السبت، 6 أكتوبر 2012

حقائق أفغانستان وأكاذيب الساسة



تصر برلين على أن الوضع في أفغانستان ملائم تماما لانسحاب القوات الألمانية منها بحلول نهاية 2014. ولكن تقريرا سريا أعدته المخابرات الألمانية يرسم صورة شديدة الاختلاف

حقائق أفغانستان وأكاذيب الساسة

يحب الرئيس الأفغاني حامد كرزاي أن يقول للغرب ما يريد الغرب أن يسمعه. يقول "إننا سوف نحارب الفساد بكل عزم. ولسوف نناضل دوما من أجل الوصول إلى الحكم الرشيد".
هذه النوعية من الرسائل تلقى قبولا طيبا في الغرب، لأنها تتوافق مع الصورة الوردية التي يحلو للمسئولين في الغرب يرسموها للرأي العام. ومن هؤلاء المسئولين ـ على سبيل المثال ـ وزير الخارجية الألمانية جيدو فيسترفيل ألذي بات بارعا في هذه اللعبة. حيث صرح مؤخرا بقوله "إننا على طريق القيام بسحب القوات المقاتلة الألمانية والدولية بحلول عام 2014" في الوقت الذي أشار فيه إلى مدى أهمية دمج مقاتلي طالبان في المجتمع الأفغاني.
غير أنه من الواضح لكل المعنيين أن كل ذلك الكلام يفتقر تماما إلى الصحة. فحكومة قرزاي فاسدة حتى النخاع وليس لها هم إلا الحفاظ على السلطة. ومن المرجح أن تكون الحاجة ماسة إلى المزيد من جنود الغرب في أفغانستان بعد 2014 توفيرا للاستقرار. علاوة على أنه ليس ثمة مؤشرات على أن مقاتلي طالبان السابقين سوف يساهمون في إحلال السلام.
وذلك كله يتضح بجلاء تام في تقرير معمق أعدته المخابرات الألمانية. يتألف التقرير من إحدى وعشرين صفحة تحت عنوان "أفغانستان حتى 2014 .. تنبؤات" وقد تم تصنيفه تقريرا "سريا" كإجراء احترازي، وذلك لأن وقائعه التي تم جمعها بعناية لا تتسق مع البيانات التي يتم تقديمها للرأي العام.
في سبتمبر الماضي، تم إرسال نسخ من التقرير إلى المستشارة الألمانية وإلى وزراء الدفاع والداخلية والتنمية. ومن هنالك انتهى التقرير إلى طاولات شخصيات منتقاة من رؤساء الإدارات، وكبار الجنرالات والوزراء أنفسهم. "وبعد إلقاء نظرة على التقرير" ـ حسب ما قال أحد المطلعين عليه ـ "تمنى الكثيرون لو أنهم لم يروا هذه الوثيقة من الأساس".
يتجنب التقرير مناقشة أي سيناريوهات كارثية. ولكنه بدلا من ذلك يقدم سردا معلوماتيا بحتا لمجموعة من المناطق التي يناقض الواقع فيها أمنيات الغرب.
التشبث في الخيال
يبدو مظهر الرئيس الفغاني حامد كرزاي سيئا بصفة خاصة في تقرير المخابرات الألمانية. فالتقرير يقول إن "القابلية للفساد واستغلال النفوذ ومحاباة الأقارب سوف تستمر". كما يزعم التقرير أن جميع الأنشطة التي يقوم بها كرزاي تركز على شي وحد هو "الحفاظ على السلطة" و"الإبقاء على الوضع القائم" لا على الإصلاح أو على محاربة الفساد تنفيذا لوعوده. ويخلص التقرير إلى ترجيح أن يفضل كرزاي تقديم تنازلات للمتمردين عن أن يدففع باتجاه الإصلاح.
أما التأكيدات التي يقدمها كرزاي للغرب فـ "تبقى إعلانات للنوايا" بحسب ما يقول التقرير السري الذي يزعم أيضا أن كرزاي راغب في إعداد شقيقه عبد القيوم ليكون مرشحا في الانتخابات الرئاسية المقررة في 2014، مضيفا أنه قد يكون صاحب أفضل الفرص في الحصول على أصوات البشتون الحاسمة في الجنوب. وفي ظل هذه الخطوة يكون كرزاي ـ بحسب ما ترى المخابرات الألمانية ـ راغبا في تأمين "حماية لمصالح العائلة والحفاظ على السلطة".
حكومة المستشارة ميركل واعية بكل هذا. فلقد تم إرغام وزير التنمية ديرك نايبل على تأجيل مؤتمر كان مقررا عقده في منتصف سبتمبر  حول المواد الخام، وجاء قرار التأجيل في اللحظة الأخيرة. كان الهدف من هذا المؤتمر هو مناقشة القانون الخاص بحماية المستثمرين الأجانب والذي ينتظر إقراره منذ وقت طويل، ويبدو أنه سوف يبقى لوقت أطول في الانتظار.
وبرغم ذلك، تبقى الحكومة متشبثة بقشة الخيال، راجية أن تتحسن الأوضاع مع كرزاي. ولو كان مقدرا أن يتخلى الحلفاء الغربيون عن الرجل الذي اعتمدوا عليه لسنوات، فسيكون ذلك هو الاعتراف الأخير منهم بأنهم فشلوا في أفغانستان.
