الاثنين، 30 مايو 2011

هل هذا العالم كبير على الفشل؟



نعوم تشومسكي

كانت انتفاضة الديمقراطية في العالم العربي تجليا رائعا لما تتحلى به القوى الشعبية من شجاعة وتفان والتزام، وكان من حسن الطالع أن تزامنت تلك الانتفاضة مع انتفاضة ملفتة قام بها عشرات الآلاف مناصرةً للعمال والديمقراطية في ماديسُن بولاية وِسكنسن ومدن أمريكية أخرى. ولئن كان منحنيا الثورة في القاهرة وماديسن قد تقاطعا، فلقد كان كل منهما يتخذ وجهة مضادة لوجهة الآخر؛ ففي القاهرة كان منحنى الثورة يتجه إلى نيل الحقوق الأساسية التي أنكرتها الدكتاتورية، وفي ماديسن كان المنحنى يتجه صوب الدفاع عن حقوق اكتسبت فعلا عبر نضالات طويلة وعصيبة ثم إذا بها الآن عرضة لهجمات عنيفة.
الجائزة الكبرى
كلا الانتفاضتين تمثلان تجسيدين مصغرين لنزعات في المجتمع العالمي، باتباعهما مسارين مختلفين. هناك بالتأكيد عواقب بعيدة المدى لما يجري حاليا في القلب الصناعي المتفسخ لأثرى وأقوى دولة في تاريخ الإنسانية، ولما يجري الآن في منطقة قال الرئيس دوايت أيزنهاور إنها "المنطقة الأهم في العالم من الناحية الاستراتيجية" وإنها "المعين الهائل للقوة الاستراتيجية" وإنها "الجائزة الاقتصادية الأضخم في العالم في مجال الاستثمار الأجنبي". وهي ـ بتعبير وزارة الخارجية الأمريكية في أربعينيات القرن العشرين ـ الجائزة التي عقدت الولايات المتحدة العزم على الاحتفاظ بها لنفسها ولحلفائها في النظام العالمي الجديد الذي كانت أوراقه تتكشف في تلك الأيام. وبرغم كل التغييرات التي جرت منذ ذلك الحين، فإن أسبابا شديدة الوجاهة تجعلنا نفترض أن صناع السياسة اليوم لا يزالون يتقيدون بنصيحة آيه آيه بيرلي A.A. Berle  المستشار المؤثر للرئيس روزفلت الذي رأى أن السيطرة على احتيطيات الطاقة في الشرق الأوسط ـ وهي الاحتياطايات التي لا نظير لها ـ سوف تفضي إلى "سيطرة ملموسة على العالم". وبالتالي، فإن من شأن فقدان السيطرة عليها أن يهدد مشروع السيطرة الكوكبية الذي تحددت ملامحه بوضوح أثناء الحرب العالمية الثانية، والذي دام على الرغم من مواجهته تغيرات أساسية في العالم منذ ذلك الحين.
المنطقة العظمى
منذ مستهل الحرب سنة 1939، استشرفت الولايات المتحدة أنها لن تنتهي إلا والولايات المتحدة في موضع القوة الغالبة، فكان مسئولون رفيعو المستوى في الخارجية الأمريكية وخبراء في السياسة الخارجية يلتقون أثناء الحرب ليضعوا خططا لمرحلة ما بعد الحرب. وقاموا بتحديد "منطقة عظمى Grand Area "تسيطر عليها الولايات المتحدة، وتضم نصف الكرة الأرضي الغربي، والشرق الأقصى، والإمبراطورية البريطانية السابقة، بموارد الطاقة التابعة لها في الشرق الأوسط. وفي حين كانت روسيا قد بدأت تطحن جيوش النازي من بعد معركة ستالنجراد، توسعت أهداف المنطقة العظمى لتشمل أكبر قدر ممكن من أوراسيا، ولو قلبها الاقتصادي في أوربا الغربية على الأقل. كان على الولايات المتحدة أن تحظى في داخل المنطقة العظمى بـ "قوة لا جدال فيها" و"سيادة عسكرية واقتصادية" في حين تضمن "تحديد أي ممارست سيادية" تقوم بها دول قد تتدخل في خططها الكوكبية. وسرعان ما انتهت تلك الخطط الموضوعة في فترة الحرب إلى التطبيق.
حدود تدخل الناتو
كان هناك تقدير دائم بأن أوربا قد تختار أن تسلك طريقا مستقلا. فكان من أهداف الناتو مواجهة هذا التهديد. وبمجرد أن انتفى الشرط الذي أدى إلى تكوين الناتو في عام 1989، حتى توسع الناتو في الشرق خارقا بذلك تعهدات لفظية قطعت للزعيم السوفييتي ميخائيل جورباتشوف. وأصبح الناتو منذ ذلك الحين قوة تدخل أمريكية تتحرك في نطاق كبير حدده السكرتير العام للناتو الجنرال جاب دو هوب شيفر حيث قال في أحد مؤتمرات الناتو إن "على قوات الناتو أن تحرس الأنابيب التي تنقل النفط والغاز إلى الغرب" وأن تحمي بصفة أشد عمومية الطرق البحرية التي تسلكها الحاويات وغير ذلك مما يتعلق بنظام الطاقة من "بنى أساسية حساسة".
من الواضح أن عقيدة المنطقة العظمى ترخّص التدخل العسكري بلا قيود. وتلك النتيجة أوضحتها تماما إدارة كلينتن التي أعلنت أن للولايات المتحدة حق استخدام القوة العسكرية لضمان "الوصول السلس إلى الأسواق الأساسية، وموارد الطاقة، والموارد الاستراتيجية" وأنها لا بد أن تحتفظ بقوة عسكرية ضخمة  "منتشرة" في أوربا وآسيا "بهدف صياغة آراء الشعوب فينا" و"لصياغة الأحداث التي سوف تترك آثارها على حياتنا وأمننا".
