الأربعاء، 15 أغسطس 2018

في أيدي العسكر ... كيف أسهمت الولايات المتحدة في الفوضى المصرية


في أيدي العسكر
كيف أسهمت الولايات المتحدة في الفوضى المصرية
برنامج فريش آير في إذاعة NPR في 7 أغسطس 2018
تقديم: تيري جروس

 تيري جروس: معكم تيري جروس من فريش آير. أحب أن أستهل حوار اليوم بالإشارة إلى أنني مصابة بالبرد، فقد تلاحظون بعض الحشرجة في ثنايا حلقة اليوم. والآن إلى الحوار وهو بالمناسبة مسجل بالأمس حين كانت حالتي أفضل قليلا.
في اللقاء الأول بين الرئيس ترامب ورئيس مصر الأوتقراطي عبد الفتاح السيسي، وصفه ترامب بالرجل الرائع. استولى السيسي على السلطة بانقلاب عسكري، مطيحا بمحمد مرسي الذي كان قد أصبح أول رئيس منتخب لمصر في 2011 بعد انتفاضة الربيع العربي التي أطاحت برجل مصر القوي حسني مبارك. ضيفي ديفيد باتريك غطى كل تلك التغيرات في أثناء عمله رئيسا لمكتب نيويورك تايمز في القاهرة منذ 2011 إلى 2015.
أصدر كتابا جديدا عن الثورة المصرية والانقلاب الذي تلاها بعنوان "في أيدي العكسر: الحرية والفوضى في مصر والشرق الأوسط". ويتناول كذلك الصراعات داخل إدارة أوباما حول طريقة التعامل مع هذه الأحداث التاريخية. سوف نتكلم أيضا عن مقالة باتريك الأخيرة عن البليونير صديق ترامب الذي ساعده في الاتصال بالأمراء العرب. كيركباتريك الآن مراسل دولي لنيويورك تايمز، مقيم في لندن.
مرحبا بك، ديفيد كيركباتريك، في فريش آير. حينما كنت تكتب من القاهرة في أثناء الثورة ثم في أثناء انقلاب الجيش، إلى أي مدى كنت واعيا بما يجري في إدارة أوباما والصراعات بشأن الموقف الواجب اتخاذه حيال الثورة ثم حيال الانقلاب؟
كيركباتريك: أكثر ما كنت أشعر به هو الفضول. مع تقدم الأحداث في مصر، كنت أعاود سؤال نفسي المرة تلو المرة، عما يحتمل أنهم يفكرون فيه؟ وكان تأليف هذا الكتاب فرصة لي للعثور على إجابة. فمن بين ما يتضمنه هذا الكتاب تحقيق أجريته في ما كان يجري وراء الستار في البيت الأبيض.
جروس: تكتب أن نهج ترامب المتشدد في معاملة التطرف، ومعانقته صقور منطقة الخليج وإسرائيل والخليج العربي، تكتب أن ذلك بدأ في الواقع في ظل حكم أوباما. ماذا تقصد بذلك؟
كيرباتريك: هناك جدل دائم في دوائر صنع السياسة الأمريكية بين من يرون أن إدخال تحسينات ديمقراطية على مجتمع، والوصول إلى قلوب أبنائه وعقولهم هو السبيل إلى مكافحة التطرف والعنف، وهو السبيل إلى شرق أوسط أكثر استقرارا، في مقابل من يقولون إن هناك أشرارا وإن علينا أن نسحقهم سحقا، وكلما سارعنا بذلك كان أفضل. ولقد كان الانقلاب العسكري في 2013 إيذانا بما نرى أن إدارة ترامب تتبناه الآن تبنيا كاملا، وهو نوع من تمكين الصقور داخل الإدارة، تمكين القوى التي تدعو إلى السحق، وترى أن الإسلاميين كلهم مشكلة، وأن التعامل الوحيد معهم هو القوة الغاشمة.
ـ من الذين كانوا يمثلون الصقور في إدارة أوباما وتبنوا تلك الرؤية؟
ـ بعضهم ظهر في إدارة ترامب. لو أخذت في الحسبان الجنرال جيمس ماتيس وهو وزير الدفاع الحالي، فقد كان يمثل تلك الرؤية داخل الجيش. برينان رئيس سي آي آيه السابق مرتبط بتلك الرؤية. وأعتقد أن هذه الرؤية تشيع في نطاق واسع. لقد كان ثمة ـ منذ لحظة الانتفاضة الأولى على حسني مبارك ـ كثير من الشكوك في ما قد يعنيه التغيير الديمقراطي الكاسح في مصر بالنسبة للمصالح الأمريكية.
ـ إذن في فترة إدارة أوباما كان الجنرال جيمس ماتيس رئيس سنتكوم CENTCOM. وأصبح ماتيس أول وزير دفاع في إدارة ترامب. كان الجنرال مايكل فلاين وزير وكالة المخابرات العسكرية في فترة إدارة أوباما. وأرغمه أوباما أخيرا على الخروج. وأصبح فلاين بالطبع أول مستشار للأمن الوطني مع ترامب وبقي في هذا المنصب لفترة قصيرة. فما الأدوار التي لعبوها؟ ما الأدوار التي لعبها فلاين وماتيس في تحديد المواقف أثناء الانقلاب؟
ـ حسن، لا أعرف ما الذي قالاه بالضبط لنظرائهما المصريين في أثناء الأحداث التي أفضت إلى الانقلاب. لكن ما أعرفه يقينا ـ وعرفته أثناء البحث لتأليف هذا الكتاب ـ أن الجنرال فلاين زار القاهرة لمقابلة رئيس المخابرات العسكرية وغيره من الجنرالات في ما قبل الانقلاب، وأعرف أن ماتيس التقى بالسيسي. وأعرف أن الجيش الأمريكي عموما كان على اتصال عميق ودائم بالجيش المصري وأن الجيشين عملا معا عن قرب.
