الاثنين، 28 أكتوبر، 2013

المكتبات والقراءة وأحلام اليقظة


في محاضرة له، يؤكد الروائي البريطاني "نيل جايمان" أنه من واجب "المواطنين" أن يتخيلوا، ويحثوا غيرهم على الخيال


المكتبات والقراءة وأحلام اليقظة


من المهم أن يقول لكم الناس في أي جانب هم، ولماذا هم في هذا الجانب، وما إذا كانت لهم انحيازاتهم. ويمكنكم اعتبار هذا من قبيل التعرف على اهتمامات الأعضاء. ومن ثم فإنني أحدثكم اليوم عن القراءة. سأقول لكم إن المكتبات مهمة. سأقترح عليكم أن قراءة الأدب القصصي، أو القراءة بهدف المتعة، من بين أهم ما يمكنكم القيام به. وسوف أوجه نداء عاطفيا إلى الناس أن يفهموا ماذا تكون المكتبات، وماذا يكون أمناؤها، وأن يحافظوا على كليهما.
وإن لي انحيازاتي، الواضحة والهائلة: أنا كاتب، وفي الغالب كاتب أعمال قصصية. أكتب للأطفال وللكبار. ومنذ أكثر من ثلاثين عاما وأنا أكسب لقمة عيشي من كلماتي، في الغالب من اختلاق الأشياء وكتابتها. فمن مصلحتي بوضوح أن يقرأ الناس، وأن يقرأوا الأدب، وأن توجد المكتبات وأمناؤها للمساعدة على ترسيخ حب القراءة والأماكن المخصصة لها.
منحاز إذن ككاتب. ولكنني منحاز أكثر، وأكثر بكثير كقارئ. ومنحاز أكثر من ذلك كله بوصفي مواطنا بريطانيا.
 وإنني أتكلم هنا الليلة برعاية من هيئة القراءة، وهي هيئة خيرية مهمتها أن تمنح الجميع فرصا متساوية في الحياة بمساعدتها الناس على أن يكونوا قراء أكثر ثقة وحماسا. تدعم برامج تعليم القراءة والكتابة، تدعم المكتبات والأفراد، وتشجع بسفور على فعل القراءة. لأن كل شيء، حسب ما يقولون لنا، يتغير عندما نقرأ.
 وإنه ذلك التغير، وإن فعل القراءة ذلك، ما سأتكلم عنه الليلة. أريد أن أتكلم عما تفعله القراءة. وعما تنفع فيه القراءة.
نيل جايمان يتصور
كنت ذات مرة في نيويورك، وسمعت كلاما عن بناء السجون الشخصية، وهي صناعة تشهد نموا هائلا في أمريكا. كانت صناعة السجون بحاجة إلى أن تخطط لنموها المستقبلي: كم عدد الزنازين التي سوف تحتاج إليها؟ كم عدد المساجين الذي سوف يكون موجودا في غضون 15 عاما من الآن؟ وتبين لهم أن من السهل للغاية التنبؤ بذلك، باستخدام حسبة بسيطة وجميلة تقوم على سؤال عن نسبة البالغين من العمر ما بين 10 و11 عاما الذين لا يستطيعون القراءة، والذين بالقطع لا يستطيعون أن يقرأوا للمتعة.
والعلاقة ليست متطابقة، فليس من الممكن القول إن المجتمع الخالي من الأمية مجتمع خال من الجريمة. لكن الترابطات قوية للغاية.
وأعتقد أن بعض هذه الترابطات، أو أبسطها، ينبع من شيء بالغ البساطة. هو أن من يجيدون القراءة والكتابة يقرأون الأدب القصصي.
