الأحد، 15 سبتمبر، 2013

لماذا يفلح العنف



لماذا يفلح العنف

بنجامين جينسبرج

عرف البشر القتل والفوضى، وانخرطوا فيهما، هم وربما أسلافهم ما قبل البشريين، فرادى وجماعات، على مدار مئات آلاف السنين. كذلك ارتبط العنف والسياسة ـ على مدار التاريخ المسجل في أقل تقدير ـ ارتباطا وثيقا. فالدول تستخدم العنف ضد خصومها في الداخل والخارج. والمنشقون يلجأون إلى العنف ضد الدول. والقوى السياسية المتنافسة تُعمل العنف في بعضها البعض. ولقد كتب ونستون تشرشل في عام 1924 فقال ـ لأسباب وجيهة ـ إن "قصة السلالة البشرية هي الحرب". ومن الكتّاب من يرى العنف أداة من أدوات السياسة. فلقد اعتبر توماس هوبيز العنف وسيلة منطقية لتحقيق أغراض سياسية من قبيل الأرض والأمن والمجد. واشتهرت عن كارل فون كلاوسفيتز إشارته إلى الحرب بوصفها امتدادا للسياسة لكنه امتداد من طبيعة مختلفة. ومن الكتّاب طائفة أخرى ترى العنف نتيجة للفشل السياسي والخطأ في الحسابات. وللمؤرخ جيمس راندول دراسة مؤثرة حول أسباب الحرب الأهلية الأمريكية عنوانها "جيل الهفوة" وفيها تعبير عن هذه الفكرة. ومن الكتاب طائفة ثالثة ـ أحد ممثليها ستيفن بينكر عالم النفس في جامعة هارفرد ـ ترى العنف سلوكا مرضيا تتناقص وتيرته مع مضي المسيرة الحضارية قدما. بل إن بعض أنصار هذه النظرة قد أعلن أن العنف في جوهره مشكلة من مشكلات الصحة العامة. وإن كلا من هذه الرؤى ـ على ما بينها من اختلافات ـ ليوعز إلى العنف دورا ثانويا في الحياة السياسية.
لكن ثمة رؤية بديلة توعز إلى العنف دورا أساسيا في السياسة. وهذه النظرة موجودة ضمنيا في القول المأثور عن ماو تسيدونج الذي يذهب إلى أن السلطة السياسية "تتأتى من فوهة البندقية". أي أن العنف هو القوة المحركة للسياسة، بينما تقع أشكال العمل السياسي السلمية أسيرة التفاصيل، أو ربما تقدم بأثر رجعي محض مبررات لما تنتجه النضالات العنيفة. لقد قام ماو إذن بتصويب كلاوسفيتز بقوله إن السياسة تالية للعنف أو أنها حتى من بين منتجاته الثانوية ـ فهي استمرار للعنف بوسيلة أخرى.
غير أن ماو لسوء الحظ كان به للأسف ولع جامح إلى الدم. فلقد كان يرى في نهاية المطاف أن منزلة الثوري إنما ينبغي أن تقاس  بعدد من قتلوا على يديه. ولكن مقتنا لممارسات ماو لا ينبغي أن يعمينا عن دقة ملاحظته. فالعنف والتلويح بالعنف أكثر قوى الحياة السياسة فعالية.
يقول الناس إنه لا يمكن حل المشكلات باستخدام القوة، وإن العنف ـ على رأي المثل ـ ليس هو الحل. وهو مَثَلٌ يغازل حساسياتنا الأخلاقية. ولكن كون العنف هو الحل من عدمه يعتمد على المشكلة المطروحة ذاتها. فالعنف ـ شئنا أم أبينا ـ عادة ما يوفر أكثر الحلول حسما لثلاث من كبرى مشكلات الحياة السياسية: إقامة الدولة  statehood ، الأرض territoriality ، السلطة. والصراع المسلح ـ من قبيل الحرب والثورة والإرهاب ـ يحدد أكثر مما يحدد أي عامل مباشر سواه أيَّ الدول سوف توجد وقوتها النسبية، وأي الأراضي سوف تحتل، وأي الجماعات فيها هي التي ستمارس السلطة.