مثل هذه المبادئ هي التي حكمت غزو العراق. ففي الوقت الذي بدأ فيه فشل الولايات المتحدة في فرض إرادتها على العراق يصبح أمرا واضحا للعيان، لم يعد من الممكن إخفاء أسباب الغزو الحقيقية وراء غلالة من الطنطنة البلاغية. في نوفمبر 2007، أصدر البيت الأبيض إعلان مبادئ يطالب بأن تبقى قوات الولايات المتحدة في العراق إلا أجل غير مسمي ويلزم العراق بمنح امتيازات للمستثمرين الأمريكيين. وبعد شهرين من ذلك، أفاد الرئيس بوش الكونجرس أنه سوف يرفض أي تشريع يحدد من انتشار القوات العسكرية الأمريكية الدائم في العراق أو "من سيطرة الولايات المتحدة على مصادر نفط العراق" أو يلزم الولايات المتحدة بالانسحاب على إثر المقاومة العراقية.
لا ديمقراطية للعرب
في تونس ومصر، حظيت الانتفاضاتان الشعبيتان الأخيرتان بانتصارين محققين، ولكن مؤسسة كارنيجي أفادت بأن ما تغير ليس إلا الأسماء، أما النظامان الحاكمان فباقيان، وقالت إن "حدوث تغير في النخب الحاكمة وآليات الحكم لم يزل هدفا بعيد المنال".  ويناقش التقرير العوائق الداخلية التي تعترض طريق الديمقراطية، غير أنه يتجاهل العوائق الخارجية، وهي بدورها مهمة.
من المؤكد أن الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين سيفعلون كل ما بوسعهم ضمانا لعدم قيام ديمقراطية حقيقية في العالم العربي. ولنفهم سبب ذلك لا يلزمنا إلا أن ننظر إلى دراسات الرأي العام العربي التي أجرتها جهات الاستطلاع في الولايات المتحدة. وبرغم أن نتائج هذه الاستطلاعات قليلا ما تعلن، إلا أنها معروفة جيدا لدى المخططين. وهذه التقارير تبين وبأغلبيات ساحقة أن العرب يعتبرون الولايات المتحدة وإسرائيل أكبر خطرين يواجوهنهما: تسعون في المائةمن المصريين و أكثر من خمسة وسبعين في المائة من سكان المنطقة يعتبرون الولايات المتحدة هكذا. في حين أن عشة في المائة فقط هم الذين يعتبرون إيران خطرا. والمعارضة للولايات المتحدة قوية إلى حد أن الأغلبية تعتقد أن الأمن سيزداد استتبابا إن امتلكت إيران أسلحة نووية. ثمانون في المائة من المصريين يرون هذا الرأي. وهناك أرقام أخرى مماثلة. ولو كان للرأي العام أن  يؤثر على السياسة، فلن تكون غاية الأمر أن تعجز الولايات المتحدة عن السيطرة على المنطقة، بل إنها سوف تطرد منها هي وحلفاؤها، الأمر الذي يقوض مبادئ أساسية من مبادء الهيمنة الكوكبية.
يد القوة الخفية
مناصرة الديمقراطية اختصاص أهل الأيديولوجيا والبروباجندا. أما في العالم الحقيقي، فإن مقت النخب للديمقراطية هو العرف. والأدلة على ذلك واضحة وكثيرة، فالديمقراطية لا تلقى من المناصرة إلا بمقدار ما تساهدم في خدمة أهداف اجتماعية واقتصادية، وذلك ما تقر به ـ على كره ـ كل الدراسات الجادة.
ولقد تبين ازدراء النخبة للديمقراطية، وبجلاء، في ردود الأفعال على تسريبات ويكيليكس. فالتسريبات التي حظيت بأكبر قدر من الانتباه، وبتعليقات جذلة كثيرة، هي تلك البرقيات المتعلقة بدعم العرب لموقف الولايات المتحدة من إيران. أما البرقيات التي كانت تشير إلى الطغاة الحاكمين، فتعرضت لتجاهل شبه تام من الرأي العام. وما كان المبدأ الهادي في ذلك التجاهل إلا المبدأ الذي حدده بوضوح مروان معشر خبير شئون الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيجي ـ وأحد كبار المسئولين السابقين في الحكومة الأدردنية ـ بقوله إنه "ليس هناك من خطب. وإن كل شيء تحت السيطرة". اختصارا، إذا كان الطغاة يناصروننا، فماذا عداهم يهم؟
مبدأ معشر منطقي وقوي. ولنذكر مثالا واحدا وثيق الصلة بالحاضر، ففي مناقشات داخلية سنة 1958، أعرب الرئيس أيزنهاور عن قلقه من "حملة الكراهية" المثارة ضدنا في العالم العربي، والتي لا تشنها الحكومات، بل الشعوب. حيث أوضح مجلس الأمن الوطني أن ثمة تصورا في العالم العربي بأن الولايات المتحدة تدعم الطغاة وتعوق الديمقراطية والتنمية لتضمن لنفسها السيطرة على موارد المنطقة. ولا يكتفي مجلس الأمن الوطني بالتأكيد على أن هذا التصور صحيح في جوهره، بل يؤكد على أن هذا ما يجب أن نستمر في القيام به، وذلك هو مبدأ معشر. وذلك أيضا ما أكدته الدراسات التي قام البنتاجون بإجرائها بعد أحداث 11/9.
من الطبيعي أن يلقي المنتصرون بالتاريخ في سلة القمامة، وأن ينحني المهزومون لالتقاطه من هناك. ولعل من المفيد أن نخرج ببضع ملاحظات وجيزة من هذا الموضوع المهم.
