الاثنين، 5 سبتمبر 2016

لغز تشومسكي

لغز تشومسكي
توم بارليت








بوسعك أن تشتري "تمثال تشومسكي" و"حديقة نعوم" بـ 195 دولار، وأن تشتري فنجانا يحمل عبارة "ما الذي كان ليفعله نعوم؟" بـ 15 دولار. وهناك عبارة نصها أن "الأفكار الخضراء عديمة اللون تنام باهتياج"، وهي عبارة كثيرة التواتر تبيِّن كيف للكلمات أن تكون منضبطة نحويا وتكون هراء محضا في الآن نفسه، وبوسعك أن تشتريها مكتوبة على مصد صدمات لسيارة أو على حافظة هاتف آيفون.
نعوم تشومسكي مشهور لدرجة التذكارات.
وذلك ما يحدث لك حين تكون "أهم مفكر على قيد الحياة اليوم في ما يقال"، وهذا سطر من مقال نشر في نيويورك تايمز سنة 1979، واستمر تداوله منذ ذلك الحين اختصارا لرجل عصي على التلخيص. يمضي المقال نفسه، الذي كتبه بول روبينسن أستاذ التاريخ بجامعة ستانفورد،  إلى رسم ملامح ما يطلق عليه "مشكلة تشومسكي" وهي مشكلة "المؤرخ صاحب الرأي حينما يسكن جسدا واحدا مع فقيه لغوي بارع عبقري".
هناك نعوم تشومسكي، أبو اللغويات الحديثة، الذي تسعى نظريته عن "النحو العام" Universal Grammar [ويترجمها البعض "النحو الكوني"] إلى تفسير اللغة الإنسانية. وهناك نعوم تشومسكي ، الناشط والكاتب السياسي، الذي يعد من أشد منتقدي التحركات العسكرية الأمريكية.
في كتابه الجديد، يحاول توم وولف تفسير هذه الذات المشطورة. يصف هذا الانقسام في إسهاب وولفي تماما: "سياسات تشومسكي تستند إلى سمعته كلغوي عظيم، وسمعته كلغوي عظيم تستند إلى سمعته كمفكر سياسي، وسمعته كمفكر سياسي نفخت سمعته كلغوي عظيم ليصبح عبقرية شاملة، والعبقرية نفخت المفكر ليصبح فولتيرا حقيقيا، والفولتير الحقيقي نفخ عبقري العباقرة إلى المارد الفلسفي ... نعوم تشومسكي".
وبما أنه منفوخ، يمضي وولف ليغرس فيه مسمارا. "مملكة الكلام" (الصادر عن دار ليتل براون آند كمباني) أحد كتابين يقدمان صورتين كريهتين لأستاذ اللغويات الفخري بمعهد مساتشوستس للتكنولوجيا. الكتاب الآخر "حل شفرة تشومسكي: العلم والسياسات الثورية" (الصادر عن مطبعة جامعة ييل) لكريس نايت، ظل عقدا من الزمن في طور التأليف ولعله أعمق تأمل منشور على الإطلاق في "مشكلة تشومسكي". وشأن وولف، يبدأ نايت بتقديس تشومسكي مشيرا إلى أنه ـ وفقا لأحد المقاييس ـ ثامن أكثر المفكرين شيوعا في الدراسات الإنسانية من حيث الاستشهاد بكتاباته ـ في أعقاب أسماء لم يحملها من الناس إلا الآحاد مثل فرويد وأفلاطون، ثم إنه بعد التقديس الاستهلالي يضرم النار في المزار المقدس.
أهكذا تكون معاملة من يقال إنه أهم مفكر على قيد الحياة؟
لقد ألِف الرجل هذا على أية حال. لا يزال تشومسكي، البالغ من العمر 87 عاما، يصدر الكتب بوتيرة مدهشة (فقد ألَّف منها أكثر من مائة، والعديد منها في العام الماضي)، وله تاريخ بطول عقود من مواجهة خصومه في العلم وفي السياسة. في كتابه الصادر سنة 1989 بعنوان "متحديا تشومسكي"، وثَّق رودلف بي بوثا هذه المسيرة ونصح منافسيه المحتملين بأن يحذروا وإلا انتهى حالهم هم الآخرونضحايا مهلهلين. كتب بوثا يقول إن "كثيرا من طبقة المفكرين خاضوا معارك مع الأستاذ حول أفكاره في اللغة والعقل، فكانت العواقب للأسف وخيمة".