في حالة إقامة الدولة، ثمة بين الحين والآخر ظروف قد تقام فيها دولة وتبقى من خلال السبل السلمية بالدرجة الأساسية. وافتراق سلوفاكيا السلمي عن جمهورية التشيك مثال على هذا. ولكنه مثال شديد الندرة. ولقد لاحظ عالم الاجتماع تشارلز تيلي أن أغلب أنظمة الحكم هي بين ناجية من عملية قتل امتدت على مدار آلاف السنين أو هي أو وريثة  لهذه العملية التي انتصرت فيها الدول القادرة على خلق القوى العسكرية ذات البأس وتعزيزها، وانهزمت فيها الدول التي لم تستطع القتال أو رغبت عنه فكان مصيرها الغزو أو الذوبان في غيرها. وبالمثل، عندما يتعلق الأمر بالسيطرة على الأرض، تكاد تكون كل بوصة مربعة من الأرض المأهولة بالسكان هي بوصة احتلتها جماعات استخدمت القوة في طرد ملاك سابقين لهذه الأرض أو حتى في إبادتهم في بعض الأحيان.
الضعفاء، باختصار، لم يرثوا من الأرض الكثير. والحق أن سيطرة الغرب العالمية طوال أغلب فترات الألفية الماضية لا يوعز في أغلبه إلى غير مقدرته على العنف.
وإن الطبقة الحاكمة في كل أمة لتتشكَّل عموما من خلال استخدام ما يسميه فالتر بنيامين بـ "عنف صناعة القوانين" أو التلويح به. وليس شيوع الانتخابات في بعض أرجاء العالم خلال القرنين المنصرمين بخارق لهذه النقطة. نعم، باراك أوباما، أول رئيس أسود لأمريكا، هو رئيس منتخب. ولكن إمكانية انضمام شخص أسود إلى نخبة أمريكا الاجتماعية والسياسية تأسست من خلال احتجاج عنيف وقع قبل أربعة عقود، ناهيكم عن الحرب الدموية التي حررت السود من ربقة العبودية.
وللعنف أهمية سياسية ترجع إلى جملة من الأسباب. اثنان من بينها ـ ولنخاطر بالتأكيد على المؤكد والبديهي ـ هي هيمنة العنف بوصفه أحد أشكال الفعل السياسي، وحقيقة كون العنف ـ في نهاية المطاف ـ قادرا على التغيير السياسي.
أولا مسألة الهيمنة: سوف يتسنى للعازمين على استعمال العنف في تحقيق أهدافهم أن يتغلبوا على خصومهم الأقل عدوانية ـ فينقلبون على نتائج الانتخابات، ويساوون بالعدم أعمال الهيئات البرلمانية، ويضربون عرض الحائط بالتعبيرات السلمية عن الرأي السياسي وما إلى ذلك. والحق أن مجرد التلويح بالعنف غالبا ما يكون كافيا للإكراه على الإذعان. وفي العادة لا يتأتى إلحاق الهزيمة بالجماعات العنيفة إلا على أيدي أعداء يعملون فيهم قوة تفوق قوتهم.
وقد يحدث بين الحين والآخر أن تنجح مواجهة نظام مغرق في العنف من خلال السبل السلمية، لكنها حالات نادرة. فألمانيا الشرقية انهارت في مواجهة احتجاجات سلمية سنة 1989 فقط حينما لم يسمح الراعي السوفييتي ـ وقد قرر التخلص من الإمبراطورية التابعة له ـ لجمهورية ألمانيا الديمقراطية بحشد قواتها الأمنية المرهوبة. والدكتاتور التشيلي أوجستو بينوشيه تنحى فعلا عن الحكم بعد خسارته في استفتاء سنة 1988، بعد نحو خمسة عشر عاما من استيلائه على السلطة بانقلاب عسكري دموي. لكن حتى مغادرة بينوشيه للحكم لم تأت إلا في أعقاب محاولة اغتيال وخمس سنوات من المظاهرات العنيفة التي أودت بالاقتصاد التشيلي وأقنعت كثيرا من القادة العسكريين بأن الوقت قد حان لرد السلطة إلى حكومة مدنية.
