السبت، ٢١ نوفمبر، ٢٠٠٩

نحب القوائم لأننا لا نريد أن نموت



أمبرتو إيكو، الروائي وأستاذ علم العلامات semiology الإيطالي، والذي يشرف حاليا على معرض يقيمه متحف اللوفر الفرنسي، في حوار مع دير شبيجل الألمانية عن المكانة التي تحتلها القوائم في تاريخ الثقافي، وعن تجنبنا للتفكير في الموت، وعن سر خطورة جوجل على الشباب.

نحب القوائم لأننا لا نريد أن نموت

حوار: سوزان بيار ولوثر جوريس

شبيجل: مستر إيكو، أنت تعد واحدا من الباحثين العظماء في العالم، وأنت الآن تفتح معرضا في اللوفر، وهو واحد من أهم متاحف العالم. المعروضات الموجودة في معرضك عادية، أو تبدو كذلك، إنها الطبيعة الجوهرية للقوائم، الشعراء الذين يروق لهم إعداد قوائم بأشياء في قصائدهم، والرسامون الذين يكدسون الأشياء في لوحاتهم. لماذا اخترت هذه المواد؟

أمبرتو إكو: القائمة هي مصدر الحضارة. هي جزء من تاريخ الفن والأدب. ما الذي تريده الثقافة؟ أن تجعل اللانهائي قابلا للفهم. تريد أيضا أن تخلق نظاما، ليس طوال الوقت، ولكن في أكثر الأوقات. وكيف لنا، ونحن بشر، أن نواجه اللانهائي؟ كيف لامرئ منا أن يحاول إدراك غير القابل للإدراك؟ من خلال القوائم، من خلال الكتالوجات، من خلال مجموعات المتاحف ومن خلال دوائر المعارف والمعاجم. هناك غواية إلى معرفة عدد النساء اللاتي نام معهن دون جيوفاني، وهو 2063 امرأة، أو هذا على الأقل لو صدقنا مؤلف كلمات أوبرا موتسارت ويدعى لورنزو دا بونتي. لدينا أيضا قوائم ذات أغراض عملية تماما، كقوائم التسوق، الوصية، قائمة الطعام، وتلك أيضا منجزات حضارية بطريقتها الخاصة.

شبيجل: هل ينبغي أن نفهم المثقف بوصفه حارسا يحاول فرض النظام على أماكن تسيطر عليها الفوضى؟

إكو: القائمة لا تدمر الثقافة، بل تخلقها. أينما تنظر في التاريخ الثقافي تجد قوائم. وهناك للحق نطاق من القوائم يصيب المرء بالدوار: قوائم القديسين، والجيوش، والنباتات الطبية، أو الكنوز، أو عناوين الكتب. تأملا المجاميع الطبيعية في القرن السادس عشر. رواياتي أنا بالمناسبة حافلة بالقوائم.

شبيجل: المحاسبون يعدون القوائم، ولكنك تجدها كذلك في أعمال هوميروس، وجيمس جويس، وتوماس مان.

إكو: صحيح، ولكنهم بالطبع ليسوا محاسبين. في عوليس، يصف جيمس جويس بطله ليوبولد بلوم وهو يفتح أدراجه ويصف شتى الأشياء التي يجدها بداخلها. هذه في نظري قائمة أدبية، وهي تكشف الكثير عن بلوم. وإليكم هوميروس على سبيل المثال. في الإلياذة، يحاول أن ينقل انطباعا عن حجم الجيش الإغريقي. ففي أول الأمر يلجأ إلى التشبيه في قوله:

شأن غابة جليلة تحترق

على ذروة جبل

فترى نارها من على البعد،

هكذا كان وهج دروعهم إذ يسيرون

يومض في قبة السماء

ولكن ذلك لا يشعره بالرضا. ثم هو لا يجد الاستعارة الملائمة، فيتضرع لربات الشعر أن يكن في عونه. ثم تخطر له فكرة أن يعدد أسماء الكثير والكثير من الجنرالات وسفنهم.

شبيجل: ولكنه إذ يفعل هذا، ألا يحيد عن طريق الشعر؟

إكو: في البداية، نتصور القائمة شيئا بدائيا مطابقا للثقافات الأولى التي لم يكن لديها تصور دقيق للكون فكانت غايتها أن تعد قوائم تسمي فيها الخواص التي يمكنها أن تسميها. ولكن على مدار التاريخ الثقافي بقيت القائمة وعاشت. ولا يمكن بأية حال اعتبارها تعبيرا عن ثقافات بدائية. لقد كانت هناك في العصور الوسطى صورة بالغة الوضوح للكون، وكانت هناك قوائم. وفي عصر النهضة والباروك تأسست رؤية جديدة للعالم على أساس علم الفلك. وكانت هناك قوائم. والقائمة بالقطع موجودة في العصر ما بعد الحداثي. إن لها سحرا لا يقاوم.

شبيجل: ولكن لماذا يعدد هوميروس كل أولئك المقاتلين وسفنهم إذا كان يعرف أنه لا يستطيع أن يسميهم جميعا؟

إكو: شعر هوميروس لا يني يحاول محاكاة غير القابل للوصف. وسوف يظل الناس يفعلون هذا. فقد كنا ولا نزال مفتونين أمام الفضاء اللانهائي، والنجوم اللامنتهية والمجرات تلو المجرات. كيف يكون شعور المرء إذ ينظر إلى السماء؟ ألا يشعر أنه لا يملك من الألسن ما يكفي لوصف ما يراه؟ ومع ذلك، لم يتوقف الناس قط عن محاولة وصف السماء، وكل ما يفعلونه أنهم يعدون قوائم بما يرون.

العشاق أيضا في نفس الموقف. فهم يشعرون بعجز لغوي، بنقص في الكلمات اللازمة للتعبير عن مشاعرهم. ولكن هل توقف العشاق يوما عن محاولة القيام بذلك؟ بل يخلقون قوائم: عيناك بالغتا الجمال، ومثلهما فمك، وترقوتك ... ويمكن للمرء أن يمضي إلى المزيد والمزيد من التفصيل.

شبيجل: ما الذي يجعلنا نضيع كل هذا الوقت في محاولة إكمال أشياء هي واقعيا لا يمكن أن تكتمل؟

إكو: لنا حد، وهذا محبط جدا، حد الإنسان: الموت. وذلك ما يجعلنا نحب كل الأشياء التي نفترض أنها بلا حدود، ومن ثم بلا نهاية. إنها وسيلة للهروب من التفكير في الموت. نحن نحب القوائم لأننا لا نريد أن نموت.

شبيجل: في معرضك بمتحف اللوفر، سوف تعرض أعمالا مستمدة من الفنون البصرية، كلوحات الطبيعة الصامتة. ولكن لهذه اللوحات أطرا، أي حدودا، ولا يمكنها أن تصور أكثر مما تصوره.

إكو: بالعكس، بل إن السبب الذي يجعلنا نحب هذه اللوحات كثيرا هو اعتقادنا بأننا قادرون على أن نرى فيها ما هو أكثر. فالشخص إذ يتأمل اللوحة يشعر بحاجة إلى فتح الإطار ورؤية كيف يمكن للأشياء أن تبدو إلى يسار اللوحة أو إلى يمينها. هذا النمط من الرسم شبيه تماما بالقائمة، كسر للانهائي.

شبيجل: ما الذي يجعل هذه القوائم تحتل لديك كل هذه الأهمية؟

إكو: اتصل بي العاملون في اللوفر وسألوني إن كنت أحب أن أقيم معرضا هناك، وطلبوا مني إعداد برنامج بالفعاليات. وكانت مجرد فكرة العمل في متحف تأسرني. ومؤخرا كنت هناك وحدي، وشعرت كما لو أنني شخصية في رواية لدان براون. كان ثمة شعوران بالخوف وبالبهجة في آن واحد. أدركت على الفور أن المعرض الذي سوف أقيمه سيركز على القوائم. ماالذي يجعلني أهتم إلى هذه الدرجة بهذا الموضوع؟ لا أعتقد أن لدي إجابة واضحة. أنا أحب القوائم لنفس السبب الذي يحب الناس من أجله كرة القدم أو الأطفال. الناس أمزجة.

شبيجل: ولكنك مشهور بالقدرة على تفسير أهوائك ...

إكو: ولكني لست مشهورا بالقدرة على الحديث عن نفسي. شوفوا، منذ أيام أرسطو ونحن نحاول تعريف الأشياء بناء على جوهرها. ما تعريف الإنسان؟ حيوان يتصرف بطريقة مقصودة. لقد قضى علماء الطبيعة ثمانين عاما في محاولة لتعريف حيوان البلاتيبوس (أو منقار البطة) platypus. فقد عانوا الأمرين في وصف جوهر هذا الحيوان. فهو يعيش تحت الماء، وعلى البر، وهو يبيض، ومع ذلك هو حيوان. فكيف جاء تعريفهم؟ جاء على شكل قائمة، قائمة خواص.

شبيجل: بالقطع سوف يكون التعريف ممكنا مع حيوان أكثر تقليدية.

إكو: ربما، ولكن هل هذا سيثير اهتمام الحيوان؟ فكروا في نمر، والعلم يصف النمر بأنه حيوان مفترس. كيف يمكن لأم أن تصف نمرا لطفلها؟ ربما تفعل ذلك من خلال قائمة خواص: النمر قط كبير أصفر مخطط وقوي. الكيميائيون فقط يمكن أن يشيروا إلى الماء باعتباره H2O أما أنا فأقول إنه سائل شفاف نشربه ويمكن أن نغتسل به. والآن بوسعكما أن تفهما ما أتكلم عنه. القائمة هي علامة على تقدم المجتمع وتطوره، لأن القائمة هي ما يتيح لنا أن نسائل التعريفات الجوهرية للأشياء. التعريف القائم على الجوهر بدائي بالمقارنة مع القائمة.

شبيجل: تبدو كأنك تقول إن علينا أن نكف عن تعريف الأشياء، وأن التقدم يعني ـ بدلا من ذلك ـ أن نعد الأشياء ونسجلها في قوائم

إكو: قد يكون هذا محرِّرا. لقد كان الباروك عصر قوائم. فجأة، صارت التعريفات المدرسية التي صيغت في الحقب السابقة غير صالحة. أخذ الناس يحاولون النظر إلى العالم من منظور مختلف. وصف جاليليو تفاصيل عن القمر. وفي الفن، تحطمت فعليا كل التعريفات المستقرة، واتسع نطاق المواضيع اتساعا هائلا. أنا على سبيل المثال أرى لوحات الباروك الهولندي بوصفها قوائم: لوحات الطبيعة الصامتة بكل تلك الثمار وصور خزانات التحف الثمينة. يمكن للقوائم أن تكون فوضوية.

شبيجل: ولكنك سبق أن قلت إن بوسع القوائم أن تؤسس نظاما. هي إذن تنطبق على النظام والفوضى؟ هذا يجعل من الإنترنت والقوائم التي يخلقها لك محرك جوجل البحثي مثالية بالنسبة لك.

إكو: صحيح، في حالة جوجل، كلا الأمرين يلتقيان. جوجل يعد قائمة، ولكن في اللحظة التي أنظر فيها إلى قائمتي التي أعدها جوجل، تكون القائمة تغيرت بالفعل. هذه القوائم قد تنطوي على خطر، لا على العجائز من أمثالي الذي حصلوا معارفهم بطريقة أخرى، وإنما على الشباب، الذين قد يكون لهم جوجل مأساة. على المدارس أن تعلم فن الانتقاء الرفيع، أن تعلم المرء كيف يميِّز.

شبيجل: هل تقول إن على المعلمين أن يبينوا للطلبة الفارق بين الجيد والرديء؟ لو أن الأمر كذلك، فكيف لهم أن يفعلوه؟

إكو: على التعليم أن يعود إلى الطريقة التي كانت متبعة في ورش عصر النهضة. فهناك لم يكن الأساتذة بالضرورة قادرين أن يشرحوا لطلبتهم سر جودة لوحة ما بطريقة نظرية، ولكنهم كانوا يفعلون ذلك بأساليب أكثر عملية. انظروا، هكذا يمكن أن يكون شكل إصبعك، وهكذا ينبغي أن يكون شكل إصبعك. انظروا، هنا مزج جيد للألوان. مثل هذا النهج ينبغي اتباعه في المدارس عند التعامل مع الإنترنت. على المدرس أن يقول: "اختاروا أي موضوع قديم، ليكن التاريخ الألماني أو حياة النمل. وابحثوا عنه في خمس وعشرين صفحة إنترنت، وبالمقارنة بينها، حاولوا تبين أي الصفحات يقدم المعلومات الجيدة". لو أن هناك عشر صفحات تقدم نفس الوصف، فهذا مؤشر على أن المعلومات الواردة فيها صحيحة. ولكنها قد تكون أيضا علامة على أن بعضها ينسخ عن بعض.

شبيجل: أنت نفسك أميل إلى العمل من خلال الكتب، ولديك مكتبة فيها نحو ثلاثين ألف مجلد. ومن المحتمل أنك لا تعمل فيها بغير قائمة أو كتالوج.

