الأربعاء، 28 نوفمبر، 2007

يوميات صوفيا تولستوي

"العائلات السعيدة كلها متشابهة، ولكن كل أسرة تعيسة هي فريدة في تعاستها". ربما تكون هذه أشهر جملة افتتاحية لرواية في تاريخ الأدب العالمي. تلك هي الجملة التي افتتح بها ليو تولستوي رائعته الخالدة "آنا كارنينا". وتلك هي الجملة التي تنطبق أصدق ما تنطبق على عائلة تولستوي نفسه، أو هي كذلك للتحديد، في شقها الثاني.


بهذه الكلمات بدأ برنامج إذاعي لم تتجاوز مدته الدقائق الخمس على إذاعة أمريكية. تناول البرنامج لقاء مع مؤلفة أمريكية نشرت مؤخرا كتابا صغيرا عن تولستوي وزوجته، أو صوفيا وزوجها. فالزوجة في هذا الكتاب هي الأهم.


يقدم الكتاب ـ وعنوانه "أغنية بلا كلمات .. فوتوغرافيا الكونتيسة صوفيا تولستوي ويومياتها" ـ الصور الفوتوغرافية التي التقطتها الزوجة واليوميات التي اشتركت هي وصاحب "الحرب والسلام" في كتابتها. ولأن وقت البرنامج كان قصيرا للغاية، فقد كانت المقتطفات من تلك اليوميات البديعة شحيحة. ولأنه برنامج إذاعي فلم يكن للصورة فيه مكان. ومن هذا البرنامج، بدأت رحلة البحث.


وإذا بجوجول الكريم ـ بما لا يملك ـ ينتقل إلى الصفحة الثلاثين من ديوان شعر لشاعر يدعى مارك ودوورث، حيث قصيدة عنوانها "صوفيا تولستوي .. في ياسنايا بوليانا". وهي قصيدة يقدم لها الشاعر بمقتطف صغير من اليوميات كتبته صوفيا قائلة فيه: "جلست طويلا إلى القبر، ثم رحت أتجول وأنا أتكلم في صمت مع ليوفوتشكا الميت".
ليوفوتشكا هو اسم تدليل لليو تولستوي. وصوفيا أيضا لها اسم تدليل هو سونيا. وكل من له دراية بالأدب الروسي يعرف أن الأسماء تمثل واحدا من أهم تحدياته. فلكل شخصية اسم تدليل للتحب، واسم تدليل للاحتقار، وقد تكون الشخصية لرجل فينادى باسم عائلته أو لامرأة فتنادى باسم زوجها، إضافة إلى أن لكل شخصية اسما صعبا من الأساس. وهكذا يتحتم على كل قارئ لرواية فيها عشرات الشخصيات أن يتمتع بذاكرة قادرة على حفظ مئات الأسماء وربطها بأصحابها.


على أية حال، لستم مضطرين إلى مواجهة هذا التحدي: فليس لدينا هنا غير أربعة أسماء لشخصين: ليو وليوفتشكا للزوج، وصوفيا وسونيا للزوجة.





زوجة وسكرتيرة


زوج هو تولستوي، وزوجة هي صوفيا، وثلاثة عشر طفلا. أسرة كان يمكن أن تحرم الأدب العالمي من كل الروائع التي أبدعها تولستوي، ولكن ذلك لم يحدث. فإذا كان المألوف في المسلسلات العربية الرديئة أن يتزوج رجل الأعمال من سكرتيرته الحسناء، فإن ما حدث مع تولستوي كان العكس بالضبط. فالرجل حول زوجته الكونتيسة إلى سكرتيرة.


كانت صوفيا لزوجها مساعدا لا يقدر بثمن، فهي التي كانت تنسخ له مخطوطات رواياته، ولمن لا يقدر هذه المهمة الجسيمة حق تقديرها، فعليه أن ينظر وحسب إلى "الحرب والسلام" المؤلفة ـ وهي مجرد رواية بين روايات تولستوي ـ من مئات الصفحات.


ولكن صوفيا، وهي الكونتيسة سليلة الأرستقراطية الروسية، لم تكن تحتمل أفكار زوجها فيما يختص بالإصلاح الاجتماعي وضرورة النزوع إلى الحياة البسيطة. كما كانت مشغولة باهتماماتها الخاصة بالموسيقى والتصوير الفوتوغرافي.