إن القوة بصفة عامة لا تهزمها إلا القوة. وحينما يكون  المنشقون السلميون في مواجهة الدبابات، فالنتيجة الأكثر رجحانا تكون مشابهة لمجزرة ميدان تايننمن لا بهدم سور برلين. وهذا درس شرحته مرارا أحداث السنوات الأخيرة في الشرق الأوسط. فالمظاهرات الاحتجاجية في ليبيا وسوريا لم تبار الدبابات والرشاشات التي كان من دواعي سعادة حاكمي البلدين أن يعملاها فيهم. ولم يتسن للمتمردين الليبيين أن يلحقوا الهزيمة بالنظام الليبي إلا بعدما لجأوا إلى العنف مدعومين بضربات الناتو الجوية. ولن يتسنى للمتظاهرين في سوريا أن يواجهوا حكم الأسد إلا باستخدام القوة. وفي مصر، لم تتم الإطاحة بالرئيس مبارك سلميا إلا لأن الجيش قدّر أن بوسعه في حال العنف أن يستعيد السيطرة على البلد بسهولة إن هو قبل بالمطالبات برئيس جديد.
ينصب كثير من الاهتمام على الفعالية المفترضة للاعنف في السياسة. ويقال غالبا إن تكتيكات اللاعنف هي التي أنهت التمميز العنصري في الولايات المتحدة، والحكم الشيوعي في أوربا الشرقية، والحكم البريطاني في الهند. صحيح أن الزعماء السياسيين المتبنين للاعنف في تلك الحالات ـ وهم مارتن لوثر كينج الابن، وفاكلاف هافل، والمهاتما غاندي ـ قد لعبوا أدوارا مهمة، ولكن التكتيكات التي اتبعوها ـ من قبيل الإضرابات والمقاطعات والتظاهرات ـ كانت بعيدة عن اللاعنف، فقد كانت غايتها هي إثارة ردود أفعال عنيفة من الخصوم. وكان المرجو من الهجوم على احتجاجات بادية السلمية أن يثير التعاطف مع الضحايا الأبرياء ويشجع الساسة على التدخل بالنيابة عنهم.
وانظروا في واحد من التكتيكات التي اتبعها كينج في تقويض التمييز العنصري في الجنوب. لقد كان كينج غالبا ما يقود المجموعات إلى أحياء معادية يثق أن سلطاتها المحلية سوف تهاجم المظاهرات. فكانت تلك الصور تساعد في دعم قضيته وتعزيز المطالبات بتدخل الحكومة الفدرالية من خلال إقناع جماهير الشمال بأن قوانين جيم كراو كانت قاسية، وشريرة، وغير أمريكية بالأساس.
ولنا مثالا دالا في أشهر المظاهرات التي نظمها كينج، وكانت في سيلما بولاية ألاباما في مارس 1965، فقد وقع اختيار كينج على سيلما بسبب شدة وضوح التمييز العنصري فيها وفي مقاطعة دالاس المجاورة لها. فعلى سبيل المثال لم يكن من ناخبي المقاطعة المقيدين من السود إلا نسبة ضئيلة، برغم أن السود كانوا يشكلون أكثر من نصف سكان المقاطعة. كما كان كينج على ثقة من حماقة الزعامات السياسية في الولاية والمقاطعة. فكان يتوقع منه رد فعل عنيفا يجعلهم يرسخون لأنفسهم في الوعي الجمعي لمشاهدي التليفزيون الوطني صورة القاهرين القساة للصليبيين الأبطال السلميين المناضلين من أجل الحرية والديمقراطية. وأمام عدسات كاميرات الشبكة، قام فرسان ولاية ألاباما بمهاجمة وحشية لمسيرات جسر إدموند بيتوس فأصابوا الكثير إصابات جسيمة في واقعة أطلق عليها الإعلام اسم "الأحد الدامي".
وفجرت صور العنف تعاطفا هائلا مع قضية الحقوق المدنية وساعدت في وضع حجر الأساس لقانون الحقوق الانتخابية سنة 1965 الذي أرسل جيشا من رجال القانون الفدراليين إلى الجنوب بسلطة قمع المقاومة البيضاء لتقييد الناخبين السود.
لقد نجحت هذه المظاهرات اللاعنيفة لسبب جوهري هو أن قدرة حلفاء المتظاهرين على العنف كانت أشد من قدرة خصومهم. لكن في حالة مثل ميدان تياننمن التي لم يكن للمتظاهرين فيها حلفاء قادرون على ممارسة العنف أو حتى التلويح باستخدامه، فإن المظاهرات اللاعنيفة غالبا ما تبوء بالفشل.