***
لم يلتفت دانيال إيفرت إلى ذلك التحذير. بات إيفرت يعتقد ـ وهو الأنثروبولوجي، واللغوي، والتشومسكي السابق ـ أن سمات معينة في لغة تتحدثها قبيلة بدائية في الأمازون، تدعى قبيلة البيراها Pirahã ، تدحض نظرية النحو العام التي قال بها تشومسكي. وجهر بحجته تلك في كتابه الصادر سنة 2008 بعنوان "لا تناموا، هناك ثعابين: الحياة واللغة في أدغال الأمازون"، والذي يعد هجينا مغامرا من السيرة الذاتية والدراسة اللغوية. لفتت سردية إيفرت الكاسحة الانتباه العام إلى أفكار كانت في العادة محصورة في الدوريات الأكاديمية والمؤتمرات قليلة الحضور. سافر جون كولابينتو إلى الأمازون ليكتب عن إيفرت والبيراها مقالة صدرت عام 2007 في نيويوركر. وفي 2012 كتبت أنا عن إيفرت في مقابل تشومسكي بدافع من صدور كتاب إيفرت التالي "اللغة: الأداة الثقافية".
لم يستطع توم وولف أيضا أن يقاوم. فهو يستمد مادة من هذه المقالات، والأبحاث الأكاديمية، والحوارات التي أجريت مع إيفرت ليخلق شخصي رجل "أحمر الشعر واللحية يتصارع الأفاعي الهائلة مثلما يصارع الشهرة الهائلة. قد يبدو كتاب "مملكة الكلام" مشروعا غير متوقع من أسطورة أدبية مثل توم وولف الذي كان يقضي نهاره متسكعا مع [الروائي] كين كيسي ثم يقضي مساءه في كتابة  رواياته الواقعية الاشتراكية الرائجة.
لكن هذاى المشروع يتناغم بصورة لطيفة مع كتابين من كتب وولف: "الكلمة الملونة" و"من باوهاوس إلى بيتنا" وكلا الكتابين مقالة مطولة حافلة بالآراء المتعلقة بعالمي الفن والعمارة على الترتيب. نسختي من طبعة الكلمة الملونة" الشعبية تحمل على غلافها الخلفي هذا التقريظ للكتاب: "انفجار آخر في وجه الدجالين".
وولف هنا أيضا يسعى وراء الدجالين. في نصف الكتاب الأول يستهدف تشارلز دارون في أواخر أيامه حينما "تجاوز الستين واشتد عليه مرضه بقرحة المعدة والوسواس القهري. فصار تقيؤه ثلاث مرات أو أربعا في اليوم الواحد هو المعتاد. وكانت عيناه تفيضان بالدمع أو تبكيان إلى أن تخضل لحيته الفيلسوفية الشيباء العجوز". يسخر وولف من دارون لظنه أن اللغة ربما تكون قد نتجت جزئيا عن التقليد البشري للزقزقة مساويا ذلك بقصص [الشاعر] روديارد كيبلنج الشهيرة من قبيل "كيف أصبحت للفهد نقاط على جسمه". (والإجابة أن الصياد يرسمها عليه ليساعده على الاختفاء وسط ما حوله).
توم وولف
يقول وولف: "لقد كانت نية كيبلنج منذ البداية هي تسلية الأطفال. أما نية دارون في المقابل فكانت شديدة الجدية ومنتمية بإخلاص إلى العلم والتفكير في نشأة الكون. ولم يكن لدى أي منهما ما يدعم به حكايته". (ربما كان دارون على حق في ما يتعلق بالطيور، إذ توصل الباحثون في معهد ماساتشسوتس للتكنولوجيا سنة 2013 إلى أن "هناك توازيات مذهلة بين زقزقة الطيور واكتساب اللغة البشرية".)
بعد فراغه من دارون، ينتقل وولف إلى تشومسكي. فيقابل ما بين أصالة إيفرت الدغلية البدائية وتشومسكي بمعاونيه العجزة حليقي اللحى من "لغويي المقاعد الوثيرة بشاشات كمبيوتراتهم المشعة بالزرقة وقمصانهم المفتوحة المشكوك في ملاءمتها للرجال". تشومسكي ـ في رواية وولف ـ ليس مشكوكا في رجولته وحسب، بل عديم الفضول راض عن نفسه: "تشومسكي الضجر الجاهل بكل اللغات البسيطة التي كان صيادو الذباب التقليديون من أمثال إيفرت لا يزالون يرجعون بها من ’الميدان’".
