الثلاثاء، 26 فبراير، 2013

كيف تصبح فيلسوفا


كيف تصبح فيلسوفا
إيان رافنسكروفت

1 ـ تلبس ماذا
نادرا ما تثير الملابس الفلاسفة. قد تكون الملابس مصدرا للمتعة الجمالية، ولا أحسبك ستجد كثيرا من الفلاسفة يعارضون المتعة معارضة صلبة. (لعلهم يعترضون على ما يشترى من المتع بالغالي والثمين، ولعلهم يعترضون على إعلاء المتعة على قيم أخرى كالعدالة مثلا، ولكنهم نادرا ما يخطّئون المتعة إن هي اشتريت بالمعقول وقُيمت به). ومع ذلك ثمة خيارات ثيابية تتعارض مع الروح الفلسفية.
الفلسفة في جوهرها عمل مناهض لكل ما هو سلطوي، أو هي على أقل تقدير لا تعترف إلا بسلطة العقل، والحجة، والبرهان. أما السلطة المريبة التي تتمتع بها الحشود والدين والدولة التي تشترك جميعا في الميل إلى المطالبة بالطاعة العمياء فتتعارض مع المسعى الفلسفي نفسه. وتدهشنا كثرة الفلاسفة الكثيرة ابتداء من سقراط وحتى أبيلار وراسل ممن ساءتهم السلطات الدنيوية ـ وأساءوها.
وإن من الأشياء المثيرة في السلطات والنظم السلطوية غرامها بالزي الموحد وبالتلاعب بالأزياء. ابتداء من قميص الفاشيين البُني ووصولا إلى مسوح الأساقفة الحمراء، نرى في السلطات انجذاب فيتشيا إلى الخياط وتاجر القبعات. غير أن من الأزياء الموحدة ـ كزي لاعب كرة القدم على سبيل المثال ـ ما يؤدي وظيفة عملية فيجعل من اليسير القيام بأدوار معينة. ولئن نحن نحينا هذه الحالات جانبا لأمكننا القول إنك إن وجدت في نفسك نزوعا إلى ارتداء زي موحد، أو حتى فرضه على الآخرين وهذا أسوأ طبعا، فربما يجدر بك أن تعيد النظر في مؤهلاتك وأوراق اعتمادك الفلسفية.

2 ـ تأكل ماذا
يأكل الفلاسفة كل أنواع الأشياء، شأنهم شأن غيرهم من الناس. ولكن بهم ميلا شديدا إلى النباتية، أو هذا هو الحال على أقل تقدير في الفلسفة المعاصرة في العالم الناطق بالإنجليزية. وهذا يرجع إلى حد كبير إلى تأثير بيتر سينجر الذي أقنع الكثير من الفلاسفة بأن في استهلاك اللحوم خطأ أخلاقيا إلى حد كبير، وهو وإن يكن غير منكر لما في تناول اللحوم من مصدر لكل من البروتين والمتعة، يبقى مصرا على أن ما يتأتى لنا من أكل اللحم أقل بكثير من تكلفته على الحيوانات التي تدفع من آلامها ثمنا لما نجنيه نحن من نفع، وهذا غير مقبول.

3 ـ تشرب ماذا
اشرب ما يحلو لك. لكن إن شئت الصراحة، ثمة إيثار طاغ  بين الفلاسفة للنبيذ الأحمر والقهوة. وثمة عبارة لاتينية شهيرة نصها in vino veritas منسوبة إلى الكاتب الروماني بلايني الكبير ومعناها "في النبيذ تكمن الحقيقة". وكان يعني منها أن الشخص المغرق في كئوسه أقرب إلى الإفصاح عن طبيعته الحقة. وحدث أن عمد الفيلسوف الأسترالي جون بيجلاو إلى هذه العبارة فصاغ منها قوله in caffeina veritas أي "في الكافيين تكمن الحقيقة". ومن المؤكد أنني شخصيا أجد في القهوة الجيدة حافزا لعصارتي المعرفية على التفجر.

