الثلاثاء، 11 أغسطس، 2015

بعد الحفل كارل أوف ناوسجارد (1)

بعد الحفل
كارل أوف ناوسجارد

صدر الجزء الرابع من الترجمة الإنجليزية لسداسية "نضالي" للكاتب النرويجي كارل أوف ناوسجارد في الثامن والعشرين من ابريل الماضي. ويتناول هذا الجزء العامَ الذي بلغ فيه ناوسجارد الثامنة عشرة وعمل فيه معلما في شمال النرويج، متعرضا بالتفصيل لهموم ذلك الشاب: كيف يقابل البنات، ويمارس الجنس، ويشرب حتى الثمالة كلما أمكن، وكيف يكون كاتبا. ولكنه يبقى أيضا، كما في جميع أجزاء الكتاب الذي يشغل العالم منذ سنوات، استكشافا لأبي ناوسجارد وكيفية تحوله الغامض العجيب في منتصف عمره من المسيطر على ناوسجارد في طفولته إلى فاقد السيطرة على حياته نفسها. ذكريات الكاتب عن تلك الفترة تقطع سردية ذلك العام الذي قضاه في شمال النرويج. والجزء التالي مقتطف محرَّر من الكتاب، ويعرض للعلاقة بين كارل أوف  وابيه بعد انتهاء زواج الأبوين.
كريسيدا لايشُن
***
صحوت في الصباح التالي على أزيز المكنسة الكهربائية في الغرفة السفلية. لم أتحرك. توقف صوت المكنسة واتضحت أصوات أخرى: قرقعة زجاجات، وطنين غسالة أطباق، وامتلاء دلو بالماء. كان لدى أبي وأوني حفل حينما وصلت. آخر ما رأيت منهما قبل انسلالي إلى غرفتي في الليلة السابقة كان وجهه المتلوي ويدها على كتفه. تلك كانت المرة الأولى التي أراه فيها سكران والمرة الأولى التي أراه يبكي. بعد وهلة انفتح الباب، ومضت خطوات تتقدّم على الممشى الحصوي، ثم سمعت صوتيهما تحت نافذتي تماما.
كانت هناك أريكة خشبية ومنضدة دأب أبي على الجلوس إليها في الصيف جلسته المميزة، واضعا ساقا على ساق، مائلا بظهره قليلا إلى الأمام، ممسكا في أغلب الحالات جريدة بإحدى  يديه، وبالأخرى سيجارة.
ضحكا، وكان صوته أحدّ، وأعمق.
نهضت، ومضيت على أطراف أصابعي إلى النافذة.
كان في السماء قليل من الضباب، يخفّف النبرة، لكن الشمس أشرقت وخيّم السكون على الحديقة إلا من هواء خفيف.
فتحت النافذة.
وكانا بالفعل جالسين على الأريكة، مستندين إلى الجدار، مغمضين دون الشمس. أمال كلٌّ منهما رأسه رافعا إليّ عينيه.
قال بابا "حسن، أليس هذا ’كاركلوفنا؟"
قالت أوني "صباح الخير أيها الطائر المبكّر".
قلت "صباح الخير" وأنا أثبّت (الشنكل) في الشباك. لم يرق لي إحساسي أن صوتيهما يحيط بي، حتى بدا وكأننا بتنا ثلاثة معا، ولم يكن ذلك صحيحا، فقد كان هناك اثنان، وإياي.
ولكن ما لم يرق لي أكثر هو دور المراهق المتمرد. كان آخر ما أريده من العالم أن أعطيهما مببرّرا لإلقاء لوم عليّ من أي نوع وفي أي شيء.
أكلت بضع شرائح من الخبز في المطبخ، ونظفت مكاني بحرص بعدما انتهيت، ململما فتات الخبز من الطبق والمائدة ملقيا بها في السلة أسفل الحوض، وجئت بالووكمان من حجرتي، ربطت حذائي، ونزلت إليهما.
قلت "أنا خارج أتمشى".
