطاني إسحق دزرائيلي (وهو أبو بنيامين رئيس الوزراء فيما بعد) سنة 1823 بأن "يقلب حدث واحد في الغالب مصائر رجال وأمم". وفي مقالة عنوانها "عن تاريخ أحداث لم تقع" (1830) أثنى على مثال ليفي العتيق بتفجيره في التاريخ كثيرا من الـ "ماذا لو؟"، فماذا لو كان كومويل تحالف مع الأسبان، أو كانت بريطانيا مسلمة في ظل سيطرة المشارقة،  فـ "نرتدي العمائم، ونمشط لحانا بدلا من أن نحلقها، ويكون لدينا معمار رائع بدلا من اليوناني".
مقالة دزرائيلي من أولى الأمثلة على جنس "التاريخ البديل" الأدبي الذي سيتبناه من بعد "فيليب كيه ديك" وغيره كثيرون، كرد فعل تدميري في أغلب الحالات على افتراضات النخبة الحاكمة بأنها المخولة بالسلطة. قبل ذلك، أثبتت تقلبات السياسة الفرنسية أنها أرض خصبة لمثل هذه التكهنات التعديلية. ففي كتابه "نابليون وغزو العالم" الصادر سنة 1812 لـ "لوي جيفري"، جاء  الكاتب بالإمبراطور المظفر إلى بريطانيا، في حين أنه ذهب سنة 1854 إلى الهند بحسب "تاريخ ما لم يقع" لـ جوزيف ميري". ولقد قدّم كتاب  Uchronie  الصادر سنة 1867 لـ شارل رينوفييه إعادة كتابة كاملة للتاريخ الأوربي. ولكن الأكثر إثارة على الإطلاق هو "خلود النجوم" الصادر لـ "لوي أوجست بلانك" سنة 1872، والذي قدّم نسخة معدلة من الكون المتعدد الذي قال به ديموقراط، وفي هذه النسخة استُخدمت نظرية القرن التاسع عشر الذرية للمحاججة بأن هناك كواكب حقيقية لها وجودها الفيزيقي وفيها انتصر نابليون في معركة ووترلو.
كان بلانك محرضا ثوريا طول عمره، دخل السجن في ظل كل نظام حكم في حياته. ولقد طالب أعضاء كوميونة باريس بالإفراج عنه ليكون رئيسا لهم، وهو أمر لو حدث ـ فيما قال كارل ماركس ـ لما فشلت الكوميونة. ولكن بلانك كان أشد يسارية حتى من ماركس وشريكه "فريدريك إنجلز" الذي وسمه بالأناركية.
وشأن إنجلز، كان بلانك منغمسا في التكهنات العلمية. وكان قد حصّل قدرا من العلم المعاصر كافيا لتقدير الطبيعة الاحتمالية لاثنتين من كبريات النظريات في زمانه: الديناميكا الحرارية thermodynamics والانتخاب الطبيعي. كما كان يقدر كذلك الارتباط الوثيق بين الأيديولوجية السياسية والتأويل العلمي. ولقد كان ماركس هو الذي قال إن نظرية الانتخاب الطبيعي ـ في جوهرها ـ وصف للرأسمالية ولكن من دون مفهوم الصراع الطبقي. ومن المؤكد أن بلانكو كان يحترم هذه الملاحظة.
لقد درس ماركس في واقع الأمر ذرية ديموقراط ضمن أطروحته للدكتوراه في الفلسفة، ونظريته الخاصة في التاريخ كانت مماثلة لها في الآلية: فصعود البروليتاريا النهائي لا يقل حتمية عن سقوط تفاحة. فالتاريخ تقدم، ولا يمكن له أن يسلك إلا طريقا واحدا، بدفع من الصراع الطبقي. أما بالنسبة لبلانك، فكانت الذرية تدل ضمنيا على كون مختلف، فكما أن هناك كواكب نجحت فيها الثورة، هناك كواكب فشلت فيها، أو هي تفشل في هذه اللحظة. كل لحظة هي فعليا أبد في الفضاء، تتكرر في أماكن مختلفة بكل تنويعة ممكنة. والتقدم التاريخي من ثم وهم، فما هو غير ظاهرة محلية في الكون التعددي الأعظم.
تلك الرؤية البلانكية المنطقية فيما يفترض قد تبدو النظير المتشبه بالعلم لكوابيس كانت تنتاب العقل المثقف في القرن التاسع عشر، من قبيل موت الكون بالحرارة أو انقراض السلالات. ولكنها رؤية استولت لاحقا على عقل الفيلسوف والناقد الأدبي  الألماني فالتر بنيامين.
