الثلاثاء، 9 أكتوبر، 2012

يوميات بول أوستر الشتوية



يوميات شتوية
بول أوستر


تحسب أنه لن يحدث لك أبدا، أنه لا يمكن أن يحدث لك، أنك الوحيد في العالم الذي لن يحدث له قط شيء من هذه الأشياء، ثم رويدا رويدا، تأخذ كلها في الحدوث لك، وبمثل الطريقة التي حدثت بها لكل شخص سواك.
قدماك حافيتان على الأرض الباردة وأنت تقفز خارجا من السرير وتمشي إلى الشباك. عمرك ست سنين، والجليد يسقط في الخارج، وغصون الشجر تبيضّ في الفناء الخلفي.
تكلم الآن قبل أن يفوت الأوان، وارج من بعد ذلك أن تواصل الكلام إلى حين لا يبقى لديك ما يقال. الزمان يتبدد، في نهاية المطاف. ربما عليك أيضا أن تنحي جميع قصصك الآن وتحاول أن تتبين إحساس أن تكون قد عشت بداخل هذا الجسد منذ أول يوم تتذكره وحتى يومك هذا. كتالوج البيانات الحسية. أو ما يكمن للمرء أن يطلق عليه فينومينولوجيا التنفس.
عمرك الآن عشر سنين، وهواء منتصف الصيف دافئ، دافئ وطاغ، وفيه من الرطوبة ما يزعجك في جلستك في ظل شجرة بالفناء الداخلي بل ويجعل العرق يتقاطر على جبهتك.
الحقيقة التي لا تقبل الشك هي أنك لم تعد صغيرا. في غضون شهر من الآن سوف تبلغ الرابعة والستين، وبرغم أن ذلك ليس بالشيخوخة الطاعنة، وبرغم أن أحدا لا يمكن أن يعده عمرا متقدما، لا تملك أن تكفَّ عن التفكير في جميع من لم يتمكنوا قط من الوصول إلى المدى الذي وصلت أنت إليه. هذا مثال واحد على الأشياء العديدة التي ما كان يمكن أن تحدث لكنها في واقع الأمر تحدث.
الريح في وجهك أثناء عاصفة الأسبوع الماضي. عضة البرد الرهيبة وأنت هناك بالخارج في الشوارع الخاوية لا تعرف ما الذي حملك على الخروج من البيت في هذه العاصفة القارسة، ومع ذلك، وبينما أنت تناضل كي لا تفقد توازنك، كان هناك ابتهاج بالريح، واستمتاع برؤية الشوارع الأليفة غائمة وسط دوامات الثلج الأبيض.
المتع الجسدية والآلام الجسدية. والمتع الجنسية أولا وقبل كل شيء، ولكن متع الطعام والشراب أيضا، الاستلقاء عاريا في حمام دافئ، الهرش، العطس والضراط، قضاء ساعة إضافية في السرير، الشخوص إلى الشمس في أصيل لطيف في أواخر الربيع أو مطلع الصيف والإحساس بالدفء يسترخي على جلدك. ولمرات لا أول لها ولا آخر، لم يكن يوم يمر بدون لحظة أو لحظات من المتعة الجسدية، ومع ذلك تبقى الآلام أشد إلحاحا وعنادا، وفي هذا الوقت أو ذاك يكاد كل جزء من أجزاء جسمك يكون قد تعرض لهذا الهجوم أو ذاك. العينان والأذنان، الرأس والرقبة، الكتفان والظهر، الذراعان والساقان، الحلق والمعدة، الكاحلان والقدمان، ناهيك عن الغليان الرهيب الذي انفجر ذات مرة من الكفل الأيسر في مؤخرتك فسماه الطبيب "ورما" وكان وقع ذلك على أذنيك وكأنه مرض من أمراض القرون الوسطى حل بك فمنعك من الجلوس في مقعد طوال أسبوع.
قرب جسمك الصغير من الأرض، جسمك الذي كان لك حينما كنت أنت في الثالثة أو الرابعة من العمر، أعني بذلك، قصر المسافة ما بين قدميك ورأسك، وكيف أن الأشياء التي لم تعد تلاحظها كانت لها ذات يوم حضور دائم وقدرة دائما على الاستيلاء عليك: تلك الدنيا الصغيرة، دنيا النمل والعملات الضائعة، والغصينات الساقطة وأغطية الزجاجات المنبعجة، والبرسيم والهندبا البرية. لكن النمل بالذات. النمل أوضح ما تتذكره. جيوش النمل الداخلة تلالها الملساء الخارجة منها.
