الخميس، 23 يناير 2020

هل الوعي منتشر في الكون؟


هل الوعي منتشر في الكون؟
حوار: جاريث كوك



من أصعب المشكلات التي تتحدى العلم سؤال يمكن صوغه بسهولة على النحو التالي: من أين يأتي الوعي؟ في كتابه الجديد "غلطة جاليليو: أسس علم جديد للوعي" [Galileo’s Error: Foundations for a New Science of Consciousness] يتأمل أستاذ الفلسفة [الأمريكي] فيليب جوف منظورا راديكاليا: ماذا لو أن الوعي ليس شيئا خاصا يفعله المخ ولكنه خاصية كامنة في المادة كلها؟ تعرف هذه النظرية بالبناسِتْشِزْم panpsychism، ويقود جوف قراءه عبر تاريخ هذه الفكرة مجيبا عن الاعتراضات الشائعة (من قبيل "هذه الفكرة محض جنون") موضحا سر اعتقاده بأن البناسِتْشِزْم تمثل أفضل طريق للمضي إلى الأمام.
***
·     هل يمكن أن تشرح، ببساطة، ماذا تقصده بالبناسِتْشِزْم؟
·     الوعي ـ في رؤيتنا المعيارية للأشياء ـ لا يوجد إلا في أمخاخ الكائنات شديدة التطور، ومن ثم لا يوجد إلا في جزء ضئيل من الكون، وفي الجزء شديد القرب من التاريخ. وفقا للبناسِتْشِزْم، ينتشر الوعي في الكون وهو سمة أساسية فيه. لا يعني هذا بصورة حرفية أن لكل شيئا وعيا. لكن أساس الفكرة هو أن عناصر الواقع الأساسية ـ ولعلها الإلكترونات والكواركات ـ لديها أشكال شديدة البساطة من التجارب. أما تجربة المخ البشري أو الحيواني شديدة التعقيد فهي بطريقة ما مستمدة من التجربة الخاصة بالأجزاء الأكثر أساسية في المخ.
قد يكون مهما أن أوضح ما أعنيه بـ"الوعي"، فهذه الكلمة غامضة بالفعل إلى حد كبير. يستعمل بعض الناس الكلمة قاصدين بها شيئا شديد التعقيد، مثل الوعي بالذات أو القدرة على تأمل المرء وجوده. وهذا شيء قد نعزف عن إيعازه إلى كثير من الحيوانات غير البشرية، ناهيك عن الجزيئات. ولكنني حينما أستعمل كلمة الوعي فإنني ببساطة أعني بها "التجربة": السعادة، والألم، والتجربة البصرية أو الصوتية، وما إلى ذلك.
تجربة البشر شديدة الثراء والتعقيد، تجربة الخيول أقل منها، وتجربة الفئران أقل من الاثنتين. وفيما نتحرك إلى أشكال أبسط وأبسط من الحياة، نصادف أشكالا أبسط وأبسط من التجربة. وقد يحدث عند نقطة معينة أن ينطفئ النور، ويختفي الوعي. ولكن بوسعنا على الأقل أن نفترض افتراضا متماسكا بأن هذه السلسلة من الوعي  التي تتضاءل، لكنها لا تنطفئ بالكلية، تستمر وصولا إلى المادة غير العضوية،  فتكون للجزيئات أشكال بسيطة للغاية من التجربة لتتأمل طبيعتها شديدة البساطة. هذا ما تعتقد به البناسِتْشِزْم.
·     تكتب أنك توصلت إلى هذه الفكرة كسبيل إلى حل مشكلة في طريقة دراسة الوعي. في رأيك ما هذه المشكلة؟
·     على الرغم من التقدم العظيم في فهمنا العلمي للمخ، لم نزل نفتقر حتى إلى بدايات تفسير لكيفية استطتاعة الإشارات الكهروكيميائية المعقدة إقامة العالم الذاتي الداخلي المؤلف من الألوان والأصوات والروائح والطعوم مما يعرفه كل واحد فينا في حالته الخاصة. هناك غموض عميق في فهم كيفية تواؤم ما نعرفه عن أنفسنا من الداخل مع ما يخبره بنا العلم عن المادة من الخارج.
