السبت، 2 نوفمبر 2013

كيف حل تاجر مجوهرات لغز الوجود؟

حقق ديفيد برنباوم ثروته من بيعه المجوهرات لنجوم السينما. والآن، أصدر كتابا "مميزا وعميقا" يبحث فيه نشأة الكون. فهل ثمة أي سبب للتعامل معه بجدية؟

كيف حل تاجر مجوهرات لغز الوجود؟

أوليفر بوركمان





في صيف عام 2012، وصل إلى عدد من أساتذة الفلاسفة في الجامعات البريطانية والأمريكية طرد ضخم غير مختوم، يحوي كتابا من 560 صفحة، مؤلفا بالإنجليزية، لكنه يحمل عنوانا لاتينيا ـ هو Summa Metaphysica [لعل معناه "خلاصة الميتافيزيقا"]ـ لمؤلف هاو لم يكن لاسمه صدى في أذهان أولئك الفلاسفة: ديفيد برنباوم. ليس أمرا نادرا أن تتلقى صناديق بريد أقسام الفلسفة رسائل  من غرباء يرون أنهم حلوا لغز الوجود، ولكن هذه الرسائل في العادة تكون عبارة عن ورقتين مطبوعتين ومشبوكتين بدبوس، أو ربما بضع ورقات مكتوبة بخط اليد، أما Summa Metaphysica  فبرز بين هذه الرسائل "بحجمه وأناقته" حسب ما يقول "تيم كرين" أستاذ الفلسفة بجامعة كمبردج. كان الكتاب معدا باحتراف، بل لقد كان يحمل شهادات من "كلود ليفي شتراوس" أستاذ علم الأنثروبولوجيا الفرنسي الأسطوري الذي وصف الكتاب في شهادته على غلافه بأنه "ملفت وعميق"، ومن أستاذ الفيزياء بجامعة برينستن الأمريكية "جون ويلر" الذي حدث أن تعاون مع أينشتين. ولسوف يحدث لاحقا أن يبدأ تداول أربعين ألف نسخة من الكتاب، وهو رقم قد يموت من أجله أي أكاديمي  متخصص في الفلسفة. زعم الكتاب أنه خاض فيما لا يعد ولا يحصى من المشكلات الأساسية في الفلسفة والفيزياء واللاهوت، وعلى كعب الكتاب كلمة واحدة، هي اسم الناشر الذي يبث طمأنينة عميقة: هارفرد.
ثم ازدادت القصة غرابة. ففي مايو من العام الحالي، نشرت مجلة التعليم العالي الأمريكية "كرونيكل أوف هاير إديوكيشن" أن باحثين مرموقين ـ منهم علماء أساتذة فلسفة، وأساتذة لاهوت ـ قد اقتنعوا بحضور "مؤتمر أكاديمي دولي" مدفوع النفقات في كلية بارد، وهي مؤسسة محترمة في شمال ولاية نيويورك، والمؤتمر مخصص لكتاب برنباوم. وجاء في دعوة المؤتمر بوضوح أنه "لمن دواعي سرورنا أن نعلن أن ديفيد برنباوم سوف يكون حاضرا النقاش". وألمحت الدعوة إلى أن هذا العمل قد يشير إلى طريق للمصالحة بين العلم والدين.
