الأحد، 7 أكتوبر، 2012

جورج ستايجلتز: الحلم الأمريكي بات أسطورة

يقول جورج ستايجلتز، الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد، إن الصناعة المالية هي المسئولة عن ازدياد الهوة بين الأغنياء والفقراء في الولايات المتحدة. ويوجه ستايجلتز ـ في حوار مع دير شبيجل نشر في الثاني من أكتوبر الجاري ـ أصابع الاتهام إلى القائمين على هذه الصناعة في افتراس الفقراء وبيعهم سياسات للحكومة لا تستهدف إلا أن يزداد القائمون على هذه الصناعة ثراء على ثرائهم.


جورج ستايجلتز: الحلم الأمريكي بات أسطورة

حوار: ألكسندر يونج  ـ توماس شولتس

في جامعة كولمبيا، التي تقع على مقربة من حي هارلم في الجانب الغربي من منهاتن، يقترب الفقر والغنى أحدهما من الآخر قربا لا يتحقق في كثير من أجزاء مدينة نيويورك. وهنا يعمل جورج ستايجلتز، عالم الاقتصاد الأمريكي الحاصل على جائزة نوبل، أستاذا جامعيا. ولد في جاري بولاية إنديانا، وقضى سنين من عمره في دراسة التفاوت الاجتماعي. تجربته الشخصية الأولى مع هذه القضية جاءت وهو صبي صغير عندما سأل لماذا لا تقوم مربيته برعايتة أبنائها هي. وفيما بعد، عندما أصبح اقتصاديا بارزا في البنك الدولي، درس الظاهرة على مستوى عالمي. وفي يونيو الماضي أصدر كتابا عن الموضوع بعنوان "ثمن التفاوت: كيف يهدد مجتمع اليوم المنقسم مستقبلنا". في هذا الحوار يناقش جورج ستايجلتز أثر التوزيع الجائر للثروة على تقسيم أمريكا، والكيفية التي يمكن من خلالها لأوربا أن تتغلب على أزمة اليورو.
***
ـ بروفيسور ستايجلتز، كيف تتوقع أن يتعامل الرئيس القادم للولايات المتحدة مع مشكلة التوزيع الجائر للثروة؟
جورج ستايجلتز
ـ أولا، يجب على الرئيس القادم أن يدرك في المقام الأول أن هناك مشكلة. رؤية التفاوت في تناميه مثل رؤية الحشائش في تناميها. ذلك شيء لا يراه المرء يوما بعد يوم، لكنه بعد فترة من الزمن يبدو واضحا للعيان.

ـ ما مدى التفاوت؟
ـ في العقود الأخيرة، ازداد تفاوت الدخل والثروة تفاوتا دراماتيكيا في هذا البلد. ولأضرب مثالا على هذا: في سنة 2011، صار وارثو امبراطورية وول مارت الستة يسيطرون على ثروة تصل إلى قرابة سبعين بليون دولارا، وذلك ما يساوي إجمالي ثروة قاعدة المجتمع البالغة ثلاثين في المائة من السكان.

ـ طالما نظرت الولايات المتحدة إلى نفسها بوصفها أرض الفرص التي يمكن للناس فيها أن ينتقلوا من الثرى إلى الثراء. ما الذي آل إليه الحلم الأمريكي؟
ـ لا يزال هذا الاعتقاد قويا، ولكن الحلم الأمريكي أمسى أسطورة. فرص الحياة للمواطن الأمريكي الشاب أكثر اعتمادا على دخل أبويه وتعليمهما أكثر منها في أي بلد صناعي معروف. الإيمان بالحلم الأمريكي تعززه حكايات ونوادر وأمثلة لأفراد صعدوا من القاع إلى القمة .. ولكن الأهم منه هو فرصة حياة الفرد. الإيمان بالحلم الأمريكي لا تعززه بيانات.

ـ وما الذي تشير إليه الأرقام؟
ـ أنه لم يطرأ أي تحسن على سلامة الأسرة الأمريكية العادية منذ عشرين عاما. في المقابل، نرى أن شريحة الواحد في المائة من السكان التي تتربع على القمة تحصل في اسبوع واحد على أربعين في المائة أكثر مما يحصل عليه خمس السكان الأدنى في سنة كاملة. باختصار، نحن أصبحنا مجتمعا مقسوما. أمريكا خلقت آلة اقتصادية رائعة، ولكن أرباحها تصعد إلى القمة.