أنت في الخامسة، منحن على عش نمل في الفناء الخلفي، تدرس في انتباه كامل دخول أصدقائك من سداسيي الأرجل وخروجهم. ومن دون أن تسمعه أو تراه، يتسلل من ورائك جارك ذو السنوات الثلاث فيضربك على رأسك بلعبة على شكل شوكة الحديقة. تخترق الشوكة فروة رأسك، ويتدفق الدم في شعرك وعلى رقبتك، وتصرخ داخلا البيت فتهتم جدتك بجرحك.
كلمات جدتك لأمك "كان يمكن أن يكون أبوك شخصا رائعا، فقط لو كان مختلفا".
في صباح اليوم، تصحو في عتمة فجر ينايري آخر، على نور رمادي كاب ينسل إلى غرفة النوم، وثمة وجه زوجتك مواجه وجهك، عيناها مغمضتان، لا تزال في نوم عميق، والغطاء مرفوع حتى عنقها، وليس ظاهرا منها إلا رأسها، وتذهل أنت كم هي جميلة، وشابة، إلى الآن بعد ثلاثين عاما من أول مرة نمت معها، بعد ثلاثين عاما من حياتكما معا تحت سقف واحد ونومكما معا في سرير واحد.

ينهمر اليوم مزيد من الثلج، وفيما تخرج من سريك وتمشي إلى الشباك، ترى غصون شجرة الحديقة الخلفية تبيضّ. أنت في الثالثة والستين. يخطر لك أنه نادرا ما مرت عليك لحظة منذ صباك وحتى اليوم دون أن تكون في حالة حب. ثلاثون عاما من الزواج، نعم، ولكن في الثلاثين عاما السابقة عليها: كم فتنة ووجعا، كم انفعالا ومطاردة، كم اضطرابا وفورة مجنونة من الرغبة؟ منذ البداية الأولى لحياتك الواعية، كنت بإرادتك عبدا لإيروس. البنات اللاتي أحببتهن صبيا، النساء اللاتي أحببتهن رجلا، كل منهن مختلفة عن الأخريات، البضة والنحيفة، القصيرة والطويلة، دودة الكتب ودودة الملعب، المزاجية والمنطلقة، البيضاء والسمراء والآسيوية، لم يبد شيء مما على السطح ذا بال لديك، لم يكن يعنيك إلا النور الداخلي إن استشعرته في واحدة، شراراة الذات المنفردة، وهج الشخصية إذ يتبدى لك، ذلك النور هو الذي كان يحلّيها في عينيك، وإن عميت عن الجمال الذي تراه أنت أعين الآخرين، ثم إنك كنت تتحرق لأن تكون معها، لتنال القرب منها، ذلك أن الجمال الأنثوي شيء لم تقو يوما على مقاومته. كل ذلك الطريق الطويل رجوعا إلى أيامك الأولى في المدرسة، في الروضة حيث وقعت في غرام الفتاة ذات ذيل الحصان الطويل الأشقر، وكم كانت مس ساندكويست تعاقبك على التسلل مع فتاتك الصغيرة والانزواء معها في ركن ما لتفعلا قلة الأدب، لكن تلك العقوبات لم تكن تعني لك أي شيء، فقد كنت تحب، ووقتها كنت أحمق إذ تحب، كما أنك أحمق الآن إذ تحب.
قائمة ندوبك، لا سيما الندوب التي في وجهك؛ فهي تواجهك صباحا حينما تقف أمام مرآة الحمام لتحلق ذقنك أو لتصفف شعرك. أنت نادرا ما تفكر فيها، ولكنك كلما فكرت فيها، فهمت أنها علامات حياتك، أن الخطوط المشرشرة المنمقة المحفورة في جلد وجهك هي حروف الأبجدية السرية التي تقول من أنت، فكل ندبة هي أثر جرح ملتئم، وكل جرح هو ثمرة صدام غير منتظر مع  العالم، أعني حادثة، أو واقعة كان ينبغي ألا تقع، ما دامت الحادثة تعريفا هي الشيء الذي لا ينبغي أن يحدث. حقائق محتملة في مقابل حقائق أكيدة، وإدراكك وأنت تنظر إلى المرآة هذا الصباح بأن  حياتك كلها محتملة، اللهم إلا الحقيقة الأكيدة الوحيدة بأن مآلها إن عاجلا أو آجلا إلى النهاية.
