الجمعة، 26 يوليو 2013

فعل القتل



فعل القتل
سلافوي جيجيك






"فعل القتل" فيلم وثائقي عرض للمرة الأولى في 2012، ويقدم هذا الفيلم نظرة عميقة ومزعجة على الورطة الأخلاقية التي وقعت فيها الرأسمالية العالمية. يروي الفيلم ـ وهو من إخراج جوشوا أوبنهايمر وتم تصويره في ميدان Medan بأندونسيا ـ قضية الفحش في أقصى ذروة يبلغها: يروي الفيلم قصة أنور كونجو Anwar Congo وأصحابه الذين يعدون اليوم ساسة محترمين بعدما كانوا رجال عصابات وزعماء فرق موت لعبت دورا أساسيا سنة 1966 في قتل مليونين ونصف المليون من المشتبه في تعاطفهم مع الشيوعية والمنتمين عرقيا إلى الصين في أغلب الحالات. "فعل القتل" موضوعه "القتلة وقد انتصروا. موضوعه المجتمع الذي أقامه القتلة". بعد النصر الذي حققوه، لم تتدن أفعالهم الرهيبة إلى مرتبة "الأسرار القذرة" بل على العكس، يتباهى أنور وأصحابه عيانا بيانا بتفاصيل مذابحهم (عن خنق ضحية بسلك، أو ذبح حلق، والتلذذ باغتصاب امرأة ...).
جوشوا أوبنهايمر
في أكتوبر 2007، أنتج تليفزيون الدولة الإندونيسية برنامجا حواريا للاحتفاء بأولئك الرجال، وفي وسط البرنامج، وبعدما يقول أنور إن أعمال القتل جرت بإلهام من أفلام العصابات" تحاول المذيعة المبتسمة أن تتدخل وتبعد الكاميرا عنه فتقول "مذهل! فلنصفق جميعا لأنور كونجو". ولما سألت أنور عما إذا كان يخشى انتقام أقارب الضحايا قال "لا يقدرون. فمن يرفع منهم رأسه ننحرها". وأضاف تابعه "سنبيدهم عن بكرة أبيهم" وانطلق الجمهور في تهليل وتصفيق هائلين لا يصدقهما المرء ما لم يرهما بعينيه.
يمثل الفيلم، بطريقة ما، توثيقا للآثار الحقيقية الناجمة عن الحياة في الخيال. يقول صناع الفيلم: "من أجل اكتشاف زهو القتلة المذهل، ومن أجل إدراك مدى اعتزازهم، بدأنا توثيق التصوير وأعادة التمثيل البسيطة للمذابح. ولكننا حينما اكتشفنا أي نوع من الأفلام ذلك الذي يريد أنور وأصحابه تنفيذه عن الإبادة الجماعية، أصبحت إعادة التمثيل أكثر وضوحا. وأتحنا لأنور وأصحابه الفرصة لأفلمة القتل باستخدام الاتجاهات السينمائية التي تروق لهم (أفلام الغرب الأمريكي، أفلام العصابات، الأفلام الاستعراضية). أي أننا منحانهم فرصة كتابة السيناريو، وإخراجه، وتمثيل المشاهد التي كانت في أذهانهم حينما كانوا يقتلون الناس".
فهل أدركوا مدى اعتزاز القتلة؟ لقد اقتربوا من ذلك في أحسن الحالات حينما اقترحوا على أنور أن يلعب دور الضحية عند إعادة مشهد التعذيب حينما يوضع على عنقه السلك، فإذا به يقاطع التمثيل ويقول "سامحوني على كل شيء فعلته". ولكن هذا لا يفضي إلى أزمة ضميرية أكثر عمقا، إذ سرعان ما يسترد كبرياءه البطولي من جديد. لقد كانت الشاشة الحمائية التي وقت من الوقوع في أزمة أخلاقية أعمق هي شاشة سينمائية، كما أنه في أعمال القتل والتعذيب الحقيقية، كان الرجال يمارسون بأدوارهم وكأنها إعادة تمثيل لنماذج سينمائية: كانوا يمارسون الواقع نفسه بوصفه خيالا. كان الرجال جميعا من المعجبين بهوليود (بدأوا حياتهم بالعمل في السوق السوداء لتذاكر السينما)، فكانوا في أثناء مذابحهم، يحاكون رجال العصابات في السينما الهوليودية ورعاة البقر بل ومنهم من كان يحاكي راقصا في فيلم استعراضي.