وللأدب القصصي استخدامان. الأول، أنه يعوِّد على القراءة. فالدافع إلى معرفة ما يحدث من بعد، والرغبة في قلب الصفحة، والحاجة إلى الاستمرار، وإن صعب الأمر، لأن هناك من هو في مأزق وأنت بحاجة إلى أن تعرف ما الذي سوف يحدث في النهاية ... كل هذا يشكل دافعا قويا بحق. وهو يرغمكم على تعلم كلمات جديدة، والتفكير في أفكار جديدة، والاستمرار. لتكتشفوا أن القراءة في ذاتها ممتعة. وما ان تعرفوا ذلك حتى تكون أقدامكم قد وطأت طريق قراءة أي شيء. والقراءة مفتاح. ولقد ثار بعض الجلبة العابرة قبل سنوات قليلة عن كوننا نعيش عالم ما بعد إجادة القراءة والكتابة post-literate  حيث قدرتنا على فهم الكلمات المكتوبة أصبحت بطريقة ما زائدة عن الحاجة، ولكن هذه الأيام ولت، والكلمات اليوم أهم مما كانت عليه من قبل: فنحن نجوب العالم بالكلمات، وفي حين ينسرب العالم إلى الشبكة، نحتاج نحن إلى المتابعة، والتواصل، وفهم ما نقرأ. ومن لا يفهمون بعضهم البعض لا يمكن أن يتبادلوا الأفكار، أو يتواصلوا.
إن أيسر سبل التأكد من تربيتنا أبناء متعلمين هو أن نعلمهم القراءة، وأن نبين لهم أن القراءة نشاط ممتع. وهذا معناه، في أبسط الحدود، أن نجد لهم الكتب التي تحقق لهم المتعة، وأن نيسر لهم الوصول إلى هذه الكتب، وأن نتركهم يقرأونها.
لا أعتقد أن هناك ذلك الشيء المسمى بكتاب رديء بالنسبة للأطفال. بين الحين والآخر يروج بين بعض الراشدين أن يشيروا إلى فئة من كتب الأطفال، أو جنس ما، أو ربما إلى كاتب بعينه، ويعلنوا هذه كتبا رديئة ينبغي أن يتوقف الأطفال عن قراءتها. رأيت هذا يحدث مرارا وتكرارا، فأعلنوا "إنيد بلايتن" كاتبة رديئة، وكذلك "ر ل شتاين"، وعشرات غيرهما، وقيل عن الكوميكس إنها ترسخ الأمية.
كلام فارغ. عجرفة. حماقة. ليسوا كتابا رديئين أولئك الذين يحبهم الأطفال ويريدون أن يقرأوا لهم ويبحثون عن كتبهم. ثم إن كل طفل حالة خاصة. بوسعهم أن يعثروا على القصص التي يحتاجون إليها، ويدخلون أنفسهم فيها. والفكرة البالية المكرورة ليست بالية مكرورة بالنسبة للأطفال. بل هذه أول مرة يصادفها فيها الطفل. فلا تبعدوا الأطفال عن القراءة لأنكم تشعرون أنهم يقرأون الكتب غير المناسبة لهم. والقصص التي لا تعجبكم هذه هي السبيل إلى كتب أخرى تحبونها. وليس للجميع نفس الذائقة التي لديكم.
بمنتهى حسن النية يمكن للكبار أن يدمروا حب طفل للقراءة: إذ ينهونهم عن قراءة ما يستمتعون به، أو يمدونهم بالكتب الجيدة ـ والمملة ـ  التي تعجبهم، وما هي إلا المعادل العصري للأدب الفكتوري "التربوي". افعلوا هذا ولن تكون النتيجة إلا جيلا يرى القراءة سخيفة رديئة لا متعة فيها.
نحن بحاجة إلى أن يرتقي أبناؤنا سلم القراءة: وكل شيء يستمتعون بقراءته سيجعلهم يرتفعون على هذا السلم، درجة بعد درجة، على سلم المعرفة. (وأيضا، لا تفعلوا مثلما فعل هذا الكاتب حينما وجد ابنته ذات الإحدى عشرة سنة مغرمة بـ ر ل شتاين فأحضر لها نسخة من رواية كاري لـ ستيفن كينج قائلا لو أعجبك ذلك فستحبين هذا! فقد بقيت هولي لا تقرأ إلا قصص المستوطنين في البراري طوال فترة مراهقتها ولا تزال تنظر إليّ بعينين مبهورتين كلما ذكر اسم ستيفن كينج).
