الاثنين، 30 مايو، 2011

النظام السياسي في مصر*



فرانسيس فوكوياما

عز مؤخرا على كثير من علماء السياسة أن يجدوا ما يشيرون به على صناع السياسة، في حين أن هناك كتابا يبرز بوضوح لما له من صلة وثيقة بالأحداث الجارية الآن في تونس ومصر وبلدان أخرى في الشرق الأوسط، ذلك هو كتاب صمويل هنتنجتن "النظام السياسي أثناء تغير المجتمعات" Political Order in Changing Societies الذي صدر للمرة الأولى قبل أربعين عاما(1). فلقد كان هنتنجتن أحد آخر علماء الاجتماع الذين حاولوا فهم الترابط القائم بين التغير السياسي والاقتصادي والاجتماعي فهما شاملا، وليس ما نواجهه اليوم من مصاعب كثيرة ـ على  المستويين الفكري والسياسي ـ في مجاراة عالمنا المعاصر إلا نتيجة ضعف الجهود التالية لهنتنجتن ـ وأعني الجهود التي تتسم بمثل نظرته الشمولية.
لقد لاحظ هنتنجتن ـ من واقع مراقبته لمستويات عالية من القلاقل السياسية التي اجتاحت بلادا في العالم النامي خلال حقبتي الخمسينيات والستينيات في القرن الماضي ـ أن المستويات المتزايدة من التنمية الاقتصادية والاجتماعية غالبا ما كانت تفضي إلى انقلابات، وثورات، وحركات عسكرية، وليس إلى تحول سلس نحو الديمقراطية اللبرالية الحديثة. وقد أوضح هنتنجتن أن سبب ذلك يتمثل في الفجوة التي كانت تنشأ بين آمال وتوقعات يطمح إليها شعب حديث العهد بالتعبئة والتعليم والتمكين الاقتصادي من ناحية، وبين النظام السياسي القائم الذي لا يوفر لهذا الشعب آلية مؤسسية للمشاركة السياسية من ناحية أخرى. وربما كان يجدر به أن يضيف أن هذه الأنظمة ذات المؤسسات الضعيفة غالبا ما تخضع لرأسمالية الندمان crony capitalism(2) التي تعجز عن توفير الوظائف والدخول للطبقة الوسطى حديثة العهد بالتعليم. لاحظ هنتنجتن أن قيادة الهجمات على النظام الحاكم القائم نادرا ما تكون من بين الفقراء شديدي الفقر، بل إن القيادة غالبا ما تأتي من طبقة وسطى ناهضة ومحبَطة بسبب نقص الفرص السياسية والاقتصادية ـ وتلك ظاهرة لاحظها ألكسيس دو توكوفيل Alexis de Tocqueville  في تحليله البارع لمنشأ الثورة الفرنسية، ثم عاد جيمس ديفيس Davies فأشار إليها [أي إلى الظاهرة] من جديد في مطلع ستينيات القرن الماضي في نظريته الشهيرة المعروفة بمنحنى جيه الثوري.(3)
شيء ما قريب من هذه العملية الهنتنجتنية تبدّى في الشهور الأخيرة في كل من تونس ومصر. ففي كلتا الحالتين، لم تكن المظاهرات المناهضة للحكومة بقيادة الفقراء أو جماعات الإسلاميين السرية، بل بقيادة شباب من الطبقة الوسطى على قدر جيد نسبيا من التعليم وعلى دراية بوسائل الاتصال ببعضهم البعض من خلال فيسبوك وتويتر. وليس غريبا أن يظهر وائل غنيم ـ مدير التسويق الإقليمي لجوجل ـ رمزا وقيادة لمصر الجديدة. لقد تركزت مظالم المتظاهرين حول حقيقة أن نظامي بن علي ومبارك السلطويين لم يقدما سبيلا منطقيا للمشاركة السياسية، كما عجزا عن توفير وظائف مناسبة لوضع المتظاهرين الاجتماعي. ثم حدث في كلا المجتمعين أن انضمت إلى المظاهرات جماعات أخرى من قبيل النقابات والإسلاميين والمزارعين وكلِّ ساخطٍ على النظامين القديمين، ومع ذلك بقيت القوة الدافعة كامنةً في فئات المجتمعين التونسي والمصري الأكثر عصرية وحداثة.