وما كاد يقع الانقلاب، حتى ناصره الاثنان بمنتهى الصلابة. مرَّ ماتيس بفترة بين خروجه من الجيش وانضمامه إلى إدارة ترامب، وفي تلك الفترة ألقى قليلا من الخطابات التي توفر لنا ما يشبه نافذة على تفكيره، وبصفة أعم، على تفكير كثير من العسكر. والموقف الذي أوضحه هو أن المشكلة مع الحكومة المصرية ـ حكومة الرئيس محمد مرسي المنتخب ـ كانت تتمثل أساسا في محمد مرسي. كان إسلاميا منتميا إلى جماعة الإخوان المسلمين. ووفقا لخطب ماتيس في تلك الفترة، كان مرسي مفرطا في نزعته الزعامية ففاق ذلك احتمال المصريين، فكانت الإطاحة به خيرا للجميع.
والآن فإن خلفه الرئيس عبد الفتاح السيسي، أو الفريق السيسي سابقا، أوضح طغيانا واستبدادا من مرسي. وما يقوله ماتيس في هذا رائع، يقول إن مساندة الرئيس السيسي هي أملنا الوحيد في محاولة تعزيز الديمقراطية والمجتمع المدني في مصر.
ـ التقيتَ بمايكل فلاين في مكتبه سنة 2016 وحذرك من أن جماعة الإخوان المسلمين ـ وهي الحزب الذي كان محمد مرسي مرتبطا به ـ قد تسللت إلى واشنطن وأن الرئيس أوباما وسفيرته في مصر آن بيترسن قريبان قربا خطرا من الإسلاميين. بماذا خلصت من ذلك؟
ـ بدا لي مبهرا. هو في حقيقته نوع من التفكير التآمري الجنوني. لقد كانت لي تعاملات مع السفيرة بيترسن، إذ كانت السفيرة في القاهرة التي كنت أعمل بها. وتكلمت مع كثيرين جدا من القريبين لأوباما في إدارته. ولم أجد لدى أحد منهم تعاطفا مع الإخوان المسلمين. فتلك كانت مجرد أسطورة لدى اليمين المتطرف، تقوم على أنه لمجرد أن حكومة الولايات المتحدة في ظل الرئيس أوباما قد اعترفت بالانتخاب الديمقراطي في مصر لرئيس تصادف أنه من حزب إسلامي، فإن الرئيس أوباما أو السفيرة بيترسن بطريقة ما كانا ليِّنيْن مع الإخوان المسلمين أو قريبين منها. ولعلك تتذكرين بعض التكهنات الغريبة فعلا أثناء حملة الرئيس أوباما الانتخابية الأولى بأنه هو نفسه مسلم.
ـ ودونالد ترامب كان من أنصار تلك النظرية
ـ نعم. كان يؤجج اللهب بعض الشيء.
ـ احتاج سنين كي يتخلى عن ذلك الرأي.
ـ نعم، صحيح. المهم أنني حينما سمعت ذلك كله من الجنرال فلاين، وكان رئيسا للمخابرات الحربية، قلت يا إلهي، ما هذا الذي يجري؟
ـ طيب، جون كيري، وزير الخارجية الثاني مع الرئيس أوباما، قال عن محمد مرسي أول رئيس منتخب ديمقراطيا في مصر وعضو الإخوان المسلمين، إنه أغبى فرخ قابله في حياته. وقال إن هؤلاء الناس غرباء. فماذا كان رأي كيري؟
ـ من وجهة نظر كيري، وقد زار القاهرة في أول رحلة خارجية له كوزير للخارجية، وكان في ذهنه دفع مصر إلى الإصلاحات الاقتصادية القائمة على السوق الحرة، وحزمة الإصلاحات التي يتبناها صندوق النقد الدولي. وكان يريد من مرسي أن يتخذ قرارات صعبة، فيلغي الدعم، ويرفع الضرائب، ويقوم بالكثير من الأمور التي كانت لتفتقر كثيرا إلى الشعبية. ولم يشأ مرسي أن يفعل تلك الأمور، خاصة وأنه لم يسمح له بوجود برلمان منتخب يشاركه المسؤولية. فضلا عن أن مرسي كانت لديه أفكار للاقتصاد المصري لملمها من اقتصادات غربية أخرى. لم يتفق الرجلان، ولقاؤهما الأول كان بداية العلاقة الرهيبة بينهما.
وعلى خلفية ذلك الاجتماع، يجب أن نبقي في أذهاننا أن وزير الخارجية كيري لم يكن قط من محبي الإخوان المسلمين. وكان دائم الارتياب فيها. والحقيقة أنه كان على مدار سنين قريبا من حكام الخليج العربي الذين أصبحوا القوة الدافعة وراء استيلاء الجيش على السلطة وكانوا يخشون بلا شك من وصول الإخوان إلى الحكم.
