الاثنين، 8 يوليو، 2013

من ينقذ مصر؟



من ينقذ مصر؟


مارينا أوتاواي

لدى المصريين في هذه الأيام ما يكفيهم إزعاجا، والحق أنهم لا يتوانون عن إظهار انزعاجهم. فلقد حلت الذكرى السنوية الأولى لتولي الرئيس المصري محمد مرسي مقاليد الحكم، وحلت معها تظاهرات كبرى وتظاهرات مضادة مما يثير المخاوف بتجدد العنف السياسي. ومن وراء كل هذا الغضب تكمن حقيقة أساسية: هي أن الاقتصاد المصري يعاني مشكلة عميقة.
منذ أن أطيح بالرئيس السابق حسني مبارك في عام 2011، تناقصت عوائد الدولة تناقصا حادا. قطاع الأعمال راكد، والاستثمارات جفت بسبب انتظار المستثمرين المحليين والأجانب إلى حين يتبدد الضباب السياسي المخيم. وفي الوقت نفسه، يتزايد الإنفاق الحكومي، وهو ما يرجع جزئيا إلى رفع رواتب العاملين في الحكومة منذ الثورة في محاولة لتهدئة الاضطراب. غير أن الأهم من ذلك هو أن تكلفة دعم أسعار الغذاء، وأهم منه دعم أسعار الطاقة، لا تزال ترتفع مع ارتفاع أسعار النفط في السوق العالمية في حين يبقى السعر بالنسبة للمستهلك المصري ثابتا على ما كان عليه من قبل. يرتفع دعم الطاقة اليوم إلى ما يربو على 16 بليون دولار في السنة تضاف إليها أربعة بلايين دولار لدعم الغذاء.
عندما تمر بلد بمثل هذه الضائقة الرهيبة، فإنها تلتفت في العادة إلى صندوق النقد الدولي طلبا للمساندة، وتقبل بالإصلاحات المؤلمة، بل والخطرة من الناحية السياسية، لتضمن الحصول على قرض هي في أمس الاحتياج إليه. ولكن بعد سنتين من المفاوضات، التي بدأت مع أول حكومة انتقالية في مرحلة ما بعد مبارك وفي ظل تولي المجلس الأعلى للقوات المسلحة مقاليد الحكم، لم تتوصل مصر بعد إلى اتفاقية مع صندوق النقد الدولي. والمحادثات الآن متوقفة إلى ما بعد الانتخابات البرلمانية التي سوف تجرى في مصر في وقت ما من خريف العام الحالي ما لم يكن في عام 2014. في الأثناء نفسها، تناقصت الاحتياطيات المصرية من العملة الصعبة من 36 بليون دولار قبل الثورة إلى 16 بليون دولار في مايو 2013، بعد أن كانت انخفضت إلى 13.4 بليون دولار في مارس. وفي مايو أيضا، انخفض المعدل الائتماني طويل المدى لـ ستاندرد آند بور من التصنيف B إلى التصنيف CCC+  ووصل عجز الميزانية إلى ما يزيد على 11 في المائة من إجمالي الناتج الوطني، ارتفاعا من 8.3 في المائة قبل الثورة.
هناك عوامل كثيرة تفسر فشل المفاوضات بين مصر وصندوق النقد الدولي. أحدها يتمثل في العزة الوطنية التي لعبت ولا شك دورا كبيرا. ففي يونيو من عام 2011، وبعد توصل الجانبين إلى مسودة اتفاق على قرض بقيمة ثلاثة بلايين دولار على مدار اثني عشر شهرا يستلزم من مصر إجراء بعض الإصلاحات الاقتصادية الملحة، تراجعت الحكومة التي كانت في ذلك الوقت تحت قيادة المجلس الأعلى للقوات المسلحة. حيث أعلنت القيادة أن مصر ليست بحاجة إلى قرض من الأساس وأنها سوف تسعى إلى إجراء إصلاحاتها النابعة منها بدلا من تلك المفروضة من قبل صندوق النقد الدولي. أي أن العزة الوطنية في هذه الحالة، غلبت الحاجة الاقتصادية.