قال أبي "تمام. هل ستزور أحد أصحابك؟"
لم يكن يعرف اسم صاحب واحد من أصحابي، ولا حتى جان فيدار الذي كان صاحبا لي منذ ثلاث سنين. ولكنه كان يجلس بجوار أوني ويريد أن يبيِّن لها أنه أب صالح يعرف عادات ولده.
قلت "نعم، أظن ذلك".
"غدا سأنقل أغراضي إلى شقتي في وسط المدينة، ليتك تكون موجودا فقد أحتاج مساعدتك في النقل".
قلت "طبعا، أوكيه، سلام".
لم أكن ذاهبا إلى صديق. كنت راجعا للتو من الدنمارك حيث كنت مع فريق كرة القدم ولم يكن هنا أحد يمكن أن أراه. جان فيدار كان يعمل في مخبز في المدينة في ذلك الصيف، وباسن في طريقه إلى انجلترا، وبير ربما كان في مصنع الأرضيات، ولا أعرف ما الذي كان يفعله جوج. كان ينجفي مقيما عند أصحابه، مجتنبا بابا، وماما لم تكن رجعت من مزرعة أبويها في سوربوفاج. ولم يكن، ولا سبق أن كان، طبيعيا بالنسبة لي أن أخرج بلا هدف محدد. شعرت أني وحيد، وضعت السماعات، وضغطت زر التشغيل، وتركت نفسي تغرق في الموسيقى وأنا نازل التل، بينما الريف ينبسط في وداعة  بين يدي وسحابات قليلة فوق الجبال على الجانب الآخر من النهر لا تتحرك. ومضيت على الطريق الهابط، الساكن أيضا، فباستثناء مزرعة على بعد كيلومتر أعلى التل، لم يكن هناك من بيوت تقريبا في هذه الضفة. ليس إلا الغابة والماء.
خضرة الورق الإبري الأنيق ناصعة في ضوء الشمس، توشك أن تبلغ السواد في الظل، ولكن ثمة شيئا ما مضيئا في الشجر كله، وكان ذلك أثرا من الصيف، لم تكن تبدو يانعة هكذا أو ملتفتة إلى أنفسها في الشتاء، شأن كل كائن حي.
مضيت في طريق الغابة القديم. برغم أنه لم يكن يرتفع عن بيتنا إلا بمائتي متر إلا أنني لم أمش فيه إلا مرتين أو ثلاثا، وفي الشتاء فقط، وأنا مرتَدٍ الزلاجات. لم يكن يحدث شيء هناك، طريق مهجور لم يجذب أيًّا من الأولاد، بينما في القاع، من تحته كان كل شيء يحدث، هنالك حيث يعيش الناس.
لو كنت نشأت هنا فلعلي كنت لآلف كلَّ أكمة وصخرة مثلما كان حالي في الريف المحيط ببيتنا في تايباكن. ولكنني لم أعش هنا غير ثلاث سنين فقط فلم تمتدّ جذور، ولم يعن شيءٌ شيئا، بالمرة.
لم يكن أبي بحاجة إلى مساعدة تذكر مني في الانتقال عصر اليوم التالي. حمل بنفسه جميع الصناديق، وشحنها جميعا في شاحنة بيضاء كبيرة واحدة استأجرها لهذا الغرض، وساقها إلى المدينة في ثلاث نقلات، ولم يحتج إلى مساعدة فعلا إلا حينما حان الوقت لنقل الأثاث، فلما استقر في الشاحنة، أغلق الأبواب وألقى عليّ نظرة.
قال "لنبق على اتصال".
ثم وضع يدا على كتفي.
ولم يكن قد فعلها من قبل.
اغرورقت عيناي وطأطأت رأسي. رفع يده، وصعد إلى مقعد السائق، أدار المحرك، وساق ببطء نازلا التل.
هل كان يحبني؟ معقول؟
مسحت عيني في كمَّي التيشيرت.
وقلت لنفسي، خلاص. لن أعيش معه ثانية. ومن حافة الغابة جاء قط، رافعا ذيله، وقف بمحاذاة الباب، ونظر إليَّ بعينيه الصفراوين.
