الثلاثاء، 17 سبتمبر 2013

جويس كارول أويتس تحاور نفسها: اسمي ليس أنا

جويس كارول أويتس تحاور نفسها:
                                                      اسمي ليس أنا


ـ ندخل في الموضوع، جمهورنا بسبب وسائل الميديا الاجتماعية الطاغية ازداد فضولا، ويريد أن يعرف أكثر شييء محرج تعرضت له مؤخرا؟
ـ تقصدين بوصفي "كاتبة"، أم بصفة عامة؟

ـ لا داعي للتذاكي. الاهتمام بك، الحد الأدنى من الاهتمام على الأقل، ينبع من كونك "كاتبة".
ـ حسن، كنت في متجر البقالة أمس، في قسم الألبان، فنظرت إليّ امرأة وسألتني "حضرتك كاتبة أو شيء من هذا القبيل؟". فهززت رأسي بلا، كما لو كنت لم أسمع السؤال، وابتعدت دون أن أنظر خلفي ...

ـ وبعد هذا؟
ـ وبعد هذا ظهر شخص يعرفني وصاح "هالو يا جويس" ولا بد أن تكون المرأة سمعته

ـ وهذا محرج! إنكار شخصيتك ككاتبة، ثم مع صياح الديك، يأتي  شخص فيكشف شخصيتك! حضرتك تتظاهرين بالتواضع؟
ـ لم أستطع أن أوضح للمرأة أنني لست "جويس كارول أويتس" في هذه اللحظة، بل زبونة في متجر بقالة. وقسم الألبان كان شديد البرودة أيضا.

ـ لو كانت الشرطة وصلت وطالبتك بإظهار هويتك كنت ستضطرين إلى الاعترف،  صح؟
ـ رخصة القيادة، وجواز السفر، والتأمين الاجتماعي، كلها باسم "جويس كارول سميث".

ـ ولم ليس "أويتس"؟
ـ لأن اسمي أمام القاون، وكمالكة لعقار، هو جويس كارول سميث.

ـ ومن سميث؟
اسم زوجي الأول ريموند الذي توفي في فبراير 2008. [صمت]. كلنا نحمل هويات كثيرة تتبدل بتبدل الظروف. الذات الكاتبة تبدو أكثر خصوصية، تبدو نمطا لاعبا من أنماط الوجود، لن تجدها وأنت في متجر بقالة.

ـ بصراحة، هل ثمة ما هو مخجل أو معيب في كونك كاتبة؟
ـ أحيانا تتحول الهوية العامة إلى وعي بالذات، فإذا بالواحدة تنظر إلى نفسها بوصفها "شاعرة"، "فنانة"، "رائية"، "نبية".

ـ ولكنك كاتبة، أم لست كذلك؟ بعد كل هذا العمر؟
ـ لو طولبت بالتعريف بنفسي على منصة، سأقول إنني "معلمة". أعمل معلمة منذ أصبحت كاتبة تقريبا. [صمت] نظرتي إلى نفسي ككاتبة أقل من نظرتي إليها بوصفها شخصا يكتب، أو يحاول. كل صباح يبدو أن أمامي مسابقة مع العقبات، ويبدو أن العواقب تحظى بكل المزايا، دوني.

ـ نوع من التواضع مثير للاهتمام، وغير مقنع! اسمك في نهاية المطاف على أغلفة كتبك.
ـ ولكن اسمي ليس أنا

ـ يعتقد قراؤنا أنك مدينة لامرأة متجر البقالة باعتذار. [باعتداد بالذات] سأضع هذا على موقعنا الإلكتروني وأرى كم من القراء سوف يدين سلوكك. ننتقل إلى نقطة أخرى يا ست يا ست باولا دين [طاهية أمريكية ومقدمة برنامج شهير!]
ـ عفوا، ولكن ...

