السبت، 16 ديسمبر 2017

إنهم يكتبون الأدب في 2017!

إنهم يكتبون الأدب في 2017!
جو فاسلر

في أغلب الليالي، قبل أن أدخل السرير، أتسلل إلى الغرفة التي ينام فيها ابني الصغير، متخففا في مشيتي، وأقتل جهاز استقبال الإنترنت. ينخلع القابس من الجدار بصوت خافت، مشبِع، وفي الصندوق البلاستيكي ينطفئ صف من المصابيح الصغيرة الخضراء.
تعلمت أنني لا بد أن أفعل هذا. فبغير ذلك، سوف أستسلم في الصباح للغواية، غواية النهوض،وفتح اللابتوب، والبدء في قراءة الأخبار. أعرف أن قرار قراءة الأخبار ذلك سوف يبدو بريئا، بل لازما، في تلك اللحظة. لكنني أعلم أيضا أنني أريد أن أقضي صباحي في الكتابة بقدر ما أستطيع، وأن لإشارة الواي فاي من القوة ما يكفي ليحرفني عن طريقي. فحتى خمس عشرة دقيقة من تصفح تويتر ـ إن استطعت أن أحد نفسي بها ـ تترك في نفسي شعورا بالتخمة، والغضب، والذعر، والإرهاق، والانتشاء الغريب. فبدلا من إغراق عقلي في أصوات الآخرين، أنسحب. وهكذا يبدأ عملي بالانفصال، بهذا القطع الملموس الذي أقوم به كل ليلة قبل أن أنام.
على كثرة شكاوانا من الرقمنة المتزايدة لحياتنا، لا تمثل هذه في الحقيقة مشكلة جديدة. فالكتابة كانت تستوجب فصل الأسلاك منذ زمن بعيد سابق على وجود الكمبيوتر. ذلك فعل رفض وامتناع وانسحاب، ذلك قرار بالانصراف عن العالم وجلبة احتمالاته، إلى الصفحة البيضاء. فذلك العمل ـ العميق الدائم مثمر القصائد والمقالات والقصص ـ لا يمكن أن يتحقق إلا في عزلة، وفي صمت.
وتلك هي المشكلة.
على مدار العام الماضي، سمعت كتابا عبر تويتر وعبر أحاديث شخصية، يعبرون عن شكهم في الدافع الأدبي، والانعزال الذي يستوجبه. ولعلك أحسست بذلك أنت أيضا وإن لم تكن تكتب. فالحاجة إلى أن تكون مواطنا حاضرا مسموعا مسؤولا باتت واضحة في 2017 بصفة خاصة. فاللحظة تستوجب حالة دائمة من اليقظة والمشاركة، بحيث قد تشعر بالخجل من فكرة الانسحاب إلى نفسك، ولو لوقت عابر.
لا أقول بذلك إن أحدا فقد إيمانه بالأدب ذاته، وما أبعدني عن قول ذلك. ففي أوقات الشدائد بالذات، نجد في الكتب المكتملة قدرة استثنائية على المواساة والتحدي والهداية. لكنني أرى الكتاب يزدادون نفورا من فعل الكتابة نفسه. فلا شيء يضمن أن أعمالنا التي لم تزل في طور الكتابة ـ فلا تزال تطمح ولا تزال تبحث عن أشكالها ولا تزال تكافح من أجل الوجود ـ سوف تبدو عند اكتمالها جديرة بالوقت الذي اختلس لكتابتها.
ظل هذا التوتر ـ بين العمل الخاص والواجب العام، بين الفن والحياة نفسها ـ مصدر قلق لي على مدار السنوات الخمس الماضية التي قضيتها في محاورة الكتّاب. لقد كان الهدف من زاويتي "عن ظهر قلب" By Heart ـ  المستمرة في مجلة ذي أطلنطيك والتي جمعت أخيرا بجانب مواد جديدة في كتاب "نور وعتمة: الإبداع والإلهام والعمل الفني كما يتناوله الكتّاب" هو أن يناقش الكتاب فقراتهم المفضلة من الأدب، موضّحين كيف تأثروا بها وتشكلوا من خلال ذلك التأثير. لكنني أدفع الكتاب إلى التعمق في كل مقالة أيضا. رغبة مني في أن أعرف، لماذا يكتبون؟ وكيف يبرِّرون الوقت والعزلة اللذين تقتضيهما الكتابة؟ والآن، وقد تجاوزت مئة وخمسين مقابلة، أعتقد أنني اقتربت من بعض الإجابات.