في عشرينيات القرن العشرين، شرع بنيامين في دراسة لباريس القرن التاسع عشر هي التي ستصبح لاحقا "مشروع أركديا" الذي ظل حتى وفاته في عام 1940 عبارة عن حشد متشظ من الاستشهادات والتعليقات غير منتظم. ومن بين ما في هذا الكتاب مقالة "عن بعض موتيفات بودلير" يعلق فيها بنيامين على تصاعد المقامرة والتكهن بحيث أن كل رمية نرد تمثل بداية جديدة، وعالما جديدا. ويقارن هذا بخط الإنتاج في المصنع، حيث كل مكون فيه جديد تماما، ومطابق تماما في الوقت نفسه للسابق عليه. إن مشغل الآلة يقضي يومه في تكرار لا نهاية له لحركة بدنية بسيطة، ثم يجد تسلية في أن يفعل الشيء نفسه عند آلة القمار. إن العالم المميكن ـ شأن الرأسمالية نفسها ـ عرض ظاهر للأمل دائم التجدد، في حين أن الشيء الذي لا بد أن ينتجه لكي يديم بقاءه هو إحساس بالحاجة دائمة التزايد.
كان الجديد بالفعل ـ بالنسبة لبنيامين ـ في رؤية القرن التاسع عشر للعالم هو "الحشد crowd " أي الجمع الإحصائي. وهو لم يستشهد بديناميكا حرارية ولا بانتخاب طبيعي، بل بقصتين بديلتين: "شرفة ركن ابن العم" (1822) لـ " E T A Hoffmann "، و"رجل الحشد" لإدجار ألن بو، اللتين كانتا تجسيدا دراميا لهذه الرؤية الجديدة في رؤية الجمعي بدلا من الفردي. ومع هذه الرؤية كان ثمة صعود للصدفة كعامل في حياة الناس. ففي القرية لا يلتقي المرء بغريب يغير حياته، أما في المدينة فقد يحدث هذا.
وفي معرض دراساته، اكتشف بنيامين غرام بودلير الاستثنائي بـ بلانك، ولعل تلك هي الطريقة التي جعلت بنيامين في أواخر الثلاثينيات يقرأ  "خلود النجوم"  فيثيره حتى يكتب عنه لزميله الفيلسوف ماكس هوكهيمر Max Horkheimer. تجسد نظرية بلانك ـ فيما يرى بنيامين ـ تسليما مأسوايا لكل شيء قاتَل من أجله الثوريون القدامى ـ تمثل رؤية وجود بورجوازي وقد تزيت بزي كوني فيه عوالم متكررة تكرار السلع الاستهلاكية في الإنتاج الضخم، الأمر الذي يورث السلبية والضجر.
في الوقت نفسه تقريبا، وبمعزل عن بنيامين، قرئ كتاب بلانك في الأرجنتين، والذي قرأه هو خورخي لويس بورخيس، وأعاره لصديقه وزميله الكاتب "أدولفو بيوي كاسارس" الذي استوحى منه قصة قصيرة عنوانها "قطعة أرض سماوية" (1948) وفيها تتحطم طائرة فيجد قائدها نفسه في عالم مواز، وتقوم الحبكة على نسختين من كتاب بلانك في العالمين المتوازيين كل منها مرقمة ترقيما مختلفا.
وبورخس  نفسه يشير إلى بلانك في مقالة له سنة 1936 بعنوان "تاريخ الأبد". يرى بورخس أن رؤية بلانك سماوية، شأن الأرشيف الذي يصفه في قصته القصيرة "مكتبة بابل" (المنشورة سنة 1941) وهو مبنى يضم كل كتاب ممكن وسط نصوصه المولّدة اعتباطا. ما لم يفكر فيه بورخيس في قصته هو كم ملايين السنين الضوئية التي ينبغي لمسافر أن يقطعها وصولا إلى مقدار صفحة جديرة بالقراءة. فمن شأن هذه المكتبة أن تبدو بالنسبة لأي قاطن حقيقي غير مميزة عن الهيولى، ولا يمكن إلا من منظور التأمل الأدبي افتراض وجود أي نوع من النظام هناك. غير أن الكون المتعدد بالنسبة لبنيامين ليس لعبة صالونات ذهنية، بل تأمل شاق للمجتمع الذي يفرز مثل هذه الفكرة.