كذلك كان الخوف من عواقب الإصلاح رادعا فاعلا، خاصة وأنه لم تحظ حكومة منذ 2011 بالكثير من الشرعية. لقد رأى كثير من المصريين حكومات متعاقبة تتشكل في ظل قيادة المجلس الأعلى للقوات المسلحة واعتبروها ملوثة بالعسكرية ومؤقتة في كل الحالات. وعلى الرغم من نزاهة الانتخابات التي جاءت بمرسي إلى السلطة، فإن شرعيته (وشرعية حكومته كلها) تتعرض للتحدي كل يوم تقريبا من المعارضة. فلا عجب إذن أنه لم تتوفر الرغبة الكافية لدى أية حكومة لإجراء الإصلاحات. حتى مبارك، الذي كان لديه الكثير من الثقة في دوام سلطته، لم يجرؤ يوما على إدخال الإصلاحات اللازمة على  دعم الغذاء والطاقة غير القابل للاستمرار وغير القائم على التمييز.
لعب الخليج
مهما تكن الأسباب الدقيقة التي دفعت حكومات مصر المتعاقبة إلى رفض التوقيع على اتفاقية مع صندوق النقد الدولي، فإن سلوكها هذا لم يكن ممكنا لولا الدعم السخي من دول في المنطقة، لا سيما دول الخليج الثرية بالنفط والغاز.
لقد قدمت قطر من جانبها لمصر خمسة بلايين دولار بعد انتخاب مرسي في يونيو 2012. جاء بعضها على هيئة إيداعات مباشرة في البنك المركزي، والباقي على هيئة قروض منخفضة الفائدة. وتعهدت الإمارة الصغيرة بثلاثة بلايين دولار إضافية في ابريل 2013 تم تقديمها على هيئة قرض منخفض الفائدة في الشهر التالي. وأعلنت المملكة العربية السعودية عن حزمة معونة بمقدار أربعة بلايين دولار في منتصف 2011  دفعت منها حتى ديسمبر 2012 قرابة 1.75 بليون دولار أغلبها على هيئة إيداعات مباشرة. ويفترض دفع البقية على هيئة قروض للمشاريع التنموية وتمويلات للمشاريع المتوسطة والصغيرة.
في الوقت نفسه، أعلنت تركيا عن قرض بقيمة بليوني دولار في سبتمبر 2012، وبحلول نهاية ذلك العام كان نصف ذلك القرض قد تم إيداعه في البنك المركزي المصري، مع تخصيص البقية لتمويل المشاريع التنموية. كما تعهدت الإمارات العربية المتحدة في مطلع 2011 بمعونة لمصر تقدر بثلاثة بلايين دولار، لكن حتى يونيو 2013  لم يتم تسليم أي جزء من هذه المعونة. ويتعهد مسئولون في الإمارات بالوفاء بهذا الوعد لكنهم يقولون أنه لا بد من وقت لكي يتم الوفاء به "على النحو الصحيح". وأخيرا، حتى ليبيا المنكوبة بالحرب، والثرية بالنفط أيضا، فتحت جيوبها. فأعلنت في ابريل 2012 عن قرض ببليوني دولار بلا فائدة وسلمته لمصر فورا.