ولا بد أن تكون المستشارة ميركل ووزراؤها قد اغتموا غما أكيدا بما قرأوه في الفصل المخصص للوضع الأمني في أفغانستان. ولقد حدث الأسبوع الماضي أن تم تسليم آخر تقرير حول هذا الموضوع للجنة الدفاع في البرلمان الألماني (البوندشتاج). فعلى الرغم من أن التقرير يرى أن جهود الولايات المتحدة الهائلة ساهمت في "النيل من قوة طالبان"، تبقى الحقيقة بعيدة عن هذا. فتقرير المخابرات الألمانية يتنبأ بأن يستمر عدد الهجمات التي ينفذها أعضاء في الأمن الأفغاني ضد الجنود الغربيين في الازدياد. ويتنبأ كذلك بأن برنامج إعادة دمج مقاتلي طالبان السابقين الذين أعلنوا توبتهم عن العنف سيكون "غير مؤثر" في عملية السلام.
يعتقد جهاز المخابرات الألمانية أيضا أن جهود الحكومة الأفغانية للحوار مع المتمردين لا تملك أي فرصة للنجاح، مشيرا إلى أن المتمردين لا يرغبون إلا في التفاوض مع الولايات المتحدة لا مع كابول، وأنه ليس من المتوقع أن تؤدي المناقشات السرية الجارية في قطر بين الولايات المتحدة وطالبان إلى إحراز "المزيد من التقدم" حتى نهاية 2014، وهو العام المخطط أن يتم فيه الانسحاب. وفي رأي المخابرات الألمانية أن أيدي الأمريكيين مغللة بسبب الانتخابات الرئاسية، وأن الطالبان يضيعون الوقت لا أكثر حتى يحين الموعد المستهدف لسحب الجنود الأجانب.
توقعات غير واقعية
أما تنبؤات التقرير لما سيكون عليه الحال بعد 2014 فهي الأخرى إشكالية من الناحية السياسية بالنسبة للحكومة الأمانية. فلقدكان وزير الخارجية بالذات قاطعا في تأكيده للرأي العام على أنه لن تبقى في أفغانستان قوات أجنبية مقاتلة بعد 2014
لكن توقعات وزارة الخارجية بعيدة عن الواقعية. فتقرير المخابرات الألمانية يرى أنه من أجل الاستقرار في أفغانستان سوف تكون هناك حاجة إلى نحو خمسة وثلاثين ألفا من الجنود الأجانب ـ أغلبهم مدربون للجيش الأفغاني وقوات مقاتلة مهمتها حماية المدربين، وأكبر عدد ممكن من صفوة المقاتلين لتعقب الإرهابيين. كما أنه عند انتهاء المهمة الحالية للقوات الدولية لدعم الأمن التابعة للناتو، وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة سوف تقدم أغلبية القوات الطازجة، فلسوف يظل منتظرا من بقية دول الناتو أن تقدم قرابة عشرة آلاف جندي.
والتقرير لا يحدد أرلقاما أو أعدادا معينة، لكن لو أرادت برلين أن تظل ثالث أكبر الدول إسهاما في تشكيل القوات العاملة في افغانستان ، فلسوف يكون على المانيا أن تترك في أفغانستان قرابة ألف وخمسمائة جندي في منطقة هندو كوش. ولو تم ذلك فهو يعني أن الانسحاب سوف يقتصر على ثلثي القوات الأمانية البالغ عددها أربعة آلاف وخمسمائة فرد يخدمون في أفغانستان حاليا.
إن المستشارة ميركل ووزيري خارجيتها ودفاعها يريدون ـ بأي ثمن ـ أن يتجنبوا إثارة نقاش عن دور ألمانيا في أفغانستان فيما بعد 2014. ويقول الوزيران إن اتخاذ القرار الخاص بدور الجنود الألمان في أفغانستان فيما بعد 2014  سوف يتم في الوقت المناسب.
وتخشى حكومة ميركل المنتمية إلى يمين الوسط من أن تتحول أفغانستان إلى قضية انتخابية. وهو قلق له ما يبرره، لأن أعضاء الحزب الديمقراطي الاجتماعي ـ وهو الحزب الرئيسي في المعارضة ـ بدأوا بالفعل في إثارة الموضوع. وقد صرح هانز بيتر بارتلز خبير الشئون العسكرية وعضو البرلمان عن الحزب الديمقراطي الاجتماعي أن "وجود جنود ألمان مقاتلين في أفغانستان بعد 2014 أمر لا مجال لمناقشته من الأساس".
ولكن ذلك بالضبط هو ما قد يحدث، بناء على التعليقات التي ترددت يوم الخامس والعشرين من سبتمبر في حفل أقامته شركة راينمنتال Rheinmetall  الألمانية للدفاع والمركبات تحت مسمى "الأمسية البرلمانية". في تلك الأمسية، قال فولكر فايكر، وهو جنرال في الجيش الألماني، في ملاحظة جانبية إن الحكومة الألمانية تفكر تفكيرا جديا في الوضع في أفغانستان. وقال فيكر إنه فيما بعد 2014 يفترض أن يكون هناك تفويض ما "بموجب البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة".
البند السابع الذي لا موضوع له في الحقيقة إلا استخدام القوة.

شارك في كتابة التقرير لصحيفة دير شبيجل الألمانية ماثياس جيباور ـ رالف نويكريتش ـ جوردن ريبنسكي ـ هولجر ستارك