الثلاثاء، 18 أكتوبر، 2011

أعجزتني الكلمات ... وأنقذتني


فيليب شولتز

كنت تجاوزت منتصف العمر مرتاحا، حينما تبين أن أحد أبنائي ـ وكان في الصف الثاني ـ مصاب بالدسلكسيا. لم تكن عندي أدنى فكرة عن ذلك المرض، لكنني أدركت على الفور أن تلك الأعراض هي التي ظهرت عليَّ أنا حينما كنت في عمره، ولكنني كنت أبعد ما أكون عن فقدان الإيمان بنفسي.
كان عليَّ أن أعيد الصف الثالث ولكن في مدرسة جديدة، بعدما طلب مني أن أترك المدرسة القديمة التي ضربت فيها الأولاد حينما سخروا من غبائي الواضح، ووضعت في فصل البلداء. وحتى في ذلك الفصل، كنت من ثلاثة معزولين عن زملائنا، جالسين إلى منضدة في ركن الغرفة. وذات يوم، جاءت المدرسة، التي كانت نادرا ما توجه إلينا أي كلام ما دام أكثر ما تقوم بتدريسه كان يتجاوز مستويات ذكائنا، المهم أنها جاءت في ذلك اليوم فوضعت أمامنا كتبا، وهمست لنا "تظاهروا أنكم تقرءون". كان الناظر سيمر.
لم يكن ذلك أغرب ما يمكن أن يأتي على لسان مدرّسة، نظرا لقلة ما كان معروفا في خمسينيات القرن الماضي عن مصاعب التعلم، ونظرا لنوعية التعليم البائسة التي يمكن أن تكون تلقتها مدرسة تعمل في أفقر أحياء روتشستر. هكذا بدا طلبها معقولا في نظري. لم أكن أعرف كيف أربط حذائي، لم أكن أعرف الساعة، لم أكن أعرف اليمين من الشمال، أو كيف أغني مع اللحن أو أردد الكلمات. وليتني كنت لا أجيد القراءة وحسب، بل وغالبا لم أكن أسمع أو أفهم ما يقال لي ـ فعندما يحين الوقت الذي أكون فيه انتهيت من معالجة بداية أول جملة، تكون المدرسة قد انتقلت منها إلى الثانية أو حتى الثالثة. وحينما كنت أجد ما يمكنني أن أقوله، كنت أعجز عن إيجاد الكلمات التي أقوله بها، وحتى لو استطعت، فإنني كنت أنسى أن أنطقها.
بدا وضعي آنذاك ميئوسا منه، لم أكن أعرف شيئا عن صعوبات التعليم، وعن كونها منقطعة العلاقة كليا بمستوى الذكاء. فكان منطقيا للغاية أن يطلب مني التظاهر بأنني أقل غباء مما كنت أتصور أنني عليه. لم تؤلمني تلك اللحظة إلا بعدما صارت ذكرى تستعاد.
لذلك لم تدهشني الأخبار التي نقلت في الصيف الماضي عن أن الأبحاث تثبت يوما بعد يوم أن الدسلكسيا لا ترتبط فقط بالقراءة، بل بطريقة المخ في معالجة اللغة المنطوقة. استطعت أن أتجاوز الدسلكسيا بطرق عديدة، ولكنني لا أزال أجد مشقة في تحويل الكلمات إلى أصوات. ولا يزال علي أن أستظهر وأتدرب مرارا قبل أن اقرأ أي شيء بصوت مرتفع، لأجنب نفسي حرج الخطأ في نطق الكلمات. ولأن تعلم لغة أجنبية هو عذاب أليم لكل مصاب بالدسلكسيا (وإن يكن أمرا لازما في كثير من المدارس)، فلم أزل إلى اليوم عاجزا عن حضور أي فعالية  في المعبد دون أن ينتابني الشعور بأنني لست من هؤلاء الناس، لأنني لا أتكلم العبرية ولأنني لا بد أن أتظاهر بمطالعة الكتاب الذي يكون بين يدي.