عمرك ثلاث سنوات ونصف، وأمك الحبلى البالغة من العمر خمسا وعشرين سنة تصطحبك معها في رحلة التسوق إلى متجر كبير في وسط المدينة بنيوارك. معها كذلك صاحبة لها، هي الأخرى أم لطفل عمره ثلاث سنوات ونصف. عند لحظة معينة، تنفصل أنت ورفيقك عن والدتيكما وتأخذان في الجري داخل المتجر، وهو مكان مفتوح هائل، لا شك أنه أكبر غرفة وضعت قدمك فيها، وثمة نشوة تسري فيك إذ يتسنى لك الجري في مكان مغلق بهذه الضخامة. وفي النهاية، تأخذ أنت والصبي تزحفان ببطنيكما على الأرض وتتزلقان على الأرضية الملساء، تتزلجان دونما مزاليج، ويتبين أن هذه اللعبة في غاية الإمتاع، تبعث لذة كأنها النشوة، فتزدادان طيشا وتهورا، واندفاعا، واجتراء على ما تحاولان فعله. وتصلان في داخل المتجر إلى منطقة يجري فيها أعمال بناء أو إصلاحات، ودون أن تكلف خاطرك وتنتبه إلى ما قد يكون أمامك من عقبات، تمضي في زحفك البطني على الأرض وتبحر على السطح شبه الزجاجي إلى أن تجد نفسك مسرعا باتجاه منضدة نجار خشبية. وبالتواءة بسيطة بجسمك الصغير تظن أنك قد تتفادى الاصطدام بساق المنضدة المقبلة باتجاهك، ولكن ما لا تدركه في الجزء من الثانية الذي تغير فيه مسارك هو أن في ساق المنضدة مسمارا ناتئا، مسمارا منخفضا بما يكفي ليكون عند مستوى وجهك، وقبل أن يتسنى لك إيقاف نفسك، يكون خدك الشمال قد ثقبه المسمار وأنت طائر بجواره. نصف وجهك يتمزق. بعد ستين عاما لم تبق لديك ذكريات للحادثة. تتذكر الجري والتزلق على البطن، لكنك لا تتذكر شيئا عن الألم، لا شيء عن الدم، ولا شيء عن نقلك بسرعة إلى المستشفى أو الطبيب الذي خاط لك جرح خدك. كان عمله عبقريا، هكذا بقيت أمك تقول دائما وهي التي لم تفارقها قط صدمة رؤيتها أول فرحتها ممزق الوجه، فكانت تحكي دائما عن آلية ما في خياطة مزدوجة دقيقة للجرح نجحت في الوصول إلى الحد الأدنى من الضرر وحمتك من أن تكون مشوه الوجه طوال ما بقي من حياتك. وتقول كان يمكن أن تضيع عينك، وتزيد من الدراماتيكية فتقول، أو حتى تموت. وما من شك في أنها كانت على حق. لقد ظلت الندبة تتلاشى وتتلاشى مع توالي السنين، ولكنها لا تزال موجودة لمن ينظر إليها، فيرى علامة الحظ السعيد (عين لم تمس، وموت لم يحدث) يصاحبك حتى المقبرة.