وثاني ما يفعله الأدب القصصي أنه يغرس التعاطف. فأنتم حينما تشاهدون التليفزيون أو الفيلم ترون ما يحدث للآخرين. أما الأدب القصصي فشيء تقيمونه من حروف وحفنة علامات ترقيم، تقيمون، وحدكم، بإعمالكم الخيال، عالما وناسا، وترون بأعين ليست أعينكم. وتشعرون بأشياء، وتزورون أماكن وعوالم، ما كان لكم لولا القراءة من سبيل إليها. تعرفون أن كل آخر هو أنا أيضا. تكونون الآخر، وما  ترجعون إلى عالمكم ، إلا وقد طرأ عليكم تغير طفيف.
والتعاطف أداة إدخال للناس في الجماعات يتيح لنا أن نكون أكثر من أفراد مهووسين بذواتهم.
وتكتشفون أيضا وأنتم تقرأون شيئا بالغ الأهمية لشق طريقكم في الحياة. وهذا الشيء هو:
ليس العالم مضطرا أن يبقى على ما هو عليه. يمكن أن يتغير.
كنت في الصين سنة 2007، في أول مؤتمر يوافق عليه الحزب لأدب الخيال العلمي في التاريخ الصيني كله. وانتحيت بمسئول كبير جانبا وسألته لماذا؟ لقد ظل أدب الخيال العلمي مرفوضا لوقت طويل. ما الذي تغير؟
قال لي، أمر بسيط. كان الصينيون يبرعون في العمل بشرط أن يخطط لهم الآخرون. لكنهم ما كانوا يبتكرون أو يخترعون. كانوا لا يتخيلون. فأرسلوا وفدا إلى الولايات المتحدة، إلى شركات آبل وميكروسوفت وجوجول وهناك سألوا الناس ممن يخترعون المستقبل عن أنفسهم، واكتشفوا أنهم جميعا كانوا يقرأون أدب الخيال العلمي وهم أولاد وبنات.
بوسع الأدب القصصي أن يريكم عالما مختلفا. بوسعه أن يصطحبكم إلى حيث لم تكونوا. ثم إنكم لا تكادون تقومون بزيارة هذه العوالم الأخرى، شأن من أكلوا ثمارا مسحورة، حتى يستحيل عليكم تمام الاستحالة الرضا بالعالم الذي نشأتم فيه. والسخط جيد: والساخطون هم القادرون على تعديل العوالم وتحسينها، وتركها وهي أفضل، وتركها وهي مختلفة.
وفيما نحن في هذا الموضوع، أحب أن أقول كلمات قليلة عن الهروبية escapism. إنني أسمع الناس تتداول هذا المصطلح بوصفه شرا من نوع ما. وكأنما القص "الهروبي" مستحضر رخيص يتعاطاه الحمقى والمشوشون والمضللون، وكأنما القص المحترم، للكبار والصغار،  هو القص القائم على التقليد والتصوير المرآوي لأسوأ عالم يمكن للقارئ أن يجد فيه نفسه.
لو وجدتم أنفسكم واقعين في شرك موقف مستحيل، مكان مزعج، مع ناس مزعجين، وعرض شخص عليكم مهربا مؤقتا، فلم لا تتقبلونه؟ القص الهروبي كذلك بالضبط: قص يفتح بابا، يكشف عن نور الشمس في الخارج، يأخذكم إلى مكان تكون لكم فيه السيطرة، وصحبة تحبونها (والكتب أماكن حقيقية، وإياكم والخطأ في هذا الأمر)، وأهم من ذلك أنكم في هروبكم تحصلون من الكتب على معرفة بعالمكم ومأزقكم، وأن الكتب تزودكم بأسلحة، ودروع، وهي أشياء حقيقية يمكنكم الرجوع بها إلى سجونكم. مهارات ومعارف وأدوات يمكنكم إعمالها في الحقيقة.