ـ بل عفوا. أنا التي تسأل هنا. ما الذي تريدين قوله بثأثأتك هذه؟ أنك الكاتبة، أم أنك لست الكاتبة؟
ـ كنت أود لو نقلت لسيدة البقالة قول هنري جيمس الجميل والدقيق والوجيز عن حياتي الكتاب العامة والخاصة: "حياة الكاتب في أعماله، وفيها فقط يمكن العثور عليه".

ـ أعماله؟ عليه؟
ـ حسن، هنري جيمس كان ابن زمنه. وأغلب الأشياء، إن لم تكن كلها، كانت في مجال "الذكر".  "الأنثى" كانت ملحقة.

ـ أنت فقط تبررين الجنسية المستعرة في تلك الحقبة الغابرة. وأنت عندما تكونين معجبة بكاتب، تجدين له المبررات. جيمس مجرد نموذج.
ـ هنري جيمس نموذج الفنان، كاتب الكتّاب.

ـ نبرة مميتة: "كاتب الكتاب". نرجع للسؤال الحاسم: أنت الكاتبة أم لست الكاتبة؟
ـ مغزى عبارة جيمس أن "الكاتب" متجسد في كتابته، أو في كتابتها. والمكان الذي ينبغي البحث فيه عن جيمس هو كتبه.

ـ ولكنك مارست التدريس في أغلب فترات حياتك، كما قلت، ولا تزالين. فماذا عن هذا الجانب؟
ـ كمعلمة، أنا لا أدرِّس نفسي، بطريقة ما. فلو كنت أقوم بالتدريس لورشة سردية، ينصب تركيزي على أعمال الطلاب/الكتاب وبعض الأعمال الممتازة من الكلاسيكيات أو من الكتابات المعاصرة.

ـ لا تدرِّسين الأدب بوصفك كاتبة؟ كيف يمكنك هذا؟
ـ لا أدرس الأدب من وجهة نظري كـ "جويس كارول أويتس". أحاول أن أقوم بتدريسه من وجهة نظر كل كاتب. فلو أنني أدرس قصة لهمنجواي، أسعى إلى تقديم القصة التي كتبها همنجواي بأقصى قدر ممكن من الاستيعاب.

ـ عندما تظهرين في المجال العام كجويس كارول أويتس. من تكونين؟
ـ ربما ممثلة للكتابة، لكنني لا أكون الكتابة نفسها بالتأكيد. هناك من الكتاب من ليسوا ممثلين أكفاء لأعمالهم. يمكن أن نفترض مثلا أن إيميلي ديكنسن لو تعرضت لضغوط بهدف الظهور في المجال العام، لظهرت وهي متمنعة خجولة فاقدة للحماس تجاه الحدث، أما والت ويتمن فكان ليظهر مرحا صاخبا هائلا رائعا منفتحا وذا كاريزما. "صمويل كليمنز" [اسم مارك توين الحقيقي] كان يحب العين العامة، وكان تمثيله لـ "مارك توين" أسهل عنده كثيرا من الكتابة، والجمهور كان يعشقه. تشارلز ديكنز كان  ذا جماهيرية طاغية وكان قارئا بارعا لمشاهد من رواياته (مختصرة وشديدة الدرامية) في المملكة المتحدة وفي الولايات المتحدة، وكان يجهد نفسه بالحضور في الفعاليات العامة. إديث وارتن كانت لتشعر بالطمأنينة والثقة الشديدة في المنتديات العامة. فلانري أوكونور شديد الحياء، بالغ البؤس. همنجواي طبعا كان ذا حضور عام طاغ، أما فوكنر فيشمئز من العين العامة ويترفع عنها. حتى أنه يقال إن فوكنر كان يغمغم بمحاضرة نوبل فلم يسمعه من الحضور أحد تقريبا، ولم ير أحد عبقرية كلماته وروعتها إلا بعدما طبعت الخطبة.

ـ هل تكونين على طبيعتك وأنت في المجال العام؟
ـ بوصفي أستاذة في جامعة برينستن منذ 1978، وقمت مؤخرا بتدريس فصل دراسي في يو سي بيركلي، طبعا أكون في المجال العام على طبيعتي. بل إنني في المجال العام أكون أقل عرضة للضغوط والتوترات مني حينما أبقى وحدي في البيت محاولة الكتابة، وذلك ما كان يعلمه صمويل كليمنز.

