الجمعة، 29 أبريل، 2016

لماذا نرى الموت سيئا؟

هناك من لا يؤمنون بالآخرة، بالعذاب والنعيم بعد الموت، بالحساب نفسه، ولكن يبقى للموت وقع سيء حتى على هؤلاء. فلماذا بالضبط لا نحب الموت، بسبب ما يحدث، أم بسبب ما لا يحدث؟

لماذا نرى الموت سيئا؟

إريك أولسن

يرى أغلبنا في الموت شيئا غير مستحب. أنا عن نفسي لا أريد أن أموت في القريب العاجل على الإطلاق، ولعلك مثلي. وبالطبع هناك استثناءات. فبعض الناس يطلبون الموت طلبا. قد يكونون شاعرين بوحدة لا تحتمل، أو يعانون ألما مزمنا، أو يتدهورون تدريجيا إلى حالة خرف من شأنها أن تدمر عقولهم وذاكراتهم. وقد لا يكون هناك أمل في التحسن. فهم يستيقظون كلَّ صباح ليشعروا بالإحباط حينما يكتشفون أنهم لم يموتوا في نومهم.  في هذه الحالة قد يكون الموت أفضل من الاستمرار في حياة لا تستحق أن تعاش. ولكن الموت في أغلب الحالات ليس موضع ترحاب، ونحن نفعل أقصى ما في وسعنا لنجتنبه.
وليس الموت سيئا بالنسبة للمكلومين في فقيد لهم فقط. فلو أنه مقدَّر لي أن أموت اليوم، سيضرب الحزن من يحبونني، ابني سوف يصبح يتيما، وسيكون على زملائي أن يصححوا أوراق امتحانات طلبتي. وسيكون هذا رهيبا عليهم. ولكن الموت سيكون رهيبا عليّ أن أيضا. فبقدر ما تعنيني سلامة تلاميذي، لديّ أسبابي الأنانية للبقاء على قيد الحياة. ولست في هذا الأمر فريدا. فحينما يموت الناس، نحزن من أجلهم، ولا يكون حزننا فقط على أنفسنا وعلى فقدنا لهم، لا سيما حينما يأخذهم الموت شبابا مملوئين بالوعود. لأننا نعتبر الموت أحد أسوأ الأشياء التي يمكن أن تحدث.
ويكون ذلك كله مفهوما لو أن وقتا رهيبا يتبع الموت في الآخرة. قد يكون الأمر هو أن الموت ليس نهايتنا، بل مجرد انتقال من نوع من الوجود إلى آخر. لعلنا نستمر بطريقة ما في حالة وعي بعد أن نموت، برغم ما يحدث داخل القبر من تحلل. قد يكون مقدورا لي عذاب أبدي في الجحيم. واضح أن أمرا كهذا سيكون سيئا بالنسبة لي، إذ سيجعلني أسوأ مما أنا عليه الآن.