ولما تعلمت القراءة أخيرا، لم يكن للمدرسين فضل يذكر في هذا. كنت في الحادية عشرة، وكان المدرسون المعينون لي في المدرسة قد يئسوا مني تمام اليأس. كانت أمي تقرأ لي الشيء الوحيد الذي كان يمكن أن أستمع إليه ـ حكايات "بلاكهوك" المصورة. كان تقرؤها لي مرارا ومرارا، على أمل أن يأتي يوم يحدث فيه بفعل وثبة إيمانية أو صدفة ما أن أتعرف على الحروف ثم أتعلم كيفية ترتيبها في كلمات وجمل، ثم تبدأ العملية الحدسية ـ السحرية في الغالب، عملية تحويل اللغة المكتوبة إلى لغة منطوقة.
وذات ليلة، وأنا مستلق في الفراش بينما تقرأ لي أمي، أدركت أنني لو كان مقدرا لي تعلم القراءة في يوم ما، فلن يكون ذلك إلا بأن أعلم نفسي بنفسي. بدا وكأن القمر الساطع من شباك غرفتي ـ فيما أتذكر ـ مهتم لأمري، بدا أنه يشجعني على طريقته. تراه هو الآخر كان بليدا؟ لم أدر. تمنيت لو كنت طفلا غيري، طفلا من سني قادرا على النطق بالكلمات والقراءة والكتابة مثل أي طفل آخر ممن كنت أعرفهم.
أردت لنفسي أن تكون ذلك الطفل. اخترعت شخصية طفل يجيد القراءة والكتابة. وابتداء من تلك الليلة، كنت أستلقي في السرير صامتا، مقلدا الكلمات التي كانت تقرؤها أمي، متخيلا طعم كل صوت وثقله وملمسه كما لو كان طالعا من فمي أنا. تخيلت نفسي قادرا على نطق الكلمات من خلال وضعي الحروف في وحدات صوتية إيقاعية والكلمات في جمل ذات معنى.
تخيلت الكلمات وأصواتها مفتاحا، به أفتح بابا خفيا إلى عالما كان من قبل محرما علي.
وفجأة صرت أقرأ. لم أدر وقتها أنني أدخل علاقة غرامية بطول العمر كله، علاقة غرامية مع ضمير المتكلم، مع صوته، وأني سوف أنفق أغلب حياتي أخترع شخصيات تقول كل ما أريد قوله من أشياء. لم أدر أنني سوف أكون شاعرا، وأن الشيء الذي أبدع طرائق وطرائق في إرباكي وإحباطي وأوهن العلاقة بيني وبين الكلمات، هو نفسه الشيء الذي غرس في نفسي تقديرا عميقا للغة وموسيقاها، وأن العقل الذي حالي بيني وبين القراءة قد اخترع طريقة جديدة للقراءة، اخترع منهجا أستخدمه الآن لتعليم الآخرين كيفية التغلب على صعوباتهم ليتمكنوا من الكتابة الإبداعية. (ربما لا يكون مدهشا ما يقال عن كون كثير من الكتاب المشاهير قد عانوا من الدسلكسيا، ومن هؤلاء سكوت فتزجيرالد، ودبليو بي ييتس).
نعرف الآن أن الدسلكسيا أكثر بكثير من مجرد الخلط بين الحروف، وأن كثيرا من المصابين بالدسلكسيا يجدون صعوبة في الإحساس بالإيقاع والتفعيلة وفي استرجاع الكلمات، وأنهم يعانون من أجل التعرف على الأصوات. وإنني أتمنى من كل قلبي أن تستخدم مدارسنا هذه النتائج في تحسين طرق التدريس للأطفال الذين يعانون صعوبة في القراءة، لمساعدتهم في التغلب على محدودية قدراتهم، ومساعدتهم في فهم أنهم غير مذنبين في أي شيء، أو ملومين على شيء.
وأنا طفل، كنا نعرف أقل بكثير مما نعرف الآن. ثم إن كل ما كنت أريده وأحتاج إليه، بعد أن تعلمت بشق الأنفس القراءة ثم الكتابة، هو أن أجد طريقة أكون بها أقل وحدة. وذلك بطبيعة الحال هو غاية ما نريده من اللغة، منطوقة كانت أم مكتوبة.
ولكن الشعر ينبغي أن يكون مسألة هوى، لا مسألة حياة أو موت.
*شاعر أمريكي فاز بجائزة بولتزر في الشعر وصدر له مؤخرا كتابه " My Dyslexia " ومنه هذا المقتطف
نشرت الترجمة في شرفات بتاريخ 27 سبتمبر 2011