ـ هل تعرف إن كان الرئيس أوباما كان على علم بما كان يقوله ماتيس وفلاين ويناصرانه وكيف أن فلاين كان يؤمن بتسلل الإخوان إلى واشنطن وبكون أوباما والسفيرة بيترسن على علاقة وثيقة وخطرة بالإسلاميين؟
ـ عليَّ أن أقول إن من الأشياء التي أذهلتني أكثر من سواها حينما بدأت التحقيق في ما كان يجري داخل إدارة أوباما هو درجة الاختلاف بين الأفكار والأقوال لدى المحيطين بالرئيس ولدى الرئيس نفسه. وقد يرد في قمة القائمة وزير الدفاع السابق تشاك هاجل ووزير الدفاع السابق جون كيري، وطبعا مايك موريل الذي كان قائما بأعمال رئيس سي آي آيه في أغلب تلك الفترة. فجميعهم كانوا مختلفين مع الرئيس نفسه وما يفكر فيه ويقوله. وأنا بالفعل لا أفهم ما الذي كان يجري هناك.
البعض يقول إن الإدارات تعمل بهذه الطريقة. والبعض يقول إن الرئيس أوباما كان بالفعل منفصلا ولم يشأ أن يضغط على المحيطين به ليحذوا حذوه. ولكنني أعتقد أن هذا أمر سوف يهتم مؤرخو المستقبل بالنظر فيه ليعرفوا كيف كان يعمل الرئيس أوباما وإدارته بصفة عامة.
ـ تعلم أننا نصف مجيء السيسي إلى السلطة بالانقلاب، الانقلاب العسكري، إذ أطاح الجيش والسيسي بمحمد مرسي. لكن إدارة أوباما لم تصف ذلك بالانقلاب. ما سر أهمية كلمة الانقلاب؟ ولماذا كانت مهمة بالنسبة لإدارة أوباما وسياسته؟
ـ حسن، الولايات المتحدة لديها قانون يفرض على الحكومة إيقاف المساعدات العسكرية لأي جيش يقوم بانقلاب يطيح بحكومة منتخبة. الجيش المصري يتلقى 1.3 بليون دولار سنويا من المساعدات العسكرية الأمريكية، وهذا منذ عقود، فمصر أكبر متلق في العالم للمعونة العسكرية باستثناء إسرائيل. وهذا أساس العلاقة الأمريكية بمصر ونوع من حجر الزاوية في النظام الإقليمي المدعوم من أمريكا لو شئنا القول.
رجوعا إلى الانقلاب، واجهت إدارة أوباما خيارا صعبا: إما وصفه بالانقلاب ووقف المساعدات تماما، أو لا؟ هل تقول إن ما حدث ليس انقلابا؟ وماذا يترتب على ذلك؟ وقررت إدارة أوباما ألا تفصح عن أي قرار. وعثروا على مخرج بمجرد قولهم، لن نقول إن ما حدث انقلاب، ولن نقول إن ما حدث ليس انقلابا. ولو أنك كنت في مصر لبدا لك ذلك إقرارا باستيلاء الجيش على السلطة.
ـ حسن، عندما كان كيري وزيرا للخارجية قال بالفعل إن الإطاحة بمرسي لم تكن انقلابا. بل خضوع من السيسي لمطالبة الشعب بإنقاذ مصر.
ـ نعم، وهذا ملفت. لكن أتعرفين ما الملفت أكثر؟ ليس مجرد أنه ذهب إلى ذلك عند وقوعه في 2013، بل لقد قال لي في 2016 إن ذلك كان رأيه في 2013، وإن ذلك ما لا يزال يؤمن به، وإن ذلك ...
ـ وما الذي يجعل ذلك ملفتا؟
ـ حسن، هو ملفت لأنه في وقت استيلاء الجيش على السلطة، قال الفريق السيسي ـ الذي قام بالانقلاب ـ إنني ما أفعل ذلك إلا حماية لأهداف الثورة، وسوف نجري انتخابات، وسنعود إلى مسار الديمقراطية. كان ثمة وعد، قد لا يكون وعدا يمكن تصديقه، لكنه وعد. ونحن نعرف الآن أن ذلك كله لم يتحقق منه شيء. فقد رتب السيسي لنفسه الفوز بـ 98% من الأصوات، وفعل مثل ذلك مرة ثانية بعد أربع سنوات. والاحتمال الأكبر الآن أنه يغير الدستور ليتسنى له البقاء في السلطة فترة أطول. هذا حكم فرد. وهذا نظام أكثر استبدادا مما عرفناه في ظل مبارك.
ومن ثم فأي زعم بديمقراطية محتملة في 2013 في لحظة الاستيلاء على الحكم تلاشى تماما في 2016 ولكن كيري لا يزال يحاول إقناعي بأن تلك كانت حركة لاسترداد الديمقراطية. وما دمنا نتكلم في هذا، وما دام حديثنا وصل إلى الكلام عن الوزير كيري واسترداد الديمقراطية، فمن أكثر اللحظات التي لم أرتح إليها في هذه القصة هي ما بين استيلاء الجيش على السلطة وأحداث ميدان رابعة في 14 أغسطس 2013، قبل خمس سنوات، حيث اندلعت مظاهرات ضد الاستيلاء على السلطة. كان عشرات الآلاف من المتظاهرين هناك. وبذلت الحكومة الأمريكية أقصى جهدها للتوصل إلى تسوية تمنع القيادة العسكرية الجديدة برئاسة السيسي من قتل كل أولئك الناس في الميدان وسحقهم سحقا.
