الثلاثاء، 18 أكتوبر، 2011

دفاتركم ... دفاتركم


تشارلز سيميك
يوما بعد يوم تتوارى عادة الكتابة بالقلم أو القلم الرصاص على الورق، حتى لدى أولئك الذين تعلموا قواعد فن الخط الصارمة في المدرسة، أو الذين ربما لم يمض يوم عليهم دون أن يدونوا بأيديهم رقم هاتف أو قائمة أطعمة تشترى من السوق وهم راجعون إلى البيت، والذين كانوا لمثل هذه الأغراض يحملون معهم طوال الوقت ما يكتبون به وما بكتبون عليه، والذين كانوا في حالات الطوارئ قد يقتربون من غريب لا يعرفونه ولا يعرفهم فيطلبوا منه المساعدة إن هم لم يجدوا معهم قلما أو دفترا.
حدث على سبيل المثال ذات صباح بارد من يناير أن اقتربت من امرأة أنيقة الثياب في منتصف العمر كانت واقفة تدخن خارج مبنى في ماديسن أفنيو وهي ترتعد من البرد فسألتها عما إذا كان معها قلم يمكنني أن أستخدمه. فلم تر أن طلبي هذا غريب، بل لقد أسعدها أن تساعدني. وبعد أن استلت لي من حقيبتها قلم رصاص لم يكن يزيد طوله عن عود ثقاب، أخرجت أنا دفترا صغيرا كنت أحمله في جيبي، ولأنني لا أثق في ذاكرتي، دونت أبياتا قليلة من الشعر كانت تتردد في ذهني على مدار الساعة السابقة وأنا أتجول في الشوارع. لعل هذه المرأة اليوم ـ حينما تقف وقفتها تلك ـ تحملق في الآيفون أو البلاكبيري وهي تنفث الدخان، فلا يجول بخاطر عابر أن يطلب منها قلم رصاص.
نوع الدفاتر الذي أتكلم عنه لا يزال متاحا إلى اليوم في متاجر الأدوات المكتبة (النوع المغلف بغلاف يسمونه الـ مولسكين والمتاح في مختلف القياسات والألوان)، ولذلك فلا بد أن هناك من لا يزال ينقش فيها، اللهم إلا لو كانت تباع فقط بدافع من النوستالجيا ثم تبقى بدون استخدام خاصة وقد أصبح لها من المنافسين الكثير. لا شك أن بوسع المرء استخدام الهاتف الذاكي كمساعد للذاكرة، بل إنني أنا نفسي أستخدم التليفون لهذا الغرض. ولكنني لا أرى هذه الهواتف مستودعات لطيفة لما هو أكثر تعقيدا من أن أذكر نفسي بإحضار بنطلون من التنظيف أو حجز موعد عند طبيب القطط. أما لو كان لدى المرء دافع إلى تدوين فكرة كاملة، فإن دفترا أنيقا هو الأنسب بالقطع. بل إن قطعة ورق وقلم رصاص قصيرا أفضل للتأمل من كتابة نفس الكلمات بالنقر على الحرف بعد الحرف، إذ هي كتابة أكثر وعيا وأكثر تشجيعا على تنقيح الفكرة وتفصيلها.
الدفاتر أيضا مفيدة للغاية في نسخ أو تلخيص شيء ما يكون المرء قد قرأه. لقد كنت أستعرض المكتبة ذات يوم، ففتحت كتابا وجدت فيه فقرة عن فرنسا في أربعينيات القرن الثامن عشر لشارل فورييه، الفيلسوف الفرنسي الطوباوي، يتكلم فيها عن فساد المعاملات الاقتصادية، وعن ما تحفل به الحياة الأسرية من ملل وخداع، وعن المصاعب التي يواجهها صغار المزارعين، وبؤس حياة الفقراء في المدن الكبرى، وعن الجشع والشرور السافرة، وما يتعرض له العباقرة من إهمال، عن معاناة الأطفال والعجائز، وغباوة الحرب، وآليات القهر المجتمعية المتنكرة في زي القانون، وعن أخلاقيات المدنية وفوائدها. قلت لنفسي يا إلهي. كل شيء كما هو لم يتغير منذ أن قاله ذلك الرجل قبل مائة وثمانين عاما. ولم يكن أمامي إلا أن أدون الفقرة، لكي أثبت لأصحابي أن شيئا لم يتغير.
لا مفر لكل من يستعرض دفترا من هذه الدفاتر ـ حتى أصحابها أنفسهم ـ بعد مضي سنوات على كتابتها أو شهور، من أن تصيبهم الدهشة أو الحرج من جراء بعض ما كتب فيها، من أشياء كان نسيها (من قبيل وجبة عظيمة في مطعم حدث أن جشم نفسه عناء تدوين جميع أصناف الطعام التي كانت تتكون منها)، أو أن يبتهج لفقرة مذهلة لا يعرف ـ بسبب غياب علامات الترقيم ـ هل ينسبها لنفسه أم لشخص آخر أكثر مهارة منه، أو أكثر ظرفا، أو أكثر دقة، لعله كان يقرأ له شيئا في تلك الفترة.
من الذي طرح هذا السؤال: هل نسبة الأغبياء في العالم الآن أكبر من نسبتهم في عصور البشرية السابقة؟ من الذي وصف كتابا بأنه كلاسيكي شهواني؟ من الذي قال: إن عمانا هو الذي يمنعنا عن رؤية جنوننا؟ من الذي لاحظ أن القردة كلها تبدو حزينة؟ من تكلم عن اللغة بوصفها سجنا للشعر؟ من الذي قال إن الولايات المتحدة امبراطورية تبحث عن مقبرة؟ من الذي وصف شخصا بأنه كاتب مرثيات العذاب؟ من شبه نظامنا السياسي بالماخور الذي يسير فيه الساسة المنتخبون عراة أمام جمهور من الجنرالات والوعاظ الأصوليين ورجال البنوك؟ من قال إن العين تعرف أشياء لا يعرف الفم كيف يقولها؟
لا أعرف. أعرف فقط أن بعض هذه الأشياء لا تخصني. أم لعلها تخصني؟ لا يمكن أن تؤرقني نسبتها، خاصة وأن لدي كثيرا من الدفاتر الأخرى المليئة بأشباه هذه الأقوال مجهولة المصدر، خاصة وأنني لا أزال أملأ دفاتر جديدة، ليلا ونهارا، حتى وأنا أتناول الطعام في مطعم فجأة أصبح نادلوه في غاية المودة والتفاني وقد تصوروا أنني ناقد طعام يعمل بجدية فظلوا يتوافدون على مائدتي بأطيب ما تخصصوا فيه.
أتمنى من كل قلبي أن تكون كل هذه الدفاتر التي أراها كل يوم في متاجر بيع الأدوات المكتبية، ومتاجر البطاقات، ومتاجر الكتب، لا تزال تحقق للناس مثل هذه الأغراض. تصوروا فقط، لو أن لديكم مثل هذه الدفاتر، أن أحفادكم سيستطيعون أن يقرأوا درركم، وجواهر حكمتكم بعد خمسين سنة من الآن، وهو ما قد يكون في غاية الصعوبة لو أنكم قررتم أن تحصروا هذه الأفكار جميعا في الهاتف الذكي الذي اشتريتموه بالأمس.

مدونة ذي نيويورك رفيو أوف بوكس
نشرت في شرفات اليوم 18 أكتوبر 2011