الأحد، 20 يناير 2019

هكذا تكلم الشاعر الرئيس


فاتسلاف هافل (1936 – 2011) شاعر وكاتب ومعارض من تشيكوسلوفاكيا، كان آخر رئيس لها قبل تفككها سنة 1992، ثم أول رئيس لجمهورية التشيك حتى عام 2003. في هذه المقتطفات المنشورة في مجلة جورنيكا من يومياته وحواراته نظرة خاطفة على ما يكون من أمر شاعر ومثقف حينما يتولى مقعد الرئاسة فلا يتحرج أن يكشف من عورات وطنه أدعاها للخجل.


هكذا تكلم الشاعر الرئيس:
القصر .. ذهابا وإيابا
فاتسلاف هافل

(20 سبتمبر 1998)
1.     أعلن أنني رجعت من الولايات المتحدة الأمريكية. وأوجِّه الشكر لكل من عملوا في المقاومة المحلية. وبالمثل أوجه الشكر لنا نحن الذين عملنا في المقاومة الخارجية.
2.     يبدو أن زيارة الولايات المتحدة مرَّت بخير. أجد لديّ على الأقل ذكريات رائعة عنها. كانت أكثر اللحظات إجهادا في الأمسية الأخيرة، حينما علمت في اللحظة الأخيرة تماما أن عليّ أن أتكلم بالإنجليزية عبر أكثر قنوات التليفزيون جماهيرية عن الجاز. ففعلت ذلك، وجميع الأمريكيين في البيت الأبيض أوضحوا لي أنهم فهموا ما كنت أقول (...).
(غير مؤرخة ـ 1998)
 (...) أرجع من الولايات المتحدة مرتبكا تماما، وقبل أن أخلد إلى النوم يقول لي العديد من الناس إن بليونا من المشاهدين رأوني على العديد من الشبكات التليفزيونية وإنني بدوت "رائعا". أشكرهم على الإطراء. أوشك أن أنام، وفي تلك اللحظة تسألني السيدة هفرانكوفا Mrs Havránková متى أريد إغلاق المياه عن بيتنا. أقول إنني في اللحظة الراهنة لا أملك رأيا واضحا في الأمر. أفكر قليلا في المسألة وأقرر أن أستدعي السيدة هفرانكوفا فأكتشف أن هاتفي لا يعمل. يأتي السيد سيمنز. ينظر إليه. يقول إنه يعمل. أجرب الهاتف مرة أخرى، ومرة أخرى أجد أنه لا يعمل. (...)
***
ـ حتى يومنا هذا، يؤخذ عليك أنك في زيارتك الأولى في الثاني من يناير 1990، ذهبت إلى كلتا الألمانيتين، فاعتُبرت الرحلة لفتة مجاملة زائدة عن الحد لثاني أقرب محتل لبلدنا. لماذا لم تذهب أولا إلى الولايات المتحدة، فربما كان ذلك ليعتبر في نظر الجميع إشارة واضحة إلى التغيير؟
ـ كان من المستحيل التجهيز لرحلة إلى الولايات المتحدة في ظرف ثلاثة أيام، ولم يحدث ذلك إلا بعد مضي ستة أشهر، فضلا عن أن الأمر ما كان ليخلو من حرج، فالرؤساء التشيكوسلوفاك السابقون دأبوا على تقديم أنفسهم لموسكو أولا، وكان يراد مني أن أظهر أننا مختلفون، من خلال السفر إلى واشنطن؟ لا بدَّ أنكم ترون أن ذلك كان ليبدو أمرا مضحكا إلى حد ما. ولكن هناك أسبابا أخرى لرغبتي في زيارة بعض جيراننا من الدول في البداية. في بولندا كان الرئيس هو الجنرال جاروزيلسكي General Jaruzelski، ومفهوم أنني لم أكن أرغب في البدء به، وفي المجر كان رئيس شيوعي آخر في الخدمة. وفي النمسا كان هناك فولدهايم Waldheim، ومن ثم فحتى لو لم تكن ألمانيا أكبر جارة لنا وصاحبة أطول حدود معنا، فقد كانت في حقيقة الأمر المكان الوحيد الذي يمكنني أن أزوره. مؤكد أنني لم أذهب لزيارة ثاني أقرب محتل لنا أو حتى أحدث