الأربعاء، 6 نوفمبر، 2013

تشارلي كوفمان: أكتب عن جرح كلنا مصابون به

الحلقة الأخيرة
تشارلي كوفمان: أكتب عن جرح كلنا مصابون به
الحلقات 1 و 2 و 3



ديفيد كوكس: تتكلم عن خروجك العمدي من منطقة الارتياح، وعن ما في ذلك من مشقة، وعن رغبتك في التيه وأنت في مستهل مشروع، هل لا زلت تستمتع بكتابة السيناريو؟ هل لا تزال كتابته تنعشك بقدر ما تنال منك؟تشارلي كوفمان: لا، لا. لا أفكر فيها بهذه الطريقة. لا أرى أنها تنعشني
ديفيد كوكس: فهل الاستمتاع والمجازاة يتحققان حينما يعرض الفيلم مثلا؟
تشارلي كوفمان: لا، لا يحدث. هناك كثير من الشراك عند عرض الفيلم بحيث يصعب الاستمتاع. بديهي أن يحدث عند نجاح فيلم واستقباله جيدا من النقاد أن أحبه، لكنني أكون بحاجة ماسة إليه، إلى هذا النوع من الاستجابة للفيلم فلا يكون هذا إحساسا طيبا. هو بدقة إحساس سخيف، فاهم؟ وذلك لأنه أمر سخيف فعلا أن يقول الناس أشياء وضيعة. إحساس فعلا سخيف. وكنت أود لو لم يكن هذا هو إحساسي، لكن هذا هو إحساسي.
ديفيد كوكس: لكن كتابة السيناريو تشبع، إلى درجة ما،  نوعا من الاحتياجات، هذا واضح.
تشارلي كوفمان: فكرة هذه المهنة نفسها تروق لي. تجعلني أفكر في أمور أود أن أفكر فيها، وأكتب نكاتا تجعل الناس يضحكون في بعض الأحيان. أريد أن أقول إنها مهنة عظيمة، ولكنها صعبة للغاية بالنسبة لي. فأنا لا أجلس إلى مكتبي لأضحك. هذا أمر نادر، بالغ الندرة. أغلب الوقت أجلس إلى مكتبي للدخول على الإنترنت. هذا في الغالب ما أفعله لأنني أعجز عن التفكير. وأنا لا أوصي بهذا لأنه شيء رهيب، وأود لو أحاربه، في حياتي، وفي ما أقدمه هنا الليلة على السواء. هذا ليس بالشيء الطيب.
ديفيد كوكس: تمام، ولكنك تحصد جزاء الألم والمعاناة جمهورا.
تشارلي كوفمان: لا أريد أن أضفي صبغة رومنتيكية وأسميه ألما أو معاناة. دعنا نقل إنه ألم كألم الأسنان. سخيف أكثر منه مؤلم. أو ليكن ما يكون.
سؤال من القاعة: يبدو أنه ما من أحد أجاد في شحن الشخصيات ورؤاها بالكون شحنا علميا وفاهما مثلما فعلت أنت في كلمتك الليلة ومثلما رأيتها في أفلام مثل Adaptation. إلى أي حد يتدخل العلم في تفكيرك، وهل من الصعب إضفاء بعد رومنتيكي على ما تخرج به من العلم؟
تشارلي كوفمان: المسألة في Adaptation  تتعلق ببداية العالم. هل هذا هو ما تتكلم عنه في الفيلم؟
السائل: أنت تكلمت عن الجينات، والنمل، والطفيليات، وهناك كثير من هذا في Adaptation. وتكلمت عن الجينات الوراثية ملمحا إلى غياب الإرادة الحرة. هذه النوعية من الأمور.