إن المجتمعات التي تعوزها مؤسسات قادرة على تهيئة اللاعبين الاجتماعيين الجدد هي المجتمعات التي تنتج حالة يسميها هنتجتنتن بالـ بريتوريانية praetorianism وهي التي تتخذ فيها المشاركة السياسية شكل الإضرابات والمظاهرات والاحتجاجات والعنف. وفي ظل مثل هذه الظروف، غالبا ما كان الجيش يستولي على السلطة حيث يبرز بوصفه اللاعب المنظم الوحيد في المجتمع، القادر على إدارة الحكم. وبهذه الطريقة بالضبط، وصل طاغية الجمهورية المصرية الأول جمال عبد الناصر إلى السلطة في يوليو من عام 1952 حينما كانت حركته المعروفة بحركة الضباط الأحرار تمثل الطبقة الوسطى المصرية الناهضة. وتكمن مأساة مصر الحديثة في أنها لم تشهد إلا القليل من أية تنمية سياسية ذات معنى على مدار نصف القرن التالي، وأعني بتلك التنمية السياسية ـ بتعبير هنتنجتن ـ أن تنشأ مؤسسات حديثة تكون بمثابة قنوات سلسة لمشاركة المواطن.
في الوقت نفسه، ظلت التنمية الاجتماعية الاقتصادية تتقدم بسرعة: فبين عامي 1990 و2010 ارتفع مؤشر التنمية البشرية (وهو مؤشر وضعته الأمم المتحدة لقياس مجموع التطورات في الصحة والتعليم والدخل) في تونس بنسبة 30 في المائة وفي مصر بنسبة 28 في المائة. وظهرت في كلتا البلدين عشرات آلاف الخريجين الجامعيين بدون أن ينتظرهم مستقبل واضح، وفي ظل توزيع مختل للدخول يذهب في ظله النصيب الأكبر من مكتسبات التنمية إلى جماعة من المقربين من النظام السياسي. ويبقى تحليل هنتنجتنن لمصر في خمسينيات القرن الماضي وستينياته صالحا صلاحية غريبة لتحليل حالها اليوم.
كما أن هنتنجتن قد عرض في كتاب "النظام السياسي" لنقطة عريضة تتعلق بعملية التنمية ذاتها. ولكي تتبين لنا أهمية كتابه، فلا بد من النظر إليه على خلفية نظرية التحديث modernization theory في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهي النظرية التي اعتمدت بدورها على النظرية الاجتماعية الأوربية التي ظهرت في القرن التاسع عشر فأوضح معالمها وأركانها أكاديميون من أمثال إدوارد شيلس  Edward Shils، وتالكوت بارسونز Talcott Parsons، ووَلت دبليو روستاو Walt W. Rostow. ذهبت نظرية التحديث الأمريكية إلى أن التنمية عملية مفردة ونقية. حيث عُدَّت التنمية الاقتصادية، والعلاقات الاجتماعية المتغيرة مثل انهيار الجماعات القائمة على القرابات البعيدة لصالح نمو الفردانية، ومستويات التعليم الرفيعة غير المتاحة للجميع، والتحولات المعيارية باتجاه قيم مثل "التحقق" والعقلانية، والعلمنة ونشوء المؤسسات السياسية الديمقراطية، عُدَّت جميعا بوصفها كُلًّا تعتمد أجزاؤه على بعضها البعض.
بتوضيحه أن خيرات الحداثة modernity لا تأتي مجتمعة بالضرورة، لعب هنتنجتن دورا أساسيا في قتل نظرية التحديث. فلقد ذهب إلى أن التنمية السياسية عملية منفصلة عن التنمية الاجتماعية الاقتصادية، وهي [أي التنمية السياسية] بحاجة إلى أن تفهم في سياقها الخاص. ولقد بدت النتيجة المستخلصة من هذه النظرة في ذلك الوقت مستشرفة بدرجة مذهلة: بدون التنمية السياسية، قد تفضي جميع جوانب التحديث الأخرى إلى نتائج سلبية ـ إلى الطغيان والحرب الأهلية وانتشار العنف.