ولكن المؤتمر نفسه، الذي أقيم في حرم بارد المخضوضر على ضفة نهر هدسن، جاء على غير هذا. إنه "بالقطع، وبدون أدنى شك، أغرب مؤتمر حضرته" هكذا يقول أستاذ علم الفيزياء الفلكي "مارسيلو جليزر" للكرونيكل. ذكرت المجلة أيضا أن "تامي نايدن" الخبيرة في سبينوزا ـ فيلسوف القرن السابع عشر العقلاني ـ "شعرتْ ابتداء بالتردد إزاء الدعوة، ولكن إقامة المؤتمر في مكان محترم مثل مؤسسة بارد جعلها في النهاية تقرر الحضور". لقد اجتذب كتاب برنباوم ـ من ناحية ـ الكثير من الشهادات بجدارته، ففي مقال قصير عنSumma Metaphysica ينسب إلى أستاذ للرياضيات بجامعة فورويك Warwick  يدعى "هوجو فان دين برج" يوصف الكتاب بأنه "عظيم ولا يبارى". ومن ناحية أخرى، لم يكن في أسلوب برنباوم أي شيء معتاد. فقد فوجئ حاضرو المؤتمر بأن يجدوه يوزع عليهم تيشرتات مكتوب عليها Summa Metaphysica ، وتبين لاحقا أنه دفع آلاف الدولارات من ماله الخاص تمويلا للفعالية كلها. أشارت نايدن إلى إحساسها بالانزعاج. قالت لنفسها "ها هو ذا شخص عنده قرشان ويشتري المشروعية". ربما يكون مغفورا للأكاديميين ألا يكونوا قد سمعوا مطلقا باسم مؤلف Summa Metaphysica ، لكنه في واقع الأمر كان أبعد من يوصف بالمغمور، فلديفيد برنباوم اسم مرموق في عالم تجارة المجوهرات في نيويورك، وهو بائع متخصص في بيع أرقى الماس وغيره من الحجارة الكريمة، وزبائنه، وإن كان فيهم أمثال "جولدي هاون" و"جيمس جاندولفيني"، إلا أن قوامهم الأساسي صفوة كبار الأثرياء المجهولة. ولكنه، بعون من ثروته، منهمك منذ بعض الوقت في مهمة مختلفة كل الاختلاف: أن يقنع العالم بأنه توصل إلى فتح مذهل في الفلسفة. وهو سعي جعله يتعرض للاتهام بـ "سرقة هوية علمية"، ومستويات ملحمية من الغطرسة، واستخدام علامة جامعة هارفرد التجارية من غير وجه حق. ولكنه يثير في الوقت نفسه أسئلة مذهلة. قليلون للغاية في هذه الأيام من يفهمون الفيزياء التنظيرية  theoretical physics ، أو الفلسفة المتقدمة، ويدركون ما الذي تخبرنا به مثل هذه الحقول عن الواقع في أعمق مستوياته. فهل لا يزال معقولا ـ مثلما كان قبل قرن ـ أن يتمكن هاو لديه موارد مالية من تقديم إسهام فعلي في فهمنا لألغاز الكون؟
لا نقص فيمن يجيبون عن هذا السؤال بالنفي، على الأقل في حالة برنباوم. فمن التعليقات على موقع كرونيكل تعليق نصه إن كتاب برنباوم يبدو "وكأن ’ل. رون هوبار’ نام سكران مع ’آين راند’ فأثمرت ليلتهما عن ذلك الفكر الوليد". وباحث ممن أصبحوا مرتبطين مهنيا ببرنباوم وصف التجربة بـ "المزعجة المؤسفة، وغير المسبوقة في الدوائر الأكاديمية في حدود علمي". باحث آخر كان موجزا في وصفه الكتاب بـ "السام".
ولكنني أعود فأقول، مثلما أكد لي برنباوم أكثر من مرة طوال الأسابيع التي قضيتها أحاول أن أفهم بالضبط ما الذي يريده، افرضوا أن رجلا من كوينز، يهوديا مهلهلا غير مؤهل فلسفيا، قد فك الشفرة الكونية فأصاب بالحرج صفوة البرج العاجي: في هذه الحالة، هل من المتوقع أن يصدر رد فعل من أي نوع آخر؟
تخصصت الكاتبة العلمية "مارجريت ويرثايم" في دراسة من تطلق عليهم "العلماء من منازلهم": الهواة المهاويس، الذين لا يكون لهم في العادة نصيب يذكر من التعليم الجامعي، والذين يقطعون بأن العلم المنتشر قد سلك طريقا خاطئا، والذين يكرسون أنفسهم لوضع نظريات بديلة عن الواقع. نجم كتابها الصادر في هذا الموضوع في عام 2011 بعنوان "فيزياء الهامش" هو رجل أعمال من ولاية واشنطن اسمه "جيم كارتر" يرفض فزياء الكم ويرى أن الكون مؤلف من جزيئات على شكل مخبوزات الدونتس اسمها السركلونات. ومهما يكن الذي يمكن قوله في هذه النظرية، يبقى أن رسومات السركلونات  التي تعب كارتر في رسمها وتلوينها بمختلف الألوان هي رسومات رائعة، حتى أن ويرثايم أقامت لها معرضا في متحف سانتا مونيكا للفنون.
