الاثنين، 13 مايو، 2013

عن الماركسية الجديدة وأوجهها الكثيرة



عن الماركسية الجديدة وأوجهها الكثيرة
وولتر لاكوير

يقال لنا في هذه الأيام  إن كارل ماركس ـ أحد أكثر مفكري القرن التاسع عشر تأثيرا إن لم يكن الأهم فيهم على الإطلاق ـ يشهد بعثا جديدا. وذلك ما يعزوه البعض إلى الأزمة الاقتصادية الكبيرة التي بدأت منذ 2008 فأتت على ثروة لا يستهان بها في شتى أنحاء العالم. وفي ضوء شيوع النظر إلى هذه الأزمة بوصفها أزمة للرأسمالية، فمن الطبيعي أن يفكر كثيرون في ماركس، الذي كان أعظم منتقدي الرأسمالية في التاريخ.
ومع ذلك فهو بعث غريب، إن كان بعثا من الأساس من أي نوع كان. لقد شهدت السنوات الأخيرة الكثير من المؤتمرات الماركسية وما لا أول له ولا آخر من ورش العمل في أماكن مثل شيكاغو وبوسطن وبرلين. بل لقد دام في لندن أحد "المهرجانات" الماركسية لمدة خمسة أيام تحت شعار زاعق هو "الثورة في الأفق". أما دعوة ذلك المهرجان فجاء نصها على النحو التالي:
كشفت الأزمة والتقشف عوار نظامنا العالمي. إذ حصلت البنوك على البلايين [دعما من الحكومات]، بينما البلايين في أرجاء الكوكب يواجهون الجوع والفقر والكوارث المناخية والحرب. ولقد كان يقال لنا إن الرأسمالية تعني الرخاء والديمقراطية. لكن ليس اليوم. هي اليوم تعني التقشف المفروض على 99%، والسيادة للسوق.
لكن هل الثورة في الأفق فعلا؟ إن في فرنسا اليوم حكومة اشتراكية، لكنها مأزومة. وقد تتبعها بريطانيا، فهل لتحقق أي تحسن؟ خاصة وأنه من الطبيعي للغاية أن يتحول الرأي العام ـ في أوقات الأزمات ـ عن الحزب الحاكم. وفي ضوء حدة الأزمة وبطء التعافي منها، لا يكون من المدهش في شيء أن يتحول بعض الناس إلى الماركسية. ولكن المدهش بحق هو أن رد الفعل السياسي بالغ الرقة.
وفي حين تبدو بعض المؤتمرات والمهرجانات المسبحة بحمد [الفرسان] الصليبيين المناهضين للرأسمالية منطلقة من مشاعر نيوماركسية عميقة، فهناك فعاليات أخرى تستخدم اسم ماركس لمجرد لفت الأنظار إلى اتجاه منفصل من القضايا والدوافع. وانظروا إلى برنامج ملتقى عقدته مؤخرا جامعة واشنطن. فلا بد للمرء أن يتشكك فيما إذا كان أتباع ماركس هؤلاء يسلكون المسار الصحيح حينما يرى أن الأبحاث المعروضة للنقاش تحمل عناوين من قبيل "إعادة النظر في الكليات المستحيلة: الاستخدام الماركسي للجليل"، و"أفكار قليلة حول الشاعر الأكاديمي بوصفه السائح الهوبو "[i]، "قراءة جديدة للهيبهوب في تقاطع الثقافة والرأسمالية"[ii]، و"حوليات الحالات الجنسية"، و"الاقتصاد السياسي لحميمية الغريب".
ويعجب المرء كيف كان يمكن أن يكون رد فعل ماركس وهو جالس إلى مكتبه في قاعة المطالعة بالمتحف البريطاني إن هو تأمل المناقشات الجارية في ملتقى مخصص لإعادة النظر في أفكاره. هل كان ليفرح، أم يكتفي بالتسلية، أم يعجز عن النطق؟ ربما كان ليتذكر الاحتفالات الكرنفالية التي كان يشهدها موطنه ترير Trier  في فبراير من كل عام: حيث النبيذ والأقنعة الطريفة والأزياء والصخب الذي تعقبه جميعا حالة من تعكر المزاج بسبب الإفراط في الشراب تستمر لخمسة أيام أو ستة.
هذه الأفكار جميعا أثارها ظهور أحدث ترجمة لحياة ماركس بعنوان "كارل ماركس: حياة من القرن التاسع عشر" الصادر لجوناثان سبيربر عن دار دبليو دبليو نورتن في 672 صفحة. سبيربر خبير في ألمانيا القرن التاسع عشر، وفي كتابه الكثير عن مراهقة ماركس هناك، لا سيما في موطنه ترير. ويتعرض سبيربر كذلك لنشاط ماركس السياسي وعلاقاته مع غيره من الثوريين الألمان في المنفى بتفاصيل أكثر من التي احتوتها التراجم السابقة لحياة ماركس. ويستصوب سبيربر تفسيرا جديدا لماركس ينظر إلى الرجل في سياق بلده في القرن التاسع عشر لا بوصفه مثيرا أو محرضا على صراعات القرن العشرين.