ثمة أسباب أخرى أدت إلى سقوط نظرية التحديث الغربية وفقدانها سمعتها بحلول سبعينيات القرن الماضي: فلقد باتت تعد أوربية النظرة أكثر ممما ينبغي، بل أمريكية النظرة في واقع الأمر؛ إذ هي فيما يبدو تضع المجتمع الأمريكي في موضع المثال الأعلى للتحديث. كما أنها عجزت عن إدراك أن دولا كاليابان والصين قد تسلك سبلا إلى الحداثة تبدو مختلفة  تماما عن السبل التي رادتها بريطانيا والولايات المتحدة. لكن حتى لو اتفق المرء على أن الغاية النهائية للتنمية ينبغي أن تكون شكلا ما من أشكال الديمقراطية اللبرالية التصنيعية، فلقد أوضح هنتنجتن أن الوصول إلى هذا المقصد المنشود أمر أكثر تعقيدا وصعوبة مما تصور منظِّرو التحديث.
وكانت النصيحة السياسية المركزية المستخلصة من رؤى هنتنجتن هي مفهوم "التحول السلطوي" authoritarian transition. فلو أن الأنظمة السياسية انفتحت على المنافسة الديمقراطية قبل الأوان، أي قبل  تطور الأحزاب السياسية، والنقابات العمالية، والاتحادات المهنية وغيرها من المؤسسات بما يسمح لها بالمشاركة، فإن النتيجة قد تكون فوضوية. وذهب هنتنجتن إلى أن الأنظمة السلطوية القادرة على حفظ النظام ودفع النمو الاقتصادي قد تشرف على مأسسة المجتمع تدريجيا، وتنفيذ تحول إلى الديمقراطية، وذلك فقط حين يتسنى تحقيق مشاركة واسعة بصورة سلمية. هذا التسلسل ـ الذي يسبق فيه النموُّ الاقتصادي الانفتاحَ الديمقراطي ـ هو السبيل الذي اتبعته دول آسيوية مثل كوريا الجنوبية وتايوان اللتين تحولتا إلى الديمقراطية في أواخر ثمانينيات القرن العشرين بعد أن نجحتا في التحول إلى قوتين صناعيتين كبريين. كما أنها أيضا الاستراتيجية التنموية التي اقترحها تلميذ هنتنجتن القديم "فريد زكريا" وكذلك زعماء حكومات سلطوية كثيرون راقت لهم فكرة النمو الاقتصادي أكثر من فكرة المشاركة السياسية (4). ولسوف نعود فيما بعد إلى سؤال حول مدى نجاح هذه الاستراتيجية في الشرق الأوسط.

على ما في كتاب هنتنجتن من إثارة وأهمية، إلا أنه بقي خارج متن الفكر التنموي الذي كان منذ نشأته مجالا أكاديميا مشرذما خاضعا لسيطرة علماء الاقتصاد. فلم يسع غير قليل من الباحثين إلى فهم التنمية بوصفها عملية تترابط فيها مكونات سياسية واقتصادية اجتماعية. فكان علماء الاقتصاد التنمويون ينظرون بالدرجة الأساسية إلى العوامل الاقتصادية، مثل رأس المال، والعمل، والتكنولوجيا، بوصفها موارد للنمو الاقتصادي، فلم يفكروا في عواقب هذا النمو على السياسات ولا في علاقة المؤسسات السياسية بالنمو. ولقد كان نموذج هارود ـ دومار Harrod-Domar  التنموي الذي ساد في خمسينيات القرن العشرين يشير إلى أن نقص رأس المال  هو السبب الأساسي في فقر الدول الأقل نموا، مما حدا بهيئات تنموية مثل البنك الدولي إلى إطلاق عجلة النمو في هذه البلدان من خلال ضخ سخي لرءوس الأموال من أجل إقامة البنى الأساسية فيها. ولم تُرجع هذه الهيئات النظرَ في هذه السياسة إلا مرغمةً، وذلك حينما خمل نشاط مصانع الصلب والأحذية في دول أفريقيا ما دون الصحراء نتيجةً للفساد أو نتيجة لغياب  القدرة التنظيمية.