ـ ومع ذلك، حتى هذه المرحلة المتقدمة من حملة الانتخابات الرئاسية،  لم يلعب التفاوت دورا جديا بعد.
ـ كان موضوعا حاضرا، ولكنه حاضر بصورة تقليدية تحت السطح. ولا ينبغي أن ينتظر المرء نقاشا علميا في هذه الظروف حول مقياس جيني وهو المقياس الإحصائي للتفاوت. ولكن حينما يقول الديمقراطيون إنهم يدعمون الطبقة الوسطى،  فهم في حقيقة الأمر يتكلمون عن التفاوت. وهم يبرزون التناقض القائم بينهم وبين المرشح الجمهوري ميت رومني الذي يعد رمزا من رموز شريحة الواحد في المائة في قمة المجتمع. احتقار رومني للسبعة والأربعين في المائة من الأمريكيين الذين لا يدفعون ضريبة الدخل لقي ردود فعل هائلة، لأنه أظهر بوضوح كيف أن شريحة القمة تلك منفصلة انفصالا تاما عن بقية البلد.

ـ كان الشعار السياسي لحركة وول ستريت هو "نحن التسعة والتسعون في المائة". فمن بالفعل هم الواحد في المائة؟
ـ هم مجموعة الناس التي تجني ما بين عشرين إلى خمسة وعشرين في المائة من الدخل. وقد تضاعف نصيبهم خلال الثلاثين عاما الأخيرة. وهم يملكون نحو خمسة وثلاثين في المائة من الثروة أو أكثر. لديهم أفضل البيوت، وأفضل تعليم، وأفضل نمط حياتي.
نساء تلتقطن صورة بجوار متشرد في نيويورك أثناء أسبوع أحدث تصميمات الأزياء

ـ لكن ألا يقدم الأثرياء شيئا في المقابل؟ في ألمانيا، شريحة الواحد المائة المتربعة على قمة المجتمع تساهم بنحو ربع العائد الضريبي، وشريحة العشرة في المائة العليا تساهم بنحو نصف العائد الضريبي. أليس هذا نسيبا ملائما؟
ـ ليس لي علم بالأرقام الألمانية. ما يمكنني قوله هو أن قمة الواحد في المائة في الولايات المتحدة لديها معدل ضريبي أقل من ثلاثين في المائة عن دخلها المقرر، والجزء الأكبر الذين يأتيهم أغلب دخلهم على شكل أرباح رأسمالية يدفعون أقل. ونحن نعرف أنهم لا يكتبون في التقارير جميع دخولهم.

ـ ولكننا كنا نظن بصفة عامة أن الأمريكيين لا يحسدون الأثرياء على ثرواتهم
ـ لا عيب في أن يحصل شخص اخترع الترانزستور أو أحدث فتحا تقنيا كبيرا على دخل ضخم. هو يستحق هذه النقود. ولكن كثيرا من أولئك الذين يعملون في القطاع المالي حققوا ثراءهم بالتلاعب الاقتصادي، بالممارسات المخادعة التي لا تتفق والتنافسية، بالنهب من خلال الإقراض. هؤلاء يستغلون الفقراء ويستغلون غير العارفين، فهم يجنون كميات هائلة من المال من خلال افتراسهم الفقراء بالقروض الجشعة. فلقد باعوا لهم رهونات باهظة الأثمان وهم يخفون عنهم تفاصيل رسوم هذه الرهونات.

ـ فلماذا لم توقف الحكومة هذه الممارسات؟
ـ السبب واضح: النخبة المالية هي التي تدعم الحملات السياسية بمساهمات ضخمة. هم يشترون القواعد التي تسمح لهم بالإثراء. وكثير من التفاوت القائم اليوم إن هو إلا نتائج للسياسات الحكومية.

ـ هل تضرب لنا مثالا؟
ـ في عام 2008، زعم الرئيس جورج دبليو بوش أننا لا نملك من المال ما يكفي التأمين الصحي للأطفال الأمريكيين الفقراء الذي يتكلف بلايين قليلة من الدولارات سنويا. ولكن فجأة ظهر أن لدينا مائة وخمسين بليون دولارا ننقذ بها شركة التأمين العملاقة آيه آي جي  AIG. هذا يقول إن في نظامنا السياسي خطأ ما. الأمر أقرب إلى "دولار واحد يساوي صوتا انتخابيا واحدا" منه إلى "شخص واحد يساوي صوتا انتخابيا واحدا".

ـ تسعة وتسعون في المائة مقابل واحد في المائة. يبدو هذا بالضبط هو الوضع المثالي لثورة. فلماذا لا تزال الأوضاع في غاية الهدوء في الولايات المتحدة؟
ـ لأن الولايات المتحدة تفتقر إلى ما يكفي من الروح الثورية. وتخوفي الأساسي هو أن يبتعد الناس عن السياسة. لقد كان إقبال الشباب على التصويت خلال الانتخابات السابقة يتراوح حول عشرين في المائة. هؤلاء هم الذين يقع مستقبلهم على المحك، ولكن ثمانية في المائة منهم لا يرون أن التصويت مهم، لأن النظام مجرد ديكور والبنوك هي التي تحكم في نهاية المطاف.