إكو: أخشى أنها وصلت الآن إلى خمسين ألف كتاب. وحين أرادت سكرتيرتي عمل كتالوج لها، طلبت منها ألا تفعل. فاهتماماتي تتغير طوال الوقت، وكذلك مكتبتي. وبالمناسبة، إذا كنت تغير اهتماتك طول الوقت، فسوف تظل مكتبتك طوال الوقت تقول عنك شيئا مختلفا. علاوة على ذلك، وبدون وجود كتالوج، أكون مدفوعا إلى تذكر كتبي. عندي ممر للأدب طوله سبعون مترا. أسير فيه عدة مرات في اليوم الواحد، وأشعر بارتياح حينما أفعل ذلك. الثقافة ليست أن تعرف متى مات نابليون. الثقافة تعني كيف أعثر على هذه المعلومة في دقيقتين. طبعا يمكن أن أعرف هذه المعلومة في أيامنا هذه من خلال الإنترنت في أقل من دقيقتين بدهور. ولكن، وكما سبق وقلت، في حالة الإنترنت، من يثق؟

شبيجل: تورد في كتابك الجديد "دوار القوائم" The Vertigo of Lists قائمة لطيفة من إعداد الفيلسوف الفرنسي رولان بارت، يورد فيها الأشياء التي يحبها والأشياء التي لا يحبها. يحب السلاطة والقرفة والجبن والتوابل. لا يحب راكبي الدراجات، والنساء في السراويل الطويلة، وزهور الغرنوقي، والفراولة، والبيانو القيثاري harpsichord. ماذا عنك؟

إكو: سأكون أحمق لو أجبت هذا السؤال، ففي هذا تقييد لنفسي. لقد كنت مفتونا بستندال في الثالثة عشرة، وبتوماس مان في الخامسة عشرة، وفي السادسة عشرة أحببت شوبان. ثم قضيت بقية عمري في التعرف إلى الباقين. الآن، شوبان يعود مرة أخرى ليحتل القمة. إذا كنت تتفاعل مع الأشياء في حياتك، فكل شيء يظل طوال الوقت في حالة تغير. وإذا لم يتغير شيء، فأنت أحمق.

نشر اليوم 22 نوفمبر 2009 في ملحق قراءات

الخميس، ١٧ سبتمبر، ٢٠٠٩

من عن الاستطيقا

من عن الاستطيقا
كينيث كوك

استطيقا التمشية

تضع
قدما
أمام
القدم
الأخرى

استطيقا أن تكون طائرا

تأكل برعونة
بفم نصف مغلق
بينما آخر يتكلم
أو يشخص
لكنك
لا تبالي.
وتنتهي من الأكل
فتطير
وتغني
أغنيات برتغالية
لو أحببت

استطيقا فكتور هوجو

ضع الشاعر في الوديان
ضع الشاعر في التلال
وأعلم التلال والوديان
أن الشاعر هناك.

استطيقا خلق النور

ضع يدا
قرب مفتاح النور
وباليد الأخرى
تحسس الجدار.

استطيقا النزهة العائلية

خذي سلة
من الطعام والشراب
وطفلين
(في الخامسة والثالثة)
وزوجا يعمل رساما
إلى أقرب موضع ممكن
من البحر.

استطيقا الوقوف

ضع قدما
على الأرض
بينما الأخرى تكون
بجانبها بالضبط.
ثم قف.

استطيقا القسوة مع الحصان

لا ينبغي أبدا أن تقسو على حصان.
الحصان دائما يبذل أقصى جهده.
وإلا فهو حصان رديء
والقسوة معه بلا طائل.

استطيقا صعود السلم

مع سجادة في المنتصف
مع أصحاب
مع يقين الحب

آه يا أصحاب
آه يا يقين الحب

استطيقا المسرح الطليعي

اجعل الخشبة تمثل
اجعل الممثل يخشب

استطيقا الاستيقاظ

افتح عينا
بعد الآخرى
وق همسا
"مع السلامة أيها اللاوعي"

استطيقا الليل الإغريقي

في الليل الإغريقي
لا يبقى تمثالا
أبولو وأثينا أبيضين
يتلونان
بألوان كثيرة هي التي
كانت عليهما
قبل آلاف السنين.

استطيقا أفلاطون

لا بد أن هناك ما هو أجمل
مما نراه.
وإلا لرأيناه.

استطيقا أن تكون كرة بيسبول

اذهب بأقصى سرعة
في أي اتجاه

استطيقا السوريالية

أن تجد للمحال
نهدين

استطيقا أن تكون طريقا

(في مديح ريلكه)

مر وقتٌ منذ أن كنت حارةً
وها أنت تكبر الآن عن شارع
ولست طريقا سريعا إلى الآن.
حِذرٌ أنت إنما
في حذر
تفكر كيف هو الحال
إن أنت صرت أعرض
أطول
وأقل امتلاء بالشجر.

استطيقا الشعر والنثر

نصح تشيخوف بونين
ألا يكتب ما لم يكن
باردا مثل قطعة ثلج.
كتب كيتس إلى شيلي
"أنا حمى نفسي"

استطيقا الصمت

ليس الصمت كل شيء ولكن
هو النصف من كل شيء.
تماما كالبيت.

استطيقا المدفع

وجودك قرب مدفعٍ
وهو يطلق القذيفةَ
متعةٌ لا تضاهيها
كما قال ستندال
إلا كتابتك لشيء
لم يقله من قبلك قائل.

استطيقا وداع صديق

سِر وإياه
إلى حيث يستقل تاكسي
وقل وداعا
فإن كان يرتدي معطفا
فهي تربيته على كتفه
وإن لم يكن
فصافحه

استطيقا الموت

حين يرى المرء امرأة جميلة
فله أن يفترض أن في مكان ما
(كما يقول ستندال)
رجلا سعيدا.
حين يرى المرء جنازة مقبضة
فله أن يفترض أن في مكان ما
رجلا أو امرأة وسؤالا
عن جدوى الحياة.
اجمعوا الاثنين: المرأة الجميلة والجنازة المقبضة
فماذا يكون لديكم؟
موت كليوباترا
ومأتمها.

استطيقا الحجر

يأخذ الآلهة حجرا
يحيلونه رجالا ونساء.
يأخذ الرجال والنساء آلهة
يحيلونهم حجرا.
كينيث كوك، شاعر أمريكي ينتمي إلى ما يعرف بـ "مدرسة نيويورك"، عاش كوك حياة أدبية امتدت نحو خمسين عاما، وأثمرت ثلاثين كتابا شعريا على الأقل، وقد جمع في شعره ـ بحسب نعي نيويورك تايمز له في صباح السابع من يوليو لعام 2002 ـ "تهكم ممثل كوميدي، ونزق فنان سوريالي، وحكمة جندي في حرب مقدسة". النصوص المنشورة هنا مأخوذة من كتاب الأعمال الشعرية الكاملة لكوك والصادر بعد وفاته.
عن ملحق شرفات ـ جريدة عمان ـ عدد 16 سبتمبر 2009

السبت، ٨ أغسطس، ٢٠٠٩

فييتنام



فسوافا شمبورسكا


"ما اسمك يا امرأة؟" "لا أعرف"


"كم عمرك؟ من أين أنت؟" "لا أعرف"


"لماذا حفرت هذا المخبأ" "لا أعرف"


"منذ متى وأنت مختفية هنا؟" "لا أعرف"


"لماذا عضضتِ إصبعي؟" "لا أعرف"


"ألا تعرفين أننا لن نمسسك بأذى؟" "لا أعرف"


"في أي جانب أنت؟""لا أعرف"


"هذه حرب، وعليك أن تختاري" "لا أعرف"


"هل لا تزال قريتك موجودة؟" "لا أعرف"


"هل هؤلاء أبناؤك؟" "نعم"


عن قراءات في 9 أغسطس 2009

عن الجبال البعيدة تعكسها عين حشرة

في عام 2004، صدر في الولايات المتحدة كتابٌ صغيرُ القطع لا تكاد صفحاته تتجاوز المائتين، بعنوان "شعر الزِّن". والزن هو مذهب من البوذية أو تفريعة منها، أو هو كما يقول مؤلفا الكتاب ومترجما قصائده ـ الشاعران الأمريكيان سام هامِل و جيه بي سيتن ـ "طَبْعٌ لا فكر، وخبرة لا علم".

يركز نصف الكتاب تقريبا على شعر رهبان الزن الصينيين، موردا مختارات من شعراء كبار (مثل لاي بو، و تو فو وغيرهما ممن لم تمسسهم الترجمة إلى العربية إلا لماما للأسف). ويتناول نصف الكتاب الآخر نماذج من شعر الزن الياباني. ويستأثر ـ بطبيعة الحال ـ على الشطر الأكبر من القسم الياباني الشاعر إيسا؛ لما له من مكانة في الشعر الياباني بعامة، وليس شعر الهايكو (والهايكو قالب من الشعر يتألف من سبعة عشر مقطعا صوتيا تتوزع على ثلاثة سطور ويخضع لعدد آخر من القواعد الشكلية، وكان إيسا ثالث ثلاثة من أهم مؤسسيه. الآخران هما باشو و بيسون) أو شعر الزن على وجه التخصيص.


واحد شاي


إيسا تعني "واحد شاي"، وإيسا هو الاسم الذي نحته لنفسه كُوبَايَاشي تاتارو حين بدأ كتابة الهايكو من لفظتين يابانيتيين إحداهما "إيتشي" بمعنى واحد والأخرى "تشا" بمعني شاي. وبرغم هذا الحضور الطاغي للشين في الكلمتين إلا أنه يختفي في الاسم النهائي.

ولد إيسا في قرية كاشِيوَابَرا نحو عام 1763 وعاش حياة شديدة البؤس إلى أن مات في عام 1827. عاش حياة وحيدة شقية؛ ففي الثانية من عمره ماتت أمه، وبدأ يعيش في كنف أقارب له. يقول إيسا:


تعال نلعب معا

أيها العصفور ـ

يا يتيم الأم


في الثالثة عشرة من عمره طرده والده، فنزح إلى إِيدُو، وهي المدينة التي نعرفها اليوم باسم طوكيو، وفيها عاش أحد عشر عاما لا تذكر المصادر ـ المتاحة بين يدي على الأقل ـ شيئا عنها، وفي الرابعة والعشرين من عمره بدأ يكتب الشعر. ثم عاد وقد بلغ من العمر ثمانية وثلاثين عاما إلى قريته، آملا أن يعيش في كنف أهله ومعيتهم، لكنهم رفضوه، ومع ذلك ظل يحاول معهم حتى بلغ التاسعة والأربعين ففقد الأمل تماما، وهجر قريته.


في قريتي

مادا يدي ـ

وردةٌ يحيطها الشوك


وعاد إلى القرية وهو في الخمسين ليتزوج وينجب خمسة أطفال، ماتوا جميعا في حياته، فكتب في موت آخرهم وكانت طفلة صغيرة:


دنيا الندى

دنيا الندى

وأيضا .. وأيضا


في الرابعة والستين من عمره احترق بيته. فصار شيخا بلا مأوى، ينكره أقاربه، بلا أطفال ولا زوجة، فقد ماتت الزوجات الثلاثة اللاتي تزوجهن، فانتقل ليعيش في مخزن يخص أحد أصحابه وهنالك مات.

في كتابهما "شعر الزن" يورد سام هامِل و جيه بي سيتن مقتطفات لإيسا من كتاب عنوانه ربيع حياتي، ومختارات له من الهايكو:

ربيع حياتي

مرتديا لم أزل غبارَ هذه الدنيا الشقية، أحتفل على طريقتي بأول أيام العام، فلا أبدو إلا ككاهن، فأنا أيضا أتحاشى التهاني الموسمية المبتذلة الشائعة بين الناس. لن تقوم لصنوبرةِ أول العام قائمةٌ على باب بيتي. بل ولن أكنس بيتي المترب، سأعيش فيه، في كوخي الضيق هذا، كما أنا، مهددا في كل لحظة بانهياره إن اشتدت رياح الشمال. لك يا بوذا أوكِلُ الأمرَ كله، تماما كما في القصة القديمة.

قد يكون الطريق أمامي خطيرا، متحدرا كتلك الدروب الجليدية المحلقة في أعالي الجبال. ومع ذلك، أقول، وأنا على حالي، مَرحبا، للعام الجديد.

تهاني بداية العام:

أشعر أن شيئا لم يطرأ عليَّ

وأنا أرحب بربيعي.

***

ظلال براعم الكرز ـ

ما من أحد الآن

يعد غريبا.

***

كتبت هذه الهايكو يوم وفاة بوذا

15 مارس 1819

راقدا مثل بوذا

في عزلة وسكون ـ

الزهور فقط تخدش عزلتي

***

حتى وهو نائم

بوذا مبتسما يتقبل

الزهر والنقود

***

أثناء التأمل:

يبادلني الشخوصَ

بوجه قَبَّحه اليقينْ

ضفدعُ البركة الهرم

***

حكى لي الكثيرون عن أشخاص بلغت مسامعهم موسيقى سماويةٌ تتردد في الثانية من صباح أول أيام العام. بل إنهم قالوا إن هؤلاء الناس يسمعونها منذ ذلك اليوم كلما مرت ثمانية أيام، ووصفوا بالضبط متى وأين حدث أن سمعوا ذلك كل مرة.

أناس سخروا من الأمر وقالوا خدعة من الريح، ولكني عزفت عن قبول القصة أو رفضها بغير دليل. السماء والأرض حافلتان بالأسرار. وليس بيننا من يجهل قصص البنات الراقصات اللاتي يصببن ندى الصبح من فوقنا. فلعل الأرواح التي ترقبنا من ممرات السماء، رأت العالم غارقا في السلام، فدعت الموسيقى إلى الابتهاج. ولعلنا، نحن الذين عجزنا عن الاستماع إليها، قد أصمَّنا شقاؤنا.

دعوت بضعة أصدقاء لزيارة كوخي في صباح التاسع عشر من مارس، وقضينا الليل كله ننصت، وعندما ظهر في الشرق أول شعاع من النور، لم نكن سمعنا أي شيء. وبغتة بلغنا صوت غناء من شجرة الخوخ بالقرب من شباكي.

إنها قُبَّرة الشجرة

تنشد أغنية اللوتس

للدنيا الشقية

***

أولى بطيخات العام

يشدُّها شدًّا إلى صدره

هذا الطفلُ النائم

***

طنين يدوي قرب أذني ـ

هذه الناموسة تعرف حتما

أني كبرت

***

ظل هذا في ذهني طويلا، أحاول أن أجد سبيلا لقوله:

حتى الناموس

في القرية التي ولدت فيها

يمتص في كل لسعة دما

***

عندما انحنيت لبوذا

هب من الشباك

سربُ ناموس جائع

***

بيتي فقير جدا

حتى الذباب

يعيش عائلات صغيرة

***

مستلقين في أسِرَّتنا المعلقة

تكلمنا بإجلال عظيم

عن الرعد البعيد، والمطر البعيد

***

كتب توشيوري:

مستسلما لغواية الأغصان المدلاة لاصطياده،

يُقبل السمك ولا حيلة له.

هكذا البشر منساقون

لغواية المجهول.