لكن ماذا لو أنه لا وجود لآخرة؟ ماذا لو أن الموت هو النهاية، فنعود إلى التراب الذي جئنا منه ولا مزيد؟ حينئذ ليس بوسع الموت أن يجعلنا أسوأ مما نحن عليه الآن. أو هو لا يقدر على ذلك بالطريقة المباشرة التي يستطيعها الإحراق في الجحيم. فالموت في هذه الحالة هو انعدام الوجود تماما، وليس في هذا ما يسوء أحدا. ولا أحد يمانع في الموت. وما من ميت حينئذ ليشكو، وليس ذلك فقط لأن أفواههم توقفت عن العمل، بل لأنهم ببساطة لم يعودوا موجودين ليشعروا بالتعاسة.
***
لعلنا نخشى عملية الاحتضار ـ ونكون محقين في ذلك، لعلنا نخشى تدهور الصحة، الذي غالبا ما يكون أليما مهينا وينتهي إلى الموت. ولكن من الخطأ في ما يبدو أن نخاف اللاشيء الذي يمثله الموت في ذاته. فحينما نموت سنكون بالضبط مثلما كنا قبل أن نولد، وكلنا يعرف بنفسه أن ذلك أمر لم يكن فيه أي بأس. فلا يبدو الموت أسوأ من نوم بلا أحلام.
لو أن الموت لا يعدو الفناء، فكيف يتأتى أن يكون أمرا سيئا. ولكننا جميعا نرى أنه أمر سيء، فلماذا هو كذلك؟ إحدى الإجابات الفاتنة هي أن الموت في حقيقة الأمر ليس بالأمر السيء أصلا، وإن ضيقنا منه ليس سوى خطأ، ويتضح أن هذه كانت وجهة نظر الفيلسوف اليوناني القديم إبيقور.
يرى إبيقور أن الموت، وهو أبشع البلايا، ليس شيئا بالنسبة لنا، فعلى مدار وجودنا الطويل، لا يكون للموت وجود معنا، ثم يأتي الموت، فلا يكون لنا نحن وجود. فهو من ثم أمر لا يعني الأحياء ولا يعني الموتى، فلا وجود للموت في وجود الأحياء، ولا وجود للموتى في وجود الموت.
لا أثر لموتنا علينا في حياتنا. قد يؤثر علينا الخوف من وقوع الموت، ولكن ليس الموت نفسه. ولا هو يؤثر علينا حين نكون موتى، فحينئذ ما لشيء أن يؤثر علينا. ومن ثم رأى إبيقور أن الموت لا يمثل لنا أي شيء. ولا يمكن أن يكون سيئا لك أن تموت. لا لأن فوائد الموت تفوق أضراره، بل لأنه لا حول ولا قوة للموت على إيذائنا من الأساس.
ولا أهمبة لطبيعة الظروف: فحتى لو أن حياتي تبلغ من الجودة أقصى ما يمكن أن تبلغه الحياة، فتكون مشبعة بالنجاح والرضا والحب، فلن يكون سيئا لي من أي ناحية إذا هي انتهت الآن. ومن هنا يكون الموقف العقلاني هو أن لا نخاف الموت أو نشتهي إرجاءه إلى أقصى أجل ممكن، بل اللامبالاة التامة بالحياة أو بساعة الموت. قد يكون لدينا سبب للاستمرار في الحياة من أجل غيرنا، لكن ليس من أجل أنفسنا على الإطلاق. ولعل بغض الموت أشبه ببغض النزول في غرفة بالطابق الثالث عشر في فندق: فكلا الأمرين قائم على إيمان زائف بما يمكن أن يلحق بنا الضرر.
وقد يكون ذلك مدهشا. فلو صحّ كلامي، لكان أهم اكتشاف في مجمل تاريخ الفلسفة. فالموت هو أقصى ما يخافه الواحد منا. وهذا خوف يشترك فيه الناس من جميع الثقافات وفي جميع الحقب. وإبيقور لم يكن يغالي حينما قال إن الموت أبشع البلايا. فأي راحة تفوق راحتنا حين نعرف أنه ما من شيء رهيب لنخشاه من الأساس؟
لكن للأسف، يصعب علينا أن نرى إبيقور على حق. وانظروا إلى الأشياء الجميلة في الحياة: اللذة والنجاح والسعادة والصداقة والحب، على سبيل المثال. لو لم تكن هذه أشياء جميلة، فما من شيء جميل. ولكننا لا يمكن أن نحصل على شيء من هذا ونحن موتى. فلكي نحصل على اللذة أو السعاة أو الحب لا بد أن نكون أحياء. وهذا ما يجعل الاستمرار في الحياة أمرا طيبا، فهو الذي يجعل هذه الأشياء الطيبة ممكنة. وفي هذه الحالة من الخطأ أن لا نبالي بطول الحياة. فخير لنا أن لا نموت، لأن هذه هي الطريقة الوحيدة للحصول على الأشياء الجميلة كالنجاح والسعادة. ليس صحيحا إذن أن الموت لا يمثل لنا أي شيء، بل هو يمثل شيئا لدينا أوجه الأسباب لاجتنابه، ولو في أغلب الحالات على أقل تقدير. وهذا ما يجعل كرهنا للموت في محله تماما.