هناك مكان واحد أمين يمكن الانطلاق منه، وهو هذا: أن الكتابة تبدأ بدافع لا مبرر له. يعترف خالد حسيني أنها "قهرية". ويصفها مارك هادون بأنها "هاجس يتاخم المرض، شيء لا بد أن أمارسه بانتظام فأشعر بإنسانيتي". ويبدو أن الكتَّاب الذين أحاورهم يتفقون بصفة عامة على أن: الكتابة ليست شيئا يفعله الناس لأنهم نظروا إلى العالم بفتور وقرَّروا أن الأدب شيء نريد المزيد منه. هي شيء ملح، وهي قبل كل شيء، بدائية وأصيلة كالجوع أو الشهوة، وهي عهد أكثر منها خيار. وذلك يعني بالنسبة لأغلبهم أن صعوبة الكتابة خير لهم من شقاء عدم الكتابة. وكاثرين هاريسن تقولها بوضوح: "أنا أحب الكتابة، وأنا بدونها بائسة، وبمرور الوقت، يصبح الناس من حولي بدونها بائسين أيضا".
ومع ذلك، فحقيقة أن الإنتاج الأدبي ينبع من جوع بدائي لا تبدد إحساسنا بالذنب الناجم عما في الفعل نفسه من إحساس بالتخلي. ذلك أننا عندما نكتب، فإننا في نهاية المطاف نتخلى عن عمل الكثير جدا من الأشياء. فنحن لا نلتفت إلى الأصدقاء والأهل والأخبار، ونغلق هواتفنا، وننزع قوابسنا. وهكذا يصعب التخلص من الإحساس الخانق بأن الانسحاب إلى الإبداع هروب.
في حلقة أخيرة من سلسلة "by the book" في ملحق نيويورك تايمز لعروض الكتب، شبَّه آندي واير الكتابة بالتلهّي المرح، التلهي الذي لا تطاله المخاوف السياسية أو الأخلاقية. فهو بهذا يمضي بوضعيته الانفصالية إلى أقصى مداها، مشيرا إلى أن إنتاج فنه وتلقيه يجب أن يكونا في مأمن تام، وحالة تنكسيةكاملة، بعيدا عن أي هموم خارجية.
كتب يقول "إنني أميل إلى اجتناب الأدب ما كان منه مفرط السوداوية أو الجدية أو ما كانت له رسالة سياسية. الأدب بالنسبة لي لون من الهروب. أريد أن أرحل عن العالم الواقعي، لا أن أقعد فيه وأجدّ في تأمله".
وواير، بطريقته، محق: فالكتاب لا يدينون للعالم بالضرورة بأي شيء إلا العمل الذي يمكن أن يستمتع به الآخرون. ولكن من الصعب الاصطفاف وراء هذا الضرب المتشدد من الهروبية وأنت تقرأ بقية حلقة واير التي استعملها ـ مثلما أوضح تويتر بعد ذلك ـ في الاحتفاء بأعمال غيره من الكتّاب البيض دون غيرهم. إن واير مثال دراماتيكي للمنحدر الزلق الشهير، مثال لعبادة الفن للفن التي يمكن أن تتحول إلى رفض للنظر في تواطؤنا مع نقائص الوضع الراهن.
أما أغلب الكتاب الذين التقيتهم فيفتقرون إلى الرغبة في الهروب من العالم، بل يرغبون في توسيعه، مستعينين على ذلك بإمكانيات اللغة. وأحسب أن آيمي تان عبرت عن ذلك أفضل تعبير: "إن الإحساس الذي أتكلم عنه ينبع من عجزنا التام عن التعبير عما نحن إياه. عندما كنت في السادسة أو السابعة، كنت ألوذ بالمعجم لأبحث فيه عن الكلمات التي تعني بالضبط ما أشعر به. ولم أستطع العثور عليها قط ... حينما كان ينتابني إحساس شبيه بالحزن، لم أكن أستطيع العثور على كلمة تعني كل ما أشعر به بداخلي. كنت أشعر دائما أن الكلمات ناقصة، وإنني لن أملك مطلقا التعبير عن نفسي، مطلقا. وحتى الآن، يصعب كثيرا التعبير عما أفكر فيه أو أشعر به، أو إجمالي ما رأيت. وليست هذه الوحدة إلا دافع الكتابة.