أما علماء السياسة، فلقد كبحوا طموحاتهم دون نظرية كبرى على غرار النظرية الهنتنجتنية، قانعين بالتركيز ـ بصفة أساسية ـ على الظاهرة السياسية. فكان هناك ابتداء من ثمانينيات القرن الماضي اهتمام متزايد بمشكلة التحولات إلى النظام الديمقراطي؛ إذ أصبح الموضوع ملحا بصورة كبيرة في ظل حدوث تحولات إلى ديمقراطية شهدتها أسبانيا والبرتغال وفي جميع دول أمريكا اللاتينية تقريبا. وشهد الاهتمام بالعلاقة بين التنمية والديمقراطية صحوة، لكنها صحوة لم تفض قط إلى إجماع واضح على الروابط العرَضية التي تصل بين الظاهرتين. توازى الاهتمام الأكاديمي بالتحولات مع اتجاه دعم الديمقراطية الناشئ بوصفه مجالا مستقلا في الممارسات الدولية، وكلا الأمرين [أي الاهتمام الأكاديمي بالتحولات ودعم الديمقراطية] كانا من جانب الولايات المتحدة وغيرها من دول العالم الديمقراطية. كانت الفكرة قد زرعت في السبعينيات من القرن العشرين، عندما بدأت المؤسسات تربط بين الأحزاب السياسية الألمانية التي لعبت دورا أساسيا في منع وصول الشيوعيين إلى السلطة في البرتغال، وتيسير تحول الدولة إلى النظام الديمقراطي. ثم شهد عقد الثمانينيات التالي تأسيس المؤسسة الوطنية [الأمريكية] للديمقراطية NED وهي مؤسسة شبه مستقلة تمولها أموال دافعي الضرائب ومهمتها دعم الجماعات المناصرة للديمقراطية في شتى أرجاء العالم. كان من أولى النجاحات التي حققتها المؤسسة الوطنية للديمقراطية تمويلها اتحاد التضامن المهني في بولندا قبل انهيار الشيوعية. وشهد عقد التسعينيات نمو عدد من المؤسسات الدولية القادرة على مراقبة الانتخابات وتمويل الفرع المعني بالديمقراطية والحكم في الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية بقرابة بليون ونصف البليون دولار أمريكي سنويا.
بحلول نهاية تسعينيات القرن العشرين، تحققت درجة من التقارب بين أجندتي علماء الاقتصاد وعلماء السياسة. وعند تلك المرحلة قام دوجلاس نورث Douglass North  ومدرسة "الاقتصاديات المؤسسية الجديدة" التي أسسها بتعريف علماء الاقتصاد بأهمية المؤسسات السياسية ـ لا سيما حقوق الملكية ـ للنمو الاقتصادي. وتزايد سعي علماء الاقتصاد إلى بحث المتغيرات السياسية مثل الأنظمة التشريعية وينظرون إلى دور السلطات التنفيذية في النماذج التنموية التي يضعونها أو يدرسونها. بل لقد تعرض علم السياسة نفسه لاستعمار المنهجية الاقتصادية فكان من الطبيعي لعلماء السياسة الذي يؤسسون بالمنطق لاختياراتهم أن يشرعوا في النظر إلى التأثير الاقتصادي للمؤسسات السياسية.
كما تزامنت العودة إلى نهج تنموي متعدد الجوانب مع بدء ولاية جيمس وولفنسن James Wolfenson  (5) كرئيس للبنك الدولي من 1995 إلى 2005. حيث ألقى وولفنسن مبكرا خطبة عن "سرطان الفساد"، وأسند إلى مؤسسته أن تتعامل ابتداء من تلك اللحظة بالجدية اللازمة مع القضايا السياسية مثل الفساد والحكم الرشيد. ولقد كان صدور تقرير التنمية العالمية في عام 1997 بعنوان "الدولة في عالم يتغير" علامة على انفصال فكري عن تركيز إجماع واشنطن(6) على السياسة الاقتصادية وتقليل حجم الدولة، وأنشأ البنك الدولي جناحا جديدا مخصصا لإصلاح القطاعات العامة في الدول النامية. كانت تلك التغييرات بمثابة اعتراف بأن السياسة مكوِّن أساسي في التنمية، وأن الدولة ليست عقبة في طريق النمو بل داعم ضروري له. وتزايدت نظرة الهيئات المانحة إلى تعزيز الديمقراطية بوصفه إحدى أدوات الصراع ضد الفساد.