***

كتب كوسيتسو:

أود لو أصفع هذه الذبابة

الواقفة على الوجه الجميل

لابن زوجتي الصغير.

***

غالبا ما يقال إن أعظم الملذات هو الذي ينتج عن أعظم الشقاء. ولكن ما الذي يجعل طفلتي الصغيرة، التي لم تتح لها فرصة أن تتذوق ولو نصف ملذات العالم، والتي ينبغي أن تكون خضراء كأوراق الصنوبرة الأبدية، لماذا نجدها في فراش الموت، وقد انتفخ وجهها ببثور سببها إلهُ الجدري الخسيسُ؟ وكيف يتأتى لي أنا أباها أن أقف بجوارها لأراها تشحب يوما بعد يوم وكأنها الزهرة المثلى وقد أتلفها على حين غرة المطرُ والوحل؟

بعد يومين أو ثلاثة تجف بثورها فتصير بقعا صلبة تتساقط كأنها قاذورات أزاحها ذوبان الجليد. في حماسة، صنعنا زورقا صغيرا من القش وصببنا عليه شرابا ساخنا ونحن نتلو الصلوات ثم أرسلناه طافيا على النهر راجين رضا إله الجدري. وخاب الرجاء والسعي وباتت يوما بعد يوم تزداد وهنا. وأخيرا، انتصف الصيف، وبينما كانت زهور الصباح البهية تأفل، كانت تغمض عينيها إلى الأبد.

تشبثت أمها بجسمها البارد وجعلت تنتحب. كنت أعلم بفجيعتها وأعلم أيضا بلاجدوى الدموع، وأن الماء الذي يعبر أسفل الجسر لا رجوع له، وأن الزهور إن تساقطت بتلاتها فقد ذوت إلى الأبد. وبرغم ذلك ما كان بيدي ان أفعل شيئا يقطع رباط الحب البشري.

دنيا الندى

دنيا الندى

وأيضا .. وأيضا ..

***

في مجموعة كلاسيكية من أحجيات الزن التأملية عنوانها "ميومونكان Mumonkan" كُتب هذا:

يأتي ولا يحرك قدما.

يُعلِّم ولا يحرك لسانا.

لكن تذكر وأنت على الدرب

أن ثمة دائما واحدا تتبعه.

***

في متجر ملحق بالمعبد:

بابتسامته الجليلة،

يشير بوذا برقة إلى

دودة منتنة

***

في زيارة لقبر ابنتي في الخامس والعشرين من يوليو، بعد شهر على وفاتها

الزهرة الحمراء التي

طالما وددتِ لو تقطفينها ـ

رياح الخريف.

***

• متظاهرا بالحكمة

رجل يخبر امرأة بكل شيء

عن الخسوف


• حول بيتي من كل صوب،

كانت ضفادع البركة منذ البداية

تغني الهِرَم.


• بوذا بجانب حقل،

يتدلى من أنفه

خيطٌ طويل من الجليد


• ذبابة شتاء

أمسكتها وأخيرا تركتها،

أكلتها القطة


• هذه الدنيا الشقية:

سوف تطلع الزهور ولكن

مع هذا


• هنا في شينانون

أقمار شهيرة، وتماثيل لبوذا

وأوراق سندياننا الطيبة


• الجبال البعيدة

منعكسة على عين

حشرة


• الكلب الهرم منصت

كأنما لأغنيات الديدان

أثناء العمل


• لا تقتل الذبابة المسكينة!

انظر كيف تنكمش

وتهز يديها تسترحمك


• من فوق أنف بوذا العظيم

ينزلق السنونو

في جذل


• عالم من ندى

وفي كل قطرة ندى

عالم من صراع


• وسط هذا العالم

نمشي على سطح الجحيم محملقين

في الزهور


• دنيا المساعي

وحينما ينبت الكرز

ينبت


• بعد قيلولة طويلة

يتثاءب القط وينهض ويغادر

بحثا عن الحب


• هناك عزلة بالفعل

مغروسة مع كل بذرة

في تربة الصبح البهية.


• في أوائل مطر الربيع

البط الذي لم يؤكل

يصيح في جذل


مختارات أخرى من هايكو إيسا*

• يقبل العام الجديد

وبدلا من براعم البرقوق

يعصف الثلج.


• من البحيرة باتجاه السماء

تندفع القمم الجبلية

مكللة بالغيوم


• رجل، رجل واحد

فراشة، فراشة واحدة

في قاعة استقبال ضخمة.


• فراشة كبيرة:

هنا، هناك، هنا، هناك،

قبل أن تختفي.


• يهطل سيل البراعم،

عاريا أمتطي

فرسا عاريا


• ما أجمله من مشهد:

من ثقب الشباك الورقي،

المجرة.


• زوجتي الشكاءة ..

ليتها كانت هنا!

ليلة مقمرة


• في البيت القديم

الذي هجرته،

تزهر الآن شجرة كرز.


• عند قدمي بالضبط،

وأنت متى وصلت

أيها الحلزون؟


• اغتسال بعد المولد

اغتسال قبل الدفن

كل هذا هراء


* لم ترد في كتاب "شعر الزن"


عنوان الكتاب: شعر الزن

ترجمة وتحرير: سام هاميل و جيه بي سيتن

الناشر: شامبهالا

عدد الصفحات: 160

اللغة: الإنجليزية

السعر: 10 دولار تقريبا على أمازون

تطور الدين

طرحت صحيفة لوس آنجلس تايمز سؤالا على اثنين من الباحثين المعنيين بالدين: ما رأيك في النظرية التي ترى أن الإيمان الديني نشأ بفعل التطور؟ فيما يلي الإجابتان، إجابة ترى أن التطور البشري هو الذي اخترع الدين والإيمان، وأخرى ترى أن التطور البشري أهلنا لتقبل الدين

الإنسان المتدين

مايكل شيرمر

هل تطور البشر حتى أصبحوا متدينين فآمنوا بالرب؟ بشكل عام، نعم، هذا ما فعلناه. وإليكم ما حدث.

في قديم الزمان، وفي بيئة بعيدة كل البعد عن عالمنا المعاصر، تطور البشر إلى درجة جعلتهم يرون في الطبيعة أنماطا ذات معنى يمكنها أن تعينهم على فهم العالم، فأحالوا هذه الأنماط على عناصر واعية، جاعلين بعضها أرواحا وبعضها آلهة. وبوصفنا سلالة من الرئيسيات الاجتماعية، فقد طورنا أيضا نظما اجتماعية بهدف تعزيز تماسك الجماعة وتأكيد القواعد الأخلاقية.

يؤمن الناس بالرب لكونهم سلالة من الرئيسيات الباحثة عن الأنماط. نحن نربط بين ألف وباء وجيم، فتكون ألف مرتبطة فعلا بباء، وتكون باء مرتبطة فعلا بجيم، وهذا ما نسميه بالتعلم الاتحادي، ولكننا لا نملك في مخنا وسيلة تحقق من الأنماط الزائفة تساعدنا على التفرقة بين الأنماط الحقيقية والأنماط المزيفة، وذلك سر ارتكابنا أخطاء في التفكير. النموذج 1 للخطأ هو الإيمان بأن نمطا ما حقيقي في حين لا يكون كذلك (وهذا نموذج إيجابي خاطئ) والنموذج 2 للخطأ هو الإيمان بأن نمطا ما خاطئ في حين أنه صحيح (وهذا نموذج سلبي خاطئ).

تخيل نفسك إنسانا بدائيا في سهل من سهول أفريقيا وأنك سمعت حفيفا في العشب. أهو حيوان خطر أم مجرد ريح؟ لو افترضت أنه حيوان خطر وتبين أنه الريح فقد ارتكبت النموذج 1 للخطأ، ولكنك لم تتعرض لأذى. ولكن لو افترضت أنه مجرد ريح وتبين أنه حيوان خطر فهناك فرصة كبيرة لأن تكون غداء ومن ثم تتلاشى من المصدر الجيني لسلالتك. وهكذا، كان هناك انتخاب طبيعي للبشر البدائيين الذين كانوا يميلون إلى الإيمان بأن كل الأنماط حقيقية ومن ثم خطرة.

هذه عملية أسميها "التنميط" (أي النزوع إلى رؤية أنماط ذات معنى في الفوضى العشوائية) والإحالة (أي النزوع إلى الإيمان بأن ثمة عناصر واعية خفية تحكم العالم وبوسعها أن تلحق بنا الأذى). هذا ـ في ظني ـ هو أساس الإيمان بالنفوس والأرواح والأشباح والآلهة والعفاريت والملائكة والكائنات الفضائية، ومصممي الذكاء، وواضعي نظريات المؤامرة في الحكومات.

الناس متدينون لأننا اجتماعيون ولأننا نحتاج إلى الانسجام. وقد تطورت المشاعر الأخلاقية في البشر والمبادئ الأخلاقية في الجماعات البشرية أساسا من خلال قوة انتخاب تعمل على الأفراد، وثانيا من خلال قوة انتخاب جماعي تعمل على المجاميع. أما الحس الأخلاقي (أي الشعور السيكولوجي بالـ "صواب" في صورة المشاعر الإيجابية مثل الصلاح والاعتزاز) فقد تطور من سلوكيات تم انتخابها لما كان فيها من نفع للفرد أو للجماعة. والحس اللاأخلاقي (أي الشعور السيكولجي بالـ "خطأ" في صورة المشاعر السلبية مثل الإحساس بالذنب والعار) تطور من سلوكيات تم انتخابها لما كان فيها من ضرر بالفرد أو الجماعة.

وفي حين قد تختلف الثقافات على تحديد الصائب والخاطئ من السلوكيات، فإن الحس الأخلاقي إزاء استصواب أو تخطئة السلوك س (مهما يكن س) هو إحساس بشري مطلق. استخلاص المبادئ الأخلاقية من المشاعر الأخلاقية تطور بوصفه شكلا من أشكال السيطرة الاجتماعية لضمان بقاء الأفراد داخل الجماعات وبقاء الجماعات البشرية نفسها. ولقد كان الدين أول مؤسسة اجتماعية تقدس هذه المبادئ الأخلاقية، وكانت للرب ـ بوصفه نمطا تفسيريا لعالم ـ قوى المنفذ المطلق للقواعد.

هكذا صار البشر متدينين وهكذا آمنوا بالرب.


كاتب المقال هو ناشر مجلة سكيبتيك وكاتب عمود شهري في ساينتيفيك أمريكان ومؤلف كتب "عقل السوق".



نموت، لذلك نحن متدينون


فرانسيسكو جيه آيالا

الاسم الرسمي للسلالة البشرية هو الهومو سابيين أي "الإنسان العارف". ومن توابع التطور أن صارت سلالتنا أذكى السلالت الموجودة على الأرض. وهناك تفسير محتمل لسر ارتفاع ذكائنا، وذلك التفسير نجده عند أسلاف لنا عاشوا قبل مليوني سنة وعرفت سلالتهم بالهومو هابيليس الذين كانوا أول من صنع أدوات حجرية بالغة البساطة. صنع الأدوات يستوجب النظر إلى هذه الأشياء بوصفها "أدوات" أي بوصفها ـ بعبارة أخرى ـ أشياء يمكن استخدامها لأغراض معينة: فالسكين للقطع والسهم للقنص وهكذا. صنع شيء ما كأداة يستوجب تكوين صور ذهنية لحقائق غير حاضرة: الغزالة التي أسعى إلى قتلها واللحم الذي سوف أقطعه لآكله. وبدوره، يستوجب تشكيل الصور الذهنية لحقائق غير حاضرة درجةً متطورة من الذكاء، وذلك هو السر في أن قليلا من الحيوانات من يصنع أدوات، وسر أن الأدوات التي يستخدمها قليل من الحيوانات لم تتطور إلى أي شيء يمكنه أن يضاهي تقنيات سلالتنا.

تشير سيناريوهات التطور إلى أن الأكثر ذكاء بين أسلافنا القدامى كانوا قادرين على صنع أدوات أفضل. وأن الذين صنعوا أدوات أفضل بقوا أكثر لأنهم امتلكوا قدرا أوفر من الطعام وكانوا أقدر على قتل أعدائهم دفاعا عن أنفسهم. ثم إن هؤلاء الأكثر ذكاء، تركوا نسلا أكبر، وجينات ذكاء أعلى ظلت لآلاف وآلاف من السنين في نسلهم.

ذكاؤنا أمر غامض: نحن نريد أن نفهم العالم المحيط بنا وكيف تحدث الأشياء ولماذا تحدث. نحن نبحث عن تفسيرات سببية للأحداث الطبيعية. وقبل أن يأتي العلم الحديث في القرن السابع عشر، أرجع البشر الأحداث الطبيعية التي لم يملكوا لها تفسيرا إلى عناصر ماوراء طبيعية. رأوا أن أرواحا أو آلهة هي التي تسبب المطر والجفاف والفيضانات والعواصف والزلازل والبراكين، وذلك كله جزاء وفاقا لم يقوم به البشر. وهذه الإيمانات هي التي ستفضي من بعد إلى العبادة والطقوس.

كان البحث عن تفسيرات سببية لأحداث الطبيعة من بين منابع الإيمان الديني والممارسة الدينية. إن البشر يعيشون في مجتمع معقد، يحتاج أن تحكمه القوانين والأعراف الأخلاقية. وكان البحث عن مبرر للأعراف الأخلاقية والقوانين الاجتماعية منبعا آخر للإيمان الديني والمذاهب الدينية. فقد أخبر موسى الإسرائيليين على سبيل المثال بالوصايا العشر امتثالا لأمر الرب.

ولكن هناك منبعا آخر للدين يعتمد على ذكائنا الذي ندين به للتطور: الوعي بالذات وما يترتب عليه من وعي بالموت. فكل إنسان ـ باستثناء الأطفال الصغار ـ يعي بوجوده كفرد مستقل مختلف عن غيره من البشر وعما حوله في البيئة. هذا الوعي بالذات هو أول حقيقة نخبرها وأبعد الحقائق عن التشكيك.