وهنا يدخل "الأخ الأكبر": أي مجتمع هذا الذي يحتفي علنا بعربدة وحشية قوامها القتل والتعذيب بعد عقود من وقوعها، ولا يكون احتفاؤه هذا من خلال تبريرها باعتبارها جريمة خارجة عن المألوف لكنها ضرورية من أجل المصلحة العامة، بل بوصفها نشاطا عاديا مقبولا ولذيذا؟ الشرك الذي ينبغي تفاديه هنا هو الشرك السهل الذي يتمثل في إلقاء اللوم كله إما على هوليود أو على "البدائية الأخلاقية" في اندونسيا. ينبغي لنقطة الانطلاق أن تتمثل في آثار العولمة الرأسمالية التي تقوم من خلال تقويض "الفعالية الرمزية" للبُنى الأخلاقية التقليدية بخلق فراغ أخلاقي.
ومع ذلك، فإن حالة "الأخ الأكبر" تستحق تحليلا أدق ـ فلنقارن "فعل القتل" بحادثة لفتت الكثير من الأنظار في الولايات المتحدة قبل بضعة عقود: عندما تعرضت امرأة لضرب بطيئ أفضى إلى موت في فناء عمارة سكنية ضخمة في بروكلين بولاية نيويورك تحت سمع وبصر سبعين شخصا كانوا مطلعين على ما يجري من شبابيكهم ولم يتصل أي منهم بالشرطة. لماذا؟ ما انتهى إليه التحقيق هو أن المبرر الأكثر شيوعا لعدم الاتصال بالشرطة هو أن كل شاهد ظن أن غيره لا بد أن يكون قد اتصل بالشرطة أو أن أحدا بالتأكيد سوف يتصل.
تجهيز القتلة
هل يعني هذا ببساطة أننا نرتد ـ من خلال التحلل التدريجي لجوهرنا الأخلاقي ـ إلى الأنانية الفردية؟ الوضع أكثر تعقيدا من هذا بكثير. إننا كثيرا من نسمع أن مشكلاتنا البيئية سببها أنانيتنا قصيرة النظر، فنحن منشغلون باللذات والثروات الآنية إلى درجة تنسينا المصلحة العامة. ولكن ها هنا تصبح فكرة فالتر بنيامين عن "الرأسمالية دينا" فكرة شديدة الأهمية: فالرأسمالي الحق ليس أنانيا مستغرقا في ذاته، ولكنه على العكس من ذلك متفان بهوس في مهمة تكثير الثروة، مستعد في سبيل ذلك لتجاهل صحته وسعادته، ناهيكم عن رخاء أسرته وسلامة البيئة. فلا حاجة من ثم لاستدعاء أي نوع من الأخلاقية الرفيعة أو هراء الأنانية الرأسمالية. ولكي نضع الفكرة في سياق "آلان بادو"، نقول إن ذاتية الرأسمالية ليست ذاتية "الإنسان الحيواني" بقدر ما هي نداء إلى إخضاع الأنانية للتوالد الذاتي لرأس المال. بعبارة أخرى، ليست الأنانية واستهداف المصلحة الذاتية حقيقة قاسية في مجتمعاتنا ولكنها أيديولوجية هذه المجتمعات ـ أيديولوجية فصَّلها هيجل في "فينومينولوجيا الروح" باسم "مملكة الحيوانات الروحية" وهي العبارة التي يشير بها إلى المجتمع المدني الذي تعيش فيه الحيوانات البشرية أسرى التفاعل القائم على المصلحة الذاتية. وفي ظل هذا المبدأ يتسنى وجود مجتمع مدني يرتبط فيه الأفراد المستقلون ببعضهم البعض من خلال مؤسسات اقتصاد السوق الحرة بهدف تلبية احتياجاتهم الشخصية. وينشأ التوتر الديالكتيكي عندما نصبح واعين بأنه كلما ازداد الأفراد أنانية في سلوكهم، ازدادوا إسهاما في الثروة المشتركة. وتكمن المفارقة في أنه عندما يريد الأفراد أن يضحوا بمصالحهم الخاصة الضيقة ويعملوا مباشرة من أجل المنفعة العامة، فحينئذ المنفعة العامة هي التي تتأذى.