السبب الثاني لأهمية العنف هو أنه أداة أساسية للتغيير السياسي والاجتماعي. بدون العنف ـ مثلما يقول الرئيس الدائم ماو ـ "من المحال إنجاز أي وثبة في التنمية الاجتماعية".
إن النظام الدولي الخاضع للسيطرة الأمريكية هو إلى حد كبير، وشأن الأنظمة السابقة عليه، نتاج حروب ومسلسلات أخرى من العنف هي التي أوجدت أمما ومحت غيرها وحددت توازن القوى بين الناجين منها. والقوى التي لا همّ لها اليوم إلا تغيير هذا النظام تعمل بدأب على تطوير قدرات عسكرية تمكنها من تحدي الولايات المتحدة أو القوى الإقليمية الواقفة في وجه طموحاتها.
هكذا، تسعى إيران إلى تصنيع أسلحة نووية قد تمنحها دورا مهيمنا في الشرق الأوسط، وتكوّن الصين قوات بحرية وجوية وبرية قادرة أن تجعلها قوة مركزية في آسيا، وثمة تنويعة من الدول الأقل ثراء مثل كوريا الشمالية والكيانات التي ليست بدول مثل القاعدة تعتمد في تعزيز مصالحها على الابتزاز النووي والإرهاب وغيرهما من أشكال التحارب غير النظامي.
وحال العنف بين الدول مثل حاله داخل الدول أيضا إذ يفضي إلى تحولات كبرى. فالعنف إذ تمارسه الجماعات المنشقة ضد أنظمة الحكم أو أنظمة الحكم ضد الجماعات المنشقة قادر أن يطيح بمؤسسات وقوى اجتماعية راسخة ويعمل على تمكين قوى أو مؤسسات جديدة. وللتغيير بالعنف أهمية خاصة في مجالين اثنين.
تأملوا العلاقة بين الأمريكيين الأفارقة وقوات الشرطة الأمريكية، والنظام التعليمي، وأجهزة الخدمة الاجتماعية وغيرها من الأجهزة البيروقراطية المدنية في القرن العشرين. لقد كانت هذه المؤسسات قبل ستينيات هذا القرن تنظر إلى السود بصفة عامة نظرتها إلى مشكلات لا إلى متعاملين. وكان كثير من قوات الشرطة في المدن الكبرى على وجه الخصوص يتحرشون بالسود روتينيا ويميلون إلى إعمال القسوة فيهم أكثر ممن عداهم بزعم أن القوة الاستثنائية لازمة للحفاظ على النظام. (وبالطبع لم تزل هذه المشكلات قائمة إلى اليوم لكنها فيما قبل الستينيات كانت ممنهجة بصورة أكبر وغير خاضعة للنقاش العام خضوعها له اليوم).
في الوقت نفسه، كان ضباط الشرطة في أوساط السود يتسمون بصفة عامة بالبطء في الاستجابة لطلبات النجدة وكانوا أميل إلى غض الطرف عن كثير من الممارسات غير المشروعة كتداول المخدرات والدعارة وغيرهما مما لا يتساهلون معه في أوساط البيض. ولقد كانت تلك الممارسات جميعا ـ بحسب قول أستاذ علم الجريمة روبرت فوجلصن ـ عناصر روتينية في الثقافة الشرطية.
ولقد باءت بالفشل أغلب جهود الأمريكيين الأفارقة الرامية إلى إقناع الشرطة بتغيير ممارساتها. ففي نيو أورليانز على سبيل المثال قام الزعماء الأمريكيون الأفارقة بعد عام 1945 بتشكيل أكثر من ثلاثين منظمة للاحتجاج على سوء الأداء الشرطي. فالتقت جماعات مثل "لجنة قسوة الشرطة" و"لجنة محاسبة الشرطة" بالساسة ومسئولي الشرطة ونظمت الكثير من الاحتجاجات السلمية، ولكن دونما جدوى. فقد اعتبرت الشرطة هناك ـ كما في مدن أخرى ـ أن نقد السود لا يعدو محاولة لتخريب فعالية قوة إعمال القانون.