ـ الكتابة ضغط؟
ـ كل نشاط إبداعي فيه ضغط. وكلما زاد التوتر، ازدادت الواحدة إدراكا أنها في الطريق الصحيح. السهولة والاسترخاء والدعة ظروف لا ترتبط عادة بالعمل الجاد.

ـ طيب، في هذه الحالة، لماذا تكتبين؟
ـ نكتب لنبدع الكتب التي نود أن نقرأها، الكتب التي لم تكتب بعد.

ـ هذه إجابة روحانية بعض الشيء، أليس كذلك؟
ـ الكاتب "روحاني بعض الشيء" أم تراني أقصد أنه "أسطوري"؟

ـ هل الكاتب موجود؟
ـالكتابة، بشكل أو بآخر، موجودة. "الكاتب" فرد يكتب، لكنه أيضا يفعل أشياء أخرى كثيرة.

ـ ما ألطف شيء في كونك كاتبة، هذا على أساس أنك معترفة أنك كاتبة؟
ـ البحث. كما قال جون أبدايك: البحث هو الجزء البريء".

ـ هل من نصيحة للكتاب الناشئين؟
ـ بصراحة، لا.

ـ أنت أول كاتبة يطرح عليها هذا السؤال فلا تكون لديها إجابة جاهزة بل مجهزة ببراعة.
ـ الكتاب والفنانون لا يبالون مطلقا بالنصائح المسداة من الكبار. النصيحة الأجدر هي العامة: حاول، لا تسلّم، لا تحبط، لا تلتفت للمسيئين. والكل يعرف هذه النصيحة.

ـ لماذا أنت كاتبة، وما لب هذه المسألة كلها؟
ـ نظريتي هي أن الأدب ضروري للمجتمع بمثل ما الأحلام ضرورية لحيواتنا. نحن لا يمكن أن نعيش بلا أحلام، مثلما لا يمكن أن نعيش بلا نوم. نحن كائنات "واعية" لفترات محدودة من الزمن، بعدها نغرق في النوم فيغذينا بطريقة لا نستوعبها كاملة. حتى الحلم السيء يغذينا بطريقته، فهو إبداعنا.

ـ الأحلام تنبع من النوم، والنوم ينبغ من ... ؟
ـ المخ البشري. الأدب بالنسبة للمجتمع كذلك الجزء من المخ المسمى بمارد البحر hippocampus  بالنسبة للذاكرة. مارد البحر هذا جزء صغير من المخ لازم لتخزين الذاكرة بعيدة المدى الملأى بالمعلومات والتجارب، برغم أنه ليس موقع هذا التخزين. ذاكرة المدى القصير عابرة، ذاكرة المدى الطويل يمكن أن تدوم لعقود كثيرة. لو أصيب مارد البحر أو ضمر فلا ذاكرة. الفن فيما أعتقد هو ذكرى الحياة بكل تنويعاتها. الرواية على سبيل المثال "تاريخية" في تجسيدها مكانا وزمانا بعينهما وإشارتها إلى أن لأفعالنا معنى ينتظمها. بغير سكون الفن ورقته وعمقه، وبغير صرامة الفن الأخلاقية الدائمة، لما كانت بيننا ثقافة مشتركة، ولا ذاكرة جمعية. في المجتمعات المعاصرة، حيث وسائل الميديا الاجتماعية ذات نهم لا يشبع، واهتمامات لا تدوم، فإن سكون الفن ورقته في خطر.

ـ ما هذا الإفراط في الكلام؟ ما كان ليقبل تويتر بكل هذا؟ هل نقف هنا؟
ـ بل تكون الكلمة الأخيرة للكاتبة.

ـ طبعا!

نشر الحوار أصلا في واشنطن بوست ونشرت ترجمته اليوم في شرفات