بعبارة أخرى: بيان هذه التجارب الإنسانية هو طريقة لمحاربة الوحدة الوجودية التي يشعر بها كلٌّ من الكاتب والقارئ. وكل من أحب كتابا حق حبه يعلم كيف يقلص الكتابة المسافة بيننا. لكن الأمر أكبر من ذلك. هي محاولة للكلام حيث كان الصمت، أو تسمية ما لم يكن له اسم، هي محاولة جوهرها سياسي، وثوري، لأنها تعمد على نحو شديد الواقعية إلى توسيع الحدود، حدود ما يمكن قوله ابتداء، ثم حدود ما يمكن عمله، وأخيرا حدود الممكن نفسه.
والكتابة، أيضا، تحولنا من الداخل. وقد سمعت كثيرا من الكتاب يصفون عملية الكتابة بوصفها فعل توازن بالغ الرهافة، وسبيلا إلى ربط ذات النهار الواعية، بعالم غبشة اللاوعي. وأتصور أن يكون هذا هو السبب الذي حدا بأندريه دوبو وريتشارد باوش وسيليست نج وحنا تينتي وبين ماركوس وأيلين مايلز ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ إلى وصف عملهم لي متوسلين بلغة الحلم. فالكتابة تبدو ـ كما الأحلام ـ تجربة لا تكون لنا فيها السيطرة الكاملة. وكالأحلام، تملك الكتابة القدرة على فتح صدع رقيق في ما أغلق عليه اليقين. ومن هذا الشق الرهيف ينبعث من الأفكار والهويات كل ليِّن فيّاض عميق.
هذه التجربة هي التي تتيح لكاتبة مثل روكسان جاي ـ بتأثير من NW لزادي سميث ـ أن تصف الكتابة بأنها وسيلة اتخاذ وضعيات متنوعة ومتناقضة، والاعتراف بالأصوات الكثيرة التي ننطوي عليها، إن لم يكن التصالح معها.
قال لي جورج سوندرز إن "الأدب قادر أن يتيح لنا إقامة عابرة في أرض الغموض التي لا نعرف فيها فيم بحق الجحيم يمكننا أن نفكر. ولا نستطيع أن نطيل المقام هناك. فليس هذا من طبيعتنا. يمكن أن تحار فعليا في أمر ما ثم بعد عشر دقائق تتشبث في آرائك كمن يستمسك في سترة نجاة. ولكن هذا التعرض العابر لأرض الغموض مفيد فعلا فعلا لنا. أن تحار في أمر ما حيرة حقيقية ولو لثوان قليلة أمر مفيد لأنه يجعلنا ننفتح على فكرة أن ما نعرفه الآن غير مكتمل".
لقد تسببت الأصولية والتطرف والتزمت الأخلاقي في مشاكل جسيمة للبشر في جميع العصور، وفي عصرنا، ولكن فعل الكتابة يذكرنا أن كل الأشياء مختلطة. فعل الكتابة يرد إلينا إعجابنا بالتعقيد والإلغاز اللذين نسميهما الجمال. نحن كائنات تتكلس بالعادة وبالدوجما ولكن فعل الكتابة يشجعنا أن نتذكر كيف نندهش.