ليس هذه أول مرة تواجه فيها مصر والولايات المتحدة مشكلات متماثلة، فتتحرك كل منهما في اتجاه معاكس للأخرى. فذلك ما حدث في مطلع القرن التاسع عشر.
فرصة مصر الضائعة
يرى مؤرخو الاقتصاد أن مصر كانت في موضع يسمح لها تماما بتنفيذ تنمية اقتصادية سريعة في نفس الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة في مثل ذلك الوضع. كانت لدى الاثنتين زراعات ثرية، من بينها القطن، وهو وقود الثورة الصناعية الأولى، غير أن الولايات المتحدة ـ خلافا لمصر ـ كان عليها أن تطور إنتاج القطن وتؤمن قوة العمل اللازمة له من خلال الغزو، والإبادة الجماعية، والاستعباد، مع ما يستلزمه كل ذلك من عواقب لم تزل واضحة إلى يومنا هذا ممثلة في أماكن احتجاز الناجين وفي السجون التي توسعت منذ يام ريجان لتحتوي السكان الزائدين عن.
الفارق الأساسي هو أن الولايات المتحدة كانت قد نالت استقلالها وباتت حرة فتجاهلت وصفات النظرية الاقتصادية التي كان يقدمها في ذلك الوقت آدم سميث Adam Smith  بطريقة مماثلة للتي توعظ بها الدول النامية اليوم. كان سميث يحث المستعمرات المحررة على إنتاج المنتجات الأولية بهدف التصدير على أن تقوم باستيراد المصنوعات المتطورة من بريطانيا، وأن لا تحاول إطلاقا احتكار السلع الحساسة مثل القطن. وحذر سميث من أن سلوك [المستعمرات] أي طريق آخر سوف يعرقل أي زيادة في مقدار إنتاجها السنوي بدلا من أن يدفعها، وسوف يؤخر البلد في مسيرها نحو الثروة والعظمة بدلا من أن يعمل على تقدمها فيه".
ولكن المستعمرات [الأمريكية] ـ وقد نالت استقلالها ـ وجدت من الحرية ما جعلها تتجاهل نصيحته وتتبع بدلا من ذلك المسار الذي اتبعته إنجلترا، وهو مسار التنمية المستقل الموجّه من الدولة، بفرض تعريفات جمركية عالية لحماية الصناعة المحلية من الصادرات البريطانية، وفي مقدمتها النسيج، ثم الصلب في مرحلة تالية، وغيرهما، وأن تتبنى وسائل أخرى عديدة لتسريع تنميتها الصناعية. كما سعت الجمهورية المستقلة إلى أن تظفر باحتكار القطن بحيث "نضع كل الأمم الأخرى تحت أقدامنا" لا سيما العدو البريطاني، بحسب ما كان الرؤساء الجاكسونيون يقولون عند غزو تكساس ونصف المكسيك.
بالنسبة لمصر، كانت القوة البريطيانية تحول دون اتخاذها سبيل مماثلا. فقد أعلن اللورد بالمرستن Palmerston أنه "لا مجال لأن تقف أفكار الإنصاف [تجاه مصر] في سبيل عظمة [بريطانيا] ومصالحها الدائمة" والحفاظ على سيادتها السياسية والاقتصادية، معربا عن "كراهية" لـ "البربري الجاهل" محمد علي الذي تجاسر وود لو يسلك سبيلا مستقلا، ودعا اللورد بالمرستن إلى أن تنشر بريطانيا أسطولها وقوتها المالية للقضاء على سلوك مصر مسار الاستقلال والتنمية الاقتصادية.
من شابه بريطانيا
بعد الحرب العالمية الثانية، حينما حلت الولايات المتحدة محل بريطانيا كسيدة للعالم، تبنت واشنطن نفس الموقف، معلنة بصراحة أنها لن تقدم مساعادات لمصر ما لم تلتزم بالقواعد المعيارية المحددة للضعفاء، وهي القواعد التي لم تكن الولايات المتحدة تلتزم بها، إذ ظلت تفرض تعريفات جمركية عالية على القطن المصري وتتسبب لها في عجز دولاري مرهق. وما ذلك إلا التفسير المعتاد لمبادئ السوق.
ولا يحق لنا أن نعجب كثيرا من كون "حملة الكراهية" التي أزعجت أيزنهاور كانت قائمة على تصور بأن الولايات المتحدة تدعم الطغاة وتعوق طريق الديمقراطية والتنمية، حالها حال حلفائها.
فإنصافا لآدم سميث، ينبغي لنا أن نضيف أنه أدرك ما الذي يمكن أن يحدث لو أن بريطانيا اتبعت قواعد الاقتصاد السليم، المسمى في زماننا هذا باللبرالية الجديدة neoliberalism. وقد حذر من أنه إذا اتجه المصنعون في بريطانيا والتجار والمستثمرون إلى الخارج، فإنهم قد يربحون، في حين أن إنجلترا سوف تعاني. لكنه كان يشعر أنه ينبغي أن يقودهم انحياز وطني، وكأنما بيد خفية تنجو بريطانيا من أهوال العقلانية الاقتصادية.
إنها فقرة يصعب ألا تلاحظها. فهي الفقرة الوحيدة التي ترد فيها عبارة "اليد الخفية" الشهيرة في كتاب "ثروة الأمم". من جانبه انتهى رائد الاقتصاد الكلاسيكي ديفيد ريكاردو إلى نتائج مماثلة، إذ تمنى أن يفضي الانحياز الوطني بأصحاب الأملاك إلى "الرضا بمعدل الأرباح المتدني في بلدهم، بدلا من السعي إلى مزايا توظيف ثرواتهم في دول أخرى" وهي مشاعر أضاف أنه سوف يشعر بالأسى لو رآها تخبو.