ـ  لم تنجح حركة احتلال وول ستريت في أن تكون عاملا قويا. لماذا فشلت؟
ـ أصبحت حركة مناهضة للمؤسسة، ومناهضة التنظيم هي من سمات مناهضة المؤسسة. وليس بوسع المرء أن ينشئ حركة بدون تنظيم. وعلى أية حال، لا يزال الإحباط موجودا. وسأحكي لك قصة: ذهبت مؤخرا لمشاهدة "أوبرا الثلاثة بنسات" لبرتولد بريخت. فلما وصلت إلى قوله "أية جريمة هي جريمة السطو على بنك مقارنة بجريمة تأسيس بنك؟" فانفجرت القاعة في التصفيق.

ـ قبل أربع سنوات، وضعنا هذا البيت على غلاف دير شبيجل، في عدد عن أزمة البنوك.
ـ فعلا؟ على أية حال لم يبد لي ذلك التصفيق هراء في تلك الليلة، بل بدا لي دالا على المدى الذي بلغه السخط في النفس الأمريكية.

ـ ما الذي كان يدور في أذهانهم؟
ـ الناس خائفة من فقدان وظائفها. فحتى الذين لديهم وظائف ليسوا واثقين أنهم سيظلون محتفظين بها. ما هم واثقون منه هو أنهم لن يعثروا بسهولة على وظيفة أخرى إذا فقدوا وظيفتهم. كل أمريكي يعرف أمريكيا يبحث بلا جدوى عن وظيفة ...

ـ ... أو الذي فقد بيته.
ـ هذا سبب آخر للقلق. أكثر من ربع ملاك البيوت مدينون بما يفوق قيم البيوت. نحن بحاجة إلى استراتيجية نمو لتحفيز الاقتصاد. نحن منذ ثلاثين عاما لا نستثمر بالقدر الكافي .. في النية الأساسية والتكنولوجيا والتعليم.

ـ في ظل عبئ دين يصل إلى ستة عشر ترليون دولار، لا يعود المجال كبيرا للمناورات.
ـ بوسع الولايات المتحدة أن تقترض بفائدة تقترب من الصفر في المائة، ومن ثم فإننا نكون أغبياء إذا نحن لم نستثمر المزيد من المال لخلق المزيد من فرص العمل. ويمكننا أيضا أن نعمل على ضمان أن يدفع فاحشو الثراء نصيبهم العادل. يمكننا تدبير المال بالعديد من الوسائل. ولننظر إلى شركات التعدين: الحكومة تخول لهذه الشركات حق الاستخراج بأقل كثيرا مما ينبغي أن تدفع، في حين أن إقامة المزادات سوف تضمن أن تدفع ما ينبغي دفعه بالفعل.

ـ إجابتك إذن على سؤال التفاوت تتمثل في انتقال المال من القمة إلى القاع؟
ـ أولا، انتقال المال من القمة إلى القاع هو مجرد اقتراح واحد. الأهم منه هو مساعدة الاقتصاد على النمو بأساليب يستفيد منها أهل القاع وأهل القمة، وإيقاف ممارسة عائد الأنشطة الريعية "rent seeking"  التي تنقل كثيرا من المال من أيدي المواطنين العاديين إلى جيوب أهل القمة.

ـ وهل تكون إعادة التوزيع هي الاستراتيجية التي تقترحها أيضا على أوربا في ظل أزمة اليورو .. أعنى نقل المال من الشمال إلى الجنوب؟
ـ المشكلة الأساسية في أوربا اليوم هي حزم التقشف، فهي تقلل الطلب وتضعف النمو الاقتصادي. مقلوب هذه الاستراتيجية مطلوب تماما لزيادة النمو وتحقيق المساواة. أسبانيا على سبيل المثال تزداد ضعفا على ضعف، والأموال تغادرها، والدوامة الشريرة مستمرة وهابطة بها إلى الأعمق.

ـ أليس السبب الحقيقي هو نقص التنافسية؟ لقد عاشت أسبانيا وغيرها من الدول المأزومة حياة لا تتفق وأوضاعها، ولذلك هي تعاني.
ـ لا. ليس السبب في أزمة أوربا هو الديون طويلة الأجل والعجوزات. السبب هو تقليل الحكومة للإنفاق. الكساد الذي تسبب فيه العجز، وليس العكس. قبل الأزمة كانت أسبانيا وأيرلندا تديران فائض الميزانية. ولا يمكن اتهامهما بالإسراف المالي. بل إن المزيد من الانضباط المالي سوف يزيد الوضع سوءا. ولم يحدث أن تعافى اقتصاد منهك من خلال التقشف.