يغوص إيفرت لوهلة في جوهر قضية إيفرت، التي تأتي على النحو التالي: "يعتقد تشومسكي أن في اللغات جميعا سمات معينة (وهذا هو العام في "النحو العام") وأن المكوِّن القاطع هو التكرار recursion ويعرَّف بأنه المقدرة على دمج العبارات إلى ما لا نهاية. فمثلا: تمثِّل جملة "قتل دان ثعبانا" تعبيرا مباشرا عن حدث مستقل، في حين أن "قتل دان، وهو أنثروبولوجي من الولايات المتحدة، وإنجيلي سابق، وهو أيضا أحمر اللحية، ثعبانا" تبيِّن كيف يمكن دمج أفكار عديدة في قول أصلي بسيط.
بدا أن الناطقين بلغة البيراها الذين درسهم إيفرت على مدار عقود لا يدمجون العبارات، وأنهم يدبرون أمرهم جيدا بدون ذلك. وعليه فلا يمكن القول بعمومية التكرار  في جميع اللغات. وعليه فقد أخطأ تشومسكي. وإيفرت، على حد قول وولف، سدَّد القاضية إلى نظرية تشومسكي".
أثير حول كل ما في الفقرتين السابقتين ـ باستثناء لحية إيفرت الحمراء ـ  نزاع محتدم. ابتداء، غالبا ما يقوم القول بمركزية فكرة الدمج في نظرية تشومسكي على قراءة شديدة التمعن لورقة بحثية شارك تشومسكي في كتابتها ونشرت في مجلة ساينس عام 2002، وهي قراءة يطعن عليها تشومسكي وحلفاؤه الشرسون الذين يسميهم وولف في سخرية مريرة بـ "فصيلة الحقيقة". هناك ورقة بحثية نشرت في 2014 وشارك تشومسكي في كتابتها، وتستبعد هذا التفسير، أو هذا ما يبدو على أي حال. فضلا عن أن تشومسكي ذهب في رسالة لي عبر البريد الإلكتروني إلى أنه ليس مهما إن كانت لغة معينة تفتقر إلى التكرار: "وعلى سبيل التشبيه، لو عثر على قبيلة لا تنتصب قامات أهلها، برغم قدرتهم على ذلك، فهذا لا يقول لنا شيئا عن كون البشر كائنات من ذوي الساقين".
لقد جاء رد فعل علماء اللغة على المقتطف المحرر الذي نشتره مجلة هاربر من كتاب وولف شديد القسوة حسب ما هو متوقع. إذ وصف أحد متواتري الدفاع عن تشومسكي، وهو نوربرت هونشتاين أستاذ اللغويات بجامعة ميريلاند، المقالة في بوست على مدونة بأنه "وحل في قاع البرميل". وكتب آخر على تويتر أن وولف هو "دونالد ترامب اللغويات". ورد فريدريك دي بور عالم اللغويات المستقل والمدوّن في بوست مؤلف من أربعة آلاف كلمة. فقال "لعل لي أنا نصيبا في سوق إعادة النظر في تشومسكي، أما توم وولف  فليس بالشخص الذي له نصيب من ذلك".
بعيدا عما في هذا الكلام من وحل وترامب، يمر وولف مرور الكرام على دقائق قليلة في سرديته المتفجرة. فعلى سبيل المثال، يكتب وولف أن البيهارا "ما قبل مفاهيمية" و"عاجزة عن التفكير المجرد". وهو محق في أن لغة البيراها وثقافتها متجذرتان بعمق في الواقع وإنهما تخلوان حتى من أرقام 1، 2، 3، الأساسية. ولكن القول بأنهما تفتقران إلى القدرة على التفكير المجرد أمر مختلف تماما. لدرجة أن الذهول أصاب إيفرت نفسه، الذي يمثل بطلا مطلقا لكتاب وولف ويلقى من الكتاب ثناء على إصابته في فهمه اللغوي. فما كان من إيفرت إلا أن قال إن القطع بعجز البيراها عن التفكير المجرد "خطأ يقاس عليه الخطأ".