أهم من ذلك، أننا الحيوانات الوحيدة التي لديها هذه الخبرة الكاملة بالوعي الذاتي التي تتضمن الوعي بالموت. فلو أنني أعرف أني فرد مستقل، فإنني أعرف أنني سأموت، لأنني أرى الناس تموت. ولأننا ندفن موتانا في طقوس معينة، فإنا نعرف أننا الحيوانات الوحيدة التي لديها وعي بالموت. لكل المجتمعات البشرية طقوس جنائزية، وإن تكن شديدة التباين. والطقوس الجنائزية تنبع من الوعي بالموت: فلو أنني أعرف أنني سوف أموت، فسوف أعامل الموتى الآخرين باحترام كالذي أريد معاملتي به عند موتي.

ولأننا معشر البشر واعون بطبيعة وجودنا المؤقتة، فقد نشأ بداخلنا خوف من الموت. ونجد لهذا الخوف بعض العزاء في الدين والطقوس الدينية التي تجعل لحياة الإنسان معنى. وللبشر عزاء عن الخوف من الموت في الأديان الكثيرة التي تقول بخلود الروح، إما من خلال التناسخ أو من خلال الحياة بعد الموت.

من هنا يمكن القول إن التطور ـ الذي وهب البشر الذكاء ـ هو الذي جعلنا متقبلين للدين.


كاتب المقال أستاذ علم الأحياء في يو سي إرفين وعضو الأكاديمية الأمريكية للعلوم والحاصل على الوسام الوطني للعلوم عام 2001.



عن ملحق قراءات بتاريخ 9 أغسطس 2009


الثلاثاء، ٢٨ يوليو، ٢٠٠٩

تريد إذن أن تصبح كاتبا؟

تريد إذن أن تصبح كاتبا؟

تشارلز بوكوفسكي

لو لم تتفجر منك
برغم كل شيء
فلا تفعلها.
لو لم تطلع دونما طلب
من قلبك وعقلك ولسانك وحشاياك
فلا تفعلها.
لو أن عليك أن تجلس لساعات
محملقا في شاشة الكمبيوتر
أو منكفئا على الآلة الكاتبة
مفتشا عن الكلمات،
فلا تفعلها.
لو كنت تفعلها لأجل المال
أو الشهرة
فلا تفعلها.
لو أنك تفعلها ابتغاء نساء
في فراشك
فلا تفعلها.
لو أن عليك أن تجلس لتعيد الكتابة
مرة بعد مرة
فلا تفعلها.
لو ينهكك مجرد التفكير في فعلها،
فلا تفعلها.
ولو أنك تحاول أن تكتب مثل شخص آخر
فانس أمرها.
***

لو أن عليك أن تنتظر اندفاعها منك
فانتظر
وتحل بالصبر،
ولو لم تندفع منك قط،
فافعل شيئا آخر.

لو أن عليك أن تقرأها أولا لزوجتك
أو صديقتك أو صديقك
أو والديك أو أي كان
فلست جاهزا بعد.

***

لا تكن مثل كثير من الكتاب،
لا تكن مثل آلاف مؤلفة من البشر
الذين يسمون أنفسهم كتابا
لا تكن سخيفا ومملا ودعيا
لا تستهلك نفسك في حب الذات.
فمن أمثالك تتثاءب مكتبات العالم
حتى النوم.
فلا تضف إلى ذلك.
ولا تفعلها.
ما لم تخرج من روحك كالصاروخ،
ما لم يكن الصمت يقوددك
إلى الجنون
والانتحار
والقتل،
لا تفعلها.
ما لم تحرق الشمس التي فيك
أحشاءك،
فلا تفعلها.

***

وحينما يحين الأوان حقا،
ويقع عليك الاختيار
ستفعلها هي بنفسها
وستبقى تفعلها
إلى أن تموت أنت
أو تموت فيك.

***
لا توجد طريقة أخرى،
ولم توجد قط.




الأربعاء، ٢٢ يوليو، ٢٠٠٩

من ديوان "ضوء"

حينما أقف وحيدة
على الجليد
يكون واضحا للغاية
أنني ساعة

وإلا
فيم وجود الخلود هكذا
من حولي

شعر: إنجر كريستنسن، دنماركية (1935 ـ 2009)
الترجمة إلى الإنجليزية: سوزانا نييد
عدد مجلة شعر الأمريكية في مايو 2009
ترجمتي

السبت، ١٨ يوليو، ٢٠٠٩

رصاصاتٌ وصحارٍ وحدود

أكتب بالإنجليزية، وأحلم بالأسبانية، وأسمع الأناشيد اللاتينية، أحب من الشوارع ما يخترع فيه المكسيكيون الكلمات. وأصيح أحيانا بالإيطالية كي أوقظ نور الصباح. وحينما يهب الغبار أتنفس بالسواحيلية. أحب أن أشعر بالكلمات تطفو في حلقي كأنها سمكات تتصارع رافضة أن يقنصها شص.

الحلم الخامس: رصاصاتٌ وصحارٍ وحدود

بنيامين ألير سينز

رجل يسير تجاهي.

هو وحيد.

هو آت على قدميه من صحراء.

هو يمشي منذ أيام.

هو يمشي منذ سنين.

شفتاه يابستان

مشققتان

كقطعة أرض عطشى.

أرى جراحه المفتوحة.

عيناه سوداوان

كأنهما ليل تنزانيا.

يكتشف أنني أشاهده

مع أنه كف منذ وقت طويل عن المبالاة

بما يراه الآخرون.

أسأله ما اسمه

وما الذي جاء به إلى هنا

أسأله عما يغضبه

وعما يحبه.

يفتح فمه

فلا تكاد كلماته تصدم الهواء

حتى تخترق رصاصة قلبه.

لا أعرف في أي بلد كان ميلاد هذا الرجل.

كل ما أعرفه أنه من الصحراء.

وأن على محياه يأسا

لا تتركه إلا ليال بلا مطر.

ذلك كل ما أعرفه.

لعله ولد في القدس.

لعله ولد في مصر.

لعله من نسل فرعون ما.

لعل اسمه بطليموس.

لعل اسمه موسى.

أو عيسى.

أو محمد.

لعله كان نبيا.

لعله كان من زمرة اللصوص.

لعله كان إرهابيا

أو لعله مجرد رجل كتب عليه

أن تهلكه العواصف التي

لا هي تنتهي ولا هي ترحم.

لعله جاء من بلد اسمها أفغانستان.

لعله من المكسيك.

لعله كان يبحث عن بئر.

كانت أحلامه ماء

وشفتاه كانتا تلمسان مياها

نعم

ذلك ما كان يحلم به.

لم أزل أسمع صوت الرصاصة.

*

يعاود الرجل الظهور.

ليس مهما أنني لا أريده في أحلامي.

إنه يبحث في ركام كان بيتا ذات يوما

وما على وجهه دموعٌ

وما يزال في شفتيه

شوق للمياه.

*

أصحو.

يخالجني الظن أن الرجل

هرب من أوشفيتز.

لعله أخطأ في حق النازيين

أو ربما كان عميلا

أو يهوديا

أو ربما لأنه أحب رجلا آخر.

قصد الصحراء راميا أرضا

يتخذها وطنا.

يغلبني النوم وأنا أبحث للرجل عن اسم.

*

يسير الرجل الآن

نحو مدينة

لم يعد لها وجود.

*

أنا هو الرجل.

أرى بوضوح.

أنا الآن صاحٍ.

إنه أنا.

كم مضى من الوقت حتى تبينت هذا.

أنا فلسطيني.

أنا إسرائيلي.

أنا مكسيكي.

أنا أمريكي.

أنا خادم في بناية شاهقة

توشك أن تنهدم.

أنا في صلاة السَّيْدَر

أستطعم آخر أعشابي.

أنا صبي حفظ جميع أدعيته.

أنا أركع صوب مكة

في منزل سقفه على وشك أن ينهدم.

أنا خادم.

أنا ألمع أحذية الأثرياء

وأغسل أقدامهم.

أنا غير شرعي.

أنا مكسيكي يكره كل الأمريكيين.

أنا أمريكي يكره كل المكسيكيين.

أنا فلسطيني يكره كل الإسرائيليين.

أنا إسرائيلي يكره كل الفلسطينيين.

أنا يهودي فلسطيني يكره نفسه.

أنا أموت لأعرف.

أنا أموت ظمأ.

أنا نهر لن يعرف الماء إلى الأبد.

أنا أصير غبارا.

*

أنا أسير صوب بيتي.

مكسيكو سيتي؟ واشنطن؟

مكة؟ القدس؟

لا أعرف. لا أعرف.

*

أنا أسير في صحراء.

أراني أقترب من حدود.

رصاصة تخترق قلبي.

ولد بنيامين ألير سينز عام 1954 في إحدى ضواحي نيومكسيكو. حصل على إجازة العلوم الإنسانية والفلسفة في عام 1977 ثم درس اللاهوت منذ ذلك العام وحتى 1981 في بلجيكا. عاش في باريس ومدريد وروما. ابتداء من عام 1985، درس الأدب الإنجليزي والكتابة الإبداعية في الولايات المتحدة. صدر له في الولايات المتحدة عدد من الدواوين والروايات.

القصيدة منشورة في موقع مؤسسة الشعر الأمريكي، والمقدمة النثرية مأخوذة من موقع الشاعر على الإنترنت.

عن ملحق قراءات في 19 يوليو 2009

حقيقة الكتَّاب



حقيقة الكتَّاب

ما الذي يفعلونه حقا بكل ما لديهم من وقت؟

جيه روبرت لينون

سل كاتبة عن أكثر ما تقدره في حياتها الإبداعية، وسوف تجيبك على الأرجح بأنه "وقت الكتابة". ليست لدى كثير منا رفاهية التفرغ طوال الوقت للكتابة، فلدينا أزواج/زوجات، وأسر، ووظائف نهارية. وقد يبدو "وقت الكتابة" بالنسبة للقريبين من الكاتب أشبه بالإفراط في الانغماس في الذات: ما الذي يجعلنا ننفق النهار كله في التفكير؟ في حين أن الناس الطبيعيين لا يحتاجون إلى إنفاق الساعة تلو الساعة في عزلة وصمت. الناس العاديون أكثر مرونة.

ومع ذلك، فإننا نحن الكتاب نقول لأصدقائنا وأبنائنا إنه لا يوجد ما هو أكثر قداسة، وما هو أكثر أهمية وحيوية بالنسبة لحياتنا الفكرية وسلامتنا الوجدانية من وقت الكتابة. ولكن لدينا نحن الكتاب سرا.

نحن لا ننفق الكثير من الوقت في الكتابة.

خلاص. كشفنا السر. الكتاب عموما لا يقومون بالكثير من الكتابة. نحن ربما نخصص عدد كبيرا من الساعات للكتابة كل يوم، هذا صحيح، ولكن جزءا صغيرا للغاية من هذا الوقت هو الذي تلامس أصابعنا فيه أزرار الكمبيوتر لطباعة كلمات قصيدة أو مقالة أو قصة أو لتدوين أي من ذلك بالقلم على ورقة.

مؤخرا، قمت بقياس الوقت الذي قضيته في الطباعة أثناء جلسة "كتابة" امتدت لأربع ساعات، بهدف تحديد عدد الدقائق التي قضيتها في الكتابة الفعلية. والنتيجة: 33. ذلك هو الوقت الذي استغرقته في طباعة أربع صفحات من السرد والحوار في روايتي التي أعمل عليها حاليا، وهي أربع صفحات أغلبها مرشح في نهاية المطاف للحذف.

لنفترض أن هذا يوم استثنائي. ولنقدر ـ بصفة عامة ـ أنني أنفق ما بين ثلاين دقيقة إلى ساعة في الكتابة، في الأيام التي أكتب فيها أصلا. معنى هذا أنه حتى في أوقات ذروة الإنتاجية أكون نشيطا في الكتابة لما هو أقل من 5% من الوقت. وإن نحن أخذنا في الاعتبار أن هناك أياما كثيرة لا أكتب فيها نهائيا (جميع الإجازات الأسبوعية، وأيام التدريس، وأيام المرض، وأيام الشك في الذات، وأيام التأثيرات الصباحية السلبية للشراب، وأيام دفع الفواتير) يكون بوسعي بكل سهولة أن أنزل بالرقم إلى 2%.

هل ينبغي لشخص كهذا، وأعني شخصا ينفق في الكتابة أقل من 2% منحياته، أن يسمى أصلا "كاتبا"؟ في ضوء هذا المنطق، أقترح فيما يلي عددا من الأسماء التي قد يصح أن تستخدم في وصفي:

آكل

نائم

راكب حافلة

متخيل فتيات عاريات

مؤنب أطفال

إنترنتي

ساعل

ولكن بالرجوع إلى تلك الساعات الأربعة، والتي يفترض ـ في الأيام التي أمارس فيها الكتابة ـ أنني أقضيها في الكتابة. إذا كنت أقضي أقل من 25% منشغلا في الكتابة، فما الذي أفعله بالبقية؟

للإجابة عن هذا السؤال، تنصت على نفسي أثناء جلسة كتاب مؤخرا. والنتائج فيما يلي:

8:04 الهدف يقول مع السلامة للابن الأكبر الخارج للمدرسة

8:05 الهدف يفتح اللاب توب ويجلس على الأريكة بالبجاما

8:05 ـ 8:23 إنترنت

8:23 الهدف يخرج القطة

8:23 ـ 9:07 إنترنت

9:07 الهدف يدخل القطة

9:08 ـ 9:15 طباعة سريعة جدا

9:15 ـ 9:17 الهدف يسخن التوست

9:17 ـ 9:30 الهدف يأكل التوست أثناء قراءة مقالة في صحيفة محلية عن مجموعة ريفيين تؤمن بالأطباق الطائرة

9:30 الهدف يرتدي زوجا من الجوارب فوق الزوج الملبوس فعلا

9:31 ـ 9:35 حذف

9:35 ـ 9:40 إعادة كتابة النص المحذوف بشكل شبه حرفي من الذاكرة

9:40 ـ 10:26 إنترنت، تتخللها عشرون دقيقة في الكتابة، والتنقيح، وأخيرا القيام في غضب وترك مساحة كتابة الرسالة الإلكترونية خاوية

10:26 ـ 11:14 شك حاد في الذات

11:14 ـ 11:31 الهدف يستحم، يلبس (ويضيف زوجا جديدا من الجوارب)

11:31 ـ 11:49 طباعة سريعة جدا

11:49 ـ 12:01 حمام

12:01 ـ 12:05 طباعة في حالة هيجان مصحوب بضحكات شيطانية هادئة

12:05 الهدف يحفظ الملف، يغلق الكمبيوتر، يعد سندوتش

كما ترون، الكتابة لا تظهر إلا لماما في هذا الجدول. الحقيقة أنه ربما يكون من المنطقي أن نتكلم عن "وقت اللاكتابة" كإشارة بديلة قد تكون أرقى من الإشارة الحالية المعروفة بـ "وقت الكتابة".
والحقيقة أيضا أن الكتاب يعملون طوال الوقت. فحينما توجه سؤالا مباشرا إلى كاتب، فتجد أنه يبتسم ويطرق ثم يقول "حسنا" ثم يلتفت ويبتعد عنك دون أن يودعك، فهو في واقع الأمر يعمل.