محتل لنا (أعني ألمانيا الشرقية)، بل ذهبت بالأحرى لزيارة ألمانيا الغربية الديمقراطية وألمانيا الشرقية المحرَّرة، والألمانيتين الموحّدتين. كنت أرى في تلك الوحدة ـ التي ساندتها طويلا ـ شرطا مسبقا وجوهريا لدمج أوربا كلها، وهو الأمر الذي كنت أؤمن أنه لا بد أن يعقب انهيار الستار الحديدي. كانت من ثم رحلة إلى جارة ديمقراطية مهمة ذات رئيس رائع، رحلة إلى ألمانيا الشرقية التي تشهد تحولات دراماتيكية، تستهدف دعم نقاشاتهم على المائدة المستديرة، وكانت ـ رمزيا ـ رحلة إلى أوربا الموحدة. الشيوعيون في المقام الأول هم الذين انتقدوني في ذلك الوقت، لأن موقفهم القائم على مناهضة ألمانيا ـ مدعوما بالمناهضة العسكرية لسودتينلاند Sudetenism ـ يمثل مكونا أساسيا في برنامجهم. وذلك طبعا أمر يفلح دائما في ظل وجود رأي عام انهمرت عليه رسائلهم الدعائية لسنين. أما أنا فكان هدفي ـ من جملة أهداف كثيرة ـ هو أن أبدأ في تكسير تلك الانحيازات منذ البداية.
ـ متى تخليت عن رؤيتك الطوباوية للسياسة "الجديدة"؟ من الواضح أنك في رحلتك إلى ألمانيا أثرت مع [المستشار الألماني هلموت] كول فكرة تفكيك جميع الأحزاب السياسية وتشكيل حزب أوربي واحد. ما الذي كنت تفكر فيه في ذلك الوقت؟
ـ لو أنك تفكر في أمر بمثل حماقة "رؤية طوباوية لسياسة جديدة" فمن المؤكد أنني لم أضطر قط إلى التخلي عنه، لأنني لم أتبنه من الأصل. وبحق الله، ما الذي يجعل شخصا كافح طول حياته من أجل التعددية السياسية راغبا في تفكيك جميع الأحزاب السياسية؟
ـ اقترحت أيضا بعد ذلك تفكيك الناتو جنبا إلى جنب حلف وارسو.
ـ مسألة ما إذا كان الناتو ـ بعد نهاية الشيوعية وسقوط الستار الحديدي وتفكك حلف وارسو ـ قد فقد علة وجوده كانت مسألة مطروحة للمناقشة منذ ما قبل الثورة بين ساسة اليسار واليمين وأساتذة العلوم السياسية في الغرب، وأيضا بيننا داخل المعارضة. وطرحت فكرة تكوين مجتمع أمني أوروأطلنطي، يضم كامل أوربا لا نصفها، وتكون مهمته مختلفة كل الاختلاف عن حماية العالم من انتشار الشيوعية أو من الصواريخ السوفييتية. غير أنه سرعان ما جاء اليوم الذي انتصر فيه الاقتراح العقلاني بأنه بدلا من تكوين شيء جديد من الصفر يمكن ببساطة تغيير حلف شكال الأطلنطي.
وهذا في واقع الأمر ما يفعله الناتو خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة، والحق أنه اليوم فقط، بعد توسعه الأخير، وبعد تغيير عميق في عقيدته كلها، وفي أفعاله بالدرجة الأساسية، يمكننا القول بأن رؤية تلك الأيام قد أصبحت واقعا. لقد فعلنا الكثير من أجل دعم ذلك التطوير، لذلك كان من المناسب أن تعقد القمة التي قد تعد أهم قمم الناتو منذ توسعه ـ وأعني قمة 2002 ـ هنا في براغ، وهي المدينة نفسها التي شهدت تفكيك حلف وارسو في وقت أسبق. حينما كنت في الولايات المتحدة في فبراير 1990، أجريت حديثا مطولا في الأمر مع الرئيس بوش وساسة آخرين وأشرت إلى الأمر في كلمتي أمام الكونجرس. ولو تأملت تلك الكلمة لرأيت أنني أقول الآن ما قلته آنذاك بلا زيادة تذكر أو نقصان.