تتعاطف ويرثايم تعاطفا لا يعيبها مع مجموعتها الغريبة تلك، وهي حقيقة جعلت بعض منتقديها يتصورون خطأ أنها تدعو إلى التعامل مع أفكارهم بطريقة جدية. في حين أن ما تريدنا هي أن نأخذه بجدية هو الدافع وراء ما يبذلونه من جهود: وهو إصرارهم على أن أعمق أسرار الكون ـ على حد تعبيرها ـ "ينبغي أن تكون مفهومة للشخص العادي البسيط الراغب في أن يتأملها بعض الشيء". المفترض بالعلم أن يفسر لنا العالم، محيلا الغوامض ذات الوميض الخافت، إلى حقائق ساطعة. لكن القليل منا ـ عمليا ـ هم الذين يمكن أن يفهموا حقلا شديد التقدم كالفيزياء لما يتطلبه من فهم للكثير من الرياضيات المتقدمة، في حين علينا أن نثق فيه. تتساءل ويرثايم "ما الذي يحدث لمجتمع عندما يكون الفلك الرسمي، عندما تكون الصورة الفلكية للعالم، غير قابلة حرفيا للفهم من 99.9% من الناس؟" وتمضي فتقول "أليس هذا ـ على مستوى من المستويات ـ وضعا غير صحي للغاية لمجتمع نعيش فيه؟"
يبدو أن Summa Metaphysica  قد انبثق من هذا الإصرار على أن يكون العالم شيئا قابلا للتصور، غير ممتنع على الأفهام. وهو ليس أقل من جهد يستهدف الإجابة على السؤال الأكثر تخريبا للعقول على الإطلاق: لماذا، في المقام الأول، يوجد أي شيء؟ ذلك سؤال وصفه وليم جيمس ـ شقيق الروائي هنري ـ بأنه "الأشد عتمة في الفلسفة قاطبة، وحذر عالم الفيزياء الفلكية "برنارد لوفل" من أن التفكير فيه قد "يمزق عقل الفرد تمزيقا". وفي كتابه الحديث "لماذا يوجد العالم؟" يكتب "جيم هولت" أن هذا السؤال "شأن كل الغوامض والألغاز يفتح بابا للهزل". وحينما طرح جيم هولت السؤال على أستاذ الفلسفة الأمريكي "آرثر دانتو" قال له الأخير "ومن قال إنه ليس هناك لاشيء".
ومع ذلك، برنباوم لا يمزح. كتاب Summa Metaphysica  في حقيقته كتابان، مجلد من 270 صفحة على سبيل التوطئة، ثم الحدث الرئيسي المؤلف من 560 صفحة. (كما نشر على أقل تقدير 15 عملا ملحقا، ووفقا لحساباتي ما لا يقل عن 12 موقع إنترنت من بينها philosophy1000.com، وwomb1000.com، وpotential1000.com.) وقراءة الكتابة منهكة، وذلك يرجع جزئيا إلى حجمه، ففي المجلد الثاني وحده تسعون ملحقا، ولكن الإنهاك يرجع أيضا إلى أن أكثره مكتوب بلغة غامضة ممتلئة بالكلمات المبرزة، ومن جمله النمطية جملة نصها أن "المنحى الكوني قائم من الفراغ الذي لا قاع له إلى الاستثنائي الذي لا حدود له". فكرة برنباوم الكبيرة هي ما يسميه بـ "نظرية البحث عن المحتمل" التي يسميها اختصارا بـ Q4P وأحيانا بـ Q4P∞ [وهذه هي علامة اللانهاية]. وإحساس كشف المخبوء وإيجاد الروابط التاريخية المستشري في كتابه غالبا ما يضفي عليه نكهة شبيهة بدان براون.