وحين تقلك كاتبة إلى محطة الحافلات وإذا بها توقف السيارة أمام المتجر وتلتفت إليك قائلة "توصل بالسلامة" فهي في واقع الأمر تعمل.

وإذا كنت طفلا، وأحد أبويك كاتب، وبينما يوبخك لأنك أخفقت في عمل الواجب، يصمت فجأة، ويرمش مرة أو اثنتين، ثم يطلب منك أن تقضي بقية اليوم في ألعاب الفيديو وتناول الأطعمة السريعة، فهو في واقع الأمر يعمل.

ولكن إعلام الذين نحبهم بأننا نكون في حالة عمل في الأوقات التي يفترض أن نكون خلالها منخرطين في أنشطة اجتماعية سوف يجعلنا نبدو نرجسيين وغير ملائمين للحياة الاجتماعية مثلما هي حقيقتنا. ولذلك فقد اخترعنا "وقت الكتابة" كمفهوم مقبول، لوقاية أنفسنا من النقد الذي نستحقه. بل إن الكتاب الذين لا يكتبون الأعمال الإبداعية تجدهم يحاكون بصورة إبداعية للغاية بشرا ممن يقسمون أنشطتهم المهنية إلى أقسام زمنية منفصلة.

في حالة وجود أية أسئلة أو استفسارات، يرجى كتابتها على بطاقة، ووضعها في كتاب، وإعادة الكتاب إلى المكتبة، وسوف أطلع عليها بمجرد أن أنتهي من الكتابة.

كاتب المقال أستاذ في جامعة كورنل، من مواليد1970، صدرت أحدث رواياته بعنوان "القلعة".

لوس آنجلس تايمز

عن ملحق قراءات في 19 يوليو 2009



هكذا أصبحت الكتابة سلاحا


هكذا أصبحت الكتابة سلاحا

منذ فوزها بجائزة بوكر عام 1997، أوقفت أرونداتي روي نشاطها الإبداعي لتنضم إلى زمرة الأصوات العالمية المنددة بالقهر، و"التقدم" الاقتصادي، والسدود. في هذا الحوار، الأوبزرفر البريطانية في 12 يوليو 2009، يستكشف تيم آدمز جذور ولعها بالسياسة

لأرونداتي روي صوتان: صوت شخصي لاعب هو الذي كتبت به روايتها الاستثنائية الأولى "إله الإشياء الصغيرة" التي حملت سردا شبه ذاتي لنشأتها في كرلا. وصوت ثان هو الأكثر غضبا وقتالا وارتيابا في مراوغات الفرد. تصف روي هذا الصوت الثاني بـ "الكتابة من قلب الزحام". وهو الصوت الذي قصرت استخدامه لمدة اثنتي عشرة سنة منذ نشر روايتها على إصدار أربعة كتب غير روائية، صدر آخرها ـ وعنوانه "الإنصات للجنادب: ملاحظات ميدانية عن الديمقراطية" ـ الأسبوع الماضي.

تصف روي ـ التي تبلغ من العمر سبعة وأربعين عاما ـ الفارق بين الصوتين بأنه كالفارق بين
"الرقص والمشي". فما أبعد العهد بيننا وبين آخر رقصة لكتابات روي. تقول إنها لم تختر أن تحمل خيالها على المشي، مطلقا، ولكن لم يبد أن هناك ما يمكن عمله غير هذا. "لو كان بيدي، لسرني أن أنفق وقتي كله في كتابة الرواية. فبالنسبة للمقالات، هناك كتاب واحد أردت أن أكتبه، وثلاثة كتبتها دون أن أريد ذلك".

هذا الاضطرار ـ إلى الجدال والكشف ـ تعزوه روي جزئيا إلى نجاح رواية "إله الأشياء الصغيرة"، التي قضت روي أربعة أعوام ونصف العام في كتابتها سرا، لم تكشف عنه حتى لزوجها، المخرج السينمائي باردب كريشن Pradip Krishen الذي لم يعرف بأن ثمة رواية إلا عندما اكتملت الرواية فعلا. كتبتها لنفسها. وكانت من قبل قد كتبت سيناريوهين فانتهت إلى احتقار العمل الإبداعي الجماعي. كانت الرواية ممارسة للتمهل والتأمل. وكانت تتصور أن الرواية ستبيع عند طباعتها "ربما خمسمائة نسخة بالكثير في دلهي". فإذا بها تبيع ستة ملايين نسخة في شتى أرجاء العالم وتصل بكاتبتها إلى الفوز بجائزة بوكر.

الآن تقول روي إن "الجائزة كانت في واقع الأمر مسئولة من جوانب كثيرة عن نشاطي السياسي. فما إن فزت بها حتى صرت بغتة طفلة مدللة لدى الطبقة الوسطى الهندية الناشئة، كانوا بحاجة إلى أميرة. ووقعوا على المرأة غير المناسبة. كان الضوء يسطع عليّ في ذلك الوقت، فعرفت أنني أمام المنصة، وأن علي أن أقول شيئا ما عما كان يحدث في بلدي. والمثير فيما أقوم به منذ ذلك الوقت هو أن الكتابة أصبحت سلاحا، أصبحت ذخيرة من نوع ما".

مقالات "الإنصات للجنادب" هي قنابلها اليدوية التي كتبتها على مدار السنوات الثماني المنصرمة. تقول روي إن جمع هذه المقالات في كتاب واحد كان "أمرا محزنا لي بطريقة ما، حين ترى أنك قلت منذ ست سنوات إن شيئا ما سوف يحدث، ثم إذا به حدث. ليس ذلك عن عبقرية أو سحر. بل لأنك حينما تنظر إلى أسلوب عمل الآلة ككل، تتضح بنيتها تماما أمام عينيك".

تلك الآلة هي محرك "تقدم" السوق الحر التي يطلق عليها الساسة في الهند "السطوع الهندي" الذي تراه روي دمارا لكل ما يجب على بلدها أن ترعاه من مصالح عامة شاملة لمختلف القوميات هناك. يبدأ كتاب "الإنصات للجنادب" بسؤال هو "هل هناك حياة بعد الديمقراطية؟" ويمضي الكتاب ليرصد أساليب الحكومات الهندية المتعاقبة ويعرض للحرب الشعواء التي شنها رجال الأعمال لقهر الفقراء والأقليات، وتدمير البيئة لصالح المكسب السياسي والاقتصادي.

عادت آرونداتي روي لتوها من منطقة تشاهاتيسجراهChhattisgarh التي "تستهدفها الشركات حاليا نظرا لغناها بخام الحديد. وباسم مقاومة الثوار الماويين، تم إخلاء مئات القرى من سكانها، وتم إكراه نحو أربعين ألف إنسان على الحياة في مخيمات الشرطة". تقول روي إن مشاهدة ما يجري هناك تكسر القلب فـ "لو أن ما يجري هناك من عنف، ونزع الملكية، يجري في إيران أو في أي بلد ليست فيه سوق حرة وديمقراطية، لصار في صدارة الصحف العالمية كل يوم. ولكن لأنها الهند، لا يذكر أحد شيئا".

وتمضي روي فتصف "إقامة مئات السدود في أعالي الهيمالايا. "حينما ترى ما يجري هناك فكأنك تراه يحدث في جسمك". في عام 2002، تم اعتقال روي لفترة وجيزة لاحتجاجها على مشروع سد نرمادا Narmada. وتراها حين تتحدث الآن عن هذه الأشياء ـ وعن أهوال الحرب الجارية في كشمير ـ فإذا هي تتحدث بغضب وحزن، حتى أنك توشك أن تتصور أنها سوف تنفجر.

تقول إن "الوقت ينفد. والأنهار تجف. ولكنك لا يمكن أن تشن حربا على السدود. فهي حرب عدوك فيها ليس البشر وحسب، بل نظام اقتصادي كامل وأنماط إنتاج للمحاصيل. و لا يمكن أن تقيم نضالا مسلحا في مواجهة نهر يفيض".

تقول روي إن في الهند ـ في الوقت الذي تتحقق فيه معجزتها الهندية ـ ثالث أكبرعدد في العالم من الأطفال الذين يعانون نقص التغذية. وما كان لشعب غير شعبها أن يحتفل بفوز "المليونير المتشرد" في ليلة الأوسكار. "فوز الفيلم ـ وهو ليس حتى فيلما هنديا ـ بهذه الجوائز وضع هؤلاء الناس في دائرة الضوء. ولكن يبقى من الغريب أن تفخر بلد قديمة كالهند بفيلم كهذا. فما الذي كنا نحتفل به فعلا؟ بالفقر؟ إنه فيلم لو لم يكن بالغ المأساوية لكان بالغ الكومديا".

حين سألتها على أي شيء تعلق أملها، هزت كتفيها. فهي على ضآلة جسمها، تشعر بخيبة يمكن أن تملأ غرفة. وليس لديها إيمان بمقدرة السياسات المعهودة على تغيير أي شيء. أوباما "قد يكون رمزا" ولكنها تسلم أنه "لن يطرأ أي تغيير على علاقة الرأسمالية الأمريكية ببقية أرجاء العالم. ولكي أجيب سؤالك، أقول إن الأمر لا علاقة له بأملي، إن له علاقة بالـ دي إن آيه. هناك ناس يرتاحون للسلطة وناس لا يرتاحون لها ولا يرتاحون إلا بمساءلتها".

وبهذا المعنى، تكون روي ابنة أمها بحق. فقد كانت ماري روي ـ قبل مولد آرونداتي ـ مناضلة بارزة من أجل حقوق المرأة. وقد أقامت ـ وهي المرأة المطلقة ـ مدرسة تجريبية للفتيات كانت آرونداتي نجمة تلميذاتها. فهل تشعر آرونداتي أنها صنيعة أمها؟ "لا. نحن مزاجيا مختلفتان كل الاختلاف". هكذا تسرع إلى الرد، مضيفة أن "أمي تدير مؤسسة ضخمة، لديها مئات ممن يعملون لحسابها، بينما أنا أرتاح للوحدة، فليست لدي سكرتيرة ولا يعمل معي أي شخص. ترعبني هذه الفكرة أصلا. أريد أن أشعر في خيالي أنني قادرة أن أكون في أي مكان. وذلك طيش تسمح به الوحدة".

تركت روي بيت أمها بمجرد أن استطاعت ذلك، وقد تركته في أول الأمر لتعمل معمارية ثم لتسعى إلى أحلام أخرى. فقد كتبت في بعض كتاباتها تقول "حينما كنت في الثامنة عشرة، آثرت الحرية على أمان البيت، والملابس الجيدة، وكريم بيبي جونسن للأطفال. ومن حسن حظي أنني لم أكن أريد أن أتزوج، ولم أكن مقهورة، ولم أتعرض للضرب حينما قررت الاستقلال وتحمل شتى تبعاته".

تتكلم روي كثيرا عن أمها النشطة ولكن أباها يختفي من القصة. فما الذي حدث له؟

"انفصل أبواي حينما كان عمري سنتين، ولم أر أبي حتى بلغت من العمر أربعة وعشرين أو خمسة وعشرين. كان مدمنا على الكحول، تماما. مات السنة الماضية. لم أعرفه بصورة حقيقية، ولكني كنت موجودة في النهاية. كانت لي عمة هي التي تولت العناية به وكنت أساعد في بعض الأحيان ولكنه كان شخصا لا يمكنك أن تكلمه، وأعني هذا".

لا بد أنه حضوره كان مماثلا للغياب؟

"أرى أحيانا أن فقداني للأب لم يكن شيئا سيئا. وذلك لسبب واحد هو أنه أتاح لأمي المجال لتغرس شخصيتها، وكانت فعلا تحتاج إلى مساحة شخصين على أقل تقدير لتفعل ذلك. كما أنه أتاح لي أن أتفادى أي نوع من المعارك الأبوية. وبذلك أصبحت خبرتي كلها وأصبحت أنا نفسي نسوية بالطبيعة، لم أكن بحاجة إلى التعلم. حدث الأمر لي ببساطة".

قررت روي وهي بعد صغيرة ألا تنجب أطفالا. فهل كانت تلك استراتيجية أخرى لحماية حريتها؟

"كنت أكبر والأطفال من حولي طوال الوقت. في مدرسة أمي، كنت أكون في الرابعة من عمري فتتعين علي رعاية البنات اللاتي في الثالثة، وهكذا. مارست التدريس كثيرا. وما إن بلغت السادسة عشرة حتى صرت غير راغبة في رؤية أي طفل آخر مرة ثانية".

تستمد قوتها من نضال كتاب آخرين، لعل أبرزهم نعوم تشوسكي وجون برجر اللذين تردد اسميهما كثيرا. "أراهما كثيرا، وأقرأ لهما. هناك في ظني مشاعر مشتركة بين ثلاثتنا".