تشارلي كوفمان: تمام، بعض هذا قد يكون فلسفة مثلا، لا أعرف. أنا مهتم كثيرا بالفلسفة وبالعلم. أنا شخص عادي لا دراية لي بالرياضيات، ولكنني اهتممت بالفيزياء من خلال كتب الفيزياء الشعبية. وفي أي كتاب شعبي في الفيزياء، هناك هذا التحذير: أنت لا تعرف عن أي شيء نتكلم. سنتظاهر نحن أننا نكلمك أنت، ولكنك في الحقيقة لا دراية لك بالمرة بما نتكلم عنه. وكان ذلك يحبطني فعلا، ولم أكن أعرف ماذا بيدي. أنا لا أعتقد أن لدي أي موهبة في الرياضيات، وهذا واقع. أبي كان مهندسا. وكان من عادتي أن أدخل مكتبه وأرى الكتابات على السبورة والرسومات التي كان يرسمها وتبدو لي مذهلة. ولكنها لا تبدو لي إلا أشياء لا وصول إليها، ولا أمل في أن أفهمها. وفعلا لم أفهمها. ولكنني مهتم. منذ أيام قليلة فقط وقعت يدي على مقالة بصدق مجنونة وبصدق أذهلتني. استخدموا أشعة الرنين المغنطيسي في دراسة ردود أفعال المخ على بعض الصور المعينة، ونجحوا في وضع ما يشبه مكتبة نبضات تجعلهم الآن قادرين على إعادة تكوين الصورة، من خلال ما يجري داخل المخ والأعصاب. سمعت عن هذا؟
السائل: هذا في جامعة كولمبيا، التعرف على النمط، من خلال النظر إلى الأنماط العصبية.
تشارلي كوفمان: ولكن إلى درجة أن يعرضوا الصورة نفسها. هذا العمل أنجزه شخص اسمه جاك جالانت في بيركلي. عندهم صورة لـ ستيف مارتن في دور المفتش كلاوسو، ولديهم نسخة المخ من الصورة. لا يمكنك القول إنه ستيف مارتن، لكن يمكن أن تقول إنه رجل. قلت لنفسي واو، هذا فعلا سيؤدي إلى شيء مرعب، وقريبا جدا، ذلك الذي سيتمكنون من عمله مرعب. أنت عالم؟
السائل: بل أعمل على فيلم العلم فيه هو الذي يحرك السرد.
سؤال من القاعة: أفلامك، هل تستطيع تصنيفها بحسب أقل فيلم تشعر تجاهه بالاستياء. أي أفلامك هو الذي تشعر حياله بأقل قدر من الاستياء؟ ولماذا؟
تشارلي كوفمان: أنا في الواقع لا أشعر بالاستياء تجاه أيٍّ من أفلامي، ولا أعرف من ثم كيف أجيب على هذا السؤال. لأنني شاركت بقوة في أغلبها، في عملية صناعتها، فإنني أشعر بارتباط قوي بها، وبأنني مسئول عنها نوعا مسئولية كبيرة. لذلك أحب أشياء في جميع الأفلام التي أنتجتها. قد أقول إن أقل ارتباط بيني وبين فيلم هو الفيلم الذي اشتغلت عليه أقل من سواه، ومع أن في عبارة "أحب أفلامي جميعا" شيئا من الغطرسة، إلا أنني فعلا لست مستاء منها.
سؤال من القاعة: رؤيتك الليلة وأنت تتكلم بددت لديّ بعضا من أوهامي، فقليل جدا من ذوي الوضع النافذ هم الذين يكونون صادقين فعلا تمام الصدق. وأعتقد أنك واحد من هذه القلة. بوصولك إلى هذا الوضع، هل تخفت، على أي نحو كان، حدة السؤال الذي حملك على الكتابة؟
تشارلي كوفمان: الأسئلة التي تجعلني أكتب؟
السائل: الأسئلة التي كانت في ذهنك، وفكرت فيها لوقت طيول. هل تخفت حدتها أو حدة أي منها وقد كتبت وحققت النجاح؟
تشارلي كوفمان: لا، ليس في حالتي. ومع ذلك سأقول لك شيئا: كونك مشهورا لا يحل لك أي مشكلة من مشكلاتك، وأنا شخصيا لم أعرف هذا. كنت أتصور أنها تحل المشاكل، وكانت لدي أوهام بشأنها. هي عمليا تحل بعض المشاكل، من قبيل أن فرصة تنفيذ فيلم لي أكبر من فرصة شخص بلا سمعة بعد، هذه النوعية من المشكلات. ليست فرصة عظيمة طبعا، لكن كبيرة. أما مشكلاتي الشخصية، الأشياء التي تجعلني نفسي، فلا تزال لدي. وهذا خبر سعيد بالمناسبة، ولا أعرف إن كان يمكنك أن تعرف هذا بدون أن يحدث لك، أنا فعلا غير متأكد، أنا شخص ليس على يقين من شيء تقريبا؟ هكذا كنت، وهكذا أنا. سأقول لك هذا، منذ عشر سنوات، لم يكن لقوة في الجحيم أن تجعلني أفعل ما أفعله الليلة. ما كان لقوة في الجحيم أن تجعلني أتكلم، هنا، على المسرح. وإذن ربما تكون هناك أشياء تغيرت لدي بسبب ما تعرضت له. وأعتقد أن هذا جيد بالنسبة لي، لأنه كان أمرا جسيما. حينما حصلت على أول مهمة كتابية لم أكن أستطيع أن أتكلم في غرفة الكتابة. كنت أعمل على مسلسل سيتكوم ولا أستطيع الكلام. لا أقول إنني اخترت ألا أتكلم، أو أنني لم أتكلم. أقول لم أستطع أن أفتح فمي. لم تكن الكلمات تخرج. واستمر هذا ستة أسابيع. كنت أعتقد أنهم سوف يطردونني، وربما هذا هو ما كان ينبغي أن يحدث، لكنهم لم يفعلوه. ولكنني كنت مرعوبا في تلك الغرفة ذات الرجال الستة، فاهم؟ ذلك ما كنت إياه.
سؤال من القاعة: كنت أتساءل عما لو كنت تشعر أنك تأثرت في تفكيرك وعملك بالموسيقى على مدار حياتك؟
تشارلي كوفمان: لا أظن. لا أعرف. في طفولتي شاركت كثيرا جدا في الغناء. وكنت أعظم المشاركين غير الناطقين، لأنني لم أكن أجيد الغناء. فكنت أقف مع الكورال ويأتون فيسمعوننا ويقتربون من كل واحد فيقولون "انطق الكلمات فقط" ويمضون. حدث هذا أكثر من مرة، ووصلت إلى نقطة مفادها أنني أعرَف بذاتي منهم، وأعرف أنني غير قادر على الغناء. ولكن شاركت في الغناء كثيرا، وأحفظ الكثير من الألحان، وهذا أمر محرج فعلا، أن يعرف عني أنني هكذا كنت في طفولتي. لكن لا، لم يكن للموسيقى دور كبير.
سؤال من القاعة: أريد أن أطرح سؤالين: واحد، أريد أن أعرف ما الجرثومة أو الإلهام الذي أنتج "أن تكون جون مالكوفيتش"؟ هذا شيء. ثم مشاهدته، مشاهدتك أنت له، وهو يتقافز في أرجاء لوس أنجلس إلى أن يصيبه الجنون في النهاية، فيم كنت تفكر؟
تشارلي كوفمان: همممم. أنا كتبته وخلاص. كنت في اجازة من العمل في السيتكوم، وكتبته في فترة انتظار الموسم. الفكرة التي خطرت لي هي أن أكتب سيناريو ربما أستطيع تمريره. وفعلت هذا. كانت لدي فكرة أن يعثر شخص على مدخل إلى رأس شخص، ثم خطرت لي فكرة قصة عن شخص يقيم علاقة مع زميلة في العمل. ولم أستطع أن أنحي أيا من الفكرتين، فقررت أن أجرب الاثنتين مجتمعتين.  وكتبته وخلاص. وحصل على رد فعل إيجابي تماما، وبدأت أحظى بسببه بقدر من الشهرة. كان الناس يقرأونه فيقولون لي كم هو ظريف، ويدعونني إلى اجتماعات ويقولون لي إنه لا يوجد أحد يمكن أن يقدم على تنفيذه. وحضرت قرابة خمسة عشر اجتماعا من هذه النوعية فاقتنعت، وصرت لا أتوقع أن يتم تنفيذه. وكنت أقول لنفسي، وماله؟ لا يهم تنفيذه، المهم أن تأتيني عروض شغل. وحدث بطريقة ما أن وصل السيناريو إلى سبايك جونز، وكان في مكانة تسمح له بتنفيذ الفيلم الذي يريد، وكان ذلك هو الفيلم الذي يريد. فحينما حدث ذلك كان ... لا أعرف، كنا ننفذ فيلما وحسب، لم أكن أتوقع له أي شيء. ولكن في النهاية غير هذا الفيلم الكثير في حياتي، ولكن دونما توقع مني. ولا أتصور أن سبايك كان يتوقع هو الآخر. أتذكر وهم ذاهبون به إلى مهرجان فينسيا، وكان ذلك أول ظهور له. لم أتلق دعوة، لكن هم ذهبوا، سبايك وكاميرون دياز وكاثرين كينر، ولا أعرف إن كان جون مالكوفيتش حضر. ربما كوزاك حضر. وجاءني الاتصال القنبلة، ثم ظهرت المقالات عن الفيلم، وكان شيئا ظريفا جدا. ومثيرا. لا أعرف إن كنت أجبت سؤالك. لا يبدو على وجهك الرضا.