أثارة المقالة التي نشرتها الكرونيكل جدلا محدودا وإن يكن ضاريا في الدوائر الفلسفية. فتعرضت كلية بارد لاتهام بتلقيها أموالا من دجال، وإتاحتها له فرصة الحصول في المقابل على مصداقية أكاديمية، وهعو ما يشي ـ بحس ما رأى البعض ـ بسيطرة المال على نزاهة الوسط الأكاديمي الأمريكي برمته. أعلنت جامعة هارفرد أنها تبحث اتخاذ موقف ضد برنباوم وما تردد عن "انتهاكه علامة هارفرد التجارية". ولكن برنباوم لم يجبن، فما كاد المؤتمر ينتهي حتى بعث رسائل إلكترونية إلى نحو ألفي أستاذ في الفلسفة يدعوهم إلى المشاركة في سلسلة كتب حول مؤلفه. وأوضح أن الذي سيقوم بتحرير كتب هذه السلسلة هو "جاري هاجبرج" أستاذ الفلسفة بكلية بارد. فما كان من هاجبرج إلا أن أصدر بيانا ينفي فيه نفيا عنيفا.
في ضوء كل هذه الجلبة، فكرت أن يكون برنباوم استسلم. ولكن الحقيقة أنه كان في غاية اللهفة إلى مقابلتي.
يدير ديفيد برنباوم عمله في المجوهرات، مثلما يدير عمله في أسرار الكون، من مكتب واسع في الطابق السابع من بناية في الشارع الثامن والأربعين الشرقي في قلب مدينة منهاتن. للبناية مدخل فائق التأمين له باب مزدوج، لا تكاد تخطو منه حتى يغلق باب وراءك، وتبدأ الكاميرات في استعراضك بحثا عن أي شيء يشير إلى اعتزماك السطو على الماس، ثم ينفتح باب ثان يفضي إلى ممر فخم جانباه مكسوان بالزجاج. برنباوم، ذو الأعوام الثلاثة والستين، والصحة الموفورة، والشعر الضارب إلى الفضي، كان في انتظاري، بابتسامة عريضة، لابسا سترة سوداء، لا تشوبها شائبة، لا ينقصها حتى منديل الجيب. كان قليل من العاملين منهمكين في أمور لا بد أن لها صلة بالماس، وثمة خزينة هائلة في إحدى الزوايا. دردشنا عن الماس قليلا، ولكن برنباوم كان متلهفا على الكلام عن Summa Metaphysica. قال "نبدأ الشغل! نبدأ الشغل".
سألته عن الجدل الذي أثاره. لم ينكر برنباوم أنه استخدم كلمة "هارفرد" على كتابه، وأنه ساعد ماليا في مؤتمر بارد، ولكن سرعان ما تبين أنه يعتبر الأمرين من قبيل التشتيت، ومن قبيل الأمور المتوقعة، في ضوء المعاني الكبيرة التي تنطوي عليها نظريته. قال وهو يتكلم بسرعة إن "الناس في الوسط الفلسفي الأكاديمي عدائيون نوعا ما. عدائيون تجاهي بوصفي دخيلا. فمن هذا بحق الجحيم ليأتي إلينا ويقول إننا مخطئون؟ من يظن نفسه؟ ابتداء، عليه أن يذهب فيقتل نفسه، وكلما عجّل أحسن". قال إن دار النشر التي يمتلكها تحمل اسم "هارفرد ماتريكس"، ورأى من العبث أن يخلط شخص بينها وبين مطبعة جامعة هارفرد. (وقد ظهرت طبعات حديثة من الكتاب حاملة "هارفرد ماتريكس" على كعوبها، وهو يطلق على الدار الآن "نيو باراديم ماتريكس")
أقسم أن كل الشهادات التي قالها المشاهير في حق كتابه حقيقية. (من الصعب التحقق من صدق شهادتي ويلر أو ليفي شتراوس وقد مات الاثنان. بالنسبة لـ ليفي شتراوس قال برنباوم "عندي مراسلات معه على مدار أعوام"). قال "في رأيي، هذا كلام لا يرقى إلى مستوى المناقشة. لا يرقى إلى مستواك أيضا". وهذا غضب مفهوم. هذا رجل يعتقد أنه توصل إلى سر الكون. فبأي شيء توصف أسئلة عن شعار ناشر أو شيك لكلية إلا بالأسئلة المزعجة؟