***
(واشنطن ـ 26 ابريل 2005)
فكرة أنني كنت أريد تفكيك الناتو هي شيء ظللت أسمعه طوال السنوات الخمس عشرة الماضية. ولا أعرف من أين جاءت. لعل ما يعرف بـ "التماس براغ" (سنة 1985) أو أي وثيقة معارضة أخرى وقّعتها احتوت فكرة إحلال بنية أمنية ديمقراطية موحدة في المستقبل بدلا من الحلفين المتناقضين. وعلى أي حال، أنا لا أرى في الفكرة في حد ذاتها ما يعيب على الإطلاق.
غير أن الأكثر إثارة بكثير من أصل تلك الفكرة هو الإصرار على الزعم بأنني أردت تفكيك الناتو وسياقه الأوسع. فذلك ينبئنا بالكثير عن الظروف التشيكية الراهنة. بعيد الثورة بقليل وتحقق الحرية، نشأ في الحياة العامة نوع شديد الخصوصية من الهوس بمناهضة الشيوعية. بدا أن بعض الناس ـ ممن ظلوا صامتين لسنين، وممن صوتوا طوعا في الانتخابات الشيوعية، ممن لم يفكروا في غير أنفسهم وممن حرصوا ألا يتسببوا لأنفسهم في أي متاعب ـ باتوا الآن يشعرون بحاجة مفاجئة إلى التعويض على نحو لا يخلو من العنف عن مذلتهم السابقة، أو عن إحساسهم أو ارتيابهم بأنهم ربما يبدون ضعفاء. ومن ثم فقد استهدفوا أقل الناس مواجهة لهم بهذا، أي المعارضين. فقد ظلوا يشعرون ـ بلا وعي ـ أن المعارضين هم صوت ضميرهم الميت، هم الدليل الحي على أنك لست مضطرا إلى الانبطاح إذا لم ترغب في الانبطاح.
من المثير أنه في الوقت الذي بدا فيه المعارضون حفنة دونكيشوتية مجنونة، لم يكن بغضهم بالاحتدام الذي آل إليه فيما بعد حينما أثبت التاريخ أنهم كانوا على حق. وذلك كان أكثر مما يمكن احتماله، أو التسامح معه. والمفارقة أنه كلما اتضح أن المعارضين أنفسهم لا يلقون اللوم في أي شيء على أي أحد، بل ولا يظهرون أنفسهم بمظهر القدوة التي يجدر بالآخرين اتباعها، تنامت الخصومة لهم. وفي النهاية بات كثير من مناهضي الشيوعية يعربون عن غضب على المعارضين أكبر من الغضب على ممثلي النظام القديم.
ونشأت من ذلك خرافة غريبة مفادها أن المعارضين "يساريون" وأنهم "نخبويون" (وكيف لامرئ قضى عشر سنوات في جحر أو في سجن  ولم يتعال يوما على أحد أن يعد نخبويا؟) أو أنهم يكنون احتراما ذليلا للمؤسسات الغربية البالية، وما إلى ذلك. ومن ذلك على سبيل المثال الزعم بأنني لم أكن مفتونا بالقدر الكافي بالناتو منذ شبابي وهو زعم ينتمي إلى هذه الذهنية السيكولوجية الأيديولوجية.
وبالمناسبة، هذه الأيديولوجية كشفت الكثير عن نفسها في مقالة أخيرة زعمت أن المعارضين لم يلعبوا دورا خاصا في سقوط الشيوعية لأن من أسقطوا الشيوعية هم المواطنون "الطبيعيون" الذين تحركوا حركة عفوية، أي أنهم أعلوا مصالحهم الخاصة وكأنهم سرقوا مجرد طوبة من موقع بناء. وهذا الخط في التفكير له بطبيعته أصداء لدى جزء كبير من الشعب يراه تأكيدا لاختياره الاختيارات الصحيحة في الحياة: الآن بعد الإباحة نثني على الرأسمالية حتى نرفعها إلى السماء وندين كل من يفكر فيها تفكيرا نقديا، ومن قبل، حين لم يكن ذلك ممكنا، كنا نسير طوعا إلى اللجان لننتخب الشيوعيين ليتسنى لنا في هدوء وسلام أن نعتني بأنفسنا. ومن الذي لا يكف عن تقليب الأوضاع؟ المعارض اليساريّ. إنني سعيد بأن السيد هفيزدالا Mr Hvízd’ala  قد اقترب دونما قصد من موضوع كنت أهيئ نفسي لقول كلمات عنه.  أنا فقط مندهش قليلا من أنه ـ عندما نتكلم عن تفكيك المعاهدات العسكرية ـ لا يسألني كيف فكَّكنا حلف وارسو، فذلك أمر لم يكن بسيطا. ولعلنا سوف نتطرق إلى هذا الموضوع.