ومع ذلك، لا ينبغي لتلك الدرجة المتواضعة من التقارب أن تعمي أعينا عن درجة مستمرة من التقسيم قائمة في مجال التنمية.  فمع الاعتراف ـ على مضض ـ بأهمية المؤسسات،  يظل أغلب علماء الاقتصاديين والممارسين الفاعلين في مجال التنمية ينظرون إلى الدولة بوصفها عقبة أمام العمل التنموي الحقيقي الذي يتمثل في تحسين الدخول والصحة والتعليم وما شابه، بدلا من النظر إليها بوصفها غاية مستقلة عن غاية الاستراتيجية التنموية. (يمثل أمارتيا صن Amartya Sen  استثناء مهما من هذا التعميم). من جانبها، أنفقت الهيئات الداعمة للديمقراطية وقتا قليلا نسبيا في الانشغال بالنمو الاقتصادي والسياسة الاجتماعية والصحة العامة، إذ هي جميعا في نظر هذه الوكالات بضائع تستخدمها الأنظمة السلطوية لشراء شعوبها والحيلولة دون إحلال الديمقراطية.
أفضى التشوش الفكري المحيط بالتنمية إلى سياسة متشرذمة بصورة فادحة في كل من الولايات المتحدة والمجتمع الدولي اللذين غالبا ما يعملان من أجل تحقيق أغراض متعارضة. فعلى سبيل المثال، نرى أن أنظمة ميليس زيناوي و باول كاجمان  ويوري موسيفيني الحاكمة في أثيوبيا ورواندا وأوغندا على الترتيب كانت من الأنظمة المنعمة بالمعونة طوال العقد الماضي بسبب سجلاتها فيما يتعلق بتعزيز الأهداف الاقتصادية والصحية والاجتماعية. وفي الوقت نفسه، كانت الجماعات الداعمة للديمقراطية تنتقد هذه الأنظمة بشدة وتدعم الجماعات المعارضة لها ومنظمات المجتمع المدني الرامية إلى إقرار مبدأ المحاسبة وتحديد السلطة التنفيذية. وإذا كان من المؤكد أن هيئات المعونة لا تعترض على المزيد من محاسبة حكومات تلك الأنظمة، وأن مجتمع دعم الديمقراطية لن يعترض طريق التقدم في مكافحة الإيدز أو الملاريا، إلا أنه لا يوجد من يتبنى نظرة شمولية فيسأل على سبيل المثال عما إذا كانت برامج المعونة القائمة تساعد على بقاء نظام حاكم في السلطة أم أنها تعمل على قلقلة استقراره.
مصر نفسها تمثل حالة جيدة لهذا الشكل بالذات من التفكك في السياسات. فبرغم أن مصر تمثل واحدة من أكبر الحاصلين على المعونة الأمريكية، إلا أنه يصعب القول بأن واشنطن كانت تنشد تحقيق أية أهداف تنموية فيها. فالأمر الذي كانت الولايات المتحدة مهتمة به في المقام الأساسي هو الاستقرار. وبالرغم من الخطابات الجريئة فيما يتعلق بالديمقراطية على ألسن كوندوليزا رايس وباراك أوباما في القاهرة، نرى أن الولايات المتحدة سحبت يدها من الضغط الرامي إلى إجراء إصلاح ديمقراطي حقيقي في مصر، لا سيما بعد فوز حماس الانتخابي في غزة عام 2006. ومع ذلك، ظلت برامج المعونة الاقتصادية تدفع برامج إصلاح التعليم والاقتصاد في البلد. فلو كان مسئولو المعونة الأمريكية تحلوا بالنظرة الهنتنجتنية ورأوا أن دعمهم يعمل ضمنيا على دعم فجوة التوقعات، وأنه يفقد حسني مبارك شرعيته، فلعلها كانت لتصبح استراتيجية ماهرة. ولكن تلك المهارة لم تكن موجودة. وبدلا منها، كان ثمة مثال للفصل، بحيث تنفذ برامج المعونة أهدافها في جهل تام بالآثار المتبادلة بين السياسة والاقتصاد.