ويمكننا بطريقة أخرى أن نرى هذا حينما نفكر في الحالات التعيسة التي يبدو الموت فيها نعمة. فلو أنه ليس من الممكن أن يكون الموت سيئا، فليس من الممكن أن يكون جيدا أيضا. لو أن الموت يجعلنا بمنأى عن يد الأذى، فلا بد أنه أيضا يجعلنا بمنأى عن يد النفع من أي نوع. فالموت هو انعدام الوجود على الإطلاق، وكما أنه لا شيء رهيب على الإطلاق في انعدام الوجود، فبالمثل لا شيء رهيب في الموت. ما من أحد يستمتع بكونه ميتا، أو يشعر بالارتياح وقد تخلص من عبء الوجود. وإذا كان الموتى لا يتشكون، فهم لا يبتهجون أيضا، وذلك للسبب نفسه: أنهم لم يعودوا موجودين. ولو أن هذا يعني أن الموت لا يملك إيذاءنا ولا سبب يجعلنا نسعى إلى اجتنابه، فلا بد أنه يعني أيضا أن الموت لا يملك لنا نفعا ولا يمكن أن نعثر على سبب واحد يجعلنا نطلبه. وفي مواجهة الخيار بين أن نموت الآن أو نتعرض للعذاب لمدة عشر سنين ثم نموت، علينا أن نتحلى باللامبالاة التامة. وفي ذلك يكمن معنى أن الموت لا يمثل لنا أي شيء.
لو أن إبيقور على حق فليس من الطيبة أن نخلص حيوانا من شقائه حينما يعاني الألم ولا يمكن علاجه. وإن هناك جدلا حول ما إذا كان من حق من يعانون أمراضا مزمنة وقاتلة أن ينهوا حياتهم، وحول ما إذا كان يجدر السماح للأطباء بأن يساعدوهم على ذلك. ولكن بحسب إبيقور، لا معنى لهذا الحق، لأنه ليس أفضل لأي كائن أن يموت مهما تكن الظروف. وليس ذلك لأن أضرار الموت تفوق منافعه، بل لأنه لا يمكن أن يكون للموت أي نفع. ولكن لو أننا نعرف أي شيء عن الخير والشر، فنحن نعرف أنه من الخير أن نجتنب من الألم ما لا طائل من ورائه. وبما أن الموت قادر على تجنيبنا مثل هذا الألم، فلا بد أن في الموت خيرا ما.
يمكن تماما أن يكون الموت خيرا. ولكنه قد يكون خيرا، وقد يكون شرا أيضا. لقد كان إبيقور محقا حينما رأى أن الموت لا يمكن أن يكون شرا بمثل كون الألم شرا. فلا شيء محزن في أن تموت، كما أنه لا شيء مؤلم في أن تكون فاقدا الوعي. هذه أشياء ليست سيئة في ذاتها. ولكن من الممكن أن تكون لها عواقب سيئة. فليس جيدا أن تنعس في الوقت الخطأ، إذ حتى النوم الوديع قد يكون سيئا حينما يجعل الحفلة تفوتك. والموت قد يكون رديئا لأنه يجعل بقية حياتك تفوتك.
وبمزيد من الدقة، يمكن أن يكون الموت خيرا، أو شرا، أو مزيجا من الاثنين بحسب الظروف. هو خير لأنه يجنبنا الأشياء الرديئة، وهو شر لأنه يحرمنا من الأشياء الطيبة. وفي الحالات العادية تكون له عواقب من النوعين. وشأن أغلب الأشياء، للموت جانباه الطيب والرديء.
وهكذا يمكن أن يكون الموت رديئا، حتى إذا كان نهاية لنا وحتى إذا لم تكن هناك آخرة. وهو ما يثير من جديد سؤالنا الأصلي: ما الذي يجعله سيئا؟
***
بما أننا نعلم أن الموت قد يكون جيدا إذ يجنبنا الأشياء السيئة، فمن الطبيعي أن نرى أنه سيء لأنه يحرمنا من الأشياء الطيبة. إن موتي اليوم سيجعل من المستحيل عليّ أن أرى ابني يكبر، أو أن أقضي بقية حياتي مع من أحب، أو أفعل أي شيء مما فيه خير لي. سيحرمني من جميع أنواع اللذة والسعادة. ولن يكون ذلك خيرا لي.
لكن لو أن الموت سيء بسبب ما يحرمنا منه، فمن الصعب أن نقطع بمدى سوئه. فما الذي يحرمنا الموت إياه على وجه الدقة؟ يسهل القول إنه لو صدمتني حافلة صباح الغد فسوف يحرمني هذا من أن أرى ابني يكبر. لكن ربما إذا تمكنت من الفرار من الحافلة اليوم أن تصدمني عربة إطفاء حريق بعد الغد. في تلك الحالة لن يحرمني الموت بالحافلة غدا إلا من ملء يوم واحد فقط من الأشياء الطيبة. ولن يحرمني من لذة رؤية ابني يكبر، لأنني ما كنت لأنعم بذلك على أي حال. من شأن ذلك أن يجعل موتي بالحافلة شيئا سيئا، ولكن ليس شديد السوء.
وانظروا إلى مثال شهير. تشارلي بيكر، أعظم موسيقيي الجاز، مات بالتهاب رئوي عن أربعة وثلاثين عاما. كانت مأساة كبيرة، لا لمن يحبون فنه فقط، بل له هو الآخر، فهو الذي ربما كان الأحب لفنه ممن عداه. لكن إلى أي حاد كانت المأساة كبيرة؟ ما مبلغ سوء موته بالنسبة له؟ تعتمد الإجابة على ما كان ليحدث لولا تلك الميتة. وما الذي كان يمكن أن يحدث لولاها؟ كم كان ليعيش؟ ما الذي كان ليفعله بوقته الإضافي؟