ندبتا الحاجب، واحدة إلى اليسار والأخر إلى اليمين، بينهما سيمترية شبه متطابقة، الأولى بسبب الجري في حالة ميل كامل ثم الاصطدام في جدار أثناء مباراة في حصة الرياضة في المدرسة الابتدائية (العين المسودة المتورمة التي ظللت أياما تتباهى بها، والتي كانت تذكرك بصورة للملاكم جين فولمر الذي هزم في الجولة لأخيرة أمام شوجر راي روبنسن في نفس الوقت تقريبا) والثانية كانت في مطلع العشرينيات وأنت تجري لتوجيه تسديدة ثنائية أثناء مباراة لكرة السلة في ملعب مفتوح، عندما دفعك أحدهم من الوراء فطرت لترطم بالعمود الحديدي الذي يحمل السلة. ندبة أخرى على ذقنك، والسبب مجهول. أغلب الظن أن تكون بسبب وقعة في الطفولة، على رصيف أو على حجر شج لحم ذقنك وترك العلامة التي لا تزال واضحة لك وأنت تحلق ذقنك في الصباح. ليست لهذه الندبة قصة تصاحبها، أمك لم تحك شيئا عنها (أو أنك لا تتذكر ذلك على الأقل)، وتراها غريبة، ما لم تكن محيرة فعلا، أن يكون هذا الخط الدائم المنحوت في وجهك قد خطته يد خفية وأن جسدك نفسه كان ساحة لأحداث طمست طمسا من التاريخ.

لوحة "روح 76" للرسام الأمريكي أركيبولد ماكني


إنه يونيو من عام 1959. أنت في الثانية عشرة من العمر، وفي غضون أسبوع سوف تتخرج أنت وزملاؤك في الصف السادس من مدرسة النحو التي تحضرون فيها منذ أن كنتم في الخامسة. إنه يوم رائع، الربيع في أواخره، وفي أبهى حضوره، نور الشمس ينصب من سماء زرقاء لا غيوم فيها، دافئا وليس حارا، والرطوبة أدنى ما تكون، ونسمة خفيفة تحرك الهواء وتتماوج فوق الوجه والرقبة والذراعين العاريين. لا يكاد اليوم الدراسي ينتهي، حتى تسرع أنت وعصابة من أصحابك بالذهاب إلى حديقة جروف بارك للعب مباراة بيسبول. جروف بارك ليست حديقة بقدر ما هي منطقة خضرة قروية، هي مستطيل كبير مكسو بالعشب المقصوص بعناية والمحاط من جوانبه الأربعة بالبيوت، وهو مكان جميل، بل واحد من أجمل الأماكن العامة في بلدتك الصغيرة نيوجيرزي، وغالبا ما تذهب أنت وزملاؤك في المدرسة إليه لتلعبوا البيسبول بعد انتهاء اليوم الدراسي، فالبيسبول أكثر ما تحبونه كلكم، وتلعبون بالساعات دون أن ينال منكم التعب. لا وجود للكبار. أنتم تضعون قواعدكم الميدانية وتسوون خلافاتكم بين أنفسكم، بالكلمات في أغلب الحالات، وباللكمات بين الحين والآخر. وبعد ما يزيد على خمسين عاما، لا تتذكر شيئا قط عن مباراة ذلك اليوم، ولكن ما تتذكره حقا هو ما أعقبها: المباراة انتهت، وأنت واقف وحدك في منتصف الملعب، تلعب دونما رفيق لعبة الاتقاط، أي أنك تلقي الكرة عاليا في الهواء وتتابعها في ارتفاعها ودنوها إلى أن تحط في قفازك، وفي تلك اللحظة تعود على الفور فتلقي بالكرة مجددا في الهواء، وكل مرة تلقيها فيها تعلو أكثر من سابقتها، وبعد رميات عديدة تصل إلى ارتفاعات غير مسبوقة، والكرة تحلق الآن في الهواء ثواني كثيرة، ترتفع الكرة البيضاء على خلفية من زرقة السماء، الكرة البيضاء تهبط صوب قفازك، وأنت بكل كيانك مستغرق في هذه اللعبة الحمقاء، بتركيز كامل، بلا وجود لشيء إلا الكرة والسماء والقفاز، أي أن وجهك مرفوع إلى أعلى، وأنك ناظر إلى أعلى متابعا منحنى الكرة، ومن ثم فأنت لم تعد على دراية بما يجري على الأرض، وما يجري على الأرض هو أن شخصا أو شيئا يأتي على غير توقع فيصطدم