قلت "هل تريد الدخول يا ميفستو؟ هل أنت الآخر جائع؟"
لم يرد، حكّ رأسه في ساقي وأنا أفتح الباب، وانطلق إلى طبقه، ووقف هناك محملقا بي.
فتحت علبة جديدة، وغرفت له منها في طبقه كومة ضخمة، ومضيت إلى غرفة المعيشة، حيث كان أثر من عطر أوني عالقا في الهواء.
اختفت صورتان من على الجدار، ونصف شرائط الكاسيت فيما تصورت، ونصف الكتب. وجميع الصحف، والمكتب، والأجهزة المكتبية. الأريكة، والمقعدان الجلديان. نصف أدوات المطبخ. وطبعا ثيابه كلها.
ولم يبد، مع ذلك، أن البيت خوى.
رنَّ الهاتف في الغرفة المجاورة للصالة. سارعت إليه.
قلت "آلو، كار أوف".
 "هاي، ينجيف معك. ما الأخبار؟"
"بابا تحرك بآخر نقلة. ماما في الطريق. تحركت من سوربوفاج في أول الصباح، يعني المفروض أن تصل قريبا. ولكنني حاليا وحدي مع القط. أين أنت؟"
"لا أزال في تروند. كنت أفكر في المرور عليكم. غدا في الحقيقة، لكن بما أن بابا ذهب، فقد أحضر الليلة".
"ممكن؟ سيكون هذا رائعا".
"سأرى. أرفيد سوف يوصلني. ربما يكون لديه وقت. على أي حال، ربما أراك الليلة".
"ممتاز!"
وضعت السماعة وخرجت أرى ما الموجود في الثلاجة.
حينما كانت ماما تسوق صاعدة التل كنت قد قليت بعض السجق والبصل والبطاطس، وقطعت بعض الخبز، وأخرجت الزبد وجهزت المائدة.
خرجت أقابلها. أدخلت السيارة في الجراج، وخرجت، تمطّت واقفة على أطراف أصابعها، أمسكت الباب وأغلقته.
كانت ترتدي بنطالا أبيض، وسترة حمراء باهتة، وصندلا. ابتسمت حينما رأتني. بدت مرهقة، ولكنها كانت تسوق طول اليوم على أية حال.
قالت "هاي، أنت وحدك؟"
قلت "نعم".
"قضيت وقتا لطيفا في الدنمارك؟"
"نعم، عظيم. وأنت؟ قضيت وقتا لطيفا في سوربوفاج؟"
"نعم، قضيت".
ملت فاحتضنتها. وتبعتها إلى المطبخ. قالت "أنت جهزت طعاما؟"
ابتسمتُ.
"أريحي الآن قدميك. أنت كنت تسوقين طول اليوم. سأسخن بعض الماء للشاي. لم أكن أعرف متى ستصلين بالضبط".
قالت "لا، طبعا. كان لا بد أن أتصل. قل لي صحيح، كيف كانت الدنمارك؟"
"كانت جيدة فعلا. ملاعب خرافية. لعبنا بضع مباريات. ثم خرجنا في الليلة الأخيرة. ولكن أجمل ما حدث هو الحفلة المدرسية. تلك فعلا كانت عظيمة".
ابتسمتْ. وابتسمتُ.
ثم رنَّ الهاتف. ذهبت أرد.
"أنا بابا".
قلت "هاي".
"ماما رجعت؟"
"نعم. هل تريد أن تكلمها؟"
"لا، وفيم أكلمها؟ كنا نتساءل إن كنت تريد أن تزورنا يوم الاثنين. حفل عائلي على الضيّق".
"طبعا. متى؟"
"السادسة. عندك أي أخبار عن ينجفي، تكلمت معه؟"
"لا، أظن أنه في ترومويا".
"أبلغه إذا كلمك أنه مدعو هو الآخر".
"أوكيه، سأفعل".
"جميل، أراك قريبا".
"أراك قريبا".