***
ـ يقال أيضا إنك عرضت أن تكون وسيطا بين العرب واليهود. يكتب جيري سوك Jirí Suk  أن تفكيرك في ذلك الوقت لم يكن أيديولوجيا بل طوباوي. وتقول ألسن السوء منذ ذلك الحين إن تلك من نذر الغرور الذي بدأ يصيبك. كيف ترى هذه الجهود اليوم بعد قرابة خمسة عشر عاما؟
ـ في عام 1990 كانت الأمور تمضي في سبيل مفاوضات سرية بين الفلسطينيين والإسرائيليين بشأن معاهدة وطريق إلى السلام في الشرق الأوسط. لم أعرض أن أكون وسيطا، ولكنني في محادثات خاصة مع كلا الجانبين أوجزت أسباب شعوري بأن براغ مكان مناسب لأن تجرى فيه تلك المفاوضات. ولو صحت ذاكرتي، فقد دعم كلا الطرفين ذلك التقدير دعما كبيرا. في النهاية أجريت المفاوضات في أوسلو. فخلافا لنظارئهم النرويجيين، لم يشأ الساسة التشيكيون أن يشغلوا أنفسهم بعملية سلام لا تخصهم، وقرروا أننا لا يجب أن نشتبك في ذلك الأمر، لأن تكلفته المالية كبيرة للغاية. (أي تكاليف؟ الفنادق؟) بدا لي ذلك في غاية البؤس.
لو صح أنه توافر لي من الثقة في النفس أكثر مما لديّ اليوم، فقد كان ذلك أمرا طيبا أن فعلته. لقد أمكنني أن أفعل مئات الأشياء التي لا أجرؤ اليوم على محاولة القيام بها. طبعا فشل الكثير من مبادراتي، ولكنني لا أعرف أنني أفسدت شيئا بسبب إفراطي المزعوم في ثقتي بنفسي. يسعدني أن أسمع أن سياساتي لم تكن أيديولوجية. ولا أعرف ماذا أقول في الزعم بأنها كانت طوباوية. لو أنه من الطوباوية أن أوفر لشخص مكانا يتفاوض فيه من أجل السلام، فسأعترف بكل سرور أنني طوباوي.
***
(واشنطن 26 ابريل 2005)
ها نحن من جديد مع موضوع ذهنية الصغار التشيكية. عليك بنفسك، لا تتدخل في شؤون الآخرين، امش جنب الحائط، لا ترفع رأسك ـ نحن قوم تحيط بهم جبال وأعاصير وتهب عليهم من العالم الخارجي فتعصف بالرؤوس، فلنبق هنا ننبش في أفنيتنا الخلفية الصغيرة.
ما أكثر المقالات أو الكتب الحكيمة التي كتبت عن هذا الانكفاء على الذات في طبيعتنا. لقد حدث لصديقي الناقد الأدبي الراحل جان لوباتكا Jan Lopatka  ـ الذي كان مصابا بمرض مزمن ـ أن انهار في عصر أحد الأيام بأحد ميادين براغ المزدحمة. ويبدو أنه بقي على الأرض لساعة أو اثنتين قبل أن يساعده أحد ويتصل بالإسعاف. غالبا ما تعرض لنا اللامبالاة بالآخرين بوصفها برنامجا وطنيا يقبله الكثير من الناس. طبعا ليس الجميع، وطبعا ليس طيلة الوقت، فحتى في أحلك الأوقات كان ثمة تعبير نبيل عن التضامن. لكن ذلك لا يغير من حقيقة أن ذهنية الصغار التشيكية ـ أو الـ cecháckovství بتعبيرالأستاذ فاتسلاف تسيرني Václav Cerny ـ ظاهرة مهمة في الحياة العامة، ومرارا وتكرارا، وبصورة أو بأخرى،  تظل تكشف عن وجهها في حياتنا السياسية كذلك. أقول إنها ليست جزءا من الشخصية الوطنية، بمعنى أن تكون مطبوعة جينيا في طبيعتنا، لكنها بالأحرى مركّب من مناح سلوكية صيغت تاريخيا. لا أعرف متى ظهرت للمرة الأولى، أغلب الظن أن ذلك حدث في وقت ما بعد معركة الجبل الأبيض Battle of the White Mountain  أو في عهد ماريا تريزا Maria Theresa حينما تحول مركز الإمبراطورية من براغ إلى فيينا وعندما لم تعد براغ مدينة أوربية مهمة وصارت بلدة إقليمية. ولعل الطبيعة "الفطرية" لصحوتنا الوطنية لعبت هي الأخرى دورا. ففي نهاية المطاف، من أهم أحداث حياة بطلة رواية "الجدة" Granny لبوزينا نيمتسوفا Bozena Nemcová  ـ التي تعد بمثابة إنجيلنا القومي ـ هي اللحظة التي التقت فيها وهي  في الحقل بالإمبراطور، رمز "الهيمنة الأجنبية" فيعطيها عملة فضية.