4ـ تقرأ ماذا
لكي تكون فيلسوفا جيدا فأنت بحاجة إلى الإكثار من قراءة الفلسفة الجيدة. وبحسب تقديرات أنيدرز إريكسن ـ وهو خبير فيما يجعل المرء خبيرا ـ فإن المرء بحاجة إلى عشرة آلاف ساعة من الممارسة ليصبح خبيرا حقيقيا في أغلب المجالات. والممارسة في الفلسفة تتضمن (وإن لم تقتصر على) التفاعل مع العقول الفلسفية العظمى. وأفضل وسيلة للقيام بهذا ـ بل والوسيلة الوحيدة لدى بعض الفلاسفة ـ هي قراءة ما أنتجته هذه العقول من كتب.
في بعض الأحيان يكون ما تحتاج إلى معرفته دفين كتاب بالغ الإملال، فيكون عليك أن تصر بأسنانك وتتوغل فيه بمحراثك. وفي كثير من الأحيان، يكون أنفع لك أن تكون على قدر قليل من الانتقائية فتقرأ الأشياء التي تجذب انتباهك، فإن بدا لك كتاب في الفلسفة مملا أو تافها أو غير جيد، فما عليك إلا أن تنحيه جانبا وتجد شيئا أفضل منه تقرؤه.
لقد استشرت ـ على مدار العشرين عاما الماضية ـ القواميس الفلسفية والكتيبات، وأدلة الطالب والقارئ بأعداد غفيرة، وأمثال هذه الكتب قد توفر قراءة مفيدة بصورة كبيرة ومسلية أيضا. والثلاثة التي أفضلها هي "دليل بلاكويل إلى فلسفة العقل" بتحرير صمويل جوتنبلان، وقاموس أوكسفورد للفلسفة لـ سيمون لاكبيرن، وموسوعة ستانفورد للفلسفة على الإنترنت وهي من تحرير إدوارد زالتا. هيا، أغرقوا أنفسكم.

5 ـ تفكر في ماذا
حينما كنت طالبا جامعيا قيل لي إن الفلسفة موضوعها الحق والجمال والخير. ويبهتني الآن هذا القول بأنه عبثي لا نفع فيه. فهناك مواضيع فكرية قليلة للغاية يمكن للفيسلوفة أن تدس فيها أنفها على نحو مثمر. في حين أن العلوم الاجتماعية والطبيعية تمثل أرضا شديدة الخصوبة للفلسفة، شأنها شأن الفنون والأدب والسياسة والتاريخ والأحداث الجارية. وإليكم هنا قائمة منتقاة من واقع قراءتي مؤخرا التي بدورها قراءة منتقاة: كيم ستيرنلي يتفاعل تفاعلا مثمرا مع البيولوجيا التطورية والعلم المعرفي في "التفكير في عالم معاد"، وسوزان هيرلي تقول كلاما مهما عن أصول العنف في دراستها "التقليد، والعنف الإعلامي، ووحرية الكلام"، ومارثا نوسباوم تلفت النظر إلى وظيفة الأدب المعيارية في "العدالة الشعرية"، وجوناثان كلوفر كتب في "الإنسانية" تاريخا أخلاقيا ملفتا للقرن العشرين.
هناك فلاسفة يأبون الاشتباك مع البحث العلمي لكي لا يطغى على مجال اهتمامهم، فيكون نتاج أحادية التركيز هذه (أو التفكير المحدود) كوميديا في بعض الأحيان، مأساويا بين الحين والآخر، ولكنه نادرا ما يكون منطويا على أي قدر من العمق. وهناك فلاسفة يغرقون في الخضوع لقوة العلم إلى حد أن يهزأوا من مجالهم الأصلي. وذلك بدوره قد يفضي إما إلى الكومديا أو المأساة. ولكنه نادرا ما يفضي إلى أي شيء تفوق قيمته قيمة العلم الذي يقلده هؤلاء تقليد القرود.
غالبا ما أقع فريسة للدهشة مما يمكن لفيلسوف جيد أن يفعله بموضع لم يسبق اكتشاف صلاحيته للتأمل الفلسفي. ومن الأمثلة الجميلة على ذلك مقالة هاري فرانكفورت "عن الهراء"، فهذه مقالة يمكن التفكير فيها بوصفها نقاشا نافذا لموضوع لا يمكن العثور عليه عند أفلاطون أو [جون ستيوارت] ميل أو نيتشه، لكن "عن الهراء" يبين ـ من زاوية أخرى ـ أن بوسع شخص من مقام فرانكفورت أن يوجز التراث الفلسفي في مجرد بضعة آلاف كلمة مبينا أن تاريخ الفلسفة في نهاية المطاف ما هو إلا تاريخ معارضة للهراء. سقراط على سبيل المثال كان له أنف شديدة الحساسية تجاه الهراء، وكان قليل الصبر على أهل الهراء، بمعنى أنه كان لا يني يفضح الحمقى ممن يقدمون أنفسهم وكأنهم سلطات عارفة (مرة أخرى تطلع لنا كلمة السلطة). ونرى في قصة أن سقراط قَبِل بقول عرافة ديلفي إنه أحكم الناس بعدما أدرك أن حكمته ما هي إلا تقديره عمق جهله.