وضعت السماعة. كيف أمكن لصوته أن يكون بهذا البرود وقد وضع يده على كتفي قبل سويعات فقط؟
ذهبت إلى المطبخ، حيث كانت ماما تصب الماء الساخن في البراد.
قلت "بابا".
قالت "أوه؟"
"دعاني إلى عشاء".
"جميل، أليس كذلك؟"
هززت كتفي.
"هل تكلمت معه هذا الصيف؟"
قالت وهي تضع البراد على المائدة وتجلس "لا، بل مع محاميه فقط".
"وما الذي قاله المحامي؟"
"يعني، الكلام كله كان عن كيفية اقتسام البيت. ولم نتفق، لكن لا تقلق أنت نفسك بهذا".
قلت وأنا أغترف من الطاسة بعض السجق والبطاطس والبصل في طبقي "لا تقلق؟ بل يمكنني أن أقلق إن أردت، أم ماذا؟"
قالت "أقصد أنك غير مضطر إلى الانحياز لطرف. أعتقد أن هذا ما عنيته".
قلت "لكنني انحزت منذ سنين. حين كنت في السابعة من عمري انحزت بالفعل. فهذا غير جديد عليّ. أو حتى مشكلة".
أغرس الشوكة في قطعة سجق تلوَّت بالحرارة، وأضعها في فمي، وأغرس أسناني فيها.
"لكن الأمور لو سارت على النحو الذي يبدو أنها تتجه إليه، لن يكون لدينا مال في المستقبل. أقصد، أنتما سوف تحصلان على نفقتكما من بابا طبعا. ولكما أن تتصرفا فيها كيفما تشاءان، أتصور هذا. ولكن بما أن عليّ أن أشتري نصيبه من هذا البيت، فسيكون الوضع صعبا عليَّ من الناحية الاقتصادية".
قلت "هذا ليس مهما. ما دامت مسألة نقود فقط. الحياة ليست كلها نقودا".
ابتسمت "صح أيضا. موقف جيد من الدنيا".
وصل يفنجي وآرفيد في العاشرة. أطل آرفيد فقط برأسه من الباب ليقول هاي قبل أن يغادر من جديد بينما سحب يفنجي حقيبة كبيرة إلى غرفته التي لم يستخدمها تقريبا طوال السنوات الثلاثة التي عشناها هنا".
قلت له حينما رجع "لن تذهب غدا، صح؟"
قال "لا. الطائرة موعدها بعد غد. ربما. عندي تذكرة معلقة".
مضينا إلى غرفة المعيشة. جلست في كرسي البامبو وجلس يفنجي جنب ماما على الأريكة. بالخارج كان وطواطان يحومان جيئة وذهابا، فيختفيان في عتمة جبال ضفة النهر المقابلة، ثم يعاودان الظهور في سماء أقل عتمة. صبّ يفنجي قهوة من الترمس.
قال "حسن، أعتقد أن هذا وقت الاستجواب".
في طفولتنا كنا نجلس نحن الثلاثة نثرثر، ذلك ما اعتدت عليه، ولكنها كانت المرة الأولى التي نجلس فيها لنفعل ذلك دون أن يكون بابا مقيما معنا في البيت، والفارق كان هائلا. معرفتنا أنه لن يدخل في أية لحظة، مرغما إيانا على التفكير في ما كنا نقوله أو نفعله، بدَّلت كل شيء.
ثرثرنا في كل شيء تحت الشمس، دون أن ننطق كلمة عن بابا، كانت قاعدة تواطأنا عليها.
لم أكن قد فكرت في ذلك من قبل على الإطلاق.
كنا غير قادرين أن نتكلم عنه، كان ذلك أمرا لا يمكن تخيله.
لماذا؟
ربما كان قيد الولاء. أو الخوف من أذن تسترق السمع. لكن بغض النظر عما حدث في ذلك اليوم، وبغض النظر عن مدى استيائي، لم أكلمهما قط في شيء من ذلك. ينجفي وحده، نعم، ولكن ليس في حضورنا نحن الثلاثة.