فضلا عن أن قارئ كتاب وولف قد ينصرف عن الكتاب ظانا أن مسألة ما إذا كان في البيراها تكرار مسألة علمية مستقرة. والأمر ليس كذلك. ففي بحث نشر السنة الماضية يعترف إيفرت وشريكه في كتابة البحث أنه بعد سنين من البحث لا يمكن لأحد القول على سبيل اليقين بأن البيراها لا تدمج العبارات مطلقا، وذلك هو العمود الأساسي لتحدي إيفرت لتشومسكي. وقال لي أخيرا إدوارد جيبسن اللغوي الكمبيوتري في معهد مساتشوستس للتكتنولوجيا وأحد شركاء إيفرت في الكتابة إنه "ليس لدينا بيانات كافية للوصول إلى إجابة نهائية".
المديح الذي يكيله وولف لنشاط تشومسكي السياسي هو إلى حد ما أقل من مديح. فهو يتوقف قبيل اتهام تشومسكي باتباع "الموضة الراديكالية"، وهذا اصطلاح ابتكره وولف ليصف به المشاهير الذين يتبنون القضايا الاجتماعية رغبة منهم في الظهور بمظهر المهتمين الصالحين. لقد شعر تشومسكي ـ وفقا لوولف ـ بـ"ضغط" من أجل أن يكون من "المثقفين الشجعان" الذين اعترضوا على حرب فييتنام. مثقف ـ على حد ما يكتب وولف ـ كان "شخصا زفر بضع زفرات ـ هي زفرات لا أكثر ـ من السياسة اليسارية المصحوبة بلون من الاغتراب". كذلك كان تشومسكي. وأهم من ذلك أنه عرف كيف "يستغل" حرب فييتنام لكي يعلي من مكانته ويروج لأفكاره.
هكذا اجتمع بروز تشومسكي السياسي ومنجزاته اللغوية لتجعل منه تجسيدا مشهودا للعبقرية. "بل إنه حتى في الوسط الأكاديمي لم يعد يهم في كثير أو قليل إن اتفق أحد مع تشومسكي أم اختلف معه في آرائه البحثية أو السياسية، فقد احتوته الشهرة جاعلة منه هاويا ذهبيا" بحسب ما يكتب وولف.
***
في "حل شفرة تشومسكي"، يسرد كريس نايت بالمثل قصة الصعود اللافت لشخصيتين تبدوان مستقلتين "كل منهما في مثل تفرد الأخرى". يتتبع نايت ـ وهو عالم الأنثروبولوجيا وكبير الباحثين بكلية لندن الجامعية ـ النقود مركزا على التمويلات التي دعمت أبحاث تشومسكي الأولى في معهد ماساتشوستس للتكنولجيا. المفارقة أن تلك التمويلات أتت من جيش الولايات المتحدة، وهو المؤسسة التي أرّخ لها تشومسكي وكال لها النقد في الكتاب تلو الكتاب. في تمهيد بحث "البنى التركيبية"  الذي وضع تشومسكي وهو لم يبلغ بعد الثلاثين من العمر على الخريطة الأكاديمية، يشير تشومسكي إلى أن جيش الولايات المتحدة، وبحريتها، وقواتها الجوية، قد دفعت جزءا من تكلفة عمله.
ما الذي يجعل البنتاجون يدعم تأملات تنظيرية للغوي ناشئ؟ يفسر نايت ذلك بأن كبار ضباط الجيش آنذاك كانوا يرجون أن تتمكن أجهزة الكمبيوتر من "فهم" الإنجليزية البسيطة، فتكون أنفع في عمليات التخطيط. وبدا أن بحث تشومسكي يصب بصفة عامة في مصلحة ذلك الهدف، برغم أنه ما من دليل على أن تشومسكي قد فعل أي شيء في ذلك الحين أو منذ ذلك الحين فكان فيه ولو بالمصادفة أي مساعدة للجيش في تنفيذ أي غارة.
ولا يذهب نايت إلى غير ذلك. غير أنه يرى في تلك المساعدة المبكرة سر فهم ما يعرف بمشكلة تشومسكي: "فلقد وضع الرجل مسيرته العلمية ووعيه السياسي في خندق واحد، مصمَّما منذ البداية على أن لا يتواطأ سياسيا أو عمليا" مع أغراض الحكومة. والنتيجة أن نشأ صدع دائم في فكره، بحسب ما يرى نايت. هو لا يتهم تشومسكي بالنفاق، بل هو يقدم تشخيصا سيكولوجيا لمهمتيه المزدوجتين.