"تهديدات" إيرانية وصينية
يقارن البعض بين انتفاضة العالم العربي الديمقراطية وانتفاضة أوربا الشرقية في عام 1989، ولكنها مقارنة تقوم على أرضية واهية. في عام 1989، لقيت انتفاضة الديمقراطية تسامحا من الروس، ودعما من قوى الغرب يتماشى مع المبدأ المعياري: فقد كانت تلك الانتفاضة تتوافق تماما مع الأهداف الاقتصادية الاستراتيجية، ومن ثم فقد كانت إنجازا نبيلا، وشرفا لا يطاوله شرف، خلافا لكل النضالات التي شهدتها الفترة نفسها "للدفاع عن حقوق الإنسان الساسية" في أمريكا الوسطى على حد تعبير أسقف إلسلفادور المغتال، الذي لم يكن غير ضحية من مئات أو آلاف ضحايا القوات العسكرية المسلحة والمدربة بمساعدة الولايات المتحدة. لم يكن ثمة جورباتشوف في الغرب خلال تلك السنوات الرهيبة، وليس هناك جورباتشوف اليوم. ولا تزال القوى الغربية معادية للديمقراطية  في العالم العربي لأسباب وجيهة.
ذلك أن مبادئ المنطقة العظمى لم تزل تنطبق على الأزمات والمواجهات المعاصرة. وفي دوائر صناعة السياسة الغربية وفي دوائر التعليقات السياسية الغربية أيضا، يعد التهديد الإيراني أكبر خطر على النظام العالمي ومن ثم فلا بد أن يحتل النصيب الأساسي من تركيز السياسة الخارجية الأمريكية ولا بد أن تتبعها أوربا في هذا بأدب.
 ماذا يكون التهديد الإيراني على وجه التحديد؟ الإجابة الرسمية تأتي من البنتاجون والمخابرات الأمريكية. في تقرير صدر العام الماضي حول الأمن العالمي، توضح الجهتان أن التهديد ليس عسكريا. فالإنفاق العسكري الإيراني "منخفض نسبيا لالمقارنة مع بقية المنطقة". وعقيدتها العسكرية "دفاعية ومصممة على إبطاء أي غزو والإرغام على الحلول الدبلوماسية للنزاعات". وليس لإيران إلا "قدرة محدودة على إظهار القوة خارج حدودها". وفيما يتعلق بالخيار النووي فإن "برنامج إيران النووي ونيتها الحفاظ على إمكانية تصنيع سلاح نووي هي جزء أساسي من استراتيجية الردع الإيرانية". وكل تلك مقتطفات دقيقة من التقرير.
لا شك أن النظام الحاكم الديني القاسي يمثل تهديدا على الشعب الإيراني، ولكن من المؤكد أنه ليس مهددا لحلفاء الولايات المتحدة.لكن التهديد يكمن في موضع آخر، وهو نذير شؤم في واقع الأمر. أحد عناصر يتمثل في قدرة الردع الإيرانية المحتملة، وأي ممارسة غير شرعية للسيادة من شأنها أن تتدخل في حرية التحرك والتصرف التي تنعم بها الولايات المتحدة في المنطقة. إن السبب الذي يدعو إيران إلى امتلاك قوة ردع واضح وضوح الشمس، وإن نظرة على القواعد العسكرية والقدرات النووية في المنطقة تغنينا عن التفسير.
لقد كتب المؤرخ العسكري الإسرائيلي مارتن فان كريفيلد Martin van Creveld  قبل سبع سنوات يقول إن "العالم شهد كيف قامت الولايات المتحدة بمهاجمة العراق بدون أية أسباب كما تبين لاحقا. فلو لم يكن الإيرانيون حاولوا تصنيع سلاح نووي، لكانوا مجانين" لا سيما إذا كانوا واقعين تحت تهديد دائم بالهجوم في خرق لميثاق الأمم المتحدة. ويبقى السؤال عما إذا كانوا يقومون بتصنيع سلاح نووي معلقا، لكن ربما يكون هذا ما يفعلونه.
ولكن التهديد الذي تمثله إيران يتجاوز الردع. إنه يتمثل ايضا في السعي إلى توسيع النفوذ على الدول المجاورة مما ينذر ـ وهذا ما تؤكد عليه البنتاجون والمخابرات الأمريكية ـ بعدم استقرار المنطقة (وفقا للاصطلاح التقني المعتمد في السياسة الخارجية الأمريكية). وفي حين أن غزو الولايات المتحدة واحتلالها لدولة مجاورة للعراق يأتي ضمن جهود إحلال الاستقرار في المنطقة، فإن جهود إيران لتوسيع نفوذها على جيرانها يؤدي إلى عدم الاستقرار، فهو غير مشروع، بوضوح تام.
ذلك استخدام روتيني. ونرى أن محلل السياسة الخارجي المرموق جيمس تشيس James Chace  أصاب إذ استخدم مصطلح "الاستقرار" بمعناه التقني حينما أوضح أنه من أجل تحقيق "الاستقرار" في تشيلي، كان لا بد من إحلال "عدم الاستقرار" (من خلال الإطاحة بحكومة سلفادور أليندي المنتخبة ديمقراطيا وإقرار حكم دكتاتوري للجنرال أوجستو بينوشيه).
ومن المثير أيضا أن نتأمل بعض المخاوف الأخرى المتعلقة بإيران، ولكن ربما يكون هذا الذي سبق كافيا لتوضيح المبادئ الإرشادية ووضعها في الثقافة الإمبريالية. فالولايات المتحدة  ـ مثلما أكد مخططو فرانكلين ديلانو روزفلت في فجر النظام العالمي المعاصر ـ لا تستطيع التسامح مع "أي ممارسة للسيادة" تتدخل في مصالحها العالمية.