لقد أصر هيجل على هذا "التناقض" في التوتر القائم بيم "الحيواني" و"الروحاني": الجوهر الروحاني المطلق، "عمل الكل والواحد"، ينشأ بوصفه نتيجة للتفاعل "الميكانيكي" بين الأفراد. وهذا يعني أن كل "حيوانية" يبديها "الحيوان البشري" ذو المصالح الشخصية (أي الفرد المشارك في شبكة المجتمع المدني المعقدة) هي نتيجة تحول تاريخي طويل من مجتمع القرون الوسطى الهيراركي إلى مجتمع البرجوازية الحديث. وإن مجرد تحقق مبدأ الذاتية ـ وهو النقيض الراديكالي للحيوانية ـ هو الذي يأتي بمعكوس الذاتية ليجعل منه الحيوانية.
يمكن تتبع آثار هذا التحول اليوم في كل مكان، لا سيما في الدول الأسيوية سريعة النمو حيث تؤثر الرأسمالية بأقسى نحو ممكن. تحكي لنا مسرحية "الاستثناء والقاعدة" لبرتولد بريخت Bertolt Brecht  قصة تاجر ثري يعبر هو رفيقه الحمال صحراء ياهي الصينية الخيالية لإبرام صفقة زيت. وعندما يتوه الاثنان ويوشك ما معهما من مياه على النفاد، يطلق التاجر الرصاص بالخطأ على الحمال، إذ يظن أنه يتعرض لهجوم منه، في حين أن الحمال في واقع الأمر كان يمد إليه يده بالماء. وفيما بعد، في المحكمة، تتم تبرئة التاجر، حينما يخلص القاضي إلى أن التاجر كان محقا في خوفه من تهديد وارد من الحمال، ومن ثم فقد كان ثمة مبرر للتاجر لقتل الحمال دفاعا عن النفس. ولأن الرجلين ينتميان إلى طبقتين مختلفتين، فإن التاجر محق تماما في أن يتوقع الكراهية والعدوان من لدن الحمال، هذه هي القاعدة، أما طيبة الحمال فهي الاستثناء.
أهذه القصة واحدة من تبسيطات بريخت الماركسية السخيفة؟ كلا، بناء على تقرير من الصين الواقعية اليوم:
في نانجينج، قبل نحو نصف العقد، وقعت امرأة مسنة من حافلة ... فانكسر فخذ المرأة البالغة من العمر خمسة وستين عاما. عندما حدث ذلك جاء شاب ليساعدها، ولنطلق عليه اسم "بينج يو"، لأن هذا هو اسمه. أعطى بينج يو للمرأة المسنة  مائتي رانمينبي (وهو ما كان يكفي وقتها لشراء 300 تذكرة في الحافلة) واصطحبها إلى المستشفى. ثم إنه بقي معها إلى أن وصلت أسرتها. ورفعت الأسرة قضية على الشاب مطالبة بتعويض يقدر بـ 136.419 رانمينبي. ولكن محكمة مقاطعة نانجينج جيولو وجدت الشاب مذنبا وقضت بأن يدفع 45.876 رانمينبي. وبنت المحكمة حكمها على أنه "بناء على المنطق العام" ولأن بينج يو كان أول من نزل من الحافلة فمحتمل جدا أن يكون هو الذي دفع المرأة المسنة. والأدهى أنه اعترف أنه مذنب، وفقا لما رأت المحكمة،  ببقائه مع المرأة المسنة في المستشفى. في حين أنه ما من شخص طبيعي يمكن أن يكون بالطيبة التي ادعاها بينج يو.