لكي نفهم ما يجعل جواهرجيا ناجحا في نيويورك، ليس له نصيب يذكر من الخبرة العلمية أو الفلسفية، يتصدى لأسئلة بهذه الجسامة، ينبغي أن نلقي نظرة على حياة برنباوم المبكرة.قال لي إن هذه النوعية من الألغاز والغوامض تسيطر عليه منذ أن كان في الحادية عشرة من عمره حينما كان يدرس في المدرسة اليهودية الأورثوذكسية في كوينز. كان ذلك في أوائل ستينيات القرن الماضي وأغلب زملائه في المدرسة كانوا أبناء لناجين من الهولوكوست، أو ليهود مهاجرين من أوربا النازية، أيام كانت قدرة البشر على الشر تبدو هائلة وحية في الذاكرة. غير أن صبية المدرسة اليهودية كانوا بصفة يومية يجدون من يحثهم على أن يثقوا في عدالة الرب ورحمته. وكان التناقض الذي يثقل عقل الصبي برنباوم يتمثل في الأحجية اللاهوتية العتيقة المعروفة  بـ "مشكلة الشر": كيف للرب أن يكون عادلا رحيما ويترك شيئا من قبيل الهولوكوست يحدث؟ ولم يكن الجانب العلماني من المنهج المدرسي بأقل نقصانا، فلو أن كل شيء بدأ مع الانفجار الكبير ـ وهو المصطلح حديث العهد آنذاك إذ صيغ للمرة الأولى في الأربعينيات من القرن الماضي ـ فما السبب أصلا في  الانفجار الكبير؟ ولو أن نظرية النشوء والارتقاء تفسر كيف تغيرت الكائنات الحية، فلماذا أصلا بدأت الحياة؟ ولماذا يوجد أي شيء؟
قال برنباوم "وسرعان ما تبين لي أنني لن أحصل على أجوبة. كل الناس أذكياء. كلهم حسنو النوايا، ولكننا لن نصل إلى أي شيء هناك". وفي الكلية، وفي مرحلة الحصول على الماستر في إدارة الأعمال من هارفرد بيزنس سكول، بقيت الأسئلة تؤرقه. يتذكر أنه كان يقول لنفسه "لا بد أن هناك إجابة، ولكن كيف تأتى لكل هؤلاء العبارقرة على مدار آلاف السنين أن يخطئوها؟" وإذ ذاك بدأ يشك في أن الإجابة ربما بقيت مخبوءة لا لأنها شديدة التعقيد، بل لأنها بسيطة للغاية: "قررت أنها لا بد أن تكون مخفية في العلن".
وأشرقت شمس الإجابة، بعد سنين من التأمل الضائع، على غير توقع. كان برنباوم في إجازة في باباردوس سنة 1982، يستمتع بحمام شمسي على الشط ويقلب الأمور في عقله. قال "الشاطئ يلائمني. يعمل عقلي هناك بصورة أفضل قليلا، وساعتها.." رفع إصبعه بسرعة "اتضح لي الأمر". كانت الإجابة هي: المحتمل  the potential.
وهذا الجزء بحاجة إلى شيء من الإيضاح.
يعتبر برنباوم أن تخصصه هو الميتافيزيقا. هو ذلك الجزء من الفلسفة العصي على التعريف، الذي يتعامل مع أكثر الأسئلة أساسية على الإطلاق. هو المجال الذي تصل إليه عندما تصل إلى حدود ما يمكن أن يقوله لك علم الأحياء أو الكيمياء أو الفيزياء. ومع ذلك، ليس مفترضا بالتفسيرات الميتافيزيقية أن تحل محل التفسيرات العلمية، إنما هي تزعم فقط أنها أكثر جذرية منها. وما الذي يمكن أن يكون أكثر جذرية من المحتمل؟ ما لا بد أنه كان موجودا قبل كل شيء سواه، وما هو محتمل بالنسبة لكل الأشياء التي سوف تأتي لاحقا إلى الوجود؟ لو أنك تؤمن بالرب، فلقد كان محتمل الرب موجودا قبل الرب. وقبل الانفجار الكبير، لا بد أنه كان ثمة محتمل الانفجار الكبير.
ناهضا عن رمال الشاطئ، رأى برنباوم العالم في ضوء جديد: كان كل شيء وكل شخص من حوله تعبيرا عن محتمل كوني، يعمل إيجادا لنفسه. لماذا؟ لأن هذا ما يفعله المحتمل. وهي عملية يطلق عليها برنباوم "إقامة الاستثنائي extraordinariation "، وشرحها موجود في مئات صفحات الـ Summa Metaphysica أما لب الفكرة نفسه فوجيز إلى حد أن تتسع له تيشيرت: الكون نفسه محتمل يحقق نفسه.