ولم تضطر أقسام الشرطة الحضرية إلى تعديل سلوكها إلا نتيجة لاندلاع العنف والشغب. فقد وقعت أعمال شغب كبرى في نيويورك وفيلادلفيا وروتشستر بنيويورك ومدينة جيرسي بولاية نيوجيرسي (1964) وأطلنطا وشيكاغو (1966) وديترويت وتامبا بولاية فلادلفيا (1967) وواشنطن (1968)، بينما وقعت أحداث شغب أقل حجما في مدن كثيرة أخرى. وكل أعمال الشغب تلك تقريبا وقعت نتيجة مواجهات بين الأمريكيين الأفارقة والشرطة. ولقد كانت مجموعات الشغب تصب غضبها في أغلب الحالات على قوات الشرطة المحلية فأحدثت في أفرادها كثيرا من الإصابات وبعض الوفيات. في حين كانت قوات الحرس الوطني التي تتدخل لاستعادة النظام تلقى بصفة عامة معاملة ودودا.
بعد أعمال الشغب، انتهت التحقيقات التي أجرتها "مفوضية الولايات المتحدة لحقوق الإنسان" "اللجنة الرئاسية الاستشارية لشئون حقوق الإنسان" و"المفوضية الوطنية لإعمال القانون" و"وزارة العدل" إلى نتيجة واضحة مفادها أن سوء السلوك الشرطي سبب أساسي لأعمال الشغب. وأصر مسئولون محليون وفدراليون على منع تجدد العنف  الذي أسفر عن خسائر في الممتلكات تقدر ببلايين الدولارات. تضمنت الإصلاحات تعيين أعداد أضخم من ضباط الشرطة السود، وترقية ضباط سود إلى مواقع قيادية من بينها بعض أعلى المواقع في الأقسام الحضرية، ووضع برامج للعلاقات بين الشرطة والمواطنين، ووضع قواعد ونظم ترغم الضباط على إحسان معاملة المواطنين السود. وإذن فإن عامين من ممارسة العنف أرغما الشرطة على تبني سياسات رفضتها على مدار عقود.
إن فعالية العنف السياسية واضحة، ولكننا نجد نزوعا دائما إلى اعتبار العنف مشكلة وليس حلا، بسبب أن العنف يمكن أن يكون في غاية الإزعاج. يرى البعض العنف السياسي مرضا يمكن علاجه من خلال تقليل الفقر والتفاوت، وهذا موقف تبناه المعهد الوطني للصحة الذهنية وبعض نجوم السياسة من أمثال النائب العام السابق رامسي كلارك والرئيس ليندون جونسن الذي قال إن سبب العنف هو الجهل والتمييز والفقر والمرض. ومؤخرا كرر الرئيس أوباما تلك الرؤية في شيكاغو أثناء مناقشة عنف الأسلحة النارية.
والفكرة خيالية. حتى لو تغاضينا عن أعمال الاضطرابات العلنية التي ينفذها الأثرياء والنافذون من الأفراد والجماعات والدول، فلن يمكن غض النظر عن ما يسميه المنظر الاجتماعي سلافوي جيجيك بـ "العنف النظامي"، أي استخدام القهر والتلويح بالعنف من قبل الأقوياء للسيطرة على من هم أدنى منهم وإرهابهم.
إننا في الولايات المتحدة ندرك أشكال العنف الإجرامي التافهة التي يرتكبها الفقراء. فهذه الأفعال تخرج عن المباحث الفدرالية في قوائم إحصاءات سنوية مصنفة باسم "الجرائم المعروفة للشرطة". أما ما لا يصل إلى أسماعنا بالقدر نفسه فهو ما قد يسمى بـ "الغصب الذي ترتكبه الدولة". ولئن نحنا نظرنا في أي عام شئنا لوجدنا أن أكثر من واحد في المائة من الأمريكيين الراشدين ـ أي 2.5 مليون فردا ـ يتم احتجازهم، بينما يوضع قرابة خمسة ملايين آخرين رهن المراقبة أو تحت الاختبار، أو إطلاق السراح المؤقت بكفالة في انتظار المحاكمة. ويكون أغلب هؤلاء متهمين بجرائم غير عنيفة، وربما أكثر من نصفهم يكونون متهمين في جرائم بلا ضحايا مثل حيازة المخدرات والمقامرة والدعارة. وفي ظل ما يسمى في بعض الأحيان بنظرية "الشبابيك المكسورة" وهي من نظريات إعمال القانون التي ترى أن الخروج على النظام من طبيعته التفاقم، فإن تطبيق عقوبات صارمة يرمي إلى الحفاظ على مستوى من النظام العام يوفر الراحة للناس "المحترمين". ومن ثم فإن العنف النظامي حل عمدي يجري فرضه بالنيابة عن "الطبقات الأفضل"، فما هو إذن بمشكلة عرضية اعتباطية سببها الفقر والتفاوت.