وفي حين أن المشكلة تحظى باعتراف واسع، يظن كثير من الناس أننا بحاجة فقط إلى البقاء على مناهجنا المعيارية في دراسة المخ فهي التي ستصل بنا في النهاية إلى الحل. لكنني أذهب في كتابي الجديد إلى أن مشكلة الوعي تنتج عن الطريقة التي أقمنا عليها العلم في بداية الثورة العلمية.
من اللحظات المحورية في الثورة العلمية تلك اللحظة التي أعلن فيها جاليليو أن الرياضيات ينبغي أن تكون لغة العلم الجديد، وأن العلم الجديد ينبغي أن يكون له معجم لغوي كمِّي تماما. لكن جاليليو أدرك أن المرء لا يستطيع القبض على الوعي بهذه الطريقة، فالوعي في جوهره خاصية تتعلق بالكيف. وانظر إلى حمرة الأشياء الحمراء أو رائحة الأزهار أو طعم النعناع. ليس بوسعك أن تقبض على هذه الخصائص من خلال اللغة الكمية المتبعة في علم الفيزياء. لكن جاليليو قرر أن علينا أن نضع الوعي خارج نطاق العلم، وبعد أن نفعل ذلك، يصبح من الممكن أن تقبض الرياضيات على كل شيء آخر.
هذا أمر مهم فعلا، لأنه على الرغم من أن مشكلة الوعي تؤخذ بجدية، يفترض أغلب الناس أن نهجنا العلمي المعتاد قادر على حلها. ويظنون هذا الظن لأنهم ينظرون إلى النجاح العظيم للعلم المادي في تفسير المزيد والمزيد من كوننا وينتهون إلى أن من شأن هذا أن يكسبنا ثقة في العلم المادي وحده سوف يفسر لنا الوعي ذات يوم. ولكنني أعتقد أن جذور هذا الموقف تنبع من سوء فهم لتاريخ العلم. صحيح أن العلم المادي حقق نجاحات لا تصدق. ولكنه لم ينجح إلا لأن تصميمه ذاته قام على استبعاد الوعي. فلو تسنى لجاليليو أن يسافر عبر الزمن إلى حاضرنا وسمع عن مشكلة تفسير الوعي في ضوء العلم المادي لقال "بالتأكيد هذا غير ممكن، لقد صمت العلم المادي على التعامل مع الكم لا مع الكيف".
·     وكيف تتيح لك البناسِتْشِزْم أن تتعامل مع المشكلة على نحو مختلف؟
·     نقطة بداية البناسِتْشِزْم هي أن العلم المادي لا يخبرنا فعليا بماهية المادة. وقد يبدو هذا في البداية زعما غريبا، فأنت تقرأ في كتاب الفيزياء المدرسي، ويبدو أنك تتعلم شتى أنواع الأمور التي لا تصدق عن طبيعة الفضاء والزمان والمادة. ولكن ما أدركه فلاسفة العلم هو أن العلم المادي ـ برغم كل ما له من ثراء ـ قاصر عن إخبارنا بسلوك المادة، بما تفعله. تخبرنا الفيزياء مثلا بأن المادة لها كتلة وجهد. هذه الخصائص محددة تماما في ضوء السلوك، أشياء من قبيل الجذب والطرد والمقاومة للتسارع. لا تقول لنا الفيزياء أي شيء تقريبا عما يحلو للفلاسفة تسميته بالطبيعة الفطرية للمادة: ما المادة في ذاتها وبذاتها.
هكذا يتبين أن في القصة العلمية فجوة هائلة. ومقترح البناسِتْشِزْم هو ملء هذه الفجوة بالوعي. الوعي بالنسبة للمؤمنين بالبناسِتْشِزْم هو الطبيعة الفطرية للمادة. من وجهة النظر هذه، ليس ثمة غير المادة، فما من شيء روحاني أو فوقطبيعي. ولكن يمكن أن توصف المادة من منظورين. العلم المادي يصف المادة "من الخارج" في ضوء سلوكها. لكن المادة "من الداخل" أي في ضوء طبيعتها الفطرية تتألف من أشكال من الوعي.