على الرغم من التفاوت الواسع بين التعهدات والمدفوعات الفعلية، تلقت مصر ما يقارب عشرة بلايين دولار حتى تاريخه، وذلك أكثر مما ستحصل عليه من صندوق النقد الدولي ومن المانحين الغربيين الذين ينتظرون تقدم صندوق النقد ليتبعوه. فالاتحاد الأوربي على سبيل المثال تعهد بمجرد 900 مليون دولار يدفعها بعد أن توقع مصر اتفاقية صندوق النقد. في الوقت نفسه يهدد كونجرس الولايات المتحدة بتعليق حزمة المعونة الاقتصادية المتواضعة البالغة 250 مليون دولار التي تعهد لمصر بها (أما المعونة العسكرية الأضخم البالغة 1.3 بليون دولار فتم تقديمها في هدوء في مايو بعد أن أقر وزير الخارجية "جون كيري" أنها سوف تساعد في حماية مصالح الولايات المتحدة).
قبول المعونات من دول الخليج وليبيا وتركيا له ميزتان أساسيتان بالنسبة لمصر. أولا، أن بعض هذه النقود أودعت بالفعل إيداعا مباشرا، وهو إجراء ما كان صندوق النقد الدولي ليفكر فيه مجرد التفكير، ولكنه إجراء يتيح للبنك المركزي المصري أن يدعم احتياطياته المتناقصة بصورة فورية. ثانيا، ليس من هذه المعونات الإقليمية ما يوجب على الحكومة المصرية تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية الصعبة. ولكن هناك تكاليف سياسية: فمصر ـ التي لا تزال ترى نفسها الأهم والأكثر تأثير في العالم العربي ـ باتت في عهدة منتجي النفط الأثرياء.
يقال إنه ليس في مصلحة مصر على المدى البعيد أن ترجئ هذه الإصلاحات. ولكن من الواضح أن الحكومة الضعيفة قد قبلت بهذه المعونات من جيرانها لتسنح لها فرصة إرجاء الإصلاحات. ولقد كان قرار مصر بوقف السعي إلى قرض صندوق النقد بعد شهر من إعلان المملكة العربية السعودية عن حزمة معونات بأربعة بلايين دولار  ووصول القسط الأول منها بعد وقت قصير من الإعلان. وفي نهاية 2012 وقعت سلسلة مشابهة من الأحداث. ففي سبتمبر، أعلنت تركيا عن قرض ببليوني دولار، وفي ديسمبر، سلمت السعودية وقطر المزيد من النقود. وبعد ذلك بوقت قصير، أوقفت مصر المحادثات مع صندوق النقد مرة أخرى. ثم استئنفت المفاوضات لتتوقف مرة أخرى في ابريل عندما أرسلت ليبيا بليوني دولار وأعلنت قطر عن ثلاثة بلايين دولار إضافية.
انتهى صندوق النقد؟
مقدرة مصر على اجتناب إنهاء أي اتفاقية مع صندوق النقد الدولي قد تكون بشيرا بما هو قادم. فالمؤسسات المالية الدولية تواجه ـ في كثير من مناطق العالم ـ منافسة متزايدة من مانحين جدد.
لطالما كانت المعونات الثنائية [من بلد لبلد بصورة مباشرة] ملمحا مهما من ملامح النظام الدولي ومصدر نفوذ للدول القادرة على تقديم هذه المعونات. ولكن حتى وقت قريب، كان القدر الأكبر من مانحي المعونات الثنائية يتمثل في الدول الغربية المنتمية إلى منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية. وهذه الدول تتسق تماما مع صندوق النقد الدولي والمؤسسة الشقيقة له، أي البنك الدولي، فيما تتبنى من أهداف سياسية ونهج في التعامل مع التنمية الاقتصادية ـ لا سيما تركيزها على الديمقراطية.
ولكن دولا كثيرة باتت قادرة الآن على تقديم المعونات الثنائية. بل لقد اتسع النطاق اتساعا ملفتا، ليحتوى دولا ضخمة ـ كدول بريك BRIC  ـ ذات الاقتصادات سريعة النمو القادرة على تحويلها إلى قوى مسيطرة في المستقبل. كما يحتوي النطاق دولا أخرى ـ مثل قطر ـ بالغة الصغر بما يجعل من المستحيل عليها أن تصبح قوة عالمية أبدا ولكنها أوتيت من الموارد الطبيعية ما يوفر بين يديها قدرا استثنائيا من المال اليسير.