صورة التقطتها صوفيا تولستوي لنفسها عام 1906، يقول بندافيد فال إن هذه الصورة "مجاز لتصور صوفيا عن أزمتها: وحيدة معزولة مهملة في عالم يخصها وحدها. غير أن زوجها يطغى عليه"




وسرق منها أهلها أيضا


تقول "لي بندافيد فال" رئيسة قسم التصوير في منشورات ناشيونال جيوجرافيك ومؤلفة كتاب "أغنية بلا كلمات: فوتوغرافيا الكونتيسة صوفيا تولستوي ويومياتها" إن تولستوي كان يلتقط شخصيات رواياته من بين أفراد عائلة زوجته الأرستقراطية. وتدلل على ذلك بشخصية ناتاشا، وهي بطلة ذروة تولستوي "الحرب والسلام"، مشيرة إلى أن مصدرها هي شقيقة صوفيا الصغرى، وتدعى تانيا.
تقول لي بندافيد فال إن بداية زواج ليو وصوفيا كانت "بالغة الروعة، فقد كانا متحابين حبا جنونيا كلله الزواج في عام 1862، وكانا يشتركان في كل شيء، حتى دفتر اليوميات. ولكنهما كانا يشتركان في ذلك الدفتر لكي يقولا لبعضهما البعض ما لا يجرؤ أي منهما على قوله للآخر".


وتضيف لي بندافيد فال قائلة إن "صوفيا كانت تنسخ مخطوطات أعمال تولستوي، وتبدي رأيها فيها، وهو من جانبه كان يصغي إلى هذه الآراء بامتنان حقيقي". غير أن خمسين عاما من الزواج لا يمكن أن تمضي على هذه الوتيرة، فكان نصف القرن ذلك محتشدا بعلاقة تجاذب وتنافر، محبة وكراهية.

"لقد كان ليو وصوفيا عاطفيين للغاية، ولذلك كان حبهما عنيفا وغنيا وعميقا ومفعما، وكذلك كراهيتهما. ويبدو للأسف أن الغلبة كانت للكراهية في نهاية المطاف".


ففي آخر العمر، بدأت صوفيا تتخوف من أن يكون ليو قد كتب وصية جديدة. وذات يوم، سمع ليو صوفيا وهي تفتش مكتبه بحثا عن الوصية فانتابه غضب عارم. ورأى في ذلك القشة الأخيرة، فترك زوجته، وفي القطار نال منه مرض شديد مات على إثره.
هذه الميتة السريعة بررت لمؤلفة الكتاب أن تقول إن "كلا من الزوجين كان بحاجة إلى الآخر، وما كان له أن يعيش حياة مليئة ودافئة بدون الآخر".


ومرة أخرى قادنا إلى عدد من العروض التي نشرتها الصحافة الأمريكية لكتاب "أغنية بلا كلمات: فوتوغرافيا الكونتيسة صوفيا تولستوي ويومياتها" ومن هذه العروض استللنا المقتطفات التالية:




صورة التقطتها صوفيا لنفسها في يونيو 1901

ليو في 8 يناير 1863


في الصباح ملابسها الـ .... تحدتني أن أعترض عليها، واعترضتُ عليها قائلا ... وإذا بدموع وتبريرات وقحة ... رقعنا الفتق بطريقة أو بأخرى. وفي هذه الحالات دائما ما ينتابني السخط من نفسي، خصوصا عند القبل .... تلك الرقع الزائفة ... أشعر أنها مكتئبة، لكنني أشد اكتئابا بالطبع، ولا أستطيع أن أقول لها شيئا، فما الذي يمكن أن يقال. أنا بارد تماما، منكب على عملي، متشبث به. سوف تكف عن حبي. أنا شبه واثق من ذلك. الشيء الوحيد الذي قد يكون فيه خلاصي هو ألا تقع في غرام شخص آخر، ولن يكون ذلك نتيجة أفعالي. هي تقول إنني طيب. وأنا لا أحب أن أسمع ذلك، فلهذا السبب بالذات سوف تكف عن حبي.



سونيا في 9 يناير 1863


في حياتي لم أشعر أنني مبعث كل هذا الندم القذر. في حياتي لم أتخيل أن أكون ملومة إلى هذا الحد. لا أزال مصدومة ولا أزال أبكي منذ الصباح. أشعر باكتئاب شديد. أخشى أن أكلمه أو أنظر إليه ... أنا واثقة أنه أدرك بغتة إلى أي حد أنا وضيعة ومثيرة للشقة.


