الثلاثاء، 18 أكتوبر 2011

عاش من (شافك) يا ملل


تشارلز سيميك
ترى هل لا يزال الناس يعانون فترات ملل حتى مع وجود الكمبيوترات والهواتف الذكية والكمبيوترات اللوحية التي تحتلهم احتلالا لا نهاية له؟ وطبعا هناك التليفزيون الذي يعمل في بيوت كثير من الأمريكيين أربعا وعشرين ساعة في اليوم، مضيِّقا الدنيا في وجه من يريد الجلوس والتفكير. حتى حانات الأحياء الصغيرة، ملاذ الوحيد المتأمل، باتت فيها اليوم تليفزيونات ضخمة تتنقل ما بين الرياضة والثرثرة سارقة الوحيد من نفسه ومن أفكاره. لا يكاد الطلبة اليوم يخرجون من قاعات المحاضرات، حتى تدب الروح بين أيديهم في أجهزة المحمول والآي بود، مطالبة إياهم بتركيزهم الكامل، سالبة إياهم كل الاستلاب مما يحيط بهم. أتخيل روميو وجولييت، وكيف أنهما كانا ليتبادلا الرسائل النصية وهما يتجولان في أنحاء فيرونا، وإن كان يصعب علي تخيل هاملت وهو ينصح أوفليا في رسالة نصية بدخول الدير.
تلك، وأفكار أخرى، خطرت لي وأنا جالس في بيت معتم لمدة ثلاثة أيام تلت إعصار إيرين. الحياة بلا إضاءة كهربائية أو مياه جارية أمر غير غريب على أمثالنا ممن يسكنون في الريف على مقربة من طرق تصطف على جوانبها الأشجار. إذ تكاد كل عاصفة مطرية أو ثلجية كبيرة تقطع الخطوط التي لا تمثل لشركات الطاقة ـ نظرا لقلة عدد السكان ـ أولوية تستحق التعجيل بالإصلاح. هكذا نعتمد على مصابيح الزيت، بل والشموع في أكثر الأحيان، فإذا بجلساتنا حول موائد العشاء أشبه بجلسات استحضار الأرواح. نجلس مطأطئين رءوسنا كأنما نناديها، في حين أننا نناضل عسانا نرى ما في أطباقنا. ولما كنا نعجز بين الحين والآخر عن استخدام التكنولجيا لفترات مؤقتة، فقد صرنا نعتمد على أنفسنا في أن نعرف من بعضنا البعض أخبار العالم، فنتواصل ونقضي الوقت. غير أن جيراني ما فتئوا يقولون إن "الليالي مملة جدا". ولم يكن حال أيامنا أفضل كثيرا، بالسماء الملبدة بالغيوم حتى لتصعب القراءة داخل البيوت في  بعض الأحيان. كل ذلك ذكرني بأيام شبابي، حينما كانت أسرتي ـ شأن كثير من الأسر ـ تعيش عزلة رهبانية كلما يسوء الطقس، خاصة وأننا لم نكن نمتلك جهاز تليفزيون. فلم يكن في الكنيسة، بل في أيام الخريف المعتمة وليالي الشتاء الباردة، أن عرفت لمحة عما يقصدونه حينما يتكلمون عن الأبدية. كان الجميع يهربون من الملل إلى القراءة. كان لي أصحاب مدمنو كتب، حتى آمن آباؤهم أن مصيرهم الجنون من فرط ما يجري في عقولهم من قصص وأفكار غريبة جريان الحمى.