إن الولايات المتحدة وأوربا تتحدان في معاقبة إيران لما تمثله من تهديد للاستقرار، ولكن من المفيد أن نتذكر كيف أنهما معزولتان. فدول عدم الانحياز تساند بقوة حق إيران في تخصيب اليورانيوم. وفي المنطقة، يؤيد الرأي العام العربي حق إيران في امتلاك سلاح نووي. والقوة الإقليمية الرئيسية ـ أي تركيا ـ صوتت ضد العقوبات الأخيرة التي اقترحتها أمريكا في مجلس الأمن، وبمثل ذلك صوتت البرازيل، تلك الدولة الجنوبية المثيرة للإعجاب. ولقد أسفر موقفهما هذا عن تعرضهما للوم حاد، ولكنه لم يكن اللوم الأول من نوعه: ففي عام 2003 لقيت تركيا إدانة مريرة حينما استجابت حكومتها لرأي 95% من شعبها ورفضت المشاركة في غزو العراق، مظهرة بذلك قبضتها الديمقراطية الواهنة غربية الطراز.
على إثر جريمتها في مجلس الأمن العام الماضي، تلقت تركيا تحذيرا من كبير دبلوماسيي أوباما في الشئون الأوربية وهو فيليب جوردن Philip Gordon بأنها لا بد "أن تظهر التزامها بالمشاركة مع الغرب"، وتساءل باحث في مجلس العلاقات الخارجية "كيف لنا أن نجعل الأتراك يسيرون على الصراط المستقيم؟" مطيعين الأوامر شأنهم شأن الديمقراطيين الأخيار. أما لولا رئيس البرازيل فقد عوتب على صدر الصفحة الأولى من نيويورك تايمز، حيث اعتبرت جهوده المشتركة مع تركيا للتوصل إلى حل لمسألة تخصيب اليورانيوم الإيرانية خارج إطار القوة الأمريكية "بقعةً تلوث شرعية لولا". اختصارا، افعل ما تؤمر به، وإلا.
من المعلومات الجانبية المثيرة، والمسكوت عنها، أن الصفقة الإيرانية التركية البرازيلية كانت مجازة مسبقا من أوباما، الذي أجازها مفترضا ـ على ما يبدو ـ أن مصيرها الفشل، بما يوفر سلاحا أيديولوجيا ضد إيران. وحينما نجحت، إذا بالإجازة تصبح توبيخا.
نحن نملك العالم
في حين يمكن لواشنطن أن تتسامح مع عصيان تركيا، ولو على كره منها، فإن تجاهل الصين أصعب. إذ الصحافة تحذر الآن من أن "مستثمري الصين وتجارها يملأون الفراغ في إيران التي ينسحب منها كثير من رجال الأعمال لا سيما الأوربيين"، علاوة على أنها توسع ـ بصفة خاصة ـ من دورها في صناعات الطاقة في إيران. وتأتي ردود أفعال واشنطن موسومة بشيء من الاستهتار. فقد قامت وزارة الخارجية الأمريكية بتحذير الصين من أنها لو أرادت أن تحظى بالقبول في المجتمع الدولي ـ وهو مصطلح تقني يشير إلى الولايات المتحدة ومن يتفق معها ـ فلا بد لها أن لا "تلتف أو تتخلى عن المسئوليات الدولية الواضحة" وهي اتباع أوامر الولايات المتحدة. غير أنه ليس من المتوقع أن تتأثر الصين.
نحن نملك العالم كما أن هناك كثيرا من القلق إزاء تنامي التهديد العسكري الصيني. فقد حذرت دراسة حديثة للبنتاجون من أن ميزانية الصين العسكرية تقترب من "خمس ما أنفقه البنتاجون على حربي العراق وأفغانستان" وهي ـ بطبيعة الحال ـ شذرة من ميزانية الولايات المتحدة العسكرية. غير أن توسع قوات الصين العسكرية قد "ينال من قدرة السفن الحربية الأمريكية على العمل في المياه الدولية قبالة سواحلها" حسب ما أضافت صحيفة نيويورك تايمز.
قبالة سواحل الصين، أي أنه من المنتظر أن يقترح على الولايات المتحدة أن تقضي على القوات العسكرية التي تنال من قدرة سفنها الحربية على الحركة من الكاريبي  إلى الصين. ويزداد عجز الصين عن فهم قواعد اللياقة الدولية وضوحا باعتراضها على انضمام حاملة الطائرات النووية المتطورة جورج واشنطن إلى المناورات البحرية التي تتم على بعد أميال قليلة من سواحل الصين، والتي يقال إن لديها القدرة على ضرب بكين.
على النقيض، يفهم الغرب أن مثل هذه العمليات الأمريكية تتم دفاعا عن الاستقرار وعن أمن الغرب نفسه. في حين تعرب مجلة نيو ريببليك اللبرالية عن قلقها من أن "إرسال الصين عشر سفن حربية عبر المياه الدولية المقابلة لسواحل جزيرة أوكيناوا اليابانية". وذلك لأن هذا استفزاز صريح، خلافا لحقيقة، مسكوت عنها، مفادها أن واشنطن حولت هذه الجزيرة إلى قاعدة عسكرية رئيسية، ضاربة عرض الحائط باحتجاحات أهل أوكيناوا على ذلك. ولكن ذلك ليس استفزازا، وفقا للمبدأ المعياري القائل بأننا نحن نملك العالم.