كان الدبلوماسيون الأمريكيون يعملون بجد لحل ذلك. وكان وزير الخارجية كيري في زيارة لباكستان وأجري معه حوار تليفزيوني هناك. واتصلت به سوزان رايس ـ مستشارة الأمن الوطني ـ وقالت له انظر، مهما يكن ما تفعله، عليك أن تلتزم هنا بكلامنا، ليس بوسعنا القول إن هذا دفاع عن الديمقراطية، هذا استيلاء عسكري على السلطة. فخرج الوزير كيري على الهواء وقال إن الجنرالات يعملون على استرداد الديمقراطية معززا بذلك فهم المصريين بأن أمريكا اعترفت باستيلاء الجيش على السلطة إن لم تكن أقرته، فقوض بذلك الجهود الرامية إلى منع مجزرة ميدان رابعة.
ـ حيث قتل قرابة ألف شخص. وقمت أنت بتغطية ذلك. فماذا شهدت؟
ـ هذا سؤال لا يسهل الجواب عليه. لقد كان يوما دمويا تماما، يوما يصعب أن يعاش، يوما يصعب التعامل معه في حينه ويصعب التفكير فيه الآن. لن أنسى وقوفي في بهو مستشفى مجاور للميدان لجأ إليه المعتصمون مشاهدا الجثة تلو الجثة محمولة على النقالات، وبرك الدم على الأرض، واسوداد الدم، وحفيف عباءات النساء إذ يحاولن رعاية المصابين وامرأة تتربع على الأرض في ركن وبين ذراعيها طفل يرتدي فردة حذاء واحدة، تتصل عبر محمولها المرة تلو المرة محاولة الوصول إلى زوجها بدون أن تنجح في ذلك طبعا. قد أبدو عاطفيا، لكن يصعب كثيرا أن يتحايل المرء على عقله أمام مثل ذلك القتل. صعب للغاية أن أحاول وصفه في قصة صحفية. كان صعبا على جميع المستويات.
ـ الآن، تصف كيف أن السيسي لم يكتف بالتحول إلى رجل قوي بمجرد انتخابه، وبدلا من أن ينقذ مصر، أحكم عليها قبضة قوية، بل تقول إن مظهره تغير بعد أن أصبح حاكما على مصر.
ـ مؤكد أن أسلوبه تغير. هناك خطبة لا تنسى، خطبة يعرفها كل مصري بخطبة التفويض. عندما جاء السيسي، وأنا أستدعي الآن يوم الانقلاب، كان يرتدي قميصا بنصف كم وقبعة بيريه. وبدا طفوليا حينما أعلن ما يشبه الاعتذار، بدا من يقول، أنا آسف، ولكنني أطحت بالرئيس. وبعد أسابيع قليلة، رجع، وقد علق رتبه. وارتدى القبعة الصلبة، ليلقي خطابا عرف بخطاب التفويض، حيث قال في ذروته، إنني أريد تفويضا بمحاربة الإرهاب، أريد من الجميع أن ينزلوا مرة أخرى إلى الشوارع ليعربوا عن مساندتهم لي، وتأييدهم لي في الحرب على الإرهاب. وكان الجميع يعلمون أن ما يعنيه هو أنه يريد تأييدهم لسحق المتظاهرين في رابعة بكل ما يلزم من قوة.
ـ هل ثم ما يشبه متجرا لثياب المستبدين الخاصة، يذهب إليه جميع الطغاة ليشتروا منه ثيابهم؟
ـ (ضاحكا)، أنا لا أعرف إجابة لسؤالك. ولكن تغيير الزي كان الجزء الأكثر اصطناعا بين التغييرات الكاسحة حقا في شخصية السيسي، الفريق آنذاك، والرئيس حاليا. وإذ أستعيد الأحداث، يبدو لي هذا أيضا من الأمور التي أدهشتني بحق عند تمعني فيها. قبل الانقلاب، حينما كان يعمل وزير دفاع في ظل حكم مرسي، بعد أن عيَّنه  الرئيس مرسي، كان يقول لكثير من الناس، سواء من أصدقائه المصريين وأيضا من المسؤولين الأمريكيين، إنه سعيد بالخدمة في ظل رئيس إسلامي منتخب.
وبعد الاستيلاء العسكري على السلطة بدأ يقول للسفيرة بيترسن، آن بيترسن، شوفي يا آن، لقد كنت أقول لك دائما إن هؤلاء ناس لا يمكن أن يوثق فيهم، وإنهم سيكونون كارثة عند حكمهم مصر، وهو بالطبع لم يقل من قبل شيئا من ذلك، وأبرقت هي بذلك إلى واشنطن. وبمرور الوقت، أصبح اقتناعه يتزايد، علنا وبينه وبين نفسه، بأنه الشخص الوحيد القادر على إنقاذ مصر، وأنه إما هو أو الفوضى.
والملفت الآن بعد خمس سنوات أنه أصبح أكثر ثقة في ذلك. ولا يزال يدفع بمثل الحجج التي دفع بها في يوم الاستيلاء على السلطة، قائلا إن غاية حكمه وأجندته الوحيدة هي الحفاظ على الدولة، وإعادة إقرار النظام، وأن الفوضى على الأبواب، وإنه الوحيد الذي يستطيع المصريون أن يثقوا به، وإن كل شيء ينتهي عليه.