فيك، فيكون الأثر مفاجئا للغاية، وعنيفا للغاية، وطاغي القوة فتسقط على الأرض، شاعرا وكأنما صدمتك شاحنة. قوة الصدمة تركزت في رأسك، في جبهتك على وجه التحديد، ولكن جذعك تأذى هو الآخر، وفيما أنت مطروح على الأرض تلتقط أنفاسك، يبهتك وأنت في حالة قريبة من اللاوعي أن ترى الدم يتدفق من جبينك، لا بل يتفجر فتخلع التيشيرت الأبيض وتضعه على الجرح المتفجر بالدم، وفي غضون ثوان يتحول بياض التيشيرت إلى احمرار. ينتبه بقية الصبية. يسرعون إليك ليفعلوا ما يمكنهم أن يفعلوه لك، وحينئذ فقط تعرف ما الذي جرى بالضبط. يبدو أن واحدا من أفراد عصابتك، هو "بي تي" قوي البنيان، طيب القلب (الذي تذكر اسمه ولكنك لن تفشيه هنا لئلا تعرضه للحرج إن كان لا يزال على قيد الحياة) أعجبته رمياتك الشاهقة المحلقة فخطر له أن يشارك في اللعبة، ودون أن يكلف خاطره عناء إخبارك بأنه سوف يحاول هو الآخر التقاط كرتك، بدأ يجري باتجاه الكرة الهابطة، ورأسه بطبيعة الحال مرفوعة إلى أعلى، مفتوح الشدقين أيضا كعادته الخرقاء (أي شخص هذا الذي يجري مفتوح الفم؟) فلما اصطدم بك بعد لحظة، وهو يجري بأسرع ما يستطيع، انغرست السنَّة البارزة من فمه في رأسك. وذلك هو السبب في تدفق الدم منك، وذلك هو السبب في الندبة الغائرة فوق عينك اليسرى.
لحسن الحظ كانت عيادة طبيب عائلتك قريبة، في أحد البيوت المحيطة بجروف بارك. يقرر الصبية أن يأخذوك إلى العيادة فورا، فتعبر الملعب ممسكا التيشيرت الدامي على رأسك بصحبة أصدقائك، لعلهم كانوا أربعة، أو لعلهم ستة، لم تعد تتذكر، وتغيرون على عيادة "دكتور كون". (لم تنس اسمه، مثلما لم تنس اسم مدرستك في الحضانة مس ساندكويست، أو أسماء أي من أساتذتك الآخرين في صباك). تقول موظفة الاستقبال لك ولأصدقائك إن دكتور كون معه حالة الآن، وقبل أن تقوم من مقعدها لتخبر الطبيب بأن هناك حالة طارئة، تكون أنت وأصدقاؤك قد اقتحمتم غرفة الكشف دون أن تطرقوا بابها. تجدون دكتور كون يتكلم مع امرأة ريانة الجسم في منتصف العمر ليس عليها إلا حاملة الصدر والكيلوت. تصرخ المرأة مندهشة، ولكن دكتور كون لا يكاد يرى الدم المتدفق من رأسك حتى يطلب من المرأة أن تلبس وتخرج، ويطلب من أصدقائك الانصراف، ثم يسرع إلى مهمة خياطة جرحك. عملية مؤلمة، نظرا لأن الوقت لا يسمح بإعطائك المخدر، وتبذل أقصى جهدك لكي لا تصرخ وهو يخيط الغرز في جلدك. لعل العمل الذي قام به ليس في براعة ما قام به الطبيب الذي خاط لك جرح خدك في عام 1950، ولكنه كان كافيا وفعالا، بما أنك لم تنزف حتى الموت، ولم تبق لك في رأسك حفرة. وبعد بضعة أيام، تشارك أنت وزملاؤك في حفل التخرج من مدرسة النحو، ويقع عليك الاختيار لتكون حامل الراية، مما يعني أن تحمل العلم الأمريكي وتمشي به في ممر بطول القاعة إلى أن تثبته في منصة على خشبة المسرح. رأسك ملفوفة في ضمادة من الشاش الأبيض، ولأن الدم بقي ينزف بين الحين والآخر من جرحك برغم خياطته، فقد كانت في الضمادة البيضاء بقعة كبيرة حمراء. تقول لك أمك بعد الحفل إن منظرك وأنت حامل العلم وماشٍ به في الممر ذكرها بلوحة لبطل جريح من أبطال الحرب الثورية. تقول لك، عارف، مثل روح 76 بالضبط.

نشرت هذه المادة صباح اليوم التاسع من أكتوبر 2012 في ملحق شرفات بجريدة عمان وهي من كتاب حديث الصدور لأوستر