لعلك ترفع حاجبيك إذ تقرأ هذا. ولكن رؤية برنباوم هذه مسبوقة. فمنذ أرسطو، ثمة من المفكرين من يميلون إلى فكرة أن العالم لا بد أن يكون متجها إلى مكان ما، أن ثمة قوة من نوع ما في الكون، تدفع الأشياء قدما. ولو أن هذه الحجج اللاهوتية لم يعد لها رواج اليوم، يبقى من غير الممكن القول بأنها تنطوي في صلبها على شيء غير علمي. ففي كتابه المثير للجدل الصادر عام 2012 بعنوان "العقل والكون" يذهب الفيلسوف الأمريكي توماس ناجل إلى أن اللاهوت قد يكون هو السبيل الوحيد الذي يمكن الركون إليه في حل لغز لا يزال قائما: هو لغز لماذا يوجد الوعي. ومع ذلك، وبينما كان برنباوم يشرح نظريته، لا بد أن أكون فشلت في الظهور بمظهر المنبهر، وإلا فلماذا انحنى برنباوم في كرسيه باتجاهي مؤكدا ما يقوله "النظرية ناجحة! قوية! ومع الاحترام لهارفرد وأوكسفورد إلخه، هي أقوى من أي شيء لديكم".
سارع راجعا من باربادوس إلى نيويورك، وأقام في مكتبة، وشرع يعمل في الكتاب. وتلت ذلك سنوات حاول فيها أن يلفت النظر إليه. ومع مرور العقود، تنامى دخله من المجوهرات، وأنجبت له زوجته ثلاثة أولاد. (انتهت الزيجة بالطلاق). وحظي ما كتبه بشيء من الاهتمام: فالمجلد الأول من كتابه الذي يركز على اللاهوت صار يستخدم في التدريس في بعض الكليات اليهودية. ولكن الطريق كان صعبا. كثير من "العلماء الدخلاء" الذين كتبت عنهم مارجرت ورثايمر كانوا يعملون بميزانيات شديدة الضآلة، ولو كان برنباوم يعمل في مثل هذه الظروف القاسية، فربما كان منطقيا له أن يتوقف. ولكن الأمر بالنسبة له لم يكن ماليا، فبفضل الماس، كان لديه من المال ما يغنيه.
المفكرون الدخلاء مولعون بالقول بأن أبواب المعرفة موصدة يحرسها بغيرة شديدة "كهنوت" أو نخبة ترمي إلى إقصاء غير الأعضاء. "وعندهم حق" فيما يقول عالم الفيزياء الفلكية مارسيلو جليزر الذي حضر مؤتمر بارد بناء على دعوة  يرى أنها كانت مضللة. يتلقى جليزر بانتظام أعمال هواة يزعمون أنها تعيد خلق الفيزياء. "نحن بحاجة إلى مصفاة شديدة البراعة وإلا لضيعنا وقتا في تقييم أعمال كعمله" يعني برنباوم. نظام الفحص والسيطرة الصارمة على من يشترك في النقاش هو الذي يسمح للبحث بالتقدم ولا يجعل الأكاديميين مضطرين كل يوم إلى إعادة اختراع العجلة. (وتأكيدا لذلك، جيم كارتر، صاحب السيركلونات، أعاد اكتشاف نظرية عن حركة الذرات ثبت خطؤها منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر) وبحسب ما يقول أحد منتقدي كتاب ورثايمر "بوسعك أن تدرس الأدب الفرنسي وأنت لا تعرف كيف تقرأ بالفرنسية أو تتكلم بها ثم تأتي لتندب حظك وتقول إن ’الكهنوت’ لا يأخذ أفكارك مأخذ الجد".
لكن هل يمكن أن يكون وضع الفلسفة مختلفا؟ يذهب تيم كرين ـ من جامعة كمبريدج ـ إلى ذلك. ففي العلم، مضت منذ عهد بعيد أيام كان مايكل فاراداي ـ الذي بدأ مساعدا لبائع كتب ـ يعلم فيها نفسه بنفسه بما يكفي ليضرم ثورة في مجال معرفي. في  حين بوسع ابن أختي ذي الأحد عشر عاما أن يفهم الأسئلة التي تطرحها الفلسفة، وأعتقد أن لهذا الأمر دلالته. لو أن هناك إلها، فمن خلق الإله؟ لكن كرين يضيف: "الفلسفة نظام، وعليك أن تنظم تفكيرك. ليست مجرد تأليف. وتنظيم التفكير أمر صعب المنال".