أليست بين هذه الواقعة وقصة بريخت تواز وتطابق كاملان؟ لقد ساعد بينج يو المرأة المسنة لأنه تعاطف معها لا أكثر، ولكن المحكمة فسرت هذا التعاطف بوصفه دليل إدانة. هل هذا استثناء سخيف؟ كلا، وذلك وفقا لصحيفة بيبلز ديلي (وهي الصحيفة الصينية الحكومية) التي سألت عينة ضخمة من الشباب من خلال موقعها الإلكتروني عما كان يمكن أن يفعلوه لو أنهم رأوا شخصا مسنا يسقط؟ 87 في المائة من الشباب ما كانوا ليساعدوا. ... الناس لا تقدم المساعدة ما لم تكن ثمة كاميرا حاضرة". يشير العزوف عن المساعدة إلى تغير في وضع الحيز العام. فحتى في الحيز العام يبقى المرء باخل حيزه الخاص غير مشتبك في أي تفاعل مع الآخرين. ولكي يعد الحيز عاما، يجب أن يكون مغطى بعدسات الكاميرات الأمنية.
ثمة علامة أخرى على هذا التغير يمكن العثور عليها في النزعة الحديثة إلى الجنس العلني في الأفلام الإباحية. فهناك المزيد والمزيد من الأفلام التي تصور اثنين (أو أزواجا عدة) وهم منهمكون في ألعاب إيروتيكية تصل إلى حد الجماع في حيز عام كثيف بالمارة (كشاطئ أو قطار أو محطة للحافلات أو القطارات). أغلبية المرة (يتظاهرون أنهم) يتجاهلون المشهد، وقليل منهم يلقي نظرة حذرة على الممارسة، وعدد أقل كثيرا من المارة هم الذين تند عنهم تعليقات فاحشة. ومرة أخرى، يبدو الزوجان المتضاجعان وكأنهما لا يزالان في حيز خاص ومن ثم فلا ينبغي أن ننشغل بفعلهما الحميمي. وهذا يردنا مرة أخرى إلى "مملكة الحيوانات الروحانية" عند هيجل ـ أعني، من أولئك الذين يتصرفون بهذه الطريقة، إذ يمرون بالمحتضرين أو المتضاجعين في تجاهل يحسدون عليه؟ حيوانات طبعا. الحيوانية التي نتعامل معها هنا ـ الأنانية القاسية التي يتسم بها كل فرد في سعيه إلى تحقيق مصالحه الخاصة ـ هي النتيجة المفارقة لشبكة معقدة من العلاقات الاجتماعية (التبادل التجاري السوقي، وساطة الإنتاج الاجتماعية). وإن عمى الأفراد عن هذه الشبكة ليشير إلى السمة المثالية ("الروحانية"): في المجتمع المدني المهيكل على أساس السوق، يكون التجريد هو الحاكم أكثر من ذي قبل.
كثيرا ما يقال إنه، في ظل مستوى تعرضنا اليوم للميديا وفي ظل انتشار ثقافة الاعتراف وأدوات السيطرة الرقمية، فإن الحيز العام يتضاءل. ويجدر بالمرء أن يعارض هذا القول بقوله إن ما يتضاءل هو الحيز العام الملائم. فالشخص الذي يعرض على الإنترنت صوره أو صورها العارية أو بيانات حميمية ليس شخصا استعراضيا: فالاستعراضيون هم الذين يقتحمون الحيز العام، أما الذين يعرضون صورهم العارية على الإنترنت يبقون في حيزهم الخاص وكل ما يفعلونه هو أنهم يوسعون هذا الحيز ليحتوي آخرين. ومثل هذا ينطبق على أنور وأصحابه في "فعل القتل" : إنهم يخصخصون  الحيز العام على نحو أكثر تهديدا من الخصخصة الاقتصادية.