الثلاثاء، 9 يوليو، 2013

لست مغرورا بقدر ما ينبغي أن أكون



لست مغرورا بقدر ما ينبغي أن أكون 
مختارات من كتابات جو برينارد

جو برينارد ـ كاتب ورسام أمريكي (1942ـ 1994))




أنا سعيد أنني لا أفهم كتابات جو برينارد*

جيرومي سالا

كنت أحسب أنني أحب كتابة جو برينارد بسبب بساطتها الشديدة، ومباشرتها، وسهولتها. ولكنني أرى الآن أنني كنت مخطئا. وأنني أحببتها، ولم أزل أحبها، لأنها بالغة التعقيد صعبة الفهم.
يقول كثير من الناس أشياء أو يكتبونها معتمدين على اللغة العادية. وطرائق التفكير العادية. ويقول غيرهم من الناس أشياء أو يكتبونها معتمدين على اللغة الأدبية، والطرائق الفنية في التفكير.
أما جو برينارد فهو (حتى الآن) الشاعر الوحيد في تاريخ الشعر في العالم الذي استطاع أن يجمع بين الأمرين في وقت واحد. ولذلك فكلمة "الشاعر" ليست الكلمة المناسبة لوصفه. إنها ضيقة، محدودة، أكثر مما ينبغي. إذ الشعراء يكتبون الشعر. ولا يقدرون على كتابة اللاشعر، خاصة حال كتابتهم للشعر. وهنا يكمن التعقيد الشديد في أمر جو برينارد.
انظروا إلى نص عنوانه "أتذكر". إنه من ناحية عادي جدا بدرجة تسمح حتى لغير المتعلمين (بل وللأطفال الصغار) أن يستمتعوا به، ويتعلموا من خلاله القراءة والكتابة. و"أتذكر" من ناحية أخرى "عمل" شديد التعقيد، يمثل قطعة ملغزة  من الأدب، تستكشف التنوعات الجامحة التي يمكن العثور عليها في التماثل، وتتراكم فيها خطابات ثقيلة أحدها فوق الآخر ـ سواء تنتمي هذه الخطابات إلى التاريخ الشفهي، أم النقد الثقافي، أم سياسات الهوية ـ وكل ذلك يقدَّم في جمال طريف وارتجالي، كان من شأنه أن يبدو ابتكارا أصيلا بصورة مذهلة، لولا أن أطيح بفكرة الأصالة نفسها على يد جماليات شديدة البساطة.
برينارد في مرسمه

أو انظروا إلى هذه القصيدة المناهضة للقصيدة
فن

وأنا أتصفح كتاب رسومات لـ هولبين Holbein  أدرك لحظات عديدة من الحقيقة. أنف (خط) أنفي للغاية. خطي للغاية. ثم أقول لنفسي "وإيه يعني؟". ليس في هذا حل لأي من مشكلاتي. ثم أدرك أنني في لحظة التذوق نفسها لم تكن لدي أي مشكلات. وأقرر أن هذه فكرة عميقة جدا. وأنني ينبغي أن أكتبها. وهذا ما فعلته حالا. ولكنها لم تعد تبدو عميقة. وهذا هو الفن بالنسبة لكم.

أحب هذه القصيدة لأنني لا أفهم لغتها المفهومة للغاية هذه. فهي تبدأ كحدوتة عن أن العادي ـ أي تصفح كتاب ـ قد يقود إلى الاستثنائي (أي "الفن"، أو "الحقيقة"، أو "العمق") وبالعكس، في جزء من الثانية. وكأنما الرحلة من الحياة اليومية إلى الفن تقع على علامة اللانهاية. وتكون هذه المقطوعة ـ المكتوبة عن فشل الفن في أن يكون استثنائيا ـ ناجحة لأنها برفضها الاستثنائية صارت استثنائية، أي أنها تحقق الفنية بأن تكون غير فنية. ومن هنا يكون مغزى القصة غير مفهوم ـ لأنك لا تعرف هل الكتابة جديرة بما يبذل فيها من جهد.
هذا هو الفن بالنسبة لكم. هذا هو المكان اللطيف الذي يمكنكم فيه أن تكونوا وأن لا تكونوا في الوقت نفسه.
في فيلم ميكي وان Mickey One الذي عرض في ستينيات القرن الماضي، يظهر بين الحين والآخر فنان ليوضح القصة الغامضة. على مدار الفيلم، نراه وهو يقوم ببطء بإنشاء جهاز معقد وضخم، آلة ـ على غرار آلة روب جولدبرج Rube Goldberg ـ مهمتها النهائية أن تفجر نفسها. إن كتابة جو برينارد فريدة، وهي ليست كذلك لأنها تقرن الإبداع بالهدم، بل لأنها تفعل ذلك بطريقة لا جهد فيها ولا اختلال، وهي تفعل هذا على نحو يجعل سبل التجريب التقليدية تبدو متكلفة للغاية.
انظروا إلى هذه القصيدة وعنوانها "قصيدة"
قصيدة
أحيانا
كل شيء
يبدو
في منتهى الـ
أوه، لا أعرف.
مرة كتب الفيلسوف "ليوتار" شيئا في أثر أن يسلك المرء بطريقة التاجر في المواقف الاجتماعية وأن يسلك عالم الاجتماع بطريقة التاجر في المواقف التجارية.
لا أعرف بدقة ما الذي قد يدعوكم إلى هذا (إلى تحقيق النجاح من خلال التناقض) لكنها تبدو لي أنا على الأقل فكرة جيدة.
كتابة جو برينارد تريدك أن تبحث عن غير المفهوم في العادي (أي لغة الحياة اليومية) والعادي في غير المفهوم (أي الكلام الفني)
هذه تبدو لي فكرة عظيمة. وأنا سعيدا أنني لا أفهم سبب ذلك.