ومثلما يتبين من الحالة المصرية، فإن هذه الدول قادرة على أن تقدم البلايين من المعونات الاقتصادية الثنائية في الوقت الذي تكدح فيه الولايات المتحدة فلا تكاد توفر أي شيء يذكر. كما أن بوسعها بمجرد نزوة، أن تعلن عن حزمة معونات يحتاج صندوق النقد الدولي شهورا من التفاوض على مثلها.
وذلك يتعارض مع الأهداف الأساسية للمؤسسات المالية الدولية على مدار العقدين الماضيين. فصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ودول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية ـ لا سيما منذ ثمانينيات القرن الماضي ـ يحاولون توفيق مناهجهم في الدعم وفي القواعد التي يفرضونها على متلقي الدعم، سعيا منهم جميعا إلى ترويج السياسات الاقتصادية الرامية إلى التنمية. وفي تسعينيات القرن الماضي، بدا أن المهمة أوشكت على الاكتمال حين ساد ما عرف بتوافق واشنطن الذي انحاز للإصلاحات الموالية للسوق. كان التوافق الحقيقي لا يزال لم يتحقق والأفكار المتعلقة بالسياسات المعينة التي ينبغي على الدول المتلقية أن تنفذها تتغير بوتيرة غير مريحة. ولكن المانحين كانوا على أقل تقدير يسعون إلى التنسيق فيما بين جهودهم. ولا يزال المانحون القدامى يعملون على هذا المنوال. أما المانحون الجدد فلهم  قواعدهم وأجنداتهم الجديدة.
من الواضح أن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية والمؤسسات المالية الدولية لم تعد تحتكر دعم الدول المأزومة. ولكن هذه المؤسسات لم تمت بالضرورة. فليست جميع الدول قادرة على اجتذاب المانحين الجدد، وليس جميع الدول المأزومة مستعدا للاستدانة من لاعبين إقليميين. فلقد تنافس على مساعدة مصر عدد أكبر بكثير من الدول التي أرادت مساعدة تونس على سبيل المثال. (وقد تفاوضت تونس مع صندوق النقد الدولي وحصلت منه فعلا على تمويلات). وبرغم أن المغرب ينظر إلى دول الخليج بوصفها مصدرا للاستثمار، فإنه يتلقى معونات من صندوق النقد الدولي للمساعدة في استقرار الاقتصاد. وأهم من ذلك، أن صندوق النقد والبنك الدوليين أقدر بالتأكيد من المانحين الجدد على تقديم الدعم والنصح الفنيين التي تحتاجها الدول النامين أشد الاحتياج.
لا شك أن كثيرا من الدول المتلقية يرحب بتنويعة المانحين الجدد، بعدما بغضوا طويلا شروط المعونة الصارمة. ولكن عندما تواجه هذه الدول مشكلات نظامية فاضحة ـ من النوع الذي تعرف الدول أن عليها معالجته ـ فإن توفر المعونات الي لا تلزمها بالإصلاح لا يصبح ميزة.
إن مصر بحاجة إلى النظام وإلى الدعم والنصح الفنيين الذي يستطيع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ـ خلافا لدول الخليج ـ تقديمه. ومصر بحاجة أيضا إلى دعم يفوق ما يمكن أن تضمنه المؤسسات الدولية والمانحون التقليديون. وإن التحدي الذي ينتظر الجميع يتمثل ـ على أقل التقديرات  ـ في أن لا يقوض المانحون المختلفون بعضهم البعض، وأن لا ينسحب المانحون الغربيون ظنا منهم أن مصر قد استوفت حاجاتها.
نشر الموضوع أصلا في فورين أفيرز بتاريخ 30/6/2013 ونشرت ترجمته اليوم في جريدة عمان