الأربعاء، 12 أغسطس 2015

آرثر ميلر: نيويورك .. قبل المكيف

نيويورك .. قبل المكيف
آرثر ميلر



لا أستطيع أن أتذكر في أي عام بالضبط كان ذلك ـ ربما 1927 أو 28، في سبتمبر استثنائي الحرارة ظل ملتهبا حتى بعد أن بدأت الدراسة ورجعنا من كوخنا في شاطئ روكواي، فوجدنا الشبابيك في نيويورك مفتوحة كلها، وفي الشوارع مضى الباعة الجائلون بعربات صغيرة يهشمون الثلج ويرشّون على تلال منه السكّر الملوّن ويبيعونه بنسين اثنين. وكنا نحن الصغار نقفز إلى خلفيات هذه العربات بطيئة السير التي تجرها الخيول فنسرق القليل، وكنا نجد له رائحة سماد غامضة لكنه كان يرطب أيدينا وألسننا.
كان الناس في شارع 110 الغربي، حيث كنت أعيش، على قدر بسيط من البرجوازية لم يكن يسمح لهم بالجلوس على عتبات بيوتهم، أما عند منعطف الشارع 111، وكلما تقدمنا أكثر إلى شمال المدينة، فكانت المراتب تخرج من البيوت مع اقتراب الليل، وعائلات بأكملها تستلقي في بلكوناتها الحديدية لا يستر أجسامها غير ملابسها الداخلية.
حتى في جنح الليل لم تكن الحرارة تنكسر، وكنت أذهب مع ولدين آخرين فأعبر الشارع 110 إلى الحديقة وأمشي وسط مئات الناس الذين كانوا ينامون على العشب فرادى وعائلات وبجوارهم ساعاتهم المنبهة الضخمة تتعالى ضوضاء عقارب الثواني فيها جميعا غير متزامنة مع بعضها البعض، بجانب بكاء الرضّع، وصوت الرجال العميق، وضحكة حادة رقيعة تطلقها امرأة بين الحين والآخر على مقربة من البحيرة. وأتذكر أن البيض وحدهم هم الذين كانوا ينتشرون على العشب، فلم تكن هارلم [حي السود في نيويورك] تبدأ آنذاك إلا من الشارع 116.
ثم حدث فيما بعد، في ثلاثينيات الكساد، أن ازداد الصيف حرارة. وفي الغرب، كان ذلك أوان الشمس الحمراء والعواصف الترابية، حينما تبددت مزارع كاملة بفعل الجفاف فأخرجت أهل أوكلاهوما ـ الذين خلّدهم شتاينبك ـ في رحلاتهم اليائسة صوب المحيط الهادي. كان لدى أبي آنذاك مصنع معاطف صغير في شارع 39 يعمل فيه نحو دزينة من الرجال على آلات الخياطة. وكانت رؤيتهم، مجرد رؤيتهم، وهم يعملون على معاطف الشتاء الصوفية عذابا حقيقيا بالنسبة لي. كان الخياطون يعملون بالقطعة، ويؤجَرون بحسب عدد الدرزات التي ينهونها، فكانت استراحة الغداء لديهم قصيرة، ما بين خمس عشرة دقيقة وعشرين. وكانوا يجلبون طعامهم معهم: حزما من الفجل، وربما طماطم، وخيارا وبرطمانا من القشدة الحامضة يضعونها جميعا في أوعية تحت آلاتهم. ويكون لدى الواحد منهم رغيف أيضا، يقتطع منه اللقمة فيتخذ منها ملعقة يغترف بها القشدة والخضراوات.
كان الرجال يتعرقون في العنابر، وأتذكر عاملا منهم كانت له طريقة فريدة في التعرق. كان رجلا صغير الجسم، يكره المقصات، ففي نهاية كل درزة، كان يقطع الخيط بأسنانه بدلا من أن يقصه بالمقص، ويترك بقايا الخيوط عالقة متدلية من شفته السفلى، فتكون له في نهاية اليوم لحية كثيرة الألوان ينصب عرقه من نهايات خيوطها على القماش الذي كان دائما ما يمسحه بقماشة.