ومع ذلك نجح الهواة. لودفيج فيتجنشتاين كان طالب هندسة عندما بدأ تأملاته في الفلسفة، وإذا كنا امتنعنا الآن عن اعتباره دخيلا، فليس ذلك إلا لأن أعماله أثبتت مقدرتها على الإقناع. كوبرنيكوس وجاليليو استخف بهما علماء زمانيهما، ولا بد أننا لم نسمع عن دخلاء لا حصر لهم ذهبت أفكارهم إلى النسيان. وعلى أية حال، فإن مشكلة النظريات الشبيهة بنظرية برنباوم لا تكمن في سخفها، بل في أنها ـ بحسب ما يرى كرين ـ ليست عميقة بالقدر الكافي. " لقد فكر كثير من الفلاسفة في المحتمل بوصفه شيئا له وجود فعلي. ولكن إذا كان سيفسر أي شيء، فلا بد له أن يكون شيئا واقعيا. ولو أنه شيء واقعي، فهو من ثم غير قادر على أن يفسر كيف أتى الواقع إلى الوجود". وهكذا، يبقى أشد أسئلة الفلسفة عتمة قائما.
تقع كلية بارد، التي تأسست سنة 1860، على ضفة نهر هدسون مطلة على جبال كاتسكِل، في بلدة أنانديل الصغيرة على بعد ساعتين بالسيارة من منهاتن. فيها عدد من الطلبة يبلغ تقريبا ألفين وخمسمائة، ولكن سمعتها تتجاوز حجمها بكثير، بفضل الكونسرفتوار الذي لديها، وبفضل المايسترو "ليون بوتستين" الذي يرأسها منذ عام 1975. وإنه لأمر مؤثر أن تكون بارد قد أقامت مؤتمرا مخصصا لـ Summa Metaphysica.غير أن المؤتمر الذي أقيم في ابريل من العام الماضي لم يكن بالضبط ما بدا أنه إياه، فعند النظر إليه الآن يبدو أنه شهادة على ذكاء برنباوم في الترويج لنفسه أكثر منه قبول لأفكاره من أي نوع. يقول جاري هاجبرج، أستاذ الفلسفة في بارد، والذي رأس بعض أعمال المؤتمر إن المؤتمر فيما قيل له كان عن العلم والدين، لا عن برنباوم، وإنه وافق على المشاركة مجاملة لزميل. ذلك الزميل، وهو أستاذ لاهوت يدعى "بروس تشيلتن"، أصبح صديقا لبرنباوم قبل سنوات قليلة خلال ندوة في نيويورك، وقبل منه سبعة آلاف دولار لفعالية بارد، لكنه قال إنه لم يوافق مطلقا على أن يركز الحدث على كتاب برنباوم. (وليس استثنائيا أن يقوم أفراد بتمويل فعاليات في جامعات الولايات المتحدة الخاصة). بل إن هاجبرج وتشيلتن لم يريا قط الدعوة التي صممها برنباوم على نفقته. قال هاجبرج "إن لديه موارد مالية تتقزم بجوارها موارد أي منا". وفي خلال أحد نقاشات المؤتمر، وعندما أشار برنباوم عرضا إلى أن المؤتمر مخصص حصريا لأفكاره، شعر هاجبرج "بالذهول المطلق".
"أعتقد أنه لم يكن معتادا على أن يكون محاطا بالأكاديميين" هكذا قال بيتر أتكينز أستاذ الكيمياء بجامعة أوكسفورد والملحد المرموق الذي حضر المؤتمر. "فحينما نظرنا، على عادتنا الأكاديمية، إلى ما لديه من عيوب، انتابه الضيق الشديد. كانت لديه رؤية بأن العالم يتضور جوعا إلى الكمال، أو شيء من هذا القبيل. في حين أن ثاني قوانين الديناميكا الحرارية ينص على أن كل شيء يتدهور، لا يتضور جوعا إلى الكمال، بل يتدهور إلى الانهيار".  كان أتكينز قد تلقى كتب برنباوم من قبل ورأى أنها بلا قيمة. فلماذا ذهب إلى المؤتمر؟ قال "حسن، من أسباب ذلك أنني أحب فعلا الذهاب إلى نيويورك. وسبب آخر هو أنني أحب المناقشات، فهي تحول دون ألزيمر" علاوة على أن "الاعتناء بنا كان غاية في الكرم".