ديفيد كوكس: عندنا وقت لسؤال واحد إضافي، وهو من نصيب السيد الجالس بجوار الميكروفون عند الجدار.
سؤال من القاعة: بعدما أسعدني الحظ واستمعت إلى [مسرحية] "مسرح الأذن الجديدة"، ثم استمعت إليك اليوم وأنت تتكلم عن افتقارك إلى موهبة في الرياضيات، وربما في كتابة المسرحية، كنت أتساءل: ككاتب تستخدم الكلمات لتوصيل حقيقة تشعر بدافع إلى تعميمها، هل نتوقع في المستقبل منك أن تكتب في قوالب أخرى: روايات مثلا، أو مسرحيات، أو شعر. هل تشعر ككاتب أن لك مثل هذه العلاقة باللغة؟
تشارلي كوفمان: أنا كنت أعني ما أقول حينما قلت من قبل إنني لا أعتبر نفسي كاتبا. وليس ذلك لأنني لا أريد أن أصنف نفسي، ولكنني أقرأ شيئا فأقول لنفسي "اللعنة! أنا لا يمكن أن أعرف كيف يكتب شيء كهذا". وأنا فعلا لا أعرف. لا أعتقد بصدق أن لدي موهبة الكتابة أيضا. ولكن، نعم، سوف أظل أمارس الكتابة. أنا أحب الاستشهادات. وعندي استشهاد من روبرت بينتشلي Robert Benchley ، استشهاد مؤثر: "في الوقت الذي اكتشفت فيه أنني غير موهوب في الكتابة، كان لي من الشهرة ما يمنعني من التوقف". ولكنني من المؤكد سأستمر في كتابة مسرحيات، فهذه خطتي. وأود لو أكتب رواية، لكن لا أعرف إن كنت قادرا على ذلك. فكرت في الأمر، وأريد بصدق أن أفعله، ولكنني غالبا ما يصيبني الذعر عندما أقترب من التنفيذ.
ديفيد كوكس: الوقت انتهى، آسف جدا. أود أن أشكركم جميعا على مجيئكم لنقول أكبر شكرا في الدنيا لـ تشارلي كوفمان
تشارلي كوفمان: شكرا جزيلا لكم. أشكركم فعلا على دعوتي إلى هنا وجلوسي طوال هذا الشيء الذي لا أعرف بالمرة ماذا كان أصلا. أشكركم من قلبي
ديفيد كوكس: الشرف لنا

تصفيق


تشارلي كوفمان (1958 ـ ) سينمائي أمريكي، يكتب السيناريو بالدرجة الأساسية، لكنه منتج ومخرج أحيانا. هو واحد من أهم كتاب السيناريو الحاليين في السينما الأمريكية، وأكثرهم اختلافا، ونجاحا على المستوى النقدي. من أهم أعماله Being John Malkovich،  Adaptation،Eternal Sunshine of the Spotless Mind. وHuman Nature، وغيرها. كما أنه حصل على عدد جيد من أهم الجوائز السينمائية. هذه المحاضرة ألقاها كوفمان في 30 سبتمبر 2011 في الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتليفزيون BAFTA. وعنوان الترجمة اجتهاد من المترجم.