لو لم تكن فازت ببوكر، هل كانت لتكتب مزيدا من الروايات منذ روايتها الأولى؟

"لا أعرف هل كنت سأكتب أكثر أم أقل أم لم أكن لأكتب أي شيء. الآن أشعر أنني جاهزة للكتابة من جديد، ولكنني لا أجد المجال. يصعب الاختيار دائما حين يكون هناك طوال الوقت شيء ما يحدث. لو نظرت للأمر نظرة فلسفية فأنا امرأة بلا قيمة، ولكنني في اللحظة الراهنة أشعر أن بوسعي إحداث فارق ولو بسيط". وهذا الاعتقاد يجعل منها إزعاجا متواصلا للساسة الهنود، فهي سوط الوطنيين الهنود، لا سيما حزب باراتيا جناتا BJP. وهي مستمتعة بهذا الدور.

تقول مبتسمة: "على مدار العقد الماضي، جربوا معي الطريقتين المعروفتين لكي أسكت. جربوا إلقائي في السجن وجربوا منحي جوائز. وفي الحملة الانتخابية السابقة على هذه الانتخابات كان الوزير ل. ك. آدفاني يذكرني بالاسم في خطاباته الشعبية، مدينا إياي باعتباري مناهضة للوطنية ..."

أقول لها إن جزءا من الحرية التي تسعى إليها هي حرية الفاشلين، فقد شعرت من خلال حديثي معها أنها لا تثق مطلقا في فكرة كونها أيقونة أدبية. تقول روي: "هذا صحيح، هذا النجاح ممل إلى أبعد الحدود، وهش أيضا، بينما الفشل أكثر عمقا. النجاح خطر. وعلاقتي مع هذه الكلمة بالغة التعقيد. أعتقد أنني كنت طفلة ناضجة كثيرا، ثم صرت في نضجي طفولية كثيرا. حين كنت صغيرة جدا، جاء خال لي ـ وهو من شخصيات روايتي الرئيسية ـ فانتحى بي جانبا وعرض علي دمية بشعة. وقال هل تريدينها؟ كنت في الثالثة من عمري أو نحو ذلك، وطبعا كنت أريدها. فقال لي: هي لك بشرط أن تعديني بالفشل طول الوقت. وقد بقيت هذه الفكرة معي منذ ذلك الحين".

يصعب وأنت تتكلم مع روي أن ترى في حياتها البهجة التي تتألق في بعض جمل روايتها. لقد أصدر زوجها مؤخرا كتابا عن أشجار دلهي، وصار ـ على غير توقع ـ من أكثر الكتب مبيعا. فهل يشتركان في هذا الميل؟

تقول روي إن علاقتها بالطبيعة تختلف عن علاقته بها. "فهو شخص نشأ في دلهي بينما نشأت أنا على نهر في كرلا. وطالما كنت أخشى أن أبقى عالقة هناك وينتهي بي الأمر زوجة لصبي سخيف فكنت أحلم طوال الوقت بالهروب إلى المدينة الكبيرة. بينما أحلام زوجي كانت تسير في الاتجاه الآخر".

وإذن، فقد وجدا أرضية مشتركة في أشجار المدينة؟

"هو شخص أكثر منهجية مني بكثير، هو يحب أن يسمي الأشياء. حين أذهب أنا إلى الغابة أتذوق جمالها بالطبع، ولكنني أبحث فورا عن السياسات الكامنة وراءها. أريد أن أعرف من يشتري المانجا، وما الذي يوجد تحت الأرض".

في أثناء حديثنا، تعرب روي من وقت لآخر عن تخوفها من إظهار شخصيتها. تقول "هذا ليس عن حياة أرونداتي. أنا لست مهتمة إطلاقا بهذا". تكره أن يتم تعليبها، ولو في بروفيل. وأتساءل إن كان يقلقها أن تفقد الصوت الفردي الصغير، الصوت الأول من صوتيها؟

تقول "لو فقدته، ما المشكلة؟ أنا أكتب حاليا شذرات روائية، ثم يأتي حدث ما فيخرجني عن طريقي".

هل تعتقد أن الرواية قد تكون في بعض الأحيان أكثر تأثيرا في عرض وجهات نظرها السياسية؟ تقول إنها لا تعرف، وبسرعة تغير الموضوع فتصف قسوة سياسات التعدين في مناجم الألومنيوم في ولاية أوريسا.

عنوان الكتاب: "الإنصات إلى الجنادب. ملاحظات ميدانية عن الديمقراطية"

الناشر: هامش هاملتن

السعر: 15 استرليني تقريبا


عن ملحق قراءات في 19 يوليو 2009

الثلاثاء، ٧ يوليو، ٢٠٠٩

ندين لبعضنا بعضا بـ أن نحكي

صدر صباح اليوم عدد من ملحق شرفات التابع لحريدة عُمان مخصصا بالكامل للقصة القصيرة المترجمة، فيما يلي افتتاحية العدد وبعض المواد التي ترجمتها بنفسي، أما ترجمات الآخرين التي أشكرهم عليها، فلا أعتقد أن من حقي إدراجها هنا، جزء منها منشور على الموقع الإلكتروني للملحق ويمكن مطالعته هنا

أما قراء هذه المدونة المخلصين فسأنشر لهم هنا كل ما ترجمته، سواء نشره الموقع الإلكتروني للملحق أم لم ينشره فيما يلي بعض المواد

أضيف اليوم 12 يوليو 2009 قصة كلارا لروبرت بولانو



لماذا عدد كامل للقصة القصيرة؟
أحمد شافعي

الإجابة المختصرة:

ولم لا؟ ولم لا يكون هناك، بين الحين والآخر، عدد كامل مخصص من ألفه إلى يائه لشيء ما في حياتنا، دون أن يكون بالضرورة فنا كالقصة أو الشعر أو السينما؟ لم لا يكون هناك بين الحين والآخر نوع من رد الاعتبار لحكايات الطفولة، لذكريات المدرسة، للرسالة، هل تذكرون الرسالة، تلك التي كنا نكتبها في ورقة ثم نضعها في مظروف عليه طابع بريد، تلك التي يحكى أن أناسا ـ هم نحن؟ ـ كانوا يتواصلون من خلالها، أو يدسونها خفية في أيدي حبيباتهم؟ لم لا يكون هناك بين الحين والآخر عدد يدرك شيئا ما قبل أن يطويه النسيان؟ فـ هل القصة القصيرة شيء كهذا؟ أهي شيء مهدد بأن يطويه النسيان؟

الإجابة المستعارة:

يقترحها القاص والروائي البريطاني نيل جايمان في قصة له يستهلها بقوله إننا "ندين لبعضنا بعضا بأن نحكي القصص".

الإجابة السردية:

ذات يوم، وبينما أطالع قصة قصيرة منشورة في مجلة ذي نيويوركر الأسبوعية الأمريكية المرموقة، حتى سارعت أرسل إلى مترجمين في عمان وخارجها، أدعوهم، وأسألهم: ألم تقرأ مؤخرا قصة جميلة؟ ألا تود أن تحكيها لنا؟ ما رأيك في يوليو؟ ألا يبدو مناسبا لتحكي فيه قصة أعجبتك؟ نعم، نريد في أحد أعداد هذا الشهر أن نترجم قصصا قصيرة، أن نجعل منه عددا للقصة القصيرة الآن، لقصص حديثة نشرت بلغاتها في 2009.
وتمر الأيام والأسابيع، ولا أحد متحمس كفاية، والردود فاترة، فأحدهم يسأل "وماذا عن قصص 2008؟" فنقول "لا مانع، ليس لدينا موقف من 2008 على أية حال. كل ما نريده فقط هو أن تكون القصص حديثة". وأحدهم يسأل "وماذا عن قصص من 2008 مترجمة ومنشورة من قبل؟" وهنا نقول: لا. لدينا مانع. نريد أعمالا مترجمة خصيصا لهذا العدد.
وتأتي ردود متحمسة، ثم يسفر أكثرها عن لا شيء. وهكذا،ولأننا كنا مصرين على إخراج هذا العدد،فإن كل المشاركات التي لا تحمل اسم مترجم هي من ترجمة كاتب هذه السطور.

الإجابة التبريرية:


بدا الوضع في عمان غريبا عنه في المنطقة العربية، ففي حين تشهد بعض الدول العربية فيضانا روائيا، كانت عمان في السنوات القليلة الأخيرة تشهد ثورة للقصة القصيرة. وفي حين كان الشعراء وكتاب القصة العرب يتحولون عن الشعر والقصة إلى الرواية، أو يجمعون بينها وبين "تخصصاتهم الأصلية"، كانت القصة القصيرة تبدو في أزهى حالاتها على المستوى العماني. ولكننا نشعر أن هذا ازدهار إلى حين، وأن غول الرواية أو طوفانها بدأ يطل بوجهه الجميل. فعمان في النهاية جزء من العالم، يسري عليها ما يسري عليه، والقصة القصيرة لم تعد حاضرة حضورها القديم، واسألوا أنفسكم: كم رواية مترجمة وكم مجموعة قصصية مترجمة اشتريتموها خلال السنوات العشر الأخيرة، أو الخمس عشرة، أو العشرين؟ كما كاتبا عالميا للقصة القصيرة تعرفه وتستطيع القول إنك متابع لأعماله ومطلع على تجربته ـ بشرط أن يكون حيا يرزق، أو حتى حديث العهد بالقبر، أعني أحدا غير تشيخوف، وكالفينو، وكارفر، وغيرهم ممن رحمه الله؟
برغم ذلك، هناك من يكتبون القصة القصيرة، وهناك من ينشرونها، وهناك من يجربون فيها، وهناك في العالم قصص قصيرة حديثة تستحق أن نترجمها ونقرأها ونتفاعل معها، دون أن ينال هذا من صورتنا المسايرة للعصر كـ "قراء روايات محترفين" وكـ "كتاب روايات محتملين أو متحققين".

الإجابة الحوارية:


ـ هل نحن منحازون للقصة القصيرة؟
ـ نعم، ولكن ليس على حساب شيء آخر.
ـ بمعنى؟
ـ بمعنى أننا منحازون لأشياء كثيرة أخرى.
ـ هل يعني هذا أن نخصص عددا للرواية المترجمة؟
ـ لا
ـ لماذا؟
ـ لأن السؤال نفسه غبي
ـ وماذا عن الشعر المترجم؟
ـ يحيا الشعر المترجم
ـ ولماذا الإصرار على الترجمة؟
ـ هو فقط إيمان بضرورة الترجمة. وهو أيضا ضيق بالغ من "الحكماء" الذين يظهرون لنا على الشاشات والصفحات فيكلموننا عن أهمية الترجمة وصعوبة الترجمة وكم هي نبيلة وكيف أنها طريق النهضة، وفقط، دون أن يفعلوا الترجمة. نحن أردنا أن نفعلها بدلا من أن نتكلم عنها.
ربما لا يكون أهم ما نحتاج إليه من أجل تحقيق "النهضة" "العربية" هو بضع قصص قصيرة مترجمة عن الإنجليزية كلغة أصلية أو لغة وسيطة، ولكن شيئا مهما مما نحتاجه لكي نحقق أي شيء ـ وإن لم يزد عن مجرد المتعة ـ هو بضع قصص قصيرة مترجمة بين الحين والآخر عن هذه اللغة أو تلك.

الإجابة

نتمنى أن يكون العدد نفسه إجابة . أن يكون وجوده فقط كافيا كمبرر لوجوده.

***

كلمة قبل الأخيرة

أردنا في هذا العدد أن نلقي الضوء على تجربة مهمة ـ في تقديرنا ـ تقوم بها المترجمة المصرية هالة صلاح الدين منذ بضع سنوات، حيث تقوم بمفردها بإصدار "البوتقة" (وهي مجلة مخصصة لترجماتها من القصة القصيرة المكتوبة بالإنجليزية) وتنشرها مجانا، فأرسلنا إليها عددا من الأسئلة راغبين أن تكون محاور شهادة لها حول تجربتها.

***


كلمة أخيرة

لا نعرف إن كان أبو بكر يوسف هو أول من قدم أنطون تشيخوف إلى القارئ العربي، ولكننا نعرف أنه لا توجد، حتى الآن، أكمل من المجلدات الأربع التي قدم لنا من خلالها كاتبا يعده الكثيرون أهم اسم في تاريخ القصة القصيرة. هذا العدد هدية منا إلى أبو بكر يوسف، اعترافا بما يمثله، وامتنانا لإسهامه وتقديرا له، ومواصلة لعمله.