ربما كانت صحته المتردية ونمط حياته الطائش ليقضيا عليه بعد وقت غير طويل، فكانت نوبة الالتهاب الرئوي لتفضي إلى مرض قاتل آخر بعد شهور قليلة. لكن من المحتمل أيضا أنه كان ليمر بما يغير حياته، فيقلع عن عادة الشراب التي أودت بصحته، ويمضي إلى إبداع تسجيلات أعظم حتى من حفلات أربعينيات القرن العشرين الأسطورية. ربما كان ليقدم إسهامه الخاص في إبداعات الجاز في الخمسينيات والستينيات، فيجعل من أمثال مايلز ديفيس وجون كولترين شخصيتين هامشيتين. وربما كان أقلع عن الموسيقى كلها واستبدل بها حياة منزلية وحبا بسيطا. والاحتمالات كثيرة للغاية. هناك ما لا حصر له من الطرق التي كانت لتستمر بها حياة باركر لو لم يمت في تلك الغرفة الفندقية بنيويورك سنة 1955. بعضها أرجح من بعض، وإن لم يبد أن بينها احتمالا أكيدا للطريقة التي كانت حياته لتستمر بها.
يبدو من الصواب القول بأن الموت يحرمنا من المستقبل الذي كان يمكن أن نعيشه لولا الموت، وأن الجودة أو السوء يتحددان بناء على نوعية هذا المستقبل: فكلما ازداد المستقبل المحتمل جودة يكون الموت شرا لك لما ضيّعه عليك. ولكن لا يبدو أن هناك أي مستقبل معين كان الميت ليعيشه لولا الموت. فالمستقبل إذن يحرمنا من مستقبلات كثيرة، منها الجيد ومنها السيء ومنها ما بين هذا وذاك. إذن حتى لو أننا نعرف نوعية الأشياء التي تجعل الموت في ظروف معينة جيدا أم سيئا، فقد لا يكون من الممكن القطع بمدى جودته أو سوئه.
وهذا الموقف ليس قصرا على الموت. فالأمر لا يختلف حينما نسأل عن جودة أو سوء أي حدث آخر في حياتنا. هل خير لي أن أنتقل إلى أستراليا؟ يبدو أن الإجابة تعتمد على ما إذا كان الانتقال إلى أستراليا سيجعل حياتي أفضل أم أسوأ من الحياة التي قد أعيشها لو بقيت حيثما أنا. ولكن ما نوعية الحياة التي يمكن أن أعيشها لو انتقلت؟ قد تكون رائعة: قد أعثر على وظيفة جديدة، وأصدقاء جدد، واهتمامات جديدة أكثر إشباعا من التي تركتها ورائي. وقد أجدها مملة، موحشة، حارة بصورة حيوانية، فأتمنى لو لم أكن انتقلت. أو قد تكون في موضع ما بين الموضعين: جميلة من بعض المناحي، رهيبة من مناح أخرى، وإن لم يكن واضحا أهي أفضل أم أسوأ من البديل بصورة إجمالية.
وكيف كانت بقية حياتي لتكون لو لم أنتقل إلى أستراليا؟ قد تستمر كما كانت من قبل، لا أكثر ولا أقل. وقد تسوء أو تتحسن بصور دراماتيكية ليس لي أن أتنبأ بها. إنني أعرف نوعية الأشياء التي قد تجعل حياتي تتحسن أو تسوء إذا أنا انتقلت إلى استراليا، ولكن من المستحيل عليّ أن أحسم هل ستكون جيدة أم سيئة.
وليس هذا فقط لأننا لا نستطيع أن نرى المستقبل. فبعد أربعين عاما من الآن، سأعرف بطريقة أو بأخرى أي حياة عشتها. ولكنني سأكون أكثر حكمة في ما يتعلق بالحياة التي كان يمكن أن أعيشها لو اختلفت اختياراتي. ليس هناك مستقبل واحد كان يمكن أن أحصل عليه لو كنت انتقلت إلى أستراليا. فعدم الانتقال يحرمني من كثير من المستقبلات الجيدة والسيئة والمتوسطة بينهما، ومثل ذلك يسري على كل أحداث حياتنا ومن بينها الموت.
نعرف أن الموت أمر سيء في أغلب الحالات على الأقل. ونعرف ما يجلعه سيئا: هو سيء لأنه يحرمنا من أشياء طيبة كان يمكن أن ننعم بها لولاه. ولكن لا يمكن أن نقول بالضبط ما هذه الأشياء الطيبة. وحتى لو علمنا الظروف المحددة لوفاة شخص، يبدو من غير الممكن لنا أن نعرف ما مدى سوء موته هذا.

كاتب المقال  أستاذ الفلسفة بجامعة شيفيلد في المملكة المتحدة. صدر أحدث كتبه في 2007 بعنوان "ماذا نكون؟ دراسة في الأنطولوجيا الشخصية"


نشرت المقالة في مجلة أيون ونشرت الترجمة في جريدة عمان