ـ لم يتسن لك أن تتكلم مع أوباما حول الثورة المصرية والانقلاب وما إذا كان آسفا على الطريقة التي تعاملت بها إدارته معه، أم تحدثت إليه؟
ـ لم أتحدث إلى أوباما. ولكنني استطعت الحصول على سجل تفصيلي بحواره الأخير مع الرئيس مرسي، الإسلامي الذي انتخب رئيسا لمصر، قبل ثمان وأربعين ساعة من استيلاء الجيش على السلطة. وهو الحوار الذي يجعلني على ثقة من أن أوباما على المستوى الشخصي كان لديه أمل في أن مرسي قد يخرج من المأزق ويكمل سنواته في الحكم. أقص أنني أعتقد ...
ـ هذا حديث نيلسن مانديلا، أليس كذلك؟
ـ هو حديث نيلسن مانديلا وفيه
ـ هل تود أن تتكلم عما قاله أوباما؟
ـ يبدأ أوباما بالنقاط المجهزة لحديثه، وهي كالتالي، مستر مرسي أنت بحاجة إلى التواصل مع خصومك المدنيين لتدمجهم في ما يشبه حكومة وحدة. وهذا سيساعدك على أن تكون أكثر مصداقية وتحقق الاستقرار في الأوضاع. وهذه رسالة كانت إدارة أوباما تحاول إيصالها للرئيس مرسي منذ فترة طويلة. فكان مرسي يطأطئ برأسه ثم لا يبدو أنه فهم ما يقال له. ثم ينحي الرئيس ـ الرئيس أوباما ـ نقاط حديثه المعدة جانبا. كان في ذلك الوقت في رحلة له في دول جنوب قارة أفريقيا، وزار نيلسن مانديلا الذي كان مريضا في المستشفى. فكرنا جميعا أنه يحتضر آنذاك. ويقول الرئيس أوباما إنه نحى نقاط حديثه جانبا وأتى على ذكر نيلسن مانديلا.
قال، انظر يا سيادة الرئيس مرسي، إليك هذا المثال. مانديلا ـ بعد مجيئه إلى السلطة في حكومة ما بعد الأبارتيد في جنوب أفريقيا، وصل به الأمر أن جاء بسجانه فجعله ؤئيسا للأمن في حكومته. وبذلك أقنع الناس أن حكومته بالفعل حكومة يمكنهم جميعا أن يكونوا جزءا منها. وهذا قول شديد الجدية، خاصة وأنه يأتي من أول رئيس أمريكي أفريقي الأصل للولايات المتحدة. ويبدو أن مرسي فهمه. فقال إن هذه نصيحة جيدة حقا من صديق مخلص لي ولمصر وإنني أثمنها.
وبالنظر بأثر رجعي يتبين أن كليهما لم يفهمها، ففي ذلك الوقت، كان الجيش المصري يرسل بالفعل طائراته الإف 16 لترسم بعوادمها قلوبا في السماء فوق وسط مدينة القاهرة. أي أنهم كانوا يؤيدون بحزم المتظاهرين الداعين إلى الإطاحة بمرسي، وأن الانقلاب كان قد بدأ بالفعل.
ـ لكن يبدو أن البعض في إدارة أوباما كانوا على علم بأن الانقلاب سيحدث. وكانوا قد حذروا من ذلك. فهل تقول إن الرئيس لم يكن على علم؟
ـ أنا لا أعرف كيف تتنقل المعلومات في البيت الأبيض. أعرف أنه قبل شهور من وقوعه، كانت السفيرة بيترسن تقول لواشنطن إن من المرجح أن تحدث على أقل تقدير محاولة انقلاب. ولا أعرف عند أي مرحلة بالضبط بدأ الناس في واشنطن يفكرون أن الأمر أكبر من محاولة أو أن النتيجة مقدرة سلفا. لكن الحكم من واقع المكالمة الأخيرة، من الواضح أن الرئيس أوباما لم يكن يدرك أن الجيش كان يتحرك.
ـ وقعت لك بعض الأحداث في أثناء تغطيتك للثورة في مصر والانقلاب، وثمة مرة أريد أن تتكلم عنها. كنت مع مترجمك المسيحي القبطي وكان ثمة احتكاكات كبيرة بين الإسلاميين والمسيحيين، وتعرضتما للاعتقال، ولم تكن تعرف ما المخبأ لكما. وعند نقطة معينة، يهمس لك قائلا، معي مسدس. انج أنت بنفسك. ما الذي كان يحاول إخبارك به؟
ـ (ضاحكا) لم يكن يحاول أن يقول أكثر من ذلك. انج بنفسك. ذلك كان يوما استثنائيا بالفعل. المميز في هذا المترجم ليس أنه كان مسيحيا قبطيا له صليب موشوم على معصمه، بل أنه أيضا كان ذا مظهر مختلف، فقد كانت له لحية طويلة شعثاء تعني في السياق المصري أنه إسلامي. فكان بوسعه أن يتنقل بين الفريقين.
كنا نقوم بتغطية مسيرة للإسلاميين واندمج هو وسطهم. وتعرف عليه أحد جيرانه، وفجأة بدأ المتظاهرون يهاجمون كلينا. واستمر ذلك لبعض الوقت (ضحك). ثم بدأوا استجوابنا. ثم قاموا بتسليمنا للشرطة، ثم لم تعد الشرطة قلقة من المترجم، بل مني أنا. كانوا يخشون أن أكون جاسوسا. فاقتادونا إلى مكتب رئيس الشرطة، وأجلسونا على أريكة، وفي تلك اللحظة فكرت أننا آمنان، فقد وقع لي مثل ذلك كثيرا من قبل، أعني تسليمي للشرطة. وظنهم أنني جاسوس. ويكفلني الجهاز الإعلامي في الدولة، وأمضي في طريقي.