* نشرت هذه المقالة في موقع "مدونة أفضل الشعر الأمريكي".

***
قصيدة

مظلات متغيرة الألوان
في مسيرة على جسور خشبية
ترتدي نجوما سائلة
على نصفها الأعلى فقط
***

ماذا يكون الطهو؟

مضيت ذات مساء إلى مزاد خيري على المخبوزات في بلدة مجاورة واشتريت بعض الفطائر اللذيذة بشكل غير معتاد. تصادف أن كنت أعرف إحدى السيدات اللاتي يبعن أشياء في المزاد فاتصلت بها في اليوم التالي وسألتها إن كان يمكن أن تعرف لي من طبخت تلك الفطائر فأعرف منها الوصفة. ضحكتْ وضحكتْ. كانت رطبة ولذيذة.
***

جَدَّة

مرةً والجدة مريضة في فراشها وليس معها سواي، أرادت الذهاب إلى الحمام. أمسكت جسمها ذا السبعين رطلا وشرعت أحملها. وحين وصلت إلى الصالة وقعت مني. ما كان مني إلا أن وقفت ورحت أضحك وأضحك. والجدة بكت وبكت. طالما كان بيني وبينها شيء شديد التميز.
***

ليل

يا نهار مضيتَ
يا نهار فعلتها من جديد.
***

الثلاثاء، 30 ديسمبر 1970

كون كينوارد الشخصَ الوحيدَ الذي أستطيع أن أغني أمامه، يعني أنه "الحبيب" هذه الليلة، حتى لو لم يكن.
يا لي من ذكر!
***

نقط بيضاء

نقطي البيضاء تظهر من جديد. آه يا جلدي. كأنما بين الحين والآخر تظهر هذه النقط التي تبدو وكأن شخصا رشَّ مُبَيِّضا فوقي. لها اسم ولكنني لا أتذكره. فكرت أن لها علاقة بالشمس (بالتعرض الكثير) إلى أن حدث قبل خريفين أن ذهبت إلى وسط المدينة لعيادة د. براون من أجل تحليل دموي (تصفيق) وقلت "التعرض الكثير للشمس" فقال "لا أظن". وبعد أن فحصها قال إنها شيء يأتي ويروح. وبما أنها تأتيك، فمن المرجح أنها دائما سوف تأتيك. ثم كتب لي وصفة تبين أنها زجاجة بنية عملاقة فيها شيء يشبه الماء. فكنت أدعك بها النقط مرتين في اليوم (تزيد أو تقل) حسب التعليمات فراحت. لكن بسبب الدواء أم بسبب أنه الموعد الذي تروح فيه لا أعرف. كل ما أعرفه أن سنتين مرتا الآن وهي تأتي وتروح بدون استخدام لأي دواء. لكن في الحقيقة أنا لست مشغولا بها. ولكن أنا لا أزال أعتقد أن لها علاقة بالشمس لأنها حين تظهر بكثرة كل سنة يكون ذلك في نهاية الصيف. (قلت سنتين، لكن الآن حين أفكر أجد أن هذه النقط تظهر منذ ثلاث سنين أو ربما أربع). لكن كما قلت، أنا اعتدت عليها.
وهذا يذكرني بإظفر في قدمي لا أحبه إطلاقا. (سببه ارتداء أحذية رعاة البقر). فقدمي اليمنى، ولأنها أكبر قليلا من ... لا، هذا ممل أكثر مما ينبغي.
***

أشجار

هل توقفت يوما وسألت نفسك كيف كان سيصبح شكل العالم بدون شجر؟ كرة بنية كبيرة لا أكثر.
هل تعرف كم شجرة موجودة في العالم؟ لا أحد يعرف.
أنا لا أحب في هذا العالم شيئا أكثر من الشجر. باستثناء الناس والزهور. (بعض الناس وبعض الزهور). والأشجار ليست كلها مثالية أيضا، بطبيعة الحال.
***