وبعيدا عن هذا المبدأ الإمبريالي الراسخ، يبقى لجيران الصين سبب وجيه للقلق من تنامي قوتها العسكرية والاقتصادية. وبرغم أن الرأي العام العربي يدعم  برنامج التسلح النووي الإيراني، لا ينبغي لنا نحن بالقطع أن نفعل ذلك. وأدبيات السياسة الخارجية حافلة بسبل لمواجهة هذا التهديد. ومن أوضح هذه السبل سبيل نادرا ما نوقش: وهو العمل على جعل هذا الإقليم منطقة خالية من الأسلحة النووية. وقد أثير هذا لموضوع (مرة أخرى) أثناء مؤتمر معاهدة حظر الانتشار النووي في مقر الأمم المتحدة في مايو الماضي. حيث دعت مصر ـ بوصفها رئيس حركة عدم الانحياز البالغ عدد أعضائها 118 دولة ـ إلى التفاوض على جعل الشرق الأوسط منطقة خالية من السلاح النووي، عملا بما وافق عليه الغرب ـ بما فيه الولايات المتحدة ـ في مؤتمر مراجعة معاهدة حظر الانتشار النووي الذي عقد في عام 1995.
ولقد كانت الموافقة الدولية طاغية لدرجة أن أوباما وافق هو الآخر رسميا. فقالت واشنطن للمؤتمرين، إنها فكرة جيدة، لكن ليس الآن. علاوة على أن الولايات المتحدة أوضحت أنه لا بد من استثناء إسرائيل: فما لأي مقترح أن يطالب بدخول برنامج إسرائيل النووي تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية أو بكشف معلومات عن "المنشآت والأنشطة النووية في إسرائيل".  وما أكثر ما لدينا عن هذا المنهج في التعامل مع التهديد النووي الإيراني.
خصخصة الكوكب
في حين لا يزال مبدأ المنطقة العظمى سائدا، تراجعت القدرة على تطبيقه. لقد بلغت قوة الولايات المتحدة ذروتها في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حينما كانت تمتلك فعليا نصف ثروة العالم. ولكن ذلك تناقص بصورة طبيعية، إذ تعافت اقتصادات صناعية أخرى مما ألم بها من دمار أثناء الحرب، وبدأ التحرر من الاستعمار يأخذ مساره المؤلم. وبحلول أوائل سبعينيات القرن الماضي، تناقص نصيب الولايات المتحدة من الثروة العالمية بنحو 25%، وأصبح العالم الصناعي ثلاثيَّ الأقطاب: أمريكا الشمالية، أوربا، شرق آسيا (اليابان تحديدا في ذلك الوقت).
حدث كذلك تغير حاد في اقتصاد الولايات المتحدة في السبعينيات نحو الرأسمالية التمويلية financialization  وتصدير الإنتاج. وأدت جملة من العوامل مجتمعة إلى خلق دائرة شيطانية من التركز الراديكالي للثروة في أيدي واحد في المائة من السكان أغلبهم هم الرؤساء التنفيذيون  وكبار المدراء، ومن لف لفهم. يفضي ذلك إلى تركز السلطة السياسية، فتصبح غاية سياسات الدولة من ثم هي زيادة التركز الاقتصادي من خلال سياسات الميزانيات، وقواعد حوكمة الشركات، وتحرير التجارة، وما هو أكثر. في الوقت نفسه، ارتفعت تكاليف الحملات الانتخابية بصورة مذهلة، مما جعل الأحزاب السياسية تستقر في جيوب رأس المال، وتتحول إلى أحزاب مالية: في البداية كان الجمهوريون هم الأسبق، غير أن الديمقراطيين ـ وماهم إلا جمهوريون معتدلون ـ لم يتخلفوا كثيرا.
الانتخابات أصبحت مسرحية، تديرها صناعة العلاقات العامة. بعد انتصار 2008، فاز أوباما بجائزة من صناعة العلاقات العامة عن أفضل حملة تسويقية خلال العام، وكان العاملون في هذا القطاع في غاية الجذل.  فقالوا للصحافة الاقتصادية إنهم يسوِّقون المرشحين تسويقهم للسلع، وذلك منذ دونالد ريجان، ولكن انتخابات 2008 كانت أعظم منجزاتهم، وهي التي سوف تغير الأساليب في غرفة رؤساء مجالس إدارات الشركات. ومن المتوقع أن تتكلف انتخابات 2012 بليوني دولار أمريكي، أغلبها من تمويل الشركات. فليس لنا أن نعجب كثيرا حين نجد أن أوباما اختار كبار رجال الاقتصاد لأعلى المناصب. وقد يكون الشعب ساخطا، ومحبطا، ولكن ما دام مبدأ مروان معشر  قائما، فلا شيء يهم.
أزمات بعضها تلو بعض
في حين تركزت الثروة والسلطة في نطاق بالغ الضيق، ركدت الدخول الحقيقية بالنسبة لأغلب الناس، وبات على الناس أن يحتملوا المزيد من ساعات العمل، والقروض، وتضخم الأصول، والتعرض الدوري للدمار بسبب الأزمات المالية التي بدأت مع بداية تفكك منظومة القواعد والنظم في الثمانينيات.
ليس في أي من ذلك مشكلة لشديدي الثراء، الذين يستفيدون من سياسة تأمين حكومية توصف بأنها "أضخم من أن تسقط".  فبوسع البنوك وشركات الاستثمار أن تقوم بعمليات على قدر كبير من الخطورة، تحظى من ورائها بمكاسب هائلة، حتى إذا ما انهار النظام، سارعت إلى ماما الدولة لنجدتها من خلال الضرائب، مستندة إلى نسخ جديدة من فردريك هايك وأمثاله.