كنا إذن جالسين في مكتب رئيس الشرطة محاطين بالشرطة، ويميل عليّ. يميل المترجم عليّ هامسا في أذني بأنه كان يحمل طول الوقت سلاحا مخبأ في ثيابه بدون ترخيص. وهذا غير مشروع في الولايات المتحدة. وهو في مصر غير مشروع جدا. فلو كان ذلك عرف لكنا حبسنا لبعض الوقت. وكانت لحظة مرعبة بالنسبة لي، ولا أعرف كيف كان يتوقع مني أن أحاول الخروج والنجاة بنفسي. وبالتأكيد لم أكن أرى سبيلا لعمل ذلك. فاكتفيت بالابتسام، وشرب الشاي والتأكيد على أنه مترجم رائع. وبفضل الله لم يفكر أي من الإسلاميين في تفتيشنا، ولا الشرطة المصرية. وتمكنا من مواصلة طريقنا. والمدهش، وما لا أنساه من ذلك اليوم، نزولنا السلم في مكتب رئيس الشرطة، والإسلامي الذي سلمنا للشرطة لم يزل معنا حتى ذلك الحين، وقد بدأ يظهر المودة للمترجم القبطي. كانا يتبادلان أرقام الهواتف، ويؤكدان أن يبقيا على تواصل، ويؤكدان لي الكلام المعتاد عن مصر وجوهرها شديد التسامح إذ يعيش فيهل المسلمون والمسيحيون في سلام.
ـ ماذا قلت لمترجمك بعدما انتهت تلك الواقعة بخصوص المسدس؟
ـ حاولت بمنتهى الأدب أن أقول له إننا لم نعد قادرين في نيويورك تايمز على توظيفه مترجما.
ـ دعنا نقفز إلى الأمام، إلى الرئيس ترامب ونتكلم عن علاقة الرئيس ترامب بالفريق السيسي، وهو الآن حاكم مصر القوي. وصف ترامب السيسي بالرجل الرائع حينما التقيا في سبتمبر 2016. وقال ترامب إنه سيطر على مصر، سيطر عليها بحق. ماذا تعرف عن علاقتهما؟ وهل هي علاقة تبادلية، وماذا يجد كل منهما فيها؟
ـ حسن، بالنسبة للسيسي الأمر واضح. اعتراف ترامب يعطيه بعض الشرعية. فإدارة أوباما لبعض الوقت علقت، دون أن تلغي، المعونة الاقتصادية ـ أقصد المعونة العسكرية لمصر. مؤكد أن ترامب لن يفعل ذلك. فالسيسي ـ من وجهة نظر ترامب ـ يمثل تماما النهج الذي يفضله ترامب في التعامل مع المشكلات في المنطقة، وهو العنف والمزيد من العنف.
السيسي لا يميز بين الإسلاميين الذين يفضلون الانتخابات أو يقولون على الأقل إنهم يفضلونها والإسلاميين الذين يرمون القنابل في البنايات الشاهقة، ولا الرئيس ترامب يميز. فهما يلتقيان فعليا في ذلك. وأعتقد أننا حينما نرجع أكثر إلى الوراء، نرى أن دول الخليج العربي التي دعمت السيسي بقوة في استيلاء الجيش على السلطة وبعد الاستيلاء عليها هي في الوقت نفسه شديدة القرب من ترامب.
ـ كتبت مقالة في 13 يونيو كان عنوانها "من يقف وراء صلات ترامب بالأمراء العرب؟ صديقه البليونير". والصديق البليونير الذي كتبت عنه في المقالة هو رجل التمويل توم باراك. وتنسب إليه فضل المساعدة في تحويل ترامب المستبعد من مرشح يشن حملة ضد المسلمين إلى رئيس في قصور الحكم الملكية في العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. من يكون توم باراك وما الدور الذي لعبه في حملة ترامب؟
ـ توم باراك رجل أعمال وممول عقاري شديد النجاح. هو أمريكي من أصل لبناني أصبح مستثمرا شديد النجاح في الأسهم الخاصة. هو بليونير، وهو صديق للرئيس ترامب منذ عقود. ومن الطرق التي حقق بها ماله في الأسهم الخاصة أنه أقام علاقات شديدة القوة مع الكثير من الأمراء الأثرياء في الخليج العربي. وفي فترة ترشح الرئيس ترامب، تقدم توم باراك محاولا بناء جسور هناك. وأتخيل أنه فكر أنه سوف يحصل على عمولته من كلا الجانبين، لو أمكننا القول، وأن في ذلك خيرا لعمله التجاري مع الخليج العربي. وأن فيه خيرا كذلك لعلاقته مع الرئيس ترامب. فهي علاقة رابحة من الناحيتين.