ومثلما يذكرنا "ج ر ر تولكن"، الوحيد الذي يدين الهروب هو السجّان.
ومن الوسائل المؤكدة لتدمير حب الأطفال للقراءة ألا يكون من حولهم كتب من أي نوع. وعدم تخصيص مكان لهم لقراءة هذه الكتب. أنا كنت محظوظا. كانت على مقربة مني في نشأتي مكتبة محلية ممتازة. وكان لي أبوان من النوع الذي يمكن أن يقتنع باصطحابي إلى المكتبة وهما في طريقهما إلى العمل في أيام الإجازات الصيفية، وكان في المكتبة نفسها نوع من أمناء المكتبات لا يمانعون أن يقوم صبي بدون رفيق راشد بدخول مكتبة الأطفال كل يوم لاستعراض أدراج البطاقات والبحث عن كتب الأشباح أو السحر أو الصواريخ ومصاصي الدماء ومفتشي المباحث والساحرات والأعاجيب. ولما انتهيت من مكتبة الأطفال بدأت في كتب الكبار.
كانوا أمناء مكتبة أكفاء. يحبون الكتب ويحبون أن تقرأ الكتب. ويعلمونك كيف تطلب كتبا من مكتبات أخرى من خلال نظام التبادل بين المكتبات. وما كانوا يتعالون على أي شيء أقرؤه. كان يبدو عليهم فقط أنهم معجبون بوجود هذا الصبي منبهر العينين محب القراءة ويتكلمون معي عن الكتب التي أقرؤها، ويجدون لي كتبا أخرى من سلسلة ما، ويمدون لي يد العون. كانوا يتعاملون معي بوصفي قارئا، لا أكثر ولا أقل، أعني أنهم كانوا يتعاملون معي باحترام. ولم أكن معتادا على المعاملة باحترام وأنا في الثامنة من عمري.
لكن المكتبات أماكن الحرية. حرية القراءة، حرية الأفكار، حرية التواصل. أماكن التعلم (والتعلم لا ينتهي يوم نترك المدرسة أو الجامعة)، والتسلية، والأمن، ونيل المعلومات.
وإنني أخشى أن ناس القرن الحادي والعشرين يسيئون فهم ماهية المكتبات وغايتها. لو أنكم ترون المكتبات أرففا للكتب، لو أنكم ترونها آثارا من الماضي، مهجورة، عفا عليها الزمن، في عالم أصبح فيه أغلب الكتب الورقية ـ وليس جميعها ـ مرقمنا أيضا، فأنتم ضللتم عن المغزى بلا شك.
أعتقد أن للأمر علاقة بطبيعة المعلومات. وللمعلومات قيمة، وللمعلومات الصحيحة قيمة هائلة. ونحن، طوال التاريخ البشري، نعيش في زمن ندرة المعلومات، وطالما كان امتلاك المعلومات اللازمة أمرا شديد الأهمية، وله قيمته: متى نزرع المحاصيل، أين يمكن العثور على هذا الشيء أو ذاك، الخرائط والتواريخ والحكايات، كان لها دائما نفعها للحصول على وجبة أو رفقة. كانت المعلومات دائما ذات قيمة، ومن يملكها أو يحصل عليها، كان يدفع الثمن.
في السنوات القليلة الماضية، انتقلنا من اقتصاد ندرة المعلومات إلى اقتصاد تحركه تخمة المعلومات. وفي كل يومين ـ والعهدة على إريد شميدت رئيس مجلس إدارة جوجول ـ تخلق الإنسانية قدرا من المعلومات يساوي ما خلقته منذ فجر الحضارة وحتى عام 2003. ومن ثم لم يعد التحدي هو العثور على تلك النبتة النادرة النامية في الصحراء، بل العثور على نبتة معينه في الأدغال. ولسوف نحتاج إلى عون ونحن نبحر وسط المعلومات لنعثر على الشيء الذي نحتاج إليه بحق.