وثمة جماعة أخرى ترى العنف مشكلة سياسية يمكن حلها عبر أشكال ملائمة من التنظيم السياسي. وهذه الجماعة تتبع مدرستين فكريتين: هما الهوبزيانية Hobbesian  والكانطية  Kantian. فحل العنف ـ فيما يرى هوبيز ـ يتمثل في إيجاد دولة لديها من القوة ما يكفيها لإنهاء النزاع. أما كانط الذي كان معنيا بالدرجة الأساسية بالصراع الدولي فكان الحل في نظره يتمثل في تكثير عدد الحكومات الجمهورية التي تمثل فيما يرى نوعا من أنظمة الحكم عازفا عن الاشتباك في أعمال العدوان.
يحابي الهوبزيانيون الجدد المعنيون بالعنف الدولي تمكين المنظمات فوق القومية supranational ، أما المعنيون منهم بالعنف المحلي أساسا فينتظرون من الدول القوية أن تقمع العنف فيها وداخل حدودها. في حين يعول الكانطيون الجدد على نشر الديمقراطية اللبرالية تحقيقا لـ "السلام الديمقراطي".
ولهذه الحلول مشكلاتها.
لقد اشتهر عن هوبيز قوله إن حياة الإنسان في حالتها الطبيعية هي حياة "عزلة وفقر وبشاعة وشراسة وقِصَر". والحل يتمثل في الخضوع لحكومة مطلقة السلطة. والتخلص من الحرب والعنف ـ في الكومنولث الهوبزياني Hobbesian Commonwealth ـ يكون بإخضاع إرادات الناس لإرادة الدولة. أي أن السيادة لا بد أن تكون مطلقة، لأن أي حدود على سلطاتها كفيلة بفتح سبيل للنزاعات التي قد تفضي بدورها إلى العنف. ومن ثم فقد كان الحل الهوبزياني لمشكلة العنف هو بشكل عملي في الاستبداد ـ وهو أفضل كثيرا من الفوضى والعنف. فلقد جزم هوبيز أن "سلطة السيادة ليست بالغة الضرر شأن الرغبة في السيادة".
وهذا إشكالي من وجهين على الأقل. أولهما أنه ليس من الواضح أن الاستبداد أفضل من العنف وغياب النظام. وانتشار الثورة الشعبية يشير إلى أن أعدادا كبيرة من الأفراد يؤثرون العنف على الاستبداد. ولقد آثر آلاف الليبيين والسوريين والتونسيين والمصريين الأول على الأخير، حتى في مواجهة الدبابات والرشاشات. ولقد كانت ألمانيا الشرقية السابقة تبدو مكانا غاية في النظام، ولكن مئات الآلاف من مواطنيها خاطروا ـ على مدار العقود الأربعة التي دامت فيها كدولة ـ بحياتهم هربا إلى ما في ألمانيا الغربية من فوضى وانعدام لليقين.
ثانيا، حل العنف الهوبزياني يستوجب قدرا كبيرا من العنف لتحقيقه. لقد أشار هوبيز إلى أن البشر قد "يتفقون بين أنفسهم على الخضوع" للسيادة، فإن هم لم يتفقوا فلا بد من إكراههم على الخضوع بـ "القوة الطبيعية" أو بـ "الحرب". وما يكاد يتأسس الكومنولث الهوبزياني، حتى يكون من المرجح أن يستوجب الحفاظ على السلطة قدرا معتبرا من العنف. فألمانيا الشرقية كانت تحافظ على السلام من خلال برنامج قائم على التنصت والرقابة والتخويف والعقاب يقوم بتنفيذه نحو ربع من سكانها الذين يعملون مخبرين في قوات النظام الأمنية المتعددة. أي أن العنف كان كامنا من وراء الواجهة المنظمة.
وثمة حالة يمكن التوصل فيها سلميا إلى "الاتفاق" الهوبزياني، ولكن هذا يبدو أكثر رجحانا عندما لا تكون بين الولايات أو غيرها من الكيانات إلا خصومات قليلة فترى في الخضوع لسلطة منفردة وسيلة لتعزيز مصالحها المشتركة. ومن أمثلة ذلك، الولايات الأمريكية الثلاث عشرة سنة 1789، ودول أوربا الغربية الثرية اقتصاديا اليوم.