ما يطرحه علينا هذا هو طريقة بسيطة وجميلة وأنيقة لدمج الوعي في رؤيتنا العلمية للعالم، والجمع بين ما نعرفه عن أنفسنا من الداخل وما يخبرنا به العلم عن المادة من الخارج.
·     ما أكثر ما تسمعه من اعتراضات على هذه الفكرة؟ وكيف يكون موقفك منها؟
·     مؤكد أن أكثر الاعتراضات شيوعا هو "هذا جنون محض". لكن أغلب نظرياتنا العلمية تناقض بصفة عامة الآراء الشائعة، ومن ذلك نظرية ألبرت أينشتين بأن الزمن يتباطأ عندما تسافر بسرعة شديدة أو نظرية تشارلز دارون بأن أسلافنا كانوا قردة عليا. ولكن عليك في نهاية المطاف أن تحكم على الفكرة لا في ضوء تداعياتها الثقافية بل في ضوء قوتها التفسيرية. تمنحنا البناسِتْشِزْم سبيلا لحل لغز الوعي، سبيلا يجتنب المصاعب العميقة التي تعتري الخيارات الأكثر تقليدية.
·     هل تستشرف سيناريو يتيح اختبار البناسِتْشِزْم؟
·     ثمة صعوبة كبيرة في قلب علم الوعي: الوعي غير قابل للملاحظة. فليس بوسعك أن تنظر بداخل إلكترون لترى هل هو واع أم غير واع. وليس بوسعك أيضا أن تنظر في رأس شخص لترى مشاعره وتجاربه. نحن نعرف أن الوعي موجود لا من ملاحظتنا وتجربتنا ولكن من خلال كوننا واعين. الطريقة الوحيدة التي نكتشف بها وعي الآخرين هي سؤالهم: أنا لا أستطيع أن أدرك تجربتك، لكن بوسعي أن أسألك عما تشعر به. وأنا عالم أعصاب، فأستطيع أن أفعل هذا وأنا أقوم بمسح مخك لأرى أي الأجزاء يضيء بينما تخبرني بشعورك وتجربتك. وبهذه الطريقة، يستطيع العلماء أن يربطوا أنواعا معينة من النشاط المخي بأنواع معينة من التجربة. فنعرف الآن أي النشاط المخي يربتط بأحاسيس الجوع والتجارب البصرية والسعادة والألم والقلق وما إلى ذلك.
وهذه معلومات مهمة فعلا، لكنها ليست في ذاتها نظرية وعي. وذلك لأن ما نريده في النهاية من علم الوعي هو تفسير لهذه الارتباطات. فلماذا على سبيل المثال يرتبط نشاط مخي محدد في منطقة المهاد من المخ بشعور الجوع؟ لماذا يكون هذا هو الحال؟ وأنت لا تكاد تبدأ الإجابة على هذا السؤال، حتى تنتقل إلى ما وراء ما يمكن اختباره ـ بالمعنى الصارم للكلمة ـ وذلك ببساطة لأن الوعي غير قابل للملاحظة. فيكون علينا أن نستعين بالفلسفة.
مغزى القصة هو أننا بحاجة إلى كل من العلم والفلسفة وصولا إلى نظرية للوعي. العلم يعطينا ارتباطات بين النشاط المخي والتجربة. ثم يكون علينا أن نصل إلى أفضل نظرية فلسفية  تفسر هذه الترابطات. في رأيي أن النظرية الوحيدة التي تحتمل الفحص هي البناسِتْشِزْم.
·     كيف نشأ اهتمامك بهذا الموضوع؟
·     حينما درست الفلسفة، علمونا أن ثمة طريقتين فقط للتعامل مع الوعي: إما الظن بأن الوعي قابل للتفسير في ضوء العلم، أو الظن بأن الوعي شيء سحري غامض لن يفهمه العلم أبدا. حدث أن رأيت أن كلتا النظرتين بائسة للغائية. أعتقد أن بوسعنا أن نرجو أن نمتلك يوما ما علما للوعي، ولكن علينا أن نعيد التفكير في ماهية العلم. و البناسِتْشِزْم تتيح لنا سبيلا إلى عمل ذلك.

عن مجلة ساينتيفك أمريكان