المكتبات أماكن يذهب إليها الناس طلبا للمعلومات. وما الكتب إلا قمة جبل المعلومات الجليدي: هي موجودة، والمكتبات توفرها بالمجان وبصورة شرعية. والأطفال اليوم أكثر إقبالا من ذي قبل على المكتبات يستعيرون منها شتى أنواع الكتب، الورقية والرقمية والصوتية، ولكن المكتبات أيضا أماكن يقصدها على سبيل المثال من لا يمتلكون جهاز كمبيوتر أو اتصالا بالإنترنت وفيها يمكنهم دون أن يدفعوا أي شيء أن يستخدموا الإنترنت، وهو أمر عظيم الأهمية عندما يكون الإنترنت اليوم هو السبيل إلى البحث عن الوظائف والتقدم للوظائف والتقدم لطلب المعونات. بوسع أمناء المكتبات أن يعينوا الناس على الإبحار في هذا العالم.
لا أعتقد أن جميع الكتب سوف تهاجر أو ينبغي أن تهاجر إلى الشاشات. وكما أوضح لي [الكاتب الروائي] "دوجلاس آدمز" مرة قبل أكثر من عشرين عاما من ظهور كيندل، فإن الكتاب المطبوع أشبه بسمكة قرش. وأسماك القرش عمرها كبير للغاية، كانت موجودة في المحيطات قبل عهد الديناصورات. والسبب في استمرار وجود أسماك القرش هو أنها أفضل في كونهها أسماك قرش منها في كونها أي شيء آخر. الكتب المطبوعة شديدة، صعبة التدمير، مريحة في اليد، ماهرة في كونها كتبا، وسيبقى لها مكانها دائما. وهي تنتمي إلى المكتبات، كما أن المكتبات تتحول فعلا إلى أماكن تقصدها للوصول إلى الكتب الإلكترونية والكتب الصوتية وأسطوانات الدي في دي ومحتوى الإنترنت.
المكتبة مستودع معلومات يتيح الحق في الوصول إليها بالتساوي لكل مواطن. ومن ذلك المعلومات الصحية. ومعلومات الصحة العقلية. وهي مكان التقاء. ومكان أمن، وملاذ من العالم. ومكان فيه أمناء مكتبات. وعلينا من الآن أن نتخيل كيف سيكون شكل المكتبات في المستقبل.
إن التعلم اليوم أهم مما كان علي من قبل، في عالم البريد الإلكتروني والرسالة الهاتفية، عالم المعلومات المكتوبة. نحن بحاجة إلى القراءة والكتابة، بحاجة إلى مواطنين عالميين يرتاحون إلى القراءة، ويستوعبون ما يقرأون، ويفهمون أدق الفوارق، ويتيحون للآخرين فهمهم.
المكتبات بحق هي بوابات المستقبل. ومن سوء الحظ إذن أن نرى السلطات حول العالم تتحين الفرص لإغلاقها جنيل لبعض المال، دون أن يدركوا أنهم يسرقون من المستقبل لدفع فواتير الحاضر، وأنهم يوصدون أبوابا لا بد من فتحها.
إنجلترا، وفقا لدراسة أخيرة أجرتها منظمة التنمية والتعاون  الاقتصادي، هي "البلد الوحيد في العالم الذي تتفوق فيه جماعة الكبار في الحساب والقراءة والكتابة عن جماعة الصغار، مع أخذ بعض العوامل الأخرى كالجنوسة والخلفية الاجتماعية الاقتصادية وطبيعة الموقع الاجتماعي في الاعتبار".
بعبارة أخرى، أبناؤنا وأحفادنا أقل قدرة منا على القراءة والكتابة والحساب. أقل قدرة على الإبحار في العالم، وعلى فهمه، وعلى حل المشكلات. الكذب عليهم أسهل، وتضليلهم كذلك، ولسوف يكونون أقل قدرة على تغيير العالم الذي يجدون فيه أنفسهم، وأقل حظا في التوظف. نعم، كل هذه الأشياء. وسوف تتخلف انجلترا كبلد عن غيرها من الدول المتقدمة لأنها سوف تفتقر إلى القوى العاملة الماهرة.