ثم بدا وكأن سدًّا انهدم. وفاض كل شيء يجري في مجرى واحد، صوب واد واحد، سرعان ما امتلأ بشيء لم يُبق بجانبه على أي شيء.
بدأ ينجفي يتكلم عن نفسه، وسرعان ما مضينا ننتقل من واقعة إلى أخرى. حكى لنا ينجفي عن الوقت الذي افتُتح فيه سوبر ماركت بي ماكس، فبعثوه بقائمة مشتريات وبعض النقود، وتعليمات صارمة بأن يعود بالإيصال. ففعل ذلك ولكن ما بقي معه من نقود لم يطابق الحساب كما هو ظاهر في الإيصال فمضى به بابا إلى القبو وضربه هناك. وحكى لنا عن المرة التي ثقب فيها إطار دراجته فضربه بابا. عن نفسي لم أتعرض قط للضرب، ولسبب ما كانت معاملة بابا لينجفي أسوأ. ولكنني تكلمت عن المرات التي صفعني فيها والمرات التي حبسني فيها في القبو، وكان مغزى تلك الحكايات ثابتا كل مرة: أن غضبه كان دائما ما يثور لتفصيلة حقيرة، أو لسبب شديد التفاهة، فكان من ثم مضحكا في حقيقة الأمر. كنا على أية حال نضحك ونحن نحكي تلك الحكايات. مرة تركت في الباص قفازا فصفعني على وجهي حينما علم بذلك. وقعت على المنضدة المهتزة فطارت في الصالة فجاء وضربني ثانية. كان أمرا عبثيا تماما! قلت إنني عشت طول الوقت خائفا منه، وينجفي قال إن بابا كان يسيطر طول الوقت على أفكاره، حتى بعد رحيله.
ماما لم تقل شيئا. جلست تستمع، ناظرة إليّ ثم إلى ينجفي. وفي بعض الأحيان كان يبدو أن عينيها تخلوان من التعبير. كانت قد سمعت أغلب تلك الحكايات من قبل، ولكنها في ذلك الوقت تكاثرت حتى بدا أنها تغرقها تماما.
وأخيرا قالت "كان بداخله كل ذلك القدر من الفوضى. أكثر مما كنت أدرك. طبعا رأيته في غضبه. لكنني لم أره يضربكما. لم يفعل ذلك مطلقا في حضوري. وأنتما لم تحكيا شيئا. كنت أحاول أن أعوّض نوبات غضبه. أن أوفّر لكما شيئا آخر ...".
قلت "لا تشغلي بالك يا ماما. لقد تجاوزنا هذا. ذلك كان في الماضي، ليس الآن".
قالت "كنا نتكلم كثيرا، أليس كذلك؟ وكان مخادعا. نعم. جدا. لكن كان لديه أيضا إحساس عال بنفسه. كان واضحا في ذلك معي. فكنت أنا ... حسن، كنت دائما أرى الأمر من جانبه، ما كان يجري. قال إنه لم يكن يتواصل معكما كثيرا، لأنني كنت أقف بينكما وبينه. وهذا، بمعنى ما، صحيح. كنتما دائما ملتفتين إليّ. كان يأتي فتقومان. وضميري كان يوجعني بسبب ذلك".
قال ينجفي "ما حدث حدث، وخلاص. مشكلتي فقط أنكم عندما انتقلتم إلى هنا تركتموني أتواءم بطريقتي. لم تساعدوني. كان عمري وقتها سبعة عشر، في الجمنازيوم، وبلا نقود".
تنفست ماما بعمق.
قالت " عارفة، كان ولائي له. وما كان ينبغي أن يكون الأمر كذلك. كان خطأ مني. كانت غلطة كبيرة".
قلت "ولا يهمك. الموضوع انتهى، من كل النواحي. ليس هنا غيرنا الآن".
مضت ماما إلى السرير بعد نصف ساعة. وكنت أعرف أن كلَّ ما كانت تفكر فيه هو ما قلناه وأنها استلقت لوقت طويل في السرير مشغولة البال. ولم أكن أريد أن يكون ذلك إحساسها، لم أشأ أن تتعذب، فلم تكن تستحق ذلك، ولكن لم يكن بيدي شيء.