لم يمض كثير على المؤتمر، حتى قام زميل من بريطانيا بتنبيه هاجبرج إلى الرسالة الإلكترونية التي بعثها برنباوم إلى ألفي أستاذ فلسفة، موجها إليهم الدعوة إلى مشروع جديد. (وافق برنباوم لاحقا على سحب الرسالة الإلكترونية) قال هاجبرج "شعرت كما لو أن شاحنة دهستني وأنا غافل. إنهم ألفا شخص في مجال عملي". لقد جعل الأكاديميين يبدون طيورا مدجنة غير مؤهلة لمقذوفات برنباوم النارية الترويجية. قال "أعتقد أننا في ستر الأقبية الأكاديمية نفترض حسن النوايا. فكرة إرسال رسالة كهذه إلى آلاف الأشخاص دونما استئذان الشخص المعني! ذلك أمر يجعل المرء منبوذا لما بقي من عمره".
تبدو احتمالية أن تؤدي أي من هذه الاعتبارات إلى النيل من حماس برنباوم أقرب إلى الصفر.  فهو، في حدود ما يعنيه،  قد فهم شيئا حقيقيا وجللا ـ هو الأحق والأجل على الإطلاق ـ والانتقادات والجدل ستبقى طول الوقت عرضا جانبيا. صحيح أنه ـ بحسب ما يتنازل ويقول ـ لم يعمل بعد على كل تفاصيل نظريته. (عندما أثرت هذه النقطة قال محتجا "أنا منظّر مفاهيم كبرى وكليات". ولكنه واثق في النظرية تمام الثقة. هات أي لغز علمي بارز: الوعي، منشأ الكون، كيفية ابتداء الحياة، وسترى أن المحتمل "يملأ كل الفجوات تقريبا". وهذه بالنسبة لأغلب العلماء هي مشكلة الأفكار المماثلة لفكرة برنباوم. هي لا تجري أي تنبؤات مختبرة. تحاول أن تنطبق على كل شيء، فتكون النتيجة هي أنك تنتهي ولم تقل أي شيء.
ومع ذلك يصعب ألا تشعر بشيء من الإعجاب. فبرنباوم على الأقل لا يزال يطرح الأسئلة الكبرى. واستعصاؤه على التأثر بالسخرية مثير للإعجاب. (فالمقتطف المنسوب إلى أستاذ الرياضيات "هوجو فان ديم بيرج" تبين أنه مأخوذ من مقال ساخر، ولكن برنباوم اقتطع ببساطة الجزء الذي يعنيه). في لحظة من حوارنا، قلت لبرنباوم إن ثمة توازيا بين عين الجواهرجي التي يرى بها الجمال ومحبته لأناقة الأفكار. فوافقني في حماس. فنظريته "أنيقة وجميلة ... وأنا أحب اجتماع الأناقة والجمال". ولكن سر متاعب المتخصصين هو الإفراط في التفكير: "كلهم يخطئونها لأنهم يتعبون أكثر مما ينبغي في المحاولة. في حين أن الوصول يستوجب الاسترخاء. التجاوز عن الصغائر. المحتمل: إنه الأنبل بين المفاهيم" قالها وهو شبه مغمض "المحتمل هو الدافع لكل شيء. بهذه البساطة".
طبعا، لن يقنع الجميع على الفور بركوب السفينة. ولكنه يعمل على ذلك منذ ثلاثين عاما، ولا معنى لأن يتوقف الآن عما يعمله. "لم أحصل على شهادة في الفلسفة. لست أكاديميا. ومن ثم فليس باقيا لهذا الكتاب إلا شرف واحد: احتمال أن يكون صحيحا".


نشر المقال أصلا في الجارديان في 19/10/2013 ونشرت الترجمة في جريدة عمان اليوم