الكتب وسيلتنا للتواصل مع الموتى، وسيلتنا إلى تعلم دروس ممن لم يعد لهم وجود بيننا، دروس راكمتها البشرية وطورتها وجعلت بها المعرفة قوة لا مجرد معلومات نتعلمها المرة تلو المرة. وهناك حكايات أقدم من دول، من كثير من الدول، حكايات بقيت بعدما بادت وولت الثقافات والأماكن التي قيلت فيها للمرة الأولى.
أعتقد أننا نتحمل مسئوليات تجاه المستقبل. ومسئوليات والتزامات تجاه أبنائنا، تجاه كبار المستقبل القادمين، تجاه العالم الذي سيجدون أنفسهم فيه. كلنا، قراءً وكتابا ومواطنين، عندنا هذه الالتزامات. وأعتقد أنني سوف أحاول الإشارة إلى بعض هذه الالتزامات الآن.
أعتقد أننا ملتزمون بأن نقرأ طلبا للمتعة، في الأماكن الخاصة والعامة، فلو أننا نقرأ للمتعة، ويرانا الآخرون ونحن نقرأ، ونتعلم، وندرِّب خيالنا، يعرف الآخرون أن القراءة أمر طيب.
ونحن ملتزمون بدعم المكتبات، واستخدامها، وتشجيع الآخرين على استخدامها، احتجاجا على محاولات إغلاقها. فلو أنكم لا تقدّرون المكتبات فأنتم لا تقدرون المعلومات أو الثقافة أو الحكمة. وأنتم تخرسون الماضي وتتلفون المستقبل.
نحن ملتزمون بالقراءة لأبنائنا، أن نقرأ لهم ما يمتعهم، نقرأ لهم قصصا وإن مللناها نحن، وأن نقلد الأصوات، ونجعل القصة شيقة، وأن لا نتوقف عن القراءة لهم لمجرد أنهم تعلموا القراءة. اجعلوا من وقت القراءة للأبناء وقتا لتقوية الروابط، وقتا لا ينظر فيه إلى الهواتف، ويوضع ستار دون كل ما في العالم من تشتيت.
نحن ملتزمون باستخدام اللغة، وتطوير أنفسنا فيها فنتعرف على ما تعنيه الكلمات وكيفية استخدامها فتكون واضحة، ونكون قد بينا معناها. وعلينا أن لا نجمد اللغة، أو نتصور أنها شيء ميت لا بد من إحيائه، بل علينا استخدامها استخدام شيء حي، في حالة سريان، يستعير من الكلمات ما يشاء، ويسمح للنطق وللمعنى بالتغير.
ونحن الكتاب، كتاب الأطفال بالذات، والكتاب بصفة عامة، ملتزمون تجاه قرائنا، ملتزمون بأن نكتب أشياء حقيقية، ويزداد الأمر أهمية عندما نبدع قصص أماكن لا وجود لها وناس غير موجودين، ملتزمون أن نفهم أن الحقيقة ليست ما يحدث ولكن الحقيقة هي ما نتعلمه من الحكايات عن أنفسنا. فالأدب القصصي في نهاية المطاف هو الكذب الذي يقول الحقيقة. ونحن ملتزمون بأن لا نضجر قراءنا، بل ندفعهم إلى الانتقال من صفحة إلى صفحة. ذلك أن أنجع علاج للقارئ الملول هو حكاية تجعله لا يملك التوقف عن القراءة. وفي حين ينبغي علينا أن نحكي لقرائنا ونمدهم بالأسلحة والدروع وننقل إليهم من الحكمة ما نلنا فتاته في فترة مقامنا القصيرة في هذا العالم الأخضر، فإننا ملتزمون بأن لا نعظهم، ولا نلقي عليهم المحاضرات، ولا نحشو حلوقهم بأخلاقيات ورسائل مهروسة  مثلما تطعم كبار الطيور صغارها الديدان، ونحن ملتزمون التزاما خاصا، بأن لا نعمد مطلقا مطلقا ومهما كانت الظروف إلى أن نكتب للأطفال ما لا نريد نحن أن نقرأه.