وقد تمكنت من الحصول على رسائل إلكترونية بعثها إلى سفير الإمارات في واشنطن يوسف عتيبة. ويمكن أن نرى في هذه الرسائل أنه في فترة مبكرة حينما كان الزعماء العرب بمن فيهم زعماء الخليج العربي شديدي الارتياب في الرئيس ترامب لكونه في حملته قد تحامل جهارا على جميع المسلمين بل وعلى الإسلام نفسه. في تلك الفترة، كان توم باراك يعمل بجد على المستوى الشخصي ليضمن الرئيس محاولا إقامة بعض الاتصالات من وراء الستار بحيث يمكنه طمأنتهم إلى أن ترامب في جانبهم وأن ترامب وصهره جاريد كوشنر يريان العالم مثلما يراه الخليج العربي، فيرى أن فيه عدوين أساسيين: الإسلام السياسي بما فيه الإخوان المسلمون، وإيران، وإن بالإمكان إقامة تحالف جديد حول ذلك الرأي.
فوق هذا كله تكمن بالطبع غرابة أولئك الزعماء العرب الذين غالبا ما يظهرون بمظهر المدافعين عن الإسلام، فإذا بهم يصادقون سياسيا أمريكيا بدا واضحا على مدار مسيرته السياسية أنه معاد للمسلمين أو معاد للإسلام.
ما يجمع هذين الفريقين من الناس هو أن كليهما لا يؤمن باستعداد العرب والمسلمين لحكم أنفسهم، فهؤلاء الطغاة العرب يبيعون أنفسهم للغرب قائلين إما نحن أو الفوضى إذ ليس بوسعكم أن تثقوا في هؤلاء الناس الذين نحكمهم. فهم لا يستطيعون حكم أنفسهم. وسينزلقون إلى التطرف إلا لو ارتبطتم بنا، نحن الملوك والطغاة والجنرالات والرؤساء. وهذا قريب من الرؤية التي يبدو أن الرئيس ترامب يتبناها.
ـ إذن توم باراك، البليونير والصديق والمناصر لترامب، حاول أن يرتب لقاء بين ولي عهد السعودية وبول مانفورت حين كان الأخير مدير حملة ترامب. ماذا حدث في ذلك؟
ـ قيل لي إن هذا اللقاء لم يتم مطلقا. لسبب أو لآخر لم يحدث. ولكن الرسائل الإلكترونية المتبادلة تكشف عن جهود لعقد اجتاع هادئ في فندق في مكان بعيد عن أعين الصحافة. أمر مثير. هذا اجتماع رتبت له الإمارات التي كانت في ذلك الوقت تدعم نائب ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ليكون ولي العهد في المستقبل والحاكم القادم للسعودية. وكانوا يحاولون تقديم ولي العهد ـ ونائب ولي العهد آنذاك ـ محمد بن سلمان لإدارة ترامب على أعلى مستوياتها. ففي ظل تلك المحاولات لإقامة تلك الروابط الخفية المبكرة بين قادة الخليج العربي وحملة ترامب قبل أن تصبح إدارة ترامب.
ـ قل لنا المزيد عن ما حصل عليه السعوديون والإماراتيون من جراء علاقتهم الوثيقة بالرئيس ترامب.
ـ أكبر ما حصلوا عليه هو إعراض ترامب عن الصفقة النووية مع إيران، وهي الصفقة التي حاول بها الرئيس أوباما أن يخفف العقوبات المفروضة على إيران في مقابل قصر إيران برنامجها النووي على الاستعمالات السلمية. هذه الاتفاقية ـ التي كانت ذات قيمة كبيرة لأوباما بسبب تخوفه من الأسلحة النووية الإيرانية ـ تمثل هاجسا للقادة العرب في الخليج العربي لأنهم متخوفون من إيران ـ من أسلحتها التقليدية ومما تتسبب فيه من أذى في المنطقة. فلم يرغبوا في الشرعية التي بدا أن الصفقة تضفيها. ومزق ترامب ذلك. وفي هذا بهجة عظيمة للسعودية وللإمارات.
كان التخلص من وزير الخارجية تيلرسن هدفا آخر لهم. وبهذا المعنى يبدو أن ترامب كان مغريا لهم للغاية. وبصفة عامة، أظن أن رحلته الخارجية الأولى كانت إلى الرياض، حيث وقف كتف بكتف مع حاكمي الإمارات والسعودية معربا عن تضامنه معهما. كما أعاد ترتيب السياسة الأمريكية في المنطقة حول المخاوف التي يشترك معه فيها حكام الخليج العربي، وهي مواجهة إيران ومعارضة الإسلام السياسي.
ـ هل تعتقد أن السعوديين والإماراتيين أثروا فعليا على قرار الرئيس ترامب بالانسحاب من الصفقة النووية؟ أم تعتقد أن موقف الرئيس ترامب بالصدفة تماثل مع موقف الإماراتيين والسعوديين؟
ـ من المؤكد أنني لا أستطيع أن أطلع على عقل الرئيس ترامب. لكنني أقول إن السعوديين والإماراتيين هم وحدهم الذين كانوا يدفعون للوصول إلى تلك النتيجة. رئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو أيضا كان يدفع إلى تلك النتيجة لأسباب مماثلة إذ يعتبر إيران والسياسة الإيرانية مشكلة وليس الأسلحة النووية الإيرانية فقط. ومن ثم لو قلنا إن الإماراتيين والسعوديين لهم الفضل في ذلك، فأعتقد أن رئيس الوزراء نتانياهو قد يطالب باعتذار لأنه يحسب أنه صاحب الفضل في هذا التغيير من إدارة ترامب.