ولما سمعنا صرير السقف في الجانب الآخر من غرفة المعيشة نظر إليّ ينجفي.
"تخرج ندخن؟"
أطرقت.
عبرنا الصالة ببطء، ارتدينا الأحذية والسترتين، وانسللنا إلى الجهة المقابلة للبيت من الناحية البعيدة عن غرفة نومها.
قلت وأنا أنظر إلى لهب الولاعة يهتز أمام وجهه، لأرى الوهج يولد لحظة يموت اللهب "متى ستخبرها أنك تدخن؟"
سمعته ينفث الدخان.
"وأنت متى ستخبرها؟"
"أنا في السادسة عشرة. ليس من حقي أن أدخن. أما أنت ففي العشرين".
"تمام، تمام".
استأت قليلا فتوغلت في الحديقة بضع خطوات. كان ثمة شذا ثقيل منبعثا من الأكمة الكبيرة ذات الزهور البيضاء في نهاية حوض البطاطس. ترى ماذا كان اسمها؟
كانت السماء مضيئة، والغابة من وراء النهر معتمة.
قال ينجفي "هل سبق لك أن رأيت بابا وماما يتعانقان؟"
رجعت إليه.
قلت "لا، لا أتذكر شيئا كذلك. وأنت؟"
أومأ في العتمة غير الحالكة.
"مرة. في هوف، فلا بد أن عمري كان خمس سنين. بابا كان يصيح في ماما بقوة حتى بكت. كانت واقفة في المطبخ تبكي. تركها وذهب إلى الصالة، ثم رجع فوضع ذراعيه حولها ومضى يواسيها. تلك هي المرة الوحيدة".
بدأت أبكي. لكننا كنا في الظلام، ولم يصدر عني صوت، فلم يلاحظ بكائي.
لم أكن أستاء لرحيل أحد، استياء ماما. إلا عند رحيل ينجفي. وحينها لا يكون استياء، فلا تكون العواطف الفاعلة قوية، بل شيء أقرب إلى الحزن.
لذلك لم أرافق ماما حينما ذهبت لتوصيل ينجفي إلى كجيفيك، ليستقل من هناك طائرة يرجع بها إلى كليته في بيرجن، بل أخذت دراجتي وذهبت لأرى فيدار أسفل التل ثم مضيت معه إلى النهر، فسبحنا وبقينا هناك زهاء ساعة. مضينا نتحرك وسط التيارات المتسارعة، ثم هوينا على الجزء المنزلق إلى التيار السفلي من تحتنا، وكان من المحال أن نقاوم ذلك، فكل ما يمكنك القيام به هو أن تحافظ على نفسك أثناء السقوط، وأن تضرب بذراعيك ضربتين سابحا في صبر باتجاه الضفة.
في عصر اليوم التالي ذهبت إلى بيت بابا. لبست قميصا أبيض، وبنطلونا قطنيا أسود، وحذاء رياضيا أبيض. ولكي لا أشعر أني عار تماما، مثلما كنت أشعر كلما اكتفيت بارتداء قميص، اصطحبت معي سترة، عقدتها حول كتفي، وأدليتها على ظهري فقد كان الجو بالخارج حارا لا يسمح بارتدائه.
قفزت من الأتوبيس بعد جسر لوندسبرو وتمهلت في سيري عبر الشارع التاسع المهجور الصيفي إلى البيت الذي كان يستأجره، والذي أقمت فيه في ذلك الشتاء. كان في الحديقة الخلفية يصب وقودا على فحم الشواية حينما وصلت. عاري الصدر، مرتديا مايوه أزرق، وقدماه في نعل خفيف متسخ بغير أربطة. ولم يكن في ذلك المنظر أيضا كعهدي به.
قلت: هاي
قال: هاي.

*نشر هذا المقتطف من الكتاب في نيويوركر بترجمة دون بارليت إلى الإنجليزية ونشرت الترجمة اليوم في ملحق شرفات