أما فرض سلطة سيادية على دول متخاصمة فمن شأنه أن يستوجب عنفا معتبرا وقهرا مستمرا من النظام الحاكم، أي مشروعا امبرياليا هو وصفة للعنف أكثر من علاج له.
أما عن الكانطيين الجدد، فثمة دعم لفكرة أن احتمال دخول الدول الديمقراطية في الحرب أقل من غيرها من الدول، لا سيما الحرب بين بعضها البعض. غير أن الدليل على ذلك أبعد ما يكون عن الإقناع. فضلا عن أن كبرى ديمقراطيات العالم اللبرالية ـ أي الولايات المتحدة ـ هي من أشد الدول ميلا إلى العدوان على ظهر الأرض. فلقد انتشرت القوات الأمريكية مئات المرات خارج الأراضي الأمريكية منذ زمن الحرب الأهلية، خوضا لصراعات كبرى أو مناوشات خفيفة. كما أن ترسانة أمريكا وميزانيتها العسكرية عملاق تتقزم بجواره ميزانيات الدول الأخرى وترساناتها. ومن المفارقات أن الولايات المتحدة تبرر حروبها ـ ومنها حرب العراق ـ بزعمها أن غاية هذه الحروب هو تحويل خصمها إلى دولة ديمقراطية لبرالية مسالمة. وإذن فسلام كانط الديمقراطي يستوجب قدرا من الدم.
وثمة مدرسة فكرية أخيرة ترى العنف مشكلة أخلاقية تمكن معالجتها عبر التعليم والقدوة. ولا شك في أن هذا قد يكون فعالا، فلو أمكن إقناع كل فرد بنبذ العنف لحل السلام وساد. لكن حتى الذين سوف يرفضون العنف لا بد أن يحذروا ممن هم أقل استنارة منهم. فالموريوري Moriori  في جزر تشاتهام بشرقي نيوزيلاند ظلوا مخلصين لمبادئهم المسالمة حينما هاجمهم الـ تاراناكي ماوري Taranaki Maori  في مطلع القرن التاسع عشر. وكانت النتيجة أن قتل أغلب الموريوري على أيدي غزاتهم أو صاروا لهم عبيدا.
وبطبيعة الحال، فإن أغلب الجماعات والأمم ذات الالتزام القوي بالسلام هي أقل مبدأية من التعساء الموريوري. بل إن كثيرا من أشكال السلمية أقل سلمية مما يبدو للعيون. فاللاعنف ـ شأن ما كانت مظاهرات الحقوق المدنية في الجنوب الأمريكي ـ قد يكون تكتيكا لترسيخ العنف لا للانخراط فيه. وشائع أيضا ما يمكن أن نطلق عليه السلمية العسكرية حيث ينبذ لاعبون سياسيون استخدام القوة من قبل بعض الجماعات أو الدول بينما ينظرون إلى استخدام آخرين للعنف بعين التسامح. فكثير من التقدميين الأمريكيين على سبيل المثال يسارعون إلى إدانة العنف الإسرائيلي في حين يبررون العنف الفلسطيني ضد الإسرائيليين.
وأخيرا تجدر بنا ملاحظة ما يسمى بالسلمية اللبرالية. فالأفراد المتسامحون ذوو الميول السياسية اللبرالية يتجنبون استخدام العنف تحت أي نوع تقريبا من الظروف. غير أن أغلبهم يقبلون حماية الحكومة والقوات الشرطية والعسكرية، ويدفعون الضرائب دعما للعنف النظامي الذي يحفظ لهم حياتهم المريحة. وفي المجال الدولي، بمعارضة العنف، يدينون فعليا الكثيرين ممن يعيشون في ظل الاستبداد.
وهكذا، راق لكم الأمر أم لم يرق، فإن العنف غالبا ما يكون الحل لمشكلاتنا السياسية.

بنجامين جينسبرج أستاذ العلوم السياسية ورئيس مركز الدراسات الحكومية المتقدمة في جامعة جون هوبكنز. وهذه المقالة نشرت في ؟ذي كرونيكل أوف هاير إديوكيشن" محررة من كتابه "قيمة العنف" الصادر في سبتمبر 2013  عن دار برومثيوس بوكس