ـ وما الذي حصل عليه الرئيس ترامب في مقابل تحالفه مع السعوديين والإماراتيين؟
ـ هذا سؤال جيد للغابة. وأعتقد أنه سيكون من الغفلة ألا نلاحظ أن المدعى الخاص روبرت مولر يبحث في ذلك أيضا. مثلما ناقشنا في هذا البرنامج من قبل، الإماراتيون بصفة خاصة أرسلوا موفدا إلى حملة الرئيس ترامب في أثناء الانتخابات في 3 أغسطس 2016 يعرضون المساعدة من أجل انتخاب ترامب. وهذا الموفد جورج نادر قدم نفسه باعتبار أنه يتكلم بالنيابة عن ولي عهد السعودية محمد بن سلمان والقادة الإماراتيين. وما تمخض عن ذلك لم يزل موضع سؤال. ولكنه سؤال يطرحه أيضا المدعى الخاص.
ـ تقول إن من الفوائد التي رجعت على إدارة ترامب من التحالف مع السعوديين والإماراتيين أنه حينما قرر الرئيس نقل السفارة الأمريكية في إسرائيل إلى القدس، اكتفى الإماراتيون والسعوديون بما يشبه المعارضة الشكلية، ولم يحركا ساكنا بعد ذلك.
ـ نعم، هذا صحيح. وقد تمكنت من الحصول على بعض التسجيلات الصوتية المسربة لضابط في المخابرات المصرية يدرب مقدمي برامج توك شو مصرية وإعلاميين آخرين على كيفية إقناع الرأي العام المصري بأن ذلك الأمر ليس بالأمر الكبير. فبينما كانت الحكومة المصرية تظهر إشارات شكلية ضد اعتراف الإدارة الأمريكية بالقدس عاصمة لإسرائيل بدلا من تركها لتكون جزءا من اتفاقية سلام مع الفلسطينيين، يبدو أن المخابرات المصرية كانت توجه مشكلي الرأي العام إلى أن الأمر ليس بالأمر الجلل، ولننظر إلى المدى البعيد وما إلى ذلك من لغو. والقدس لا تختلف كثيرا عن رام الله، وهذا تحول صاعق لأغلب المصريين في الهوة بين  أقوالهم الخاصة وأقوالهم العامة.
ـ وتوم باراك البليونير صديق ترامب الذي كان أقرب إلى وسيط بين السعوديين والإماراتيين ودونالد ترامب، سئل في تحقيق مولر عن مانفورت وجيتس؟
ـ حسب فهمي أنه سئل فقط عن مانفورت وجيتس. يبدو أنتوم باراك على صلة بكل الناس هنا، أليس كذلك؟ له علاقات قديمة مع جيتس أو مع مانفورت على الأقل منذ سنوات. عمل مع جيتس في اللجنة الرئاسية الافتتاحية، ثم شركته، كولوني نورث ستار، حيث وظف جيتس بعد الانتخابات. فقد تم التخلي عن جيتس بمجرد اتهامه. ولكن ثمة أشياء كثيرة كان يمكن أن يسأل المدعي الخاص توم باراك عنها، وبحسب ما أفهم بناء على معلومات أثق فيها أنه لم يسأل أي أسئلة انتخابية تتعلق بالخليج.
ـ إذن هي النقود بصفة عامة، ذلك ما سئل عنه؟
ـ لا أعرف بدقة ما الذي سئل عنه باراك، لكنه سئل عما له علاقة بمانفورت وجيتس. لا أعتقد أنه سئل عن شيء له علاقة بالإماراتيين والسعوديين ومساعداتهم لترامب في أثناء الانتخابات
ـ كتبت أنه منذ ترشح ترامب تلقت شركة باراك أكثر من 7 بليون دولار من الاستثمارات، 24% منها جاءت من الخليج، من الإمارات العربية المتحدة والسعودية.
ـ هذا صحيح. وأنا أعتمد في هذه الأرقام على أشخاص داخل الشركة. ولكنك مهما تقتطعين من هذه الأرقام فإنها تظل كبيرة، وكثير منها وارد من الإمارات العربية المتحدة والسعودية. فهما من الدعائم الحقيقية لنشاط باراك في الأسهم الخاصة.
ـ أنت الآن تعيش في لندن وتعمل لنيويورك تايمز. وإنني أتساءل إن كانت العدسة التي تنظر بها إلى لندن قد تأثرت بسنواتك في القاهرة؟
ـ عملي في القاهرة وتغطيتي للربيع العربي جعلني أكثر حساسية مما كنت قبل ذلك لما يمكنني تسميته بعقيدة معاداة الإسلام. أجد وأنا أتحرك في دوائر ليبرالية راقية في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة أن الجماعة الوحيدة التي يمكنك أن تصدري تعميمات مهينة بحقها اليوم في الدوائر المحترمة هي جماعة العرب والمسلمين.
كنت في عشاء قبل ليلة مع بعض الصحفيين في لندن، وكنا نتكلم عن الربيع العربي. فقال لي أحدهم، صحيح، ما الخطأ الذي حدث هناك؟ أهو الإسلام؟ وصدمت لأنني لا أستطيع ولا أحد يستطيع أن يستبدل بالإسلام دينا آخر في سياق كذلك وينجو بذلك وسط رفقة مهذبة. ولم أكن في مثل حساسيتي لذلك مثلما صرت بمجرد رجوعي من تغطيتي في مصر.
 


عنوان الكتاب: في أيدي العسكر. الحرية والفوضى في مصر والشرق الأوسط
تأليف" ديفيد كيرباتريك