تلك هي العملية المعتادة منذ أيام ريجان، كل أزمة أشد من سابقتها، أشد على الشعب بالطبع. والآن تحديدا، بلغت البطالة بين أغلب الشعب مستوياتها التي كانت عليها في فترات الكساد، في حين نرى أن مجموعة شركات جولدمان ساكس ـ وهي من مهندسي الأزمة الحالية ـ أكثر ثراء من ذي قبل. فقد أعلنت عن 17.5 بليون دولار أمريكي مكافآت عن السنة الماضية، يحصل منها الرئيس التنفيذي لويد بلانكفن على 12.6 مليون دولار كعلاوة على راتبه الساسي الذي يتجاوز ثلاثة أمثال الرقم.
تركيز الانتباه على معلومات من هذا النوع لن يكون مثمرا، ولذا، نزعت البروباجندا ـ خلال الأشهر القليلة الماضية ـ إلى إلقاء اللوم على الآخرين، مثل العاملين في القطاع العام، ومرتباتهم الضخمة، ورواتبهم التقاعدية الباهظة، وما إلى ذلك، على غرار الصور الريجانية الخاصة بالأمهات السوداوات اللاتي ينتقلن في سيارات ليموزين لصرف شيكات معاشات الرعاية الاجتماعية وغيرها من الأمثلة التي لا داعي لذكرها. كلنا ينبغي أن نشد الحزام، أو كلنا تقريبا، لمزيد من الدقة.
المعلمون والمهاجرون والغجر
المعلمون بالتحديد هدف جيد، بكونهم جزءا من الجهود الواعية لتدمير نظام التعليم العام ابتداء منم الروضة وحتى الجامعات من خلال الخصخصة ـ وهو مرة أخرى يصب في صالح الأثرياء ويمثل كارثة على الشعب جنبا إلى جنب مع صحة الاقتصاد على المدى البعيد، ولكن ذلك ليس إلا أحد الأمور الهامشية التي يتم تنحيتها جانبا طالما تسود مبادئ السوق.
وثمة هدف جيد طوال الوقت يتمثل في المهاجرين. وذلك أمر صدق على مدار تاريخ الولايات المتحدة، وازداد صدقه دائما في أوقات الأزمات الاقتصادية، والذي يزداد تفاقما الآن بسبب إحساسنا أن بلدنا يسلب منا: فسرعان ما سيتحول السكان البيض إلى أقلية. وفي حين يمكن للمرء أن يتفهم غضب الأفراد المظلومين، لا يمكن إلا أن تصعقه قسوة السياسات نفسها.
من هم المهاجرون المستهدفون؟ في شرق ماساتشوستس، حيث أعيش أنا، أغلب المهاجرين هم من المايا Mayans  الهاربين من الإبادة الجماعية التي يقوم بها القتلة الأثيرون لدى ريجان في مرتفعات جواتيمالا. وهناك مكسيكيون من ضحايا اتفاقية النافتا NAFTA التي أبرمها كلينتن لتكون إحدى أندر الاتفاقيات الحكومية التي تلحق الضرر بشعوب الدول الثلاث المشاركة فيها. في الوقت الذي تم فيه فرض اتفاقية النافتا على الكونجرس برغم الرفض الشعبي لها سنة 1994، بادر كلينتن أيضا بعسكرة الحدود الأمريكية المكسيكية، والتي كانت من قبل مفتوحة تماما. فقد كان مفهوما أن فلاحي المكسيك لن يقووا على منافسة المزارعين المدعومين جيدا من الحكومة الأمريكية، وأن رجال الأعمال في المكسيك لن ينجوا من منافسة الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات التي ينبغي منحها "معاملة وطنية" بموجب اتفاقيات التجارة الحرة ذات التسمية المغلوطة، وهي مزايا لا يحصل عليها إلا الأشخاص الاعتباريون ـ أي كبرى الشركات ـ وليس الأشخاص المكونون فعلا من لحم ودم. فليس غريبا أن تكون هذه الإجراءات قد أفضت إلى فيضان من اللاجئين اليائسين، وإلى زيادة الهستريا المناهضة للمهاجرين بين الضحايا الأمريكيين لسيسات الحكومة الأمريكية المحابية للشركات على حساب الأفراد.
مثل ذلك تقريبا يحدث في أوربا، التي تزداد فيها ضراوة العنصرية عنها في الولايات المتحدة. ولا يمكن للمرء إلا أن ينظر بعجب إلى إيطاليا وهي تشكو من تدفق اللاجئين من ليبيا، التي شهدت أول إبادة جماعية فيما بعد الحرب العالمية الأولى على أيدي الحكومة الفاشية الإيطالية. أو حينما تتمكن فرنسا ـ وهي التي لا تزال إلى اليوم حامية حماة الطغاة القساة في مستعمراتها السابقة ـ من غض الطرف عن وحشيتها الخسيسة في أفريقيا، في الوقت الذي يقوم فيه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بالتحذير من "طوفان المهاجرين" ويعترض مارين لو بان على عدم قيام ساركوزي بشيء لمواجهة هذا الطوفان. وإنني في حل من ذكر بلجيكا التي  قد تفوز بجائزة ما أطلق عليه آدم سميث "ظلم الأوربيين الهمجي".
إن صعود الأحزاب الفاسشية الجديدة في أوربا ينبغي أن يمثل ظاهرة مرعبة  حتى لو لم نتذكر ما جرى للقارة في السنوات الأخيرة. لكم فقط أن تتخيلوا ردود الأفعال المحتملة لو تم طرد اليهود من فرنسا ليلاقوا البؤس والقهر، ثم شاهدوا اللاردفعل عندما يحدث هذا للغجرRoma ، وهم أيضا من ضحايا الهولوكوست ومن أكثر الشعوب المعذبة في أوربا.