طموح القصة القصيرة
ستيفن ملهاوزر

القصة القصيرة ـ ما أبسط سلوكها، وما أشد تواضع أخلاقها، إنها تجلس في هدوء، منكسة العينين، كأنما تحاول ألا يراها أحد. وإن حدث ولفتت نظرك بطريقة أو بأخرى، إذا بها تسارع إلى القول في صوت ثابت، مقلل من قدره، واع تماما لكل احتمالات الخيبة والإحباط: «أنا لست رواية. لست حتى رواية قصيرة. لو هذا ما تبحث عنه، فأنت لا تريدني». نادرا ما غلب جنس أدبي جنسا آخر بهذه الطريقة. ونحن نفهم هذا، ونحني رؤوسنا مدركين أن الحجم ـ هنا في أمريكا ـ يساوي القوة. الرواية هي الـ وول مارت، هي الناقلة العملاقة، هي طائرة الأدب الجمبو. الرواية هي النهمة التي تريد أن تبتلع العالم. فماذا يتبقى للقصة القصيرة المسكينة؟ يمكنها أن تزرع حديقتها، تمارس التأمل، تسقي الورد في أصيص الشرفة. يمكنها أن تدرس الكتابة الإبداعية غير القصصية. يمكنها أن تفعل ما يحلو لها، بشرط ألا تنسى موضعها، بشرط أن تبقى هادئة ومؤدبة، بشرط ألا تعترض الطريق. «هُوو هاه» هكذا تصيح الرواية «أنا وصلت». القصة القصيرة تبحث عن غطاء تأميني. الرواية تشتري الأراضي، تزيل الأشجار، تقيّم البنايات. القصة القصيرة تعدو على الشريط العشبي، تنحشر بجانب السياج.
طبعا هناك فضائل للصغر. وحتى الرواية ستوافق على الكثير منها. فالأشياء الضخمة تنزع غالبا إلى الثقل، والارتباك، والفظاظة، بينما الصغر هو مجال الأناقة والجمال. هو أيضا مجال الكمال. الرواية بطبيعتها تنزع إلى الشمول، ولكن العالم عصي على الاندراج، ومن هنا تعجز الرواية ـ تلك المكافحة الفاوستية ـ عن إشباع رغبتها. أما القصة القصيرة ـ في المقابل ـ فالانتقائية في دمها. ولأنها تستبعد تقريا كل شيء، فإن بوسعها أن تمنح الشكل المثالي لما تبقي عليه. وبوسع القصة القصيرة أيضا أن تدعي لنفسها نوعا من الاكتمال الذي يروغ من الرواية، إذ بعد عملية الاستبعاد المتطرفة الأولى، يمكن لها أن تتسع لكل الدقائق الباقية. غير أن الرواية ـ إن حدث وتذكرت القصة القصيرة ـ تكون كريمة النفس فتقول وهي واضعة يدها الضخمة الخشنة على قلبها «على فكرة انت عاجباني. صحيح. مش هزار. انت شديدة الـ ... انت شديدة الـ ...» ها؟ شديدة الجمال! شديدة الرشاقة! شديدة الرقي! شديدة الذكاء أيضا! الرواية لا تكاد تقوى على احتواء نفسها. وفي النهاية، ما الفارق الذي تحدثه الرواية؟ إنها ليست إلا كلاما. ما تهتم له الرواية هو الشسوع، والسلطة. ففي أعماق قلبها، هي تزدري القصة القصيرة التي ترضى بأقل القليل. وهي لا تحفل بتزمت القصة، وكبحها للشهوة، وأنفتها، ونكرانها للذات. الرواية تريد. تريد الأرض. تريد العالم كله. أما الكمال فإنه عزاء من ليس لديهم سواه.
وللقصة القصيرة الكثير والكثير. فهي متواضعة في ادعاءاتها، معتزة في خجل بفضائلها العذبة، لا تبالي بمنافستها الوقحة، ترضى بالجلوس في الخلف تاركة الرواية تتصدر العالم الضخم. ولكن، ولكن. هذه الجلسة المتواضعة ـ أأكون مخطئا، أم في الأمر بعض المبالغة؟ هذه النظرات القادمة من بعيد ـ أليست فيها لمسة مكر؟ أيمكن أن يكون للقصة القصيرة المسكينة مطامحها؟ أتراها تجرؤ على هذا؟ لو صح هذا، فلن تفصح علنا عن مطامحها هذه، بسبب حدة غريزة حماية الذات، بسبب تاريخ طويل من اللجوء للسرية مواجهةً للقمع. ففي عالم تحكمه الروايات المتبجحة، تعلم الصغر أن يشق طريقه بحذر. ولذا سيكون علينا أن نحدس سرها. أنا شخصيا أتخيل أن القصة القصيرة تخفي أمنية. أتخيل القصة القصيرة تقول للرواية: خذي كل شيء، كل شيء، أما أنا فلا أريد غير حبة رمل. وإذا الرواية تهز كتفيها بلا مبالاة، وفرح واستخفاف، وتبارك الأمنية.
ولكن حبة الرمل هي مخرج القصة. حبة الرمل خلاص القصة. وأعرف هذا من وليم بليك: «أن ترى العالم في حبة رمل». تخيلوا: العالم في حبة رمل، أي أن كل جزء من العالم، مهما يكن صغيرا، يحتوي العالم في تمامه. أو بعبارة أخرى: لو ركزتم أنظاركم على جزء يبدو تافها من العالم، فلن تروا، في العمق منه، إلا العالم نفسه. في تلك الحبة الوحيدة من الرمل ثمة الشاطئ الذي يحتوي حبة الرمل. في تلك الحبة الوحيدة من الرمل ثمة المحيط الذي يضرب الشاطئ، والسفينة التي تمخر المحيط، والشمس التي تشرق على السفينة، والرياح المجرية، وملعقة شاي من تكساس، وبنية الكون. وهنا ترون طموح القصة القصيرة، الطموح الرهيب الكامن خلف التواضع الماكر: أن تجسد العالم كله. القصة القصيرة تؤمن بالتحول. تؤمن بالقوى الخفية. الرواية تؤثر الأشياء الواضحة. ليس لديها صبر على حبات الرمل الوحيدة، التي تسطع وتتوهج، فتصعب رؤيتها. الرواية تريد أن تكتسح كل شيء في حضنها الرهيب ـ السواحل والجبال والقارات. ولكنها لا يمكن أن تنجح، لأن العالم أوسع من الرواية، وهو يمرق ويمرق في كل لحظة، والرواية تثب وتثب من مكان لآخر، في جوع دائم، ونهم دائم، وخوف دائم من أن تنتهي، لأنها حينما تتوقف، منهكة ولكن في غير ما سلام، سيفلت منها العالم. بينما القصة القصيرة تركز على حبتها الرملية، في إيمان رهيب بأن هناك، وهناك بالذات، في راحة يدها، يكمن الكون. إنها تنشد معرفة حبة الرمل هذه نشدان عاشق معرفةَ وجه معشوقه. إنها تتطلع إلى لحظة تكشف فيها حبة الرمل حقيقتها الحقة. في لحظة الاتساع الصوفي تلك، حينما تنبجس الزهرة الكونية من البذرة الصغيرة، تستشعر القصة القصيرة قوتها. تصبح أكبر من نفسها. تصبح أكبر من الرواية. تصبح كبيرة كبر الكون. هنالك يكمن لاتواضع القصة القصيرة، وعنفها السري. منهجها هو الإيحاء. ضآلتها هي سر قوتها. ضخامة الرواية الثقيلة تبدو صورة مضحكة لضعفها. لا تعتذر القصة القصيرة عن شيء. فقط لا تزال تريد أن تكون أقصر. تريد أن تكون كلمة واحدة. لو أنها تعثر على تلك الكلمة، لو أنها تستطيع أن تنطق ذلك المقطع الصوتي، سترون الكون كله يضج بالهتاف. ذلك طموح القصة القصيرة الخارق، ذلك يقينها العميق، وفي ذلك عظمة الصغر.

* ستيفن ميلهاوزر قاص وروائي أمريكي صدرت أحدث مجموعاته بعنوان «ضحك خطر: ثلاث عشرة قصة قصيرة». صدر له من قبل رواية «إدون ملهاوس: حياة وموت كاتب أمريكي» عام 1972 وحصلت في فرنسا على جائزة بري ميديسي ومنذ ذلك الحين أصدر تسعة كتب بين الروايات والقصص والروايات القصيرة. يقوم بتدريس اللغة الإنجليزية في كلية سكيدمور. تحولت قصص له إلى أفلام سينمائية، وترجمت أعماله إلى أربع عشرة لغة.

ثلاث قصص قصيرة جدا
أنطوني فارالو

الصبي

كان والدا الصبي يحذرانه دوما أنهما سوف يخرجان ويتركانه في البيت إن لم يتوقف عن تصرفاته الخاطئة. وذات يوم فعلاها. قالا له «لقد حاولنا أن ننبهك» وأغلقا الباب وانطلقا بالسيارة. تجاهلا تلويحته لهما (تذكروا أنهما كانا غاضبين منه). تابعهما الصبي من الشباك. ولم يكن من قبل قد أدرك كم يكون أبواه ظريفين في السيارة. كأنهما دميتان صغيرتان. أو حيوانان أليفان.
ومرت سنوات.
كبر الصبي. صار يقص العشب في الممشى الأمامي بحصادة أبيه التي تركها ويصلح الثياب بآلة أمه السنجر. كان في الإجازات يدعو الجيران لتناول شراب التفاح الدافئ وكعكة المكرونز. وكان جيرانه يريدون دائما أن يسألوه «ما الذي حدث لأبويك؟» ولكنهم بطريقة أو بأخرى لم يتطرقوا قط إلى الأمر. وكانوا يسألونه عن وصفة كعكة المكرونز.
فكان يعترف «إنها مزيج من الوصفات».
في المدرسة الثانوية لعب البيسبول وكان نجم مسرحية التخرج. قابل فتاة تلف شعرها بشريط وكان أحيانا يدعوها إلى بيته، وهناك حكا لها عن أبويه. بكت الفتاة وقبلته وحلت الشريط عن شعرها. إحدى عشرة كلية قبلت أوراق الصبي. كان الصبي يلعب البلياردو ليلا على منضدة أبيه، التي كان الصبي قديما يختبئ تحتها بعد أن يتصرف بشكل غير لائق. أو ربما كان الصبي يتخيل ذلك لا أكثر. الأمر أنه لم يكن قادرا أن يتذكر ما الذي فعله فدفع أبويه إلى الخروج. فكر أنه شيء ما. شيء ما فعله.
وذات يوم كان الصبي جالسا على مقعد الاسترخاء الذي أصلحه مؤخرا حين ظهر والداه في مدخل البيت. (لم يكن الصبي يصدق من قبل تعبيرا من هذا النوع، ولكنه كان يرى بعينيه أنه حقيقي، فالناس يمكن بالفعل أن يظهروا هكذا بغتة في المدخل). كان أبوه، وكانت أمه، أيضا. ياه!
قال أبوه «ماذا فعلت بمقعد الاسترخاء؟»
أخذ الصبي معطفي أبيه وأمه المبلولين من المطر. وسأل الصبي «هل تريدان أن تشربا شيئا؟»
قال الأب «نحن لسنا ضيوفا». كبر الأب، وبات صوته مرتعشا. جاء إليهما الصبي ببعض الشاي.
جلس الثلاثة في غرفة المعيشة ومضوا يشربون الشاي. كانت خيوط الضوء تدخل من الشبابيك الأمامية راسمة أشرطة طويلة عبر الغرفة. تأمل الصبي أبويه. كانت أمه لا تزال جميلة على طريقتها، ولكنها أكبر، وأثقل، وعيناها ترفضان مقابلة عينيه. أبوه كان يقبض بيديه على قبعته ـ نفس القبعة! ـ ويجول بعينه في الغرفة بخيبة أمل بادية. تتحرك عقارب الساعات بصوتها الرتيب. وسيارات تمر بين الحين والآخر، فتجدد الصمت الذي يلف الثلاثة.
وأخيرا قال أبو الصبي «كل ما أردناه هو أن نلقنك درسا، فاهم؟ لتعي درسا»
رمت أم الصبي فنجانها وأمسكت وجهها بيديها وصاحت «ذلك كل ما أردناه. قل إنك تفهم».

الأيام الأولى

في الأيام الأولى ينام الطفل في سبت الغسيل.
«أليس في هذا خطر؟» يتساءل الأب، ولكن من أين له أن يعرف أي شيء؟ هذا طفله ـ طفلهما ـ الأول. الأب متوتر. ولم يسبق للأب أن توتر بهذا الشكل من أي شيء. تشرح له الأم أن «هذا ورد في الكتاب». ولكن الطفل لن يستطيع النوم في سبت الغسيل، ومن يستطيع؟
السبت مشقوق من أحد طرفيه، فقد طولب مرات كثيرة بإمساك المناشف المبلولة بينما يسنده الأب على السيارة ريثما يعثر على المفاتيح. ليست لديهم غسالة، أو مجفف، فهما مرغمان على الذهاب إلى المغسلة. في الأيام الأولى يغسل الأب سبعة عشر حملا من الغسيل.
في الليل، يتناوبان تهدئة الطفل. فالطفل قادر على البكاء. والطفل يثني ظهره ويصرخ، محمر الوجه، عاقدا قبضتيه بشدة.
يسأل الأب «ما الذي يقوله الكتاب؟». ولكن الأم نائمة. في الأيام الأولى ينامان كلما أمكنهما ذلك. في الأيام الأولى تحلم الأم بالكتان.
الأب والطفل لهما روتين ليلي. يحمل الأب الطفل على مقربة من صدره ويتواثب به على السرير الذي تنام عليه الأم بينما ينظر إلى غصن الشجرة الوحيد الذي يمكن رؤيته من شباك غرفة النوم. يحب الأب هذا الغصن، ويؤمن أن الطفل يحبه أيضا، فقد حدث مرتين أن نام الطفل بعد أن لفت الأب انتباهه إلى فروع الغصن وهي تقتنص نور القمر بطريقة آسرة. يزداد تنفس الطفل عمقا، وبطئا. في الأيام الأولى تستيقظ الأم على الأب وهو يتواثب، مغمض العينين.
في أول سبعة عشر حملا من الغسيل، يتفحص الأب المجفف من الداخل ليتأكد أنه لم يلق بالطفل إليه مع الثياب. يعرف أنه خوف غير مبرر، ربما بسبب قلة النوم، ولكن من يدري. في الأيام الأولى يشاهد الأب أوبرا في تليفزيون المغسلة.
«أظن علينا أن نطمئن من الطبيب على برازه». تقول الأم وهي تتفحص أحد الحفاضات. الطفل يرضع من صدرها. «شكله ليس مثل براز الكتاب».
يتناول الأب الكتاب، ويبحث في الفهرست عن البراز. في الأيام الأولى يوجد الكتاب فوق التليفزيون.
أحيانا يبدو الغصن مضيئا بصورة خلابة في نور القمر. كيف لم يلاحظ الأب من قبل مدى سطوع نور القمر؟ في الأيام الأولى يرى الأب بومة وثلاثة وطاويط على الشباك.
ذات ليلة ينام الطفل بغتة داخل السبت.
«كان الكتاب على حق» تهمس الأم.
«دائما يعجبني هذا الكتاب» يقول الأب.
مع حمل الغسيل الثامن عشر لا يتفحص الأب المجفف من الداخل. يأخذ الثياب ويطويها داخل السبت. ولا يخطر بباله وهو يقترب من الموقف، حيث ينبغي عليه أن يسند السبت على السيارة، ان الأيام الأولى مضت، وأن الأيام التالية لها بدأت.