في التاريخ التشيكي الحديث، يتكرر موقف يحدث فيه أن ينهض المجتمع إلى لحظة عظيمة ثم يقوم قادته الكبار بمناورة انسحابية، بخطوة تراجع، بتنازل، يستسلمون هنا، يقدمون شيئا هناك، يضحون بهذا أو ذاك، وهم يفعلون ذلك كله ـ بصورة طبيعية ـ للحفاظ على وجود الأمة ذاته. والمجتمع يتألم في البداية ثم سرعان ما يتراجع، و"يفهم" قادته، ويغوص أخيرا في الفتور، أو تصيبه إغماءة فورية. ثم يفيض طوفان الوحل على الحياة العامة، وتستولي على الإعلام حثالة المجتمع، ولا يبقى غير حفنة من المعارضين أو المقاومين تكافح من أجل الحفاظ على استمرارية الروح الحرة والكرامة الإنسانية، وفي مقابل آلامهم تراهم أغلبية الشعب حفنة من المحرضين الذين يسوقون المجتمع كله دونما جدوى إلى التهلكة.
كذلك كان الحال في فترى ما بعد ميونخ، ثم في ما بين 1939 و1945 في أثناء الاحتلال، ثم في خمسينيات القرن العشرين، وأخيرا في عام 1968 بعد الاحتلال السوفييتي. في البداية تسمعون جملا من قبيل "لقد خانونا"، "لقد باعونا"، "لقد تآمروا علينا". ثم تسمع أشياء من قبيل "ليس في أيدينا ما نفعله"، ثم ينتهي ذلك إلى الصراخ بشعارات قومية، وإلقاء خطب عن "مصالح الوطن"، ورضا صامت باضطهاد بعض الأقليات. وذلك هو انتصار ذهنية الصغار التشيكية بأسوأ ما للكلمة من معنى.
من سوء الحظ، أنني استشعرت نفثة من تلك الأجواء في بلدنا عقب انفصاله. يبدو أن اندلاع تلك الإقليمية المريرة، واللامبالاة بالآخرين، والكراهية لكل مختلف في التفكير غالبا ما يسبق تقلصا يعتري الدولة. بعد ميونيخ أخذوا منا سوديتنلاند، ومع انقسام البلد فقدنا سلوفاكيا. حينما تقع مثل تلك الحوادث، تعلو لا محالة دعوة إلى المزيد من فرض التجانس على المجتمع: نتخلص من اليهود، ثم الألمان، ثم البرجوازيين، ثم المعارضين، ثم السلوفاك ـ وعلى من يحين الدور؟ الغجر؟ المثليين؟ جميع الأجانب؟ ومن يتبقى؟ التشيكيون الصغار أنقياء الدم في أفنيتهم الصغيرة.
الأمر لا يقتصر على كون هذا الموقف ـ الذي يتحول في نهاية المطاف إلى سياسة ـ منافيا للطبيعة، بل إنه انتحاري أيضا. اليوم في ظل كوكتيل أيديولوجي شديد التعقيد ومختلف كل الاختلاف تظهر هذه المواقف من جديد. وأوضح تجلياتها هو معاداة الأوربية. وهذه في جوهرها تعبير عن العلاقة نفسها بالعالم. لماذا يجب أن نستشير أي أحد؟ لماذا يجب أن ننصت إلى أي أحد؟ لماذا يجب أن نتقاسم السلطة مع أي أحد؟ لماذا يجب أن نساعد أي أحد؟ فيم مبالاتنا بأعرافهم التقنية (وطبعا النفور من أعرافهم التقنية يخفى نفورا من أعرافهم "الأخلاقية" كذلك). "نحن مكتفون ذاتيا". وما هذا سوى الوجه الجديد لذهنية الصغار التشيكية المعروفة القديمة. ولكنني أحذّر: لن يجرؤ التشيكي ذو الذهنية الصغيرة على الصياح بالشعارات الجريئة ما لم يكن آمنا من الخطر، ولكنه عند مواجهة خصم قوي قاس ينسحب ويتحول في نهاية المطاف إلى عبد. تماما كعضو مجلس الدفاع الذي رفض أن يدعم يلتسين بعد عصيان موسكو المسلح وأرجع سبب ذلك كما قال إلى أنه لا يعرف إلام سينتهي هذا العصيان.