ولستم مرغمين على القبول الكامل بالحل الذي يقدمه نايت لمشكلة تشومسكي  لكي تجدوا في كتابه قراءة آسرة. في واقع الأمر، يبدو أن هدف نايت غير الثانوي تماما هو إطلاق قنبلة على سمعة تشومسكي العلمية. صورة تشومسكي التي يبدو فيها أنيقا وقورا على غلاف الكتاب والعنوان الفرعي ("العلم والسياسات الثورية") تعطي انطباعا أوليا حميدا خاطئا. فنايت لم يؤلف هذا الكتاب تكريما لتشومسكي بل مقبرة له.
يتجنب نايت التكرار في الغالب، والجدال الذي يشكّل جوهر كتاب وولف. وبدلا من ذلك يتهم تشومسكي بخلق لغويات حديثة غارقة في "قنوات من التعقيد التنظيري، والإعتام والغضب والضغائن الشخصية بصورة لا مثيل لها في أي مجال علمي آخر". ويعتبر صلب أفكار تشومسكي تفاهة ويستند إلى أن تطورات علم النفس التطوري واللغويات الكمبيوترية تخلت منذ وقت طويل عن نظريته تاركة إياها للتراب. وجملة أعمال تشومسكي "ليست دراسات ذات ضمير، بل كلها مكر والتواء وحيل مكيافيلية هدفها ضمان النصر بتغيير مواضع علامات السباق، أي أنها بعبارة أخرى محض لعب غير نظيف".
وكما يستحيل أن يغفل أحد عن ازدراء نايت لتشومسكي العالم، يستحيل كذلك أن يغفل أحد عن إعجابه بتشومسكي الناشط السياسي. يكتب أنه "من الصعب التفكير في أي أكاديمي بارز غيره فعل مثلما فعل بالنزول إلى الشارع، والمخاطرة بالتعرض للاعتقال، ومواجهة أحداث يومه، وقول الحق في وجه السلطة، واحتماله في ثنايا ذلك عداوة سياسية لا يضاهيها إلا ما يجده من دعم جموع السياسيين الراديكاليين". تمضي صورة البطل الشعبي مناقضة لصورة المتعالي التي يرسمها وولف من نوعية ذلك "الذي لا يغادر المبنى إلا ليذهب إلى المطار متوجها إلى جامعات أخرى ليتقبل درجات فخرية".
في حين ينظر وولف شزرا إلى نشاط تشومسكي السياسي، يرفع له نايت القبعة.
***
إذا أرسل أحدكم رسالة إلكترونية إلى نعوم تشومسكي فسيرد عليه. هو معروف بهذا. حتى لو أنك غريب تطرح سؤالا عشوائيا. حتى لو أنك صحفي يسأله عن كتابين جديدين يشوهان عمل عمره ويثيران الشكوك حول نقاء دوافعه.
لم يقرأ تشومسكي بعد كتاب وولف، ولم يكن متأكدا إن كان سيقرؤه. قرأ ما نشر منه في هاربر واعتبره "عارا أخلاقيا وثقافيا". وشكَّك في فهم وولف للمجال قائلا في رسالته إن "الغلطات استثنائية لدرجة أنها تحتاج مقالة لتصحيحها".
من الغلطات ـ بحسب تشومسكي ـ الزعم بأنه غير مهتم ـ أو"غافل تماما" على حد تعبير وولف القاسي ـ باللغات غير المعروفة على نطاق واسع من قبيل لغة البيراها. فـ "معهد مساتشوستس للتكنولوجيا من المراكز الأساسية في العالم المهتمة بالبحث في لغات السكان الأصليين على مدار خمسين سنة" بحسب ما يكتب تشومسكي "وأنا وغيري نستعمل ما يتم اكتشافه سعيا إلى تفسير وفهم نطاق الظاهرة المكشوف عنها".
رأيه في كتاب نايت لا يقل سلبية، وإن كان قد كوَّن هذا الرأي من قراءة الصفحتين الأوليين فقط. لم يحتج أكثر من ذلك. قال تشومسكي إنه تلقى إحدى نسخ ما قبل النشر ولاحظ فيها على الفور "غلطات جسيمة" وأعلم بها نايت فرفض الأخير بعناد تصحيحها. يقول تشومسكي "وعند تلك النقطة أوقفت المراسلات بيننا".