في مقدمة مقترحة لمشروع أركديا يقارن بنيامين بين كون بلانك المتعدد "وقصيدة "الشيوخ السبعة" (1857) لبودلير التي تتناول سلسلة من سبع رجال هرمين متماثلين وتتخيلهم رجلا واحدا متعددا في "مكان مغمور". هذه، فيما يقول بنيامين، صورة للحداثة ذاتها. والنتيجة المحتومة لاستلاب إنسانية الإنسان بهذه الطريقة هي صعود الفاشية. وفي واحد من مقالاته الأخيرة عن فلسفة التاريخ، يقول بنيامين إنه لكي نفهم الفاشية علينا أن نعرف كيف لنظام قمعي أن يقدم نفسه كل يوم بوصفه حديث النشوء.
وفي ضوء أن الحرب هي نقطة الانشقاق النمطية للتاريخ البديل، فربما يرجع خطر الفاشية إلى الصعود في شيوع قصص العالم الموازي في أربعينيات القرن الماضي، بوصفها في بعض الأحيان مهربا من الواقع، كما في فيلم "حياة رائعة" (1946)، أو بوصفها تحذيرات من بدائل يمكن أن تتحقق بسهولة. في قصة بورخيس القصيرة "تيلون، أوكبار، أوربيس تيرتيوس" (1940) على سبيل المثال، فإن عالما مخترعا يتسبب في انهيار الواقع نفسه. بعد عام من ذلك، عمل بورخيس مجددا على ثيمة  الوقائع [جمع واقع] المنشعبة في قصة جاسوسية حربية عنوانها "حديقة الطرق المنشعبة". وعندما التقى عالم الفيزياء الأمريكي "سيث لويد" ببورخيس في حفل استقبال بكمبردج سنة 1983، سأله إن كان يعرف أن قصته هذه استبقت بشكل مخيف مفهوم هيو إيفرت عن العوالم الكثيرة، قال بورخيس إنه لم يسمع بذلك قط، وقال إنه غير مندهش لأن يتبع علماء الفيزياء الأدب في بعض الأحيان، فهم في نهاية المطاف قراء (للأدب وللتاريخ).
نظريات إيفرت وفيينمان وغيرهما نظريات عالية التقنية، لكن علماء الفيزياء يتطلعون إلى شرحها بلغة عادية تعتمد على نفس المخزون التصويري والاستعاري المشترك، وهذا المخزون موجود منذ وقت طويل. ففكرة فيينمان عن اتخاذ الضوء جميع المسارات الممكنة هي في جوهرها فكرة لايبنتز، فقط مع الاستغناء عن الرب. أما وقد قلنا هذا، بقي أن نقول إن التفاؤلية في يومنا هذا لم تعد اعتقادا بأن كل شيء مخلوق على أفضل نحو ممكن، بل اعتقاد بأن بوسع أي شخص في اليانصيب الكوني أن يكون الرابح، سواء أنت آندي موراي أم مجرد شخص اشترى تذكرة.
لقد حدث بعدما درست الفيزياء النظرية أن عملت في مهنة لا ضرر منها هي كتابة الروايات، في حين توجه كثير من أقراني إلى العمل في التمويل. وانظروا إلى أين ذهب بنا الطريقان. التفاؤلية شيء لا غبار عليه إطلاقا، لولا أن العلماء بحاجة إلى من يذكّرهم بأن "المعلومة" كلمة تحتاج إلى بعض الاعتناء.

نشرت المقالة هنا في 2 سبتمبر 2013 ونشرت الترجمة في جريدة عمان اليوم

آندرو كرومي روائي حاصل على الدكتوراه في الفيزياء، سبق له العمل محررا أدبيا في "سكوتلانتد أون صنداي". أحدث أعماله "المعرفة السرية" (2013)



[1]المقابل الإنجليزي لـ "الكون" كلمة "universe" وتتكون من البادئة uni المأخوذة من un وuni في اللاتينية وتعني "واحد"، وverse وأصلها اللاتيني vorsum أو versum  وهو اسم مأخوذ من فعل في زمن المضارع التام المبني للمجهول بمعنى "الشيء المتدحرج المتغير". والخلاصة أن البادئة uni في universe  تعني الأحادي، بينما البادئة multi في multiverse تعني المتعدد. وعليه رأينا أن تكون "الكون المتعدد" هي ترجمتنا لـ multiverse إلى أن نعلم بترجمة أخرى لا تنطوي على هذه المفارقة: الكون (المفرد) و(المتعدد) في آن! وإن كنا اضطررنا في سياق هذا المقال إلى ترجمتها أحيانا بـ "الأكوان"!
[2] صدرت ترجمته في سلسلة "عالم المعرفة"