ـ حقا؟ ماذا عن إستونيا ولاتفيا؟ هاتان الدولتان من دول البلطيق استطاعتا من خلال تقليص حاد في المدفوعات أن تعزز الانتاجية وتتعافى.
ـ هذه اقتصادات صغيرة. تستطيع أن تعوض نقص الإنفاق الحكومي بالتصدير. ولكن هذا لا يفلح مع معدل تبادل ثابت وحين يكون شركاؤك التجاريون في حال غير جيد. الدول المأزومة لا تعاني من إفراط الإنفاق. المشكلة ليست في العرض بل في الطلب. والسياسة المالية والنقدية مسئولة على الحفاظ على الاقتصاد في حالة التشغيل القصوى.
 
ـ مهما تكن التكلفة؟ ليس بوسع ربة منزل أن تعيش نمط حياة يتجاوز دخلها الدائم. لماذا تستثني الحكومات من هذه القاعدة؟
ـ لأن الدول مختلفة عن البيوت. لأن المواطن إذا قلل إنفاقه، فإن هذا لا تكون له أية عواقب على البلد. فالبطالة لا تزيد. لكن عندما تقلل الحكومة إنفاقها، يكون التأثير كبيرا. زيادة الإنفاق قادرة على زيادة الإنتاج ومن ثم على خلق وظائف يشغلها أفراد لولاها لكانوا عاطلين.

ـ أنت تفترض أن الحكومة أعرف بالمجالات التي ينبغي أن تخلق فيها الوظائف. أليس هذا تقديرا مبالغا فيه للحكومة؟
ـ نحن بحاجة إلى طرق، وجسور، ومطارات. هذا واضح. عائدات الاستثمارات في التكنولوجيا مرتفعة للغاية .. تذكر الإنترنت، والجينوم البشري، والتلغراف.

ـ هناك أيضا نماذج كثيرة لإنفاق عام راح هدرا. برنامج الفضاء في الولايت المتحدة مثلا تكلف ثروة، والنتائج مشكوك فيها.
ـ لكن تبقى هذه الإنفاقات أقل مما أهدره القطاع المالي الأمريكي، والبلايين التي تم ضخها إنقاذا لشركات القطاع المالي من الإفلاس. لقد حصلت شركة واحدة هي شركة آيه آي جي على أكثر من 150 بليون دولار، أي أكثر مما تم إنفاقه على الأسر المعوزة منذ 1990 إلى 2006.

ـ لكن الحكومة أصبحت أيضا مالكة لهذه الشركات بل واستطاعت أن تبيع أجزءا منها وتربح من ذلك. ألا تخشى من أن تفضي استراتيجية تعظيم حزم التحفيز إلى التضخم؟
ـ ليس بالضرورة. البنك المركزي عنده القدرة على سحب السيولة من النظام.

ـ ولكن سحب السيولة أصعب بكثير من ضخ السيولة.
ـ البنك المركزي ذو الإدارة الجيدة عنده الكثير من الأدوات. يستطيع أن يرفع معدل الفائدة أو يضع شروطا على البنوك الخاصة. ومن ثم فالخطر الذي أراه ليس كبيرا نسبيا. ولكن ضعف الاقتصاد الأوربي يمثل خطرا أكبر من الذي قد يمثله تضخم معتدل. وجود وظائف قيمة رواتبها أقل بنسبة مئوية ما، أفضل للناس من عدم وجود وظائف على الإطلاق.

ـ في رأيك ما هي آفاق مستقبل أوربا؟
ـ أوربا تواجه لحظة حرجة. البدائل المتاحة هي "المزيد من الوحدة" أو التفكيك. الوسط يعني عدم الاستقرار.

ـ وأي الخيارات أفضل بالنسبة لألمانيا؟
ـ كلتا الاستراتيجيتين سوف تكلف ألمانيا مالا، ولكن تكلفة "المزيد من الوحدة" أقل. أوربا بحاجة إلى نظام بنكي مشترك وإطار مالي مشترك. لو أن أوربا تقترض ككل واحد فسوف تكون سيطرتها على القروض أفضل من الولايات المتحدة. ومن ثم فـ "المزيد من الوحدة" ليس الخيار الأفضل لأسبانيا وإيطاليا فقط، بل ولألمانيا كذلك.


نشرت الترجمة اليوم السابع من أكتوبر في جريدة عمان