لنايت نسخته المختلفة من هذه المراسلات. لقد جرت بينهما هذه الرسائل فعلا، ولكن ما طلب تشومسكي تصحيحه لم يكن ـ في رأي نايت ـ غلطة: بل كان مختلفا مع الفرضية التي يقوم عليها الكتاب كله، وأي "تصحيح" لها كان يقتضي محو كل ما في الكتاب عدا الصفحة الأولى. "وطبيعي أنني لم أكن راغبا في القيام بما طلبه" بحسب ما كتب نايت.
يرفض تشومسكي ملاحظة نايت بأن التمويل الحكومي كان له أي تأثير من أي نوع على تفكيره أو سلوكه. يقول تشومسكي إن "نقطته الأساسية قائمة على سوء فهم تام للتمويل العام للبحث العلمي. 90% من تمويل معهد مساتشوستس للتكنولوجيا  في ذلك الوقت كان من البنتاجون. لم يكن هناك ضغط من أي نوع".
الأمر الذي يزعج تشومسكي حقا ـ أو "الافتراء" على حد تعبيره ـ في كتاب "مملكة الكلام" هو القول بأن نشاطه السياسي كان للاستعراض فقط أو بدافع من رغبته في الشهرة. "في عالم نايت الضئيل الطفولي، كل هذا تمثيل و موضة راديكالية، وهو بالطبع يستمر في استعراض العبارة الوحيدة التي تمثل إسهامه في التحليل الاجتماعي/السياسي الحديث. في حين أن الأمر كان جادا إلى أقصى حد" حسبما يكتب تشومسكي.
اتصلت بتوم وولف وعرضت عليه تعليقات كل من الأيقونتين الثمانينيتين على الآخر (فوولف يبلغ من العمر 85 سنة). قال لي إنه اندهش أن الكتاب لم يلق استقبالا دافئا من تشومسكي. لقد تكلم مرة مع تشومسكي عبر التليفون، ووجده متعاونا للغاية. يقول وولف "لو كنت مكانه، لأعجبني فعلا الشخص الذي أقابله في الكتاب. فهو رجل عظيم التأثير، عميق التفكير. وهو اللغوي البارز في تاريخ هذا المجال".
يقول وولف إنه لا يظن أن معارضة تشومسكي لحرب فييتنام نموذج للموضة الراديكالية (ولو أنه يلاحظ أن اللافتة تنطبق تماما على الراحل نورمن ميلر، الذي شارك تشومسكي زنزانة واحدة لفترة قصيرة ـ وهذه معلومة جديرة بسيناريو). يقول وولف "أعتقد أنني كنت محقا في ما سميته بـ"التأثير المتضاعف" ـ فكلما كان يزداد شهرة بسبب معارضته حرب فييتنام، كانت نظرياته اللغوية تزداد أهمية في أعين كثير من المثقفين. شهرته في المجالين ضاعفت من مكانته العامة".
أما بالنسبة لما إذا كانت نظريات تشومسكي اللغوية معيبة في أساسها، فيعترف وولف أنه ليس خبيرا. بل هو الآن، مثلما كان دائما، مراقب يراوح بين الافتتان والسخرية. يقول "أنا مكاني في المدرجات. لا أعرف شيئا عن اللغويات لأصدر حكما بنفسي أو أزعم صلاحية لنفسي".
قد لا يكون تشومسكي ـ في رأي وولف ـ مثالا لاتباع الموضة الراديكالية، لكنه يرى تماما أنه مذنب بجريمة الكاريزما التي تنبعث من "سلوكه ويقينه التام بما يقوله". وذلك أيضا جزء من فرضية نايت. فهو يرى أن اللغويات في ظل تشومسكي أقرب إلى لاهوت منها إلى العلم، وهو لاهوت يحتل منه تشومسكي موضع الإله.
قد تكون مشكلة تشومسكي الحقيقية هي مشكلة مجال تصاعدت فيه شخصية مؤسسه مثلما تصاعد المجال نفسه بحيث تواشج الاثنان تواشجا عميقا. ويصعب القطع بما إذا كانت تلك غلطة تشومسكي أم هي ببساطة منتج ثانوي لشهرته على مدار نصف قرن. ولعل تشومسكي نفسه عبَّر عن ذلك خير تعبير (وإن أتى ذلك في معرض حديث له عن الرؤساء لا العلماء) حينما قال "علينا أن لا نبحث عن أبطال. علينا أن نبحث عن أفكار".
وهذه الجملة، بلا أدنى مزاح، متاحة على تيشيرتات.

نشر المقال في ذي كرونيكل اوف هاير إديوكيشن