وكانت السكنى في حي هادئ تزيد الأمر سوءا، فالعجائز كانوا يحملقون من الشبابيك في كل ساعة، ما لم يكونوا مشغولين بالحملقة في الجدران. كان هناك المذياع، ولكن المتعة التي يوفرها كانت مقصورة على الكبار وحدهم، باستثناء برنامج أو بضعة برامج قليلة. كان الملل يحصد أرواح الآلاف في تلك البيوت. وكان من ينجون منه ينضمون إلى البحرية، أو يتزوجون، أو ينتقلون إلى كاليفورنيا. ومع ذلك كله، فإنني أنظر الآن إلى ذلك الماضي، فأرى كم أنا مدين لمللي. فالغرق فيه كان يجعلني وجها لوجه أمام ذاتي، كأنما تطل علي من مرآة. صرت مشاهدا لوجودي نفسه، فيبهتني تارة بواقعيته المحضة، وتارة بلاواقعيته المحضة. أتذكر يوما تيقنت فيه تمام اليقين بأن الزمن توقف، برغم دقات الساعة الصاخبة في غرفتي. سكن كل شيء. بعد سنوات، وأنا أسير في متحف، تذكرت تلك اللحظة التي مرت بي في غرفتي، تذكرتها وأنا أمر بتماثيل لآلهة يونانية ومصرية. كانت تنظر لي بمثل ما شعرت به في غرفتي القديمة من ملل.
لا أتذكر من الذي قال إن المرء يشعر بالملل في الجنة لا في النار. فكرت حينها كم هو صحيح هذا القول. أتذكر أنني كنت أسكن شقة في أواخر خمسينيات القرن الماضي. كانت العمارة تبلغ من الصخب حد أن المرء لا يمكن أن يشعر بالملل ولو للحظة. ففي أي ساعة من اليوم تقريبا، كان يمكن للمرء أن يسمع محطات إذاعية مختلفة مفتوحة في الوقت نفسه، وخناقات أزواج وزوجات، وأمهات تصرخن في أطفال، ورضّعا يبكون، وسكارى يلعنون على السلالم، وسكانا يثرثرون ويضحكون في الشرفات. كان لكل امرئ شكواه من شيء أو من شخص. في الجامعة كان زملائي ينظرون إلى الإنسانية نظرة مثالية. أمّا جيراني لم يكونوا كذلك إطلاقا. كان لكل واحد منهم رأي سلبي في جميع سكان الحي بلا استثناء تقريبا. مرة سألتني العجوز التي كنت أستأجر منها غرفتي: ماذا تدرس؟ فقلت لها: التاريخ. سألتني: تاريخ من؟ قلت: تاريخ أوربا. قالت بعين عارفة: أيوة أيوة، الملوك والقساوسة، والشعوب المسحوبة من أنوفها، الزبالة مكتملة. لم أدر بماذا أرد. برغم رؤيتها السوداوية للأرستقراطية، كانت تطعمني كأمير. الحقيقة أن المرء كان بمجرد أن يدخل عمارتنا، يواجه بالعديد من المطابخ العرقية تتنافس على أنفه بروائحها القاتلة، فيستحيل عليه ـ برغم إحباطات الشباب النمطية ـ أن يرثى لحاله طويلا.
وبفضل الإعصار وساعات العتمة المفروضة علي، وجدت نفسي، شأن أصدقاء كثيرين، في نوع من لقاءات لم الشمل، لا مع بعضنا البعض، بل مع الملل. وجدنا أنفسنا بغتة أمام إدراك لا لبس فيه لحقيقة أننا محض دمى بين أيدي هذه الآلة أو تلك مما نتوهم أننا نشغّلها. ومع تراخي الخيوط في الوقت الراهن، لا يبقى لنا من أمر أنفسنا إلا أن نهوي في كسل إلى مقعد، ورءوسنا متدلية على صدورنا، وشفاهنا ملتوية في ابتسامات ثابتة، بينما إيرين يعيث في الأفنية، منزلا ضرباته بالأشجار، كأنه شرطة مكافحة الشغب، فندرك من ذلك أي قدر ضئيل من الاحترام تكنه لنا إيرين على المستوى الشخصي، ولكل شيء فعلناه ونفعله منذ سنين لنضفي على بيوتنا مزيدا من الجاذبية.

نشر المقال في 31 أغسطس 2011 في مدونة نيويورك رفيو أوف بوكس
ونشرت الترجمة في شرفات بتاريخ 27 سبتمبر 2011