ليو في 15 يناير 1863


صحوت متأخرا؛ نظرا لأننا نمر بمرحلة ود. آخر المشاجرات تركت آثارا بسيطة (لا تكاد تدرك) ـ ولعله الزمن. كل مشاجرة من هذا النوع، مهما تكن تافهة، هي ندبة في الحب. أي إحساس لحظي بالانفعال، والغيظ، وحب النفس، أو حتى الفخر سوف يمر، أما الندبة، مهما صغرت، فستبقى إلى الأبد على أفضل شيء في الدنيا ـ الحب. سأضع ذلك نصب عيني، وسوف أحمي سعادتنا، وأنت أيضا ضعيه نصب عينيك...

ليو في 5 أغسطس 1863


... تصفحت يومياتها ـ الغضب المكبوت تجاهي يتوهج أسفل كلمات الحنان. غالبا ما يكون هذا هو الوضع في الحياة الواقعية أيضا. ولو أن الأمر كذلك فعلا، فهي غلطتها من البداية للنهاية ـ شيء مروع ...




فولوديا تولستوي حفيد صوفيا، 1903






وبعد نحو ثلاثة عقود من هذه المشاحنات الكتابية قررت سونيا أن تقوم بنسخ يوميات زوجها من أجل الأجيال القادمة. فكتبت في 20 نوفمبر عام 1890 تقول "إنني الآن أقوم بنسخ يوميات ليوفوتشكا، التي تغطي حياته كلها". وتقول واصفة تأثير عملية النسخ عليها:


سونيا في 8 ديسمبر 1890


لا زلت أقوم بنسخ يوميات ليوفوتشكا. كيف لم أقرأها وأنسخها من قبل؟ أما كانت مستلقية طوال ذلك الوقت كله في أحد أدراج خزانتي؟ لا أظنني برأت قط من صدمة قراءة يوميات ليوفوتشكا حين كنت أشارك فيها. لا زلت أذكر وجع فورات الغيرة، وهول أول مرة عرفت فيها الفسق الذكوري ...

وفي عام 1868 لم تخط سونيا في دفتر اليوميات إلا مقطعا واحدا:

سونيا في 31 يوليو 1868


أضحك إذ أقرأ يومياتي. ما أحفلها بالتناقضات ـ كأنما كنت أتعس امرأة! ولكن أين هذه التي يمكن أن تكون أكثر سعادة؟ حين أكون في الغرفة، أحيانا ما أضحك أو أعبس لنفسي، وأدعو الرب أن يمنحني المزيد والمزيد من سنوات السعادة. دائما ما أكتب في يومياتي عندما نتشاجر ... وما كنا لنتشاجر لو لم نكن نحب أحدنا الآخر ... أنا متزوجة الآن منذ ست سنوات ... ولكنني لم أزل أحبه بنفس العرامة والشاعرية والعنف والغيرة



ليو تولستوي مع ابنته تانيا في 21 ينيو 1904

ومما قادنا إليه جوجول أيضا هذا المقطع البديع من يوميات صوفيا

ينبغي للعبقري أن يبدع في بيت يكلله السلام، والبهجة والراحة. ينبغي للعبقري أن يأكل ويغتسل ويلبس، ولا غنى للعبقري عمن ينسخ له أعماله مئات المرات، ويحبه، ويغفل كل دواعي الغيرة، فيتسنى للعبقري من ثم أن يهدأ، وعلى المرء بعد ذلك كله أن يطعم ويعلم عددا رهيبا من أبناء هذا العبقري، الذين لا ينبغي أن تشغله رعايتهم، فلا ينبغي للعبقري أن يخالط غير السقارطة والبوذات وأن يطمح إلى أن يكون مثلهم.

وحينما يضحي أفراد العائلات بشبابهم وجمالهم ـ وكل ما لهم ـ لخدمة العباقرة. إذا بهم يلامون على عدم فهمهم العباقرة على النحو الأمثل، ثم لا يحصلون طبعا على كلمة شكر واحدة من العبقري إزاء تضحيتهم بحياة الشباب الخالص من أجله، وإهلاكهم في خدمته كل الملكات الروحية والعقلية التي عجزت أن تزدهر وتنمو في غياب السلام والدعة والطاقة".

غير أن جوجول الذي من علينا بهذا المقطع، لم يخبرنا في أي يوم كتب، ولم يمنحنا فرصة أن نعرف بأي شيء رد الزوج العبقري على هذا الاتهام الموجه إليه من زوجة لا تقل عبقرية.