إننا الآن في فجر عصر من صنع الإنسان، عصر تحول فيه شهوات الإنسان العالم إن لم نقل إنها تنهبه وتخربه. فإفرطانا في الاستهلاك، وحالة الجوع الجمعي التي تعترينا، تنطبع حرفيا على الأفق من حولنا، على البحر وعلى السماء، وتنطبع بصورة منذرة. ولكن الأدب وسيلة انسحاب من ذلك المسار، ولو مؤقتا. فالشخص الكاتب، شأن الشخص القارئ، لا يكاد يستهلك شيئا. فالكتابة وسيلة لقطع مؤقت في الروابط التي تجعلنا جزءا من أنظمة الإنتاج الاستنزافية المزعجة. فالشخص الذي يكتب في دفتر ـ مثلما يفعل كثير من الكتاب حسبما أخبروني ـ لا يسهم في تقوية الشركات بالتسوق أو استعراض الإعلانات أو استعمال وسائل الإعلام الاجتماعي. ولا هو يحرق وقودا حفريا. وهذه المقدرة على عدم إلحاق الضرر ـ ولو لمجرد ساعة ـ مقدرة نادرة، وراديكالية في عصرنا المتشابك المشوش.
وأعتقد أن هذا جزء من صعوبة الكتابة أيضا. فثمة كميات لا يمكن تصورها من النقود التي يتم إنفاقها يوميا على جانبنا الذي لا يتوقف عن أن يريد ـ وهو لا يريد فقط الغذاء والمأوى والجنس والأمن والقوة والوضع، بل يريد المعلومات والجدة والاتصال. إننا نتعرض عند جميع المنعطفات لهجوم الرغبات، وإننا مشدودون إلى كل اتجاه بالرغبات. وبوصفنا من أبناء العالم الأول في القرن الحادي والعشرين، فإن أول ما نفعله كل صباح هو أننا نتفحص هواتفنا، وتلك [أي الهواتف] كلمة من القرن التاسع عشر نستعملها لإضفاء الألفة على آلاتنا الوهاجة المحمولة، تلك النوافذ التي نظل نربت عليها إلى أن ترينا ما نريده. ولكن الكتابة بالضرورة "لا" تقال في وجه ذلك كله. هي نشاط لا بد من ممارسته أحاديا، وما من سبيل آخر للقيام به. ومن ثم فهي نشاط يذكرنا بإحساس القيام بعمل واحد.
أفكر الآن في ملائكة الفردوس إذ سألها دانتي عن سر سعادتها فقالت "أن شوقنا هو إلى ما لدينا". الكتابة التزام بالشوق إلى ما لديك: ساعة تنفقها، وقلم، وورق، وهدير العقل البطيء ولا شيء آخر. وذات مرة قال ستيفن كينج "لا تفعل شيئا وأنت تكتب إلا أن تذهب إلى الحمام".
لقد قالت لي الكاتبة ميليسا فيبوس إنها تحاول أن تفعل كل ما تفعل بمثل إخلاصها الذهني أثناء الكتابة. وهي تدعونا إلى حشد الطاقة التي قد ننفقها موزعة على الرغبة والقلق "فنوجهها [بدلا من ذلك]، ونستعملها في مهمة نؤمن بها إيمانا حقيقيا. في عملنا الفني، أو نشاطنا السياسي، أو ممارستنا للأبوة، وحبنا للناس، بأكمل ما نستطيع. يا إلهي، ينبغي أن نرجو جميعا مثل هذا الاقتصاد في الطاقة. بوسعنا حينئذ أن نفعل الكثير. وبوسعنا أن نحل الكثير".
ثمة أسباب كثيرة للكتابة، ولكن ثمة طريقة وحيدة لها: تفريغ الذهن لها، والتركيز الكامل على المهمة الراهنة. ولو لم يحقق عملك شيئا آخر، فذلك المزاج الصارم، وذلك الانتباه المتفاني، هو أشبه بمخيم تدريبي للروح. فحينما تنهي يوم عملك، وتنهض من مكتبك، وقد أنجزت عمل يومك، تذكر كيف كان إحساسك وأن تهب نفسك كاملة لشيء. تذكر ذلك وأنت تحب من تعنى بأمرهم، وأنت تناضل من أجل عالم تريده. بوسعك أن تفعل ذلك كله بملء ذاتك. ولا تقبل بغير ذلك.

جو فاسلر كاتب، وموسيقي، ومحرر في مجلة ذي أطلنطيك.


نشرت المقالة في موقع باريس رفيو ونشرت الترجمة في جريدة عمان