6 ـ كيف تفكر فيه
لك في الفلسفة أن تتخذ أي موقف شئت ما استطعت أن تدعمه بالحجة. ففي كتابه "عن تعدد العوالم" الصادر سنة 1986 دافع ديفيد لويس ببراعة عن رؤية سافرة العوار تذهب إلى أن هذا العالم ما هو إلا واحد من عدد لا نهائي من العوالم. وساند باول تشيرشلاند باقتدار رؤية ـ تناقض ما اصطلح عليه الوعي البشري ـ وهو أنه لا يوجد من يؤمن بشيء أو يرغب في شيء، لأنه لا وجود لشيء اسمه الإيمان أو الرغبة من الأساس (راجع العدد 78 من جورنال أوف فيلوسوفي).
خلافا للصورة الشائعة، لا يجلس الفلاسفة يطرقعون أصابعهم. فالبحث عن حجة مقنعة عمل شاق، والمرء بحاجة إلى ممارسة قبل أن يبرع في الحكم على درجة الدعم التي توفرها فرضية معينة وخطوات حجة ما وصولا إلى النتيجة المترتبة عليها. وإن تحقيق درجة من الألفة بحجج كبار فلاسفة الماضي وسيلة ممتازة للممارسة اللازمة.

7 ـ تكلم عنه
ينصحنا الموسيقار البريطاني الرائع تييندر سينج ـ من فريق كورنرشيب ـ بأن نشرب في نخب أصدقائنا مثلما في نخب خصومنا "فبهؤلاء وأولئك يتأثر القلب الشاب". وكلامك في الفلسفة مع أصحابك وأعدائك سبيل عظيم إلى المحافظة على الشباب. أفلاطون عاش حياته كلها يفعل هذا. (ويبدو أنه كان يحب المصارعة أيضا)
الحجج ـ أي النتائج المستخلصة منطقيا من مقدمات ـ أمر مركزي في الفلسفة، ولكن المحاججة ـ أي التبادل القوي للأفكار إما شفاهيا أو كتابيا ـ شائعة هي الأخرى شيوعا كبيرا في الفلسفة. والتبادل القوي للأفكار مركزي في الوصول إلى الحقيقة، والذين تخجلهم الحقيقة يخجلون أيضا من المحاججة، ومن الغريب أن ترى كيف يوصم كرستوفر هيتشنز ورتشارد داوكنز وغيرهما من أنصال الإلحادية الجديدة New Atheism  بالعدوانية، في حين أن الأدنى إلى الدقة أن يقال عنهم إنهم لا يهابون الحياة الفكرية الخشنة القاسية. وفي حين أظن أنا فيمن يتهمونهم بالعدوان أنهم الذين يحرصون كل الحرص على عدم خوض الاختبار القاسي لمعتقداتهم في العلن.
لذلك هيئ نفسك لكلام لا يخلو من صعوبة. ولا تخش من ذلك أن يقتلك، لأنه على الأرجح سوف يزيدك فهما.

8 ـ ابتهج
أمتع نفسك. لقد اتهم الفيلسوف الأمريكي جيري فود ـ الذي يحب التنكيت في كتاباته ـ بأنه لا يأخذ الفلسفة مأخذ الجد. فما كان جوابه على الاتهام إلا أن قال إنه يأخذ الفلسفة مأخذ الجد، ولكنه لا يأخذ نفسه كذلك. وعنده حق.

9 ـ العيش والموت
لن تكون للفسلفة قيمة تذكر لو لم تكن عونا لنا على أن نعيش فلا نخون قيمنا ونموت فلا نخاف موتنا. ومن أساليبها في تحقيق ذلك قدرتها على ضرب المثل. ديوجينوس، وسقراط، وفولتير ـ على سبيل المثال ـ  رفضوا بوضوح التنازل عن قيمهم. ويحكى أن الإسكندر الأكبر السكير القاتل الجزار سأل ديوجينوس الكلبي إن كان بوسعه [أي الإسكندر] أن يفعل من أجله أي شيء. فقال له ديوجينوس دون أن يقاطع حمامه الشمسي اليومي: "نعم، من فضلك اطلع من تحت شمسي".
مات كثير من الفلاسفة من دون خوف. وتروي لنا الحكاية القديمة أن سقراط شرب الشوكران في هدوء بعد أمسية قضاها في محاورات فلسفية. ومن المحدثين ديفيد هيوم الذي قابل الموت في ثبات أحبط أعداءه في الكنيسة وجللهم بالعار.
وكل يوم أناضل كي لا أتنازل، ولا أنجح كل مرة في الاختبار. (إذ لا يزال عليّ أن أواجه الموت مواجهة جدية). وبالممارسة وبالمثال، تضع الفلسفة في ظهري قدرا من الصلابة ما كنت لأجده في نفسي بدونها.
جربوها.


كاتب المقال أستاذ مساعد للفلسفة بجامعة فيندرز بجنوب أستراليا، والمقال منشور في 2010 في مجلة فيلوسوفي ناو والترجمة نشرت صباح اليوم في ملحق شرفات