كانت تتساءل أحيانا عما سيحدث

كانت أحيانا تتساءل عما سيحدث لو عرف. سيغضب طبعا، لا مفر من هذا. سيجن جنونه. سيقول أشياء لا يعنيها، كما يفعل دائما في كل شجار. سيقول إنه لا يصدق أني فعلت هذا به. كيف قدرت أن تفعل هذا به؟ لماذا تفعل به دائما أشياء كهذه؟ هل فكرت ولو للحظة في هذا؟ وسيريد أن يعرف إن كانت بجد قد فكرت ولو للحظة في كل الطرق التي خذلته بها. سيسرد طرقا عديدة. سيضرب أمثلة. هو دائما مغرم بضرب الأمثلة، من قبيل، «هذا بالضبط مثل المرة التي أعطيت فيها تلك المرأة عملتها النادرة بعد أن وجدتها في المنفضة» أو «هذا بالضبط مثل المرة التي سألتك فيها إن كنت أرسلت صندوق الطعام واتضح أنك تركتيه في سارسوتا»، أو «هذا بالضبط ما أتوقعه من امرأة تسرق الكابل».
بعد ذلك سوف يتجهم. يا إلهي كم سيتجهم لو عرف. سيتناول سترته ويخرج من البيت وهو يهوش. سيصفق الباب ـ تراخ ـ ويعود بعد ساعة، وهو غير قادر على التفكير في أي شيء يمكن أن يعمله ويكون مساويا لكم غضبه. بعد ذلك، سيشرب قليلا من البيرة من الثلاجة، ويستمع للموسيقى عبر سماعات الأذن، والعبوس يكسو وجهه مثلما يكسوه دائما كلما شرب بيرة واستمع للموسيقى عبر سماعات الأذن. سينام على الكنبة تاركا التليفزيون مفتوحا. وحين تقول له تصبح على خير سيتظاهر أنه لم يسمعها. سيتنقل بين القنوات، مشاهدا كل البرامج التي تكرهها كل الكراهية، والتي تعرف أنه هو أيضا يكرهها، مثل سي إس آي، وبنات الجيران. وفي اليوم التالي سيخرج من البيت قبلها، عسى أن يثير قلقها.
ولكنها أحيانا لا تتساءل عما يمكن أن يفعله لو عرف، وكل شيء يكون على ما يرام. يذهبان معا إلى السينما، أو المكتبة، أو سوق الخضار، ولا تفكر مطلقا فيما سيحدث لو عرف. يتكلمان، يتبادلان النكات، يضحكان. تمر أيام. وأسابيع. يمارسان الروتين السعيد المعتاد دائما. يأكلان في العديد من المطاعم الهندية ويزوران عائلته في أركانسو. يمارسان الحب. طبعا يفعلان هذا. ويمر وقت كثير فتصحو في بعض الصباحات وهي مبتهجة ومتفائلة، بل ومنتشية، ولكنها حينئذ تنكر فيتبدد الإحساس وتتساءل عما سيفعله لو عرف.

* فازت مجموعة أنطوني فارالو القصصية «بصوت عال» بجائزة درو هاينز الأدبية التي تمنحها مطبعة جامعة بيتسبرج عام 2008. فازت مجموعته الأولى «حدث في مثل هذا اليوم» بجائزة جون سيمن للقصة القصيرة التي تمنحها مطبعة جامعة أيوا عام 2005. نشرت قصصه القصيرة في العديد من المجلات المرموقة، والقصص الثلاث المترجمة هنا نشرت في عدد 2009 من مجلة أجني.

بدأ يؤلم
جيمس لاسدن

ـ يعجبك الغداء مستر براير؟
ـ ممتاز
ـ كنت في سورليز؟
ـ لا، بل في... مكان صيني.
ـ المدام اتصلت
اتصل بالبيت، ردت زوجته
ـ في أي مصيبة كنت حتى الآن؟
ـ آسف يا حبيبتي. غداء مزعج و...
غريب كذبه عليها مرة أخرى. وحول جنازة!
ـ توم في الطريق. هات سلمون وأنت راجع، هاته من عند دالجليش. سلمون بحري، لا سلمون مزارع. الأفضل تذهب فورا، قبل أن ينفد السلمون.
إنه يوليو، صيف حارق. مشى ببطء، يفكر في الطقوس التي حضرها للتو. من بين الخمسة أو الستة مشيعين لم يكن يعرف غير المحامي الذي عرفه بماري منذ عشر سنوات والذي أخبره بموتها منذ أسبوع.
صعقه الخبر، لم يكن يعرف أنها مريضة، ولكنه أيضا لم يكن رآها منذ سبع سنوات. أثناء الطقوس وجد نفسه يبكي ولا يملك أن يسيطر على نفسه.
رفع البائع في دالجليش سمكة بطول ذراعه من تحت غطاء من الثلج والأعشاب البحرية.
ـ ما رأيك في هذه؟
ـ أوكي، ممكن ...
ـ الأحشاء والقشر؟
ـ من فضلك
شق البائع بطن السمكة بسكينة قصيرة، ساكبا الأحشاء الصفراء المنداة في دلو. سكب الماء على القشور العالقة واللحم الأحمر الداخلي ثم لف السمكة في ورقة ووضعها في كيس بلاستيكي. كانت أطول بست بوصات من ثلاجة المكتب.
ـ ملعون أبو السلمون
نزل إلى المخزن. كانت هناك مصايد بالصمغ فيها فئران وخنافس ميتة، ولكن الجو كان أبرد من الطابق الأعلى. استطاع بصعوبة أن يضع السمكة في درج خزانة ملفات قديمة. قضى بقية العصر في العمل على قوائم إيجارات جديدة. وعندما انتهى كانت عيناه تحترقان. تأخر الوقت وعليه أن يسرع إلى محطة مترو الأنفاق. دخل تشارنج كروس عرقان، لاهثا، ولحق في الوقت المناسب نمرة أربعة وستين.
في القطار نمرة أربعة وستين، المزدحم بركاب آخر الأسبوع، وجد نفسه يفكر في ماري. كانت أحيانا تغني في أذنه أغنية لا معنى لها، بفم قريب كأنها تسر بشيء. تذكرغرابة عزلتها في لندن، ولامبالاتها الأغرب بتلك العزلة. لم يكن بوسعهما تدبر نفقات الفنادق فكانا يتظاهران بأنها زبونة مهتمة بإحدى عقارات شركته. وكل بيت دخلاه كان عالما مختلفا. وكل ممارسة للحب في "شقة فكتورية فخمة على مستويين" أو "شقة دافئة ذات حديقة" مغامرة في سلسلة حيوات محتملة يحفل كل منها بمتعه الطائشة: فهما في عصر يوم اشتراكيان ثريان، وفي آخر طالبان بوهيميان ... ولثلاث سنوات شعر أنه الرجل الأسعد في الدنيا، والأوفر حظا. لم تطلب منه ماري قط أن يترك أسرته، وكان يعتبر هذا أيضا جزءا من حظه.
ثم، فجأة، أنهت كل شيء. قالت له "أنا أحبك. وهذا بدأ يؤلم".
كانت زوجته تنتظره على باب المحطة.
ـ أين السلمون؟
فجأة سرى الرعب داخله.
ـ نسيته
استدارت عنه فجأة، ثم نظرت إليه بسرعة
ـ أنت عبيط. بجد أنت بني آدم عبيط

* جيمس لاسدن، شاعر وقاص وروائي بريطاني يقيم في الولايات المتحدة. تحولت قصة قصيرة له بعنوان "محاصَر" إلى فيلم لبرتولد برتولوتشي. مارس تدريس الشعر والقص في جامعات برنستاون ونيويورك وكولومبيا.

مخاوف غير مبررة
فرناندو سورنتينو

لست شخصا اجتماعيا بدرجة كبيرة، فغالبا ما أنسى أصحابي. أمضيت مرة سنتين قبل أن أذهب في أحد أيام يناير سنة 1979 ـ وكانت أيام حر شديد ـ لزيارة صديق لي يعاني بطريقة ما من مخاوف لا مبرر لها. اسمه ليس مهما، فلنطلق عليه ـ لنطلق عليه فقط ـ اسم إنريك فياني.
في يوم ما من مارس 1977 تغير مسار حياته.
يبدو أن إنريك كان في غرفة المعيشة في بيته، قرب باب الشرفة، حين رأى فجأة عنكبوتا "هائلا" ـ حسب قوله ـ على حذائه الأيمن. ولم يكد يفكر أن هذا أضخم عنكبوت رآه في حياته، حتى ترك الحيوان مكانه على الحذاء، وانسل داخلا بين الساق والبنطلون.
أصاب "الذهول" إنريك فياني ـ حسب ما قال. فلم يكن قد حدث له شيء كريه كهذا من قبل. وفي تلك اللحظة تذكر قاعدتين قرأهما في مكان أو آخر، وهما (1) أن جميع العناكب، بدون استثناء، حتى الأصغر من بينها، تحمل سما، وبوسعها أن تنفثه و(2) أن العناكب تلدغ فقط في حالة إحساسها بالهجوم أو الانزعاج. وكان واضحا له أنه لا بد أن يكون في العنكبوت الضخم قدر وافر من السم، ومن النوع مكتمل السمية. ولذلك فكر إنريك فياني أن أحكم شيء يمكن أن يفعله هو أن يبقى ساكنا، ما دامت الحشرة سوف تنفث فيه، لأقل حركة يقوم بها، جرعة نهائية من السم القاتل.
هكذا بقي متسمرا لخمس ساعات أو ست، آملا بصورة منطقية أن يترك العنكبوت في النهاية موضعه على ساقه اليمنى، فمن الواضح أنه لن يستطيع المكوث طويلا في موقع لا يجد فيه أي طعام.
وما إن وصل إلى هذه النبوءة المتفائلة، حتى شعر أن الزائر قد بدأ بالفعل يتحرك. كان العنكبوت ثقيلا، وجسيما، لدرجة أن إنريك فياني كان يشعر ويحصي دبات أقدامه الثماني المشعرة، واللزجة قليلا، على لحم ربلته المنتفخة. ولكن الضيف لسوء الحظ لم يكن يتحرك ليرحل، بل إنه بدلا من ذلك عشش بصدره و بطنه النابضة الدافئة في الفجوة الموجودة عندنا جميعا خلف ركبنا.
حتى هنا يكون لدينا الجزء الأول ـ والأساسي طبعا ـ من هذه القصة. بعد ذلك حدثت تنويعات ليست بالغة الأهمية، ومن ذلك حقيقة أن إنريك فياني أصر ـ من فرط خوفه من اللدغ ـ على البقاء متحجرا لأطول فترة ممكنة برغم أن زوجته وابنتيه كن يتوسلن إليه أن يتخلى عن هذه الخطة. وإذا بهم جميعا في هذه الحالة من الشلل التي لم يكن من الممكن في ظلها إحراز أي تقدم.
بعد ذلك شرفتني جارثيلا ـ الزوجة ـ إذ استدعتني لأرى إن كان بوسعي حل المشكلة. وكان ذلك حوالي الثانية ظهرا: ضايقني قليلا أن أتخلى عن قيلولتي الأسبوعية الوحيدة، فلعنت في سري الناس الذين يعجزون عن تدبير أمورهم. وما أن وصلت منزل إنريك فياني حتى وجدت مشهدا مثيرا للشفقة: كان واقفا بلا حراك، وإن لم يكن في وضع متيبس، كأنه في حالة الاستراحة العسكرية، وجارثيلا والبنتان يبكين.
استطعت أن أبقى على هدوئي وحاولت أن أهدئ من روع النساء الثلاثة أيضا. ثم قلت لإنريك فياني إنه لو وافق على خطتي، فإنني قادر على القيام بعمل سريع مع العنكبوت الغازي. فتح إنريك فياني فمه أقل فتحة ممكنة، بحيث لا تصل اهتزازة ما إلى عضلة ساقه، وسألني:
"خطة ماذا؟"
شرحت له، سآخذ موسى، وأقوم بعمل شق طولي من أعلى إلى أسفل في بنطلونه إلى أن أصل إلى العنكبوت بدون حتى أن ألمسه. وبمجرد أن يحدث هذا، سيكون من السهل عليّ أن أضربه بجريدة مثنية، فأطرحه أرضا ثم أقتله أو أمسكه.
همهم إنريك فياني قائلا بيأس "لا، لا". وقال وهو يحاول أن يتمالك نفسه "ستتحرك رجل البنطلون فيلدغني العنكبوت. لا، لا، هذه فكرة مرعبة".
تصيبني الناس العنيدة بضيق بالغ. وخطتي التي يمكن أن أقول ـ ولا فخر ـ إنها مثالية، يأتي هذا التعيس الذي ضيع على قيلولتي ليرفضها، وليت رفضه لها عن سبب وجيه، بل لأنه ـ من الآخر ـ كان يتعالى عليها.
قالت جارثيلا "أنا الآن لا أعرف ما الذي يمكن بحق الجحيم أن نفعله، والليلة أيضا عندنا عيد ميلاد باتريشيا الخامس عشر".
قلت "ألف مبروك" وقبلت فتاة عيد الميلاد.
"ولا يمكن أن نترك الضيوف يرون إنريك وهو واقف هناك كالتمثال".
"وأليخاندرو، ماذا سيقول؟"
"أليخاندرو من؟"
"صديقي" باتريشيا، طبعا، هي التي قالت هذا.
قالت كلوديا، الشقيقة الصغرى، "عندي فكرة، يمكن أن نتصل بـ دون نيكولا و ..."
فليكن واضحا أنني لم أكن مبهورا بخطة كلوديا، ولم يكن لي أصلا أية علاقة بتبنيها. لقد كنت في الواقع مستميتا في معارضتها. ولكن الجميع كانوا يؤيدونها من كل قلوبهم وإنريك فياني بالذات كان الأكثر حماسا من غيره.
وهكذا دخل علينا دون نيكولا، وعلى الفور، ولأنه رجل أفعال لا أقوال، بدأ الشغل. فبسرعة أخذ يقلب القصعة، وطوبة بعد طوبة، أخذ يبني حول إنريك فياني أسطوانة طويلة رقيقة. أتاح ضيق الثكنة ـ ولم يكن الضيق مشكلة بأية حال ـ لإنريك فياني أن ينام واقفا دون أن يخاف من السقوط أو من فقدان وضعها الصحيح. بعد ذلك بدأ دون نيكولا يكسو البناء بملاط، ثم طلاه بالأخضر الطحلبي بحيث تت