***
ـ ألم تزل ـ مثلما كنت ـ تتشكك في الدور الذي تلعبه الأحزاب السياسية في الديمقراطية؟
ـ رأيي في المسألة لا يزال كما كان دائما. كل ما حدث أنني على مدار السنين ـ لا سيما سنواتي في الرئاسة ـ صقلت آرائي وعدلتها بعض الشيء. أعتقد أن الأحزاب السياسية أداة مهمة للسياسات الديمقراطية، ولكنها ليست شكلها الأكثر تطورا، ولا هي معناها الأكبر. ينبغي أن توفر مكانا يمكن أن يتلاقى فيه الناس، ويصقلوا آراءهم، ويواجهوا آراء الخبراء في السياسة العامة، وتتشكل فيه الشخصيات السياسية وتستجلى فيه جوانب الإرادة السياسية. غير أنها لا ينبغي أن تكون أهم من مؤسسات الدولة الأساسية كالحكومة أو البرلمان. لا ينبغي أن تعلوها مقاما، بل أن تخدمها. لا ينبغي أن تكون أماكن تولد فيها الخوذ الطامحة إلى الاستيلاء على السلطة، أو تكون بنى شبه شرعية شبيهة بالدولة، بل يجب أن تكون قشدة على كعكة ذات بناء ثري من المجتمع المدني، أن تكون مكانا يتغذي من المجتمع ويمنحه في المقابل تعبيرا سياسيا يمكن استعماله بعد ذلك في المنافسة السياسية. والمجتمع المدني الحي وحده هو القادر على نفخ الروح في الأحزاب أيضا، أو القادر بالأحرى على توفير الجذور التي تحصل من خلالها على الغذاء الحيوي. وحينما يهن المجتمع المدني، وحينما تتعرض حياة المنظمات والاتحادات الطوعية للتضييق، فآجلا أو عاجلا سوف تتعرض الأحزاب بدورها للوهن إلى أن تصبح في نهاية المطاف جيتوهات متفسخة لا غاية لها إلا رفع أعضائها إلى مناصب السلطة.
لا ينبغي أن تكون الأحزاب أهم من الحياة العامة. بل يجب ـ على العكس من ذلك ـ أن تكون في خدمتها. الولاء للبلد، أو للخدمة المدنية، أو لمصالح المجتمع، أو لضمير المرء الشخصي، لا بد أن يكون دائما أهم من الولاء للحزب، وإلا فإن الأحزاب لن تنتج إلا نكرات تنطق بلغتها العدائية التي سوف يبغضها الشعب في النهاية. إن للدولة الحزبية ـ أي الحكومة المشكلة من رؤساء الأحزاب ومكاتبها السياسية ـ تراثا عظيما في هذا البلد منذ القرن التاسع عشر، ومن سوء الحظ أن تهديده قائم لنا اليوم أيضا. وفي النهاية نحن على مقربة من وضع يبدأ فيه الناس في الشعور بالخجل من تصويتهم لحزب معين أو من مجرد عضويتهم فيه. ولن يؤدي هذا إلا إلى انهيار الديمقراطية.
وبالمناسبة، لاحظوا أنه كلما ازداد عضو الحزب تعصبا، ازداد شكا في أنني ليس لدي شيء طيب أقوله عن الأحزاب أو أنني لا أريد وجودها من الأساس. في الوقت نفسه، كل ما أريده هو أن تلعب الأحزاب الدور المبدع والمتواضع الذي يجدر بها لعبه، في حدود الديمقراطية البرلمانية. لو فعلت ذلك لن يسخر منها الشعب، بل سيحترمها.

* عن ترجمة بول ويلسن إلى الإنجليزية التي نشرت في العدد 143 ـ يوليو 2018 من مجلة جورنيكا