يكتب سبيربير قائلا إن "هذه الرؤية لماركس بوصفه معاصرا لنا وباعتبار أن أفكاره تصوغ العالم الحديث قد استنفدت أغراضها، وحان الوقت لفهم جديد له بوصفه شخصية تنتمي إلى حقبة تاريخية من الماضي تزداد كل يوم بعدا عن حقبتنا". ويحدد من بين عناصر الحقبة التاريخية الماضوية تلك الثورة الفرنسية، وفلسفة هيجل، وسنوات التصنيع الإنجليزي وما نشأ عنها من اقتصاد سياسي. ويضيف أن "فهم ماركس قد يكون أكثر نفعا إن نحن نظرنا إليه بوصفه شخصية تناولت أوضاع النصف الأول من القرن التاسع عشر وأدخلتها إلى المستقبل، لا بوصفها مفسرا للنزعات التاريخية يتسم بالرسوخ والبصيرة".
وهكذا، بدلا من إلقاء الضوء على الصدامات الفكرية في الحقبة الحديثة باستحضار ماركس إلى زماننا، يسعى سبيربر إلى إلقاء الضوء على زمن ماركس بنقل قراء كتابه إلى هناك.
وهذا، بوضوح، ليس عرضا نقديا لكتاب، بل اهو استكشاف للكيفية التي نظر بها التاريخ إلى كارل ماركس عبر الحقب والمنظمات الفكرية المختلفة منذ أن ألقى ماركس بنظرياته الهائلة في الوعي الغربي قبل قرن ونصف. وبرغم ذلك، فإن ما يمكن قوله في الجهد الذي بذله سبيربر هو أنه يحسن رواية القصة وأنه جدير بالثناء على كفاءته واستحقاقه للثقة. فضلا عن ذلك، ينبغي الترحيب دوما بصدور ترجمة جديدة لحياة ماركس. فلو أن أهل زماننا هذا لا يجدون الوقت أو الميل إلى قراءة ماركس ـ وليس ثمة الكثيرون ممن يقرأونه اليوم على أية حال ـ فلنقرأ عنه على أقل تقدير.
إن من بين مظاهر بعث ماركس أن سبيربر ليس الوحيد. فلقد شهدت السنوات الأخيرة صدور عدد من التراجم لحياة ماركس، يمكن أن نتذكر أربعا منها في اللغة الإنجليزية وحدها. لقد كان الاهتمام بماركس محدودا في العقود التالية للحرب العالمية الثانية برغم ما كانت عليه الأحزاب الشيوعية والاشتراكية من قوة في ذلك الوقت. ولكن الحقائق الأساسية عن حياة ماركس كانت معروفة بصورة جيدة: سنوات دراسته، انخراطه في أوساط الهيجيليين الشباب، نشاطه كديمقراطي يساري، واكتشافه الاشتراكية، سنواته في باريس وبروكسل، وأخيرا حياته في لندن حيث درس الرأسمالية وتأمل الصراع الطبقي والمادية التاريخية. وعلى الرغم من هامشيتها، كانت الوثائق والمعلومات التي تلقي الضوء على حياة ماركس محفوظة في مؤسسات كبرى في موسكو وأمستردام ولندن. وكان معهد ماركس/إنجلز/لينين في موسكو أضخم هذه المؤسسات وأفضلها تجهيزا لكنه أغلق في عام 1993. ولا يزال معهد أمستردام الدولي للتاريخ الاشتراكي ـ الذي تأسس في عام 1925 ـ قائما، شأن مكتبة ماركس التذكارية في كليركنويل جرين في إيست إند بلندن.
على مدار سنوات كثيرة، كان كتاب فرانز ميهرنج "كارل ماركس: قصة حياته" ـ الصادر للمرة الأولى سنة 1918 والذي لا تزال تصدر طبعاته إلى اليوم ـ هو النص الرائد في هذا المجال. كان ميرهنج صحفيا "بورجوازيا" عرف طريقه إلى الحركة الاشتراكية في منتصف عمره. وكتابه عامر بالرقة إزاء المعلم الكبير والاحترام له، ولكنه ليس خاليا من النقد. وغلاة الماركسيين لم يغفروا لميرهنج قط انتصاره لـ "فرديناند لاسال" و"ميخائيل باكونين" من هجمات ماركس التي كانت في الغالب هجمات مستعرة عليهما. كان لاسال ـ اليهودي الألماني ـ هو مؤسس أول حزب اشتراكي ألماني. وكان زعيما موهوبا كارزميا، ولكنه كان شديد التقلب كثير الاستسلام للطيش في العمل والخطط. وهو في جانبه التنظيري لم يكن بعيدا عن عصبة ماركس، لكنه كان قد نشأ في ألمانيا ومن ثم كان أكثر حضورا وشهرة في أوساط العمال من ماركس البعيد عنهم. مات لاسال شابا في مبارزة تتعلق باسم سيدة شابة أرستقراطية المنشأ. وماركس الذي كان على اتصال وثيق به بات يشير إليه بـ "الزنجي اليهودي" من بين صفات أخرى غليظة.