في المجر، فاز حزب جوبيك الفاشي الجديد بـ 17% في الانتخابات الوطنية، ولكن هذه النتيجة لا تكون مدهشة حين نعرف أن ثلاثة أرباع السكان يشعرون أنهم أسوأ حالا مما كانوا عليه في ظل الحكم الشيوعي. ولقد كان يمكن أن نشعر بالارتياح حين نعرف أن حزب جارج هايدر اليميني المتطرف قد حصل على 10% فقط في انتخابات 2008 في النمسا لولا أن حزب الحرية الذي يتجاوزه في يمينيته قد فاز بـ 17%. وإن المرء ليقشعر رعبا حينما يتذكر أن النازيين لم يحصلوا في عام 1923 إلا على أقل من 3% من أصوات الناخبين في ألمانيا.
في إنجلترا يمثل الحزب الوطني البريطاني وجبهة الدفاع الإنجليزية ـ وهما في أقصى اليمين العنصري ـ قوتين رئيسيتين. (والذي يجري في هولندا كلكم تعرفونه جيدا). في ألمانيا، يتباكى ثيلو لارازين Thilo Sarrazin من أن المهاجرين يخربون البلد في كتاب يحقق أعلى المبيعات، وبرغم أن المستشارة أنجيلا ميركل انتقدت الكتاب إلا أنها أعلنت أن التعددية الثقافية "فشلت فشلا ذريعا"؛ فالأتراك الذين يتم استيرادهم للقيام بأقذر الأعمال في ألمانيا فاشلون في التحول إلى شقر زرق العيون، أي آريين حقيقيين.
قد يتذكر الظرفاء أن بنيامين فرانكلن Benjamin Franklin ـ وهو من زعماء عصر التنوير ـ قد حذر من أن المستعمرات حديثة العهد بالحرية ينبغي أن تحذر من السماح للألمان بالهجرة إليها، لأنهم داكنو البشرة أكثر مما ينبغي، وكذلك السويديين. وفي القرن العشرين، شاعت أساطير النقاء الأنجلوسكسوني المضحكة في الولايات المتحدة، وبلغ شيوعها أن وصلت إلى رؤساء وبعض من كبار الزعماء. برغم أن العنصرية تعد في الثقافة الأدبية فحشا، ولا حاجة بنا إلى القول بأنها عند ممارستها تكون أكثر فحشا. غير أنه ربما يكون القضاء على شلل الأطفال أسهل كثيرا من القضاء على هذا الطاعون المستشري الذي يزداد انتشارا في أوقات الأزمات الاقتصادية.
لا طوفان في الأفق
ولست أريد أن أنهي مقالتي هذه دونما الإشارة إلى أمر هامشي آخر لا يتعرض له أحد في الأنظمة السوقية: مصير الأنواع. إن من الممكن معالجة المخاطرة الممنهجة في النظام المالي من خلال دافع الضرائب، ولكن أحدا لن يتمكن من الإنقاذ إن تدمرت البيئة، ودمارها يوشك أن يكون قدرا صناعيا. إن رجال الأعمال الذين يقيمون حملات بروباجندا ضخمة لإقناع الشعوب أن الاحتباس الحراري خدعة يروجها اللبراليون يفهمون جيدا مدى خطورة هذا التهديد، ولكنهم لا بد أن يحصلوا على أعظم قدر ممكن من الربح والنصيب السوقي في المدى القصير. فلو لم يفعلوا هم ذلك، غيرهم سوف يفعله.
تلك الدائرة الشيطانية قد يكون مصيرها المرجح هو الهلاك. ولكي تروا جسامة هذا الخطر، حسبكم النظر إلى الكونجرس الجديد في الولايات المتحدة، الذي شكله عمليا تمويل رجال الأعمال والبروباجندا. الجميع تقريبا من منكري وجود أي خطر على المناخ. ولقد بدأ الكونجرس بالفعل يقتطع تمويل الإجراءات التي قد تخفف من حدة الكارثة البيئية. والأدهى من ذلك، أن البعض مؤمنون فعلا بما يفعلون، ومن هؤلاء على سبيل المثال رئيس اللجنة الفرعية للشون البيئية الذي قال إن الاحتباس الحراري لا يمكن أن يمثل مشكلة لأن الرب وعد نوحا وانتهى الأمر، فلن يكون هناك طوفان آخر.
لو أن أشياء من هذا النوع تحدث في بلد ناء أو صغير، لكانت أضحكتنا. ولكن كيف تطاوعنا أنفسنا على الضحك وهذا هو ما يحدث في أغنى وأضخم قوة في العالم؟ وقبل أن نضحك، ربما ينبغي أن نضع في أذهاننا أنه يمكن اقتفاء جذور الأزمة الاقتصادية الحالية فنصل في النهاية إلى إيمانات بمثل هذه الأفكار الدوجمائية، ولكنه إيمان بكفاءة نظريات السوق، أو بما أطلق عليه قبل خمسة عشر عاما جوزيف شتايجلتز ـ الحائز على نوبل ـ بـ "دِين" يؤمن أن الأسواق أعلى وأعلم ـ وتلك الأفكار هي التي تمنع البنك المركزي وشتى جهات الاقتصاد من ملاحظة ثمانية ترليونات من الدولارات أنفقت على فقاعة عقارية بدون أن يكون لها أي أساس اقتصادي، فتكون النتيجة أن يتدمر الاقتصاد تدميرا حينما تنفقئ الفقاعة. 
كل هذا، وغيره كثير، يمكن احتماله ما دام مبدأ مروان معشر سائدا. وما دام العوام من الناس سلبيين، لا مبالين، منصرفين إلى الاستهلاكية أو كراهية الضعفاء، فما الذي يمنع الأقوياء أن يفعلوا ما يعن لهم؟ ومن ينجو فلن يكون أمامه إلا أن يتأمل النتائج والمحصلات.