وبسبب الحرارة، كانت للناس روائح بالطبع، لكن بعضهم كان أسوأ رائحة من بعضهم بكثير. وكان أحد الخياطين في مصنع أبي بغلا من هذه الزاوية، وأبي الذي بطبيعته لم يكن يلتفت إلى الروائح أو يميزها ـ دون أن أعرف لذلك سببا ـ كان يقول إنه يشم ذلك الرجل من على البعد ولا يستطيع أن يتكلم وإياه إلا عن بعد. وتحقيقا لأكبر قدر ممكن من المال، كان ذلك الرجل يبدأ العمل في الخامسة والنصف صباحا ويستمر حتى منتصف الليل. كانت لديه بنايات سكنية في برونكس وأرض في فلوريدا وجيرزي، ويبدو جشعا بجنون. كانت له بنية شديدة، وعمود فقري شديد الانتصاب، وشعر أشعث، وظل أسود يكسو خديه. وكان له شخير كشخير البغل وهو يشغل آلة الخياطة معملا إياها بحسب التصميم في ثماني عشرة طبقة من قماش المعاطف الشتوية. وفي مغرب أحد الأيام، أغمض عينيه بقوة بسبب العرق الحارق وهو يمسك القماش بيده اليسرى ويغرس فيه بيمناه المثقاب الرأسي الحاد كالموسى فانغرز المثقاب في سبابته عند المفصل الثاني. وفي غضب شديد رفض الذهاب إلى المستشفى، مكتفيا بوضع إصبعه تحت الصنبور ثم لفه في فوطة، ورجع يستأنف العمل، وهو يقص، ويشخر، ويتعرق، ولمّا بدأ الدم يظهر عبر طبقات الفوطة الملفوفة على إصبعه، فصل أبي الكهرباء عن الآلة وأمره بالذهاب إلى المستشفى، ولكنه في الصباح التالي كان يعمل طول النهار والمساء، كعادته كل يوم، مراكما بناياته وشققه.
في ذلك الوقت كان لا تزال هناك قطارات علوية في الجادات الثانية والثالثة والسادسة والتاسعة وكثير من السيارات كانت خشبية مفتوحة النوافذ. وكانت في برودواي عربات ترولي مفتوحة بلا حوائط يمكنك فيها على أقل تقدير أن تنال نصيبا من الهواء مهما يكن ساخنا فكان الناس اليائسون العاجزون عن احتمال شققهم يدفعون النكلة ويركبون هذه العربات بلا غرض لساعة أو اثنتين طلبا للهواء. أما عن كوني أيلند في العطلات الأسبوعية فكان الشاطئ يغص بالناس حتى ليصعب أن تجد مساحة لك أو  لكتابك أو حتى لسندوتش السجق.
كان أول اتصال مباشر لي مع مكيف الهواء في الستينيات حينما كنت أعيش في فندق تشيلسي. حيث قامت إدارة الفندق ـ أو ما يقال لها "الإدارة" ـ بإرسال آلة على عجلة كانت، بعشوائية تامّة،  تبرّد الجو أو تدفئه بحسب أباريق الماء التي يصبها المرء فيها. وكانت إن امتلأت تمام الامتلاء تنثر الماء في كل أرجاء الغرفة، فتضطر أن توجهها ناحية الحمام لا ناحية السرير.
مرة قال لي رجل محترم من جنوب أفريقيا إن نيويورك في الصيف أشد حرارة من أي مكان عرفه في أفريقيا، ولكن الناس فيها يرتدون من الثياب ما يليق بمدينة شمالية، فكان يرغب أن يرتدي بنطالا قصيرا ولكنه يخشى أن يتعرّض للاعتقال بتهمة الظهور بمظهر غير لائق.
وأبدعت الحرارة المرتفعة حلولا لا علاقة لها بالمنطق: بذلات كتانية تنهار وتتجعد إن ثنى المرء ذراعه أو ركبته، وقبعات للرجال من القش لها خشونة القنافذ، لكنها تبدو كما لو كانت زهورا صفرا يابسة تزهر كلَّ عام في موعد محدد ومقدس لعله الأول من يونيو أو نحو ذلك. تلك القبعات كانت تحفر أخاديد وردية في جباه الرجال، والبذلات المتجعدة ـ التي كان يفترض فيها أن تكون أبعث على البرودة ـ كانت تبقى مفتوحة ومشمرة ومتسعة عساها تسمح بحيز أكبر للأجساد التي تحتويها.
كانت المدينة في الصيف تبدو ذاهلة تدفع ناسها ـ الذين يكونون في غير الحر أرجح عقولا ـ إلى أن يكرروا بلا نهاية ولا منطق تحية يقابلون بها بعضهم البعض "ـ مكتفٍ من الحر؟ ـ هأ هأ". كانت تبدو آخر نكتة قبل انصهار العالم في بركة من العرق.

نشر النص في نيويوركر في 22 يونيو 1998، وأعيد نشره في موقع المجلة الإلكترونية في يوليو 2015 ونشرت الترجمة قبل أيام في جريدة عمان