ونحن ملتزمون بأن نفهم ونعترف بأننا، كتاب الأطفال، نقوم بعمل مهم، لأننا لو لم نقم بهذا العمل وكتبنا كتبا سخيفة تبعد الأطفال عن القراءة وعن الكتب، فقد قللنا مستقبلنا وقوضنا مستقبلهم.
ونحن جميعا، كبارا وصغارا، كتابا وقراء، ملتزمون بأحلام اليقظة. ملتزمون بأن نتخيل. من السهل أن نتصور أنه ما من أحد قادر على تغيير أي شيء، أننا في عالم المجتمع فيه ضخم والفرد أقل من لا شيء، ذرة في جدار، حبة في حقل أرز. في حين أن الحقيقة هي أن الأفراد يغيرون العالم المرة بعد المرة، والأفراد هم الذين يصنعون المستقبل، ويصنعونه بأن يتخيلوا الأشياء في غير ما هي عليه.
انظروا حولكم، وأعني ما أقول. للحظة انظروا إلى هذه الغرفة المحيطة بكم. سأشير إلى شيء واضح إلى حد أننا نميل إلى نسيانه. هو هذا: أن كل شيء ترونه، بما في ذلك الجدران، هو إلى درجة ما، نتاج الخيال. قرر شخص أنه من الأسهل أن يجلس على مقعد لا على الأرض وتخيل المقعد. شخص ما تخيل أن أتكلم إليكم الآن في لندن دون أن يغرقنا المطر. هذه الغرفة بكل ما فيها، بكل ما في هذا المبنى، بكل ما في هذه المدينة، موجود لأن الناس ظلت طول الوقت تتخيل الأشياء.
نحن ملتزمون بأن نجعل الأشياء أجمل. بأن لا نترك العالم أقبح مما وجدناه، بأن لا نفرّغ المحيطات، بأن لا نترك مشكلاتنا للجيل القادم. نحن ملتزمون بأن ننظف مكاننا، لا أن نترك لأبنائنا عالما وسخناه، ونهبناه، وأصبناه بالشلل.
نحن ملتزمون بأن نقول لساستنا ما نريد، وبأن نصوت ضد الساسة من أي حزب ممن لا يفهمون قيمة القراءة في خلق مواطنين ذوي شأن، ولا يريدون أن يعملوا من أجل حماية المعرفة وتشجيع التعلم. هذه ليست مسألة تختلف عليها الأحزاب. هذه مسألة تخص المجتمع الإنساني.
سئل ألبرت أينشتين مرة كيف يمكن لنا أنجعل أبناءنا أذكياء، فرد ردا حكيما وبسيطا. قال "إذا أردتم أن يكون أبناؤكم أذكياء، فاقرءوا لهم حواديت. وإذا أردتم أن تجعلوهم أكثر ذكاء، فاقرءوا لهم المزيد من الحواديت". ذلك رجل عرف قيمة القراءة  والخيال. أرجو أن نمنح أبناءنا عالما يمكن لهم فيه أن يقرأوا، وأن يُقرأ لهم، وأن يتخيلوا، وأن يفهموا.

ألقيت هذه المحاضرة في الرابع عشر من أكتوبر في باربيكان بلندن ضمن سلسلة محاضرات هيئة القراءة  السنوية التي بدأت في 2012 بهدف تمكين كبار الكتاب والمفكرين من طرح أفكارهم حول القراءة والمكتبات.

ونشرت نسخة محررة من المحاضرة في الجارديان بتاريخ 15 أكتوبر 2013 ونشرت الترجمة في جريدة عمان اليوم