فان جوخ

ـ من فان جوخ؟
ـ فان جوخ رسام شهير لوحاته مليئة بالاهتياج والألوان الساطعة.
ـ ربما تكون أشهر لوحات فان جوخ هي "الليل الحافل بالنجوم" وهي منظر طبيعي مليئ بالاهتياج والألوان الساطعة.
ـ هناك جوانب عديدة في فان جوخ الإنسان.
ـ حينما وقع فان جوخ في حب فتاة لم تبادله الحب قطع أذنه وقدمها هدية لها. ليس من الصعب تصور رد فعلها.
ـ قد يكون تصوير فان جوخ لساعي بريد أحمر اللحية أحد أكثر اللوحات حسية لساعي بريد.
ـ من المثير أن نلاحظ أن فان جوخ نفسه كانت له لحية حمراء.
ـ حينما كان فان جوخ على قيد الحياة لم يكن أحد معجبا بلوحاته إلا أخوه ثيو. اليوم تتوافد الناس لرؤية معارضه.
ـ مرة قال فان جوخ عن نفسه "إن في داخلي شيئا ... ماذا يكون؟"
***

قصة قصيرة

قبل عشر سنوات تركت البيت لأذهب إلى المدينة فأضرب ضربتي. لكن الشيء الوحيد الذي ضرب ضربته هو الساعة التي ضربةً بعد ضربةٍ أجهزت على حياتي.
***

1970

1970 سنة جيدة
ولو لم يكن لسبب
إلا لمجرد أنني
ضقت فيها من الشكوى
***

سيرة ذاتية

ولدت في تولسا، بأوكلاهوما سنة 1942.
لا، لم يحدث. ولدت في سَالْم بأركانسو سنة 1942. مع ذلك دائما أقول إنني ولدت في تولسا. لأننا انتقلنا إليها وعمري لم يزل شهور قليلة. فهنالك نشأت. في تولسا بأوكلاهوما.
أشياء كثيرة حدث بين آنذاك والآن، لكنني، اليوم، أشعر بطريقة ما بعدم رغبة في الكتابة عنها. لا تبدو مثيرة بالقدر الكافي. وهي أيضا معقدة جدا.
المهم أنني رسام وكاتب. مثلي. مظهري غير مطمئن. وأحب أن أسعد الناس جدا. أعمل بمنتهى الجدية. أبيع نصف عمري من أجل حب مجنون. (حسن، ربعه). وأنا متفائل بالنسبة للغد. (متفائل فيما يتعلق بنفسي لا بالعالم). أنا مجنون بالناس. ليس الذين في منتهى الذكاء. بل الأذكياء وحسب. أريد الكثير الكثير. وأكثر ما أريده أن أنفتح. وأنا أحاول.  
***
عندما كنت طفلا
عندما كنت طفلا كانت رغبتي الأساسية في الحياة هي أن أكبر وأخرج وأجعل كل الناس مثلي.
***

الآن
الآن خرجت وأنا كبير و"كبير" هذه تعني أي شيء (ولا تعني الكثير) ولا أزال أحاول أن أجعل كل الناس مثلي. الفارق الوحيد أنني الآن أعرف أفضل.
***

لماذا أنا رسام
من أسباب كوني رساما أنني لست نجم سينما.
***

غرور
إذا أردتم الحق، أنا لست مغرورا بقدر ما ينبغي أن أكون مغرورا.
***
خوفي الأكبر
خوفي الأكبر هو أن أصحو ذات صباح فإذا بي لم أعد أحب نفسي.
***
الساعة الرابعة
حينما تقترب الساعة الرابعة وليست لدي خطط للمساء أبدأ في التوتر.
***

حينما أترك قميصي مفتوحا
منذ سنوات كثيرة مضت. أخطأ جو لوسيور وقال لي إن بطني بشعة.
***

خجل
لو كان خجل المرء عادة، فهي عادة يصعب العثور على بديل لها.
***

بشع في الرحيل
أقول "حسن، أظن ينبغي الآن أن أذهب" ثم لا يحدث أي شيء.
***
الفن
الفن بالنسبة لي هو كأن تكون ماشيا مع أحد في شارع وتقول "ألا تحب هذه العمارة؟" (أيضا.)
***
حالتي الآن
ظريف، ولا أتذكر أن لي علاقة بما جعلني على هذا.
***
الحياة
عندما يطرق أحد بابك، فإن لديك خيارين، أن تفتح الباب أو لا تفتح الباب. أما إذا أصر الطارق على الدخول بالقوة ... حسن، هذه أيضا هي الحياة.
***
حديقة الحيوانات

شيء مؤسف جدا وقع في حديقة الحيوانات. جودي، والدة بيل، تعبت جدا، وماتت.
***
لو كنت الرب
لو كنت الرب
الذي هناك في السماء
يطل علينا
أظن
ما كنت لأصدق
أنني الذي فعلت كل هذا.
***
الدنيا صغيرة
كنت أعمل في محطة شاحنات. قدمني أخي لصديق له. هذا الصديق قال "أنا لي أخ في البحرية". قلت "حاجة لطيفة خالص" ومضيت أكمل شغلي. وبعد شهور عديدة أخو صديق أخي (الذي كان في البحرية) دخل يشتري همبرجر. قال "أنا خرجت حالا من البحرية. ولي أخ صديقه له أخت تعمل في محطة شاحنات. معقول تكونين أنت هي؟"
***

ولا قصة

أرجو أن تكونوا استمعتم بعدم قراءة هذه القصة بقدر ما استمتعت أنا بعدم كتابتها


نشرت هذه المختارات صباح اليوم الثلاثاء 9 يوليو 2013 في ملحق شرفات