ما العمل؟
الأفكار تسبق الأعمال. وقبل أن يحق لنا أن نرجو الخروج بحزمة سياسات منطقية لمصر، أو لأي بلد في مثل ظروفها، نحتاج أولا إلى التحلي بفهم أفضل للتنمية ـ مفاده أن تغيرات السياسة والاقتصاد والمجتمع تشكل بمرور الوقت حزمة من العمليات المنفصة والمترابطة مع ذلك. ومهما تكن جوانب قصور نظرية التحديث الكلاسيكية، إلا أنها على أقل تقدير بدأت من رؤية ثقاقبة مفادها أن الظاهرة موضع الدراسة تقتضي ظهور علم اجتماع واسع يعلو على الحدود القائمة بين المباحث. وهذه غاية لا تزال اليوم ـ كما كانت من قبل ـ بعيدة المنال في الوسط الأكاديمي، حيث لم تزل المباحث التقليدية تضع أسيجة تحدد مجال تفكير وبحث شباب الأكاديميين. فالمثال الأكثر شيوعا اليوم للأطروحات التنموية سواء في علم السياسة أو في علم الاقتصاد هو عبارة عن تجربة صغيرة عشوائية يجريها الخريجون إذ يذهبون إلى الميدان فيدرسون على المستوى المحلي البسيط التأثير الناجم عن بعض التدخلات من قبيل أثر تطبيق نظام الدفع التضامني التأميني في وضع واقيات بعوض الملاريا، أو تغيير القواعد الانتخابية وتأثيرها على التصويت لأسباب عرقية. وهذه دراسات قد تكون جيدة التصميم من وجهة النظر التقنية، وهي بالقطع دراسات لها مكانها في تقييم المشاريع على المستوى الصغير. لكنها لا ترقى إلى أي شيء من شأنه أن ينبهنا حين يتجاوز نظام حاكم الحدود من الشرعية إلى اللاشرعية، أو يعلمنا كيف للنمو الاقتصادي أن يغير البنية الطبقية لمجتمع ما. أي أننا بعبارة أخرى لا نقدم أي صمويل هنتنجتن جديد يحظى بما حظي به القديم من سعة في المعرفة وعمق فيها.
على مستوى السياسة، نحن بحاجة إلى فهم متبادل وكبير بين من يدعمون التنمية الاقتصادية الاجتماعية ومن يعملون على تعزيز الديمقراطية والحكم. فالوكالات التنموية التقليدية ـ مثل هيئة المعونة الأمريكية ـ  تفكر تفكيرا سياسيا إلى حد أن مشاريعها تدعم سياسة الولايات المتحدة الخارجية. لكنها ـ شأن مثيلاتها من المنظمات الدولية كالبنك الدولي ـ غير مدربة على القيام بالتحليلات الاقتصادية السياسية، وهي لا تسعى إلى فهم السياق السياسي الذي تستخدم بداخله المعونة أو يساء استخدامها. وإن ما لا نسعى إليه، نادرا جدا ما نناله. فنحن قد نطالب، مثلا، بتحرير موانئ هاييتي دون أن نسعى إلى أن نعرف مَن مِن الساسة على وجه التحديد يستفيد من الترتيبات القائمة التي تغلق هذه الموانئ. أما داعمو الديمقراطية فيركزون من جانبهم على التحولات الديمقراطية، فيمدون أيدي العون لأحزاب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني في الدول السلطوية. ولكن ما إن يحدث التحول، كما حصل مؤخرا في الثورتين البرتقالية والوردية في أوكرانيا وجورجيا، حتى يقل نسبيا ما يقدمه  داعمو الديمقراطية للحكومات الديمقراطية الجديدة، ونعني ما تقدمه من الناحية الأجندات السياسية، أو استراتيجيات مكافحة الفساد، أو تحسين توصيل الخدمات التي يريدها المواطنون.
إلى جانب هذه التعديلات الثانوية نسبيا، لا بد من نظرية للتغير الاجتماعية تتسم بمزيد من الفعالية بحيث تنبئنا أنه في ظروف معينة لا تكون أفضل سبل قلقلة مجتمع سلطوي هي تمويل منظمات المجتمع المدني الرامية إلى تغيير النظام على المدى القصير، بل دعم النمو الاقتصادي السريع وتوسيع نطاق التعليم وتيسيره على الشعوب(7). في المقابل، هناك مجتمعات كثيرة نعرف أنها تهدر دولارات الدعم التنموي لأنها محكومة من قبل أنظمة حكم سلطوية لا تخضع للمحاسبة. في مثل هذه الحالات، قد يكون الاستخدام الأنجع للمعونة هو قطع المعونة التنموية كلية والعمل فقط على التغيير السياسي. وهذا ما حدث فعليا مع زمبابوي في ظل حكم روبرت موجابي، ولو أنه كان على تلك الدولة أن تغرق كثيرا قبل أن يفكر أحد في نزع قابس المعونة.
لقد أخطأ هنتنجتن في عدد من الأمور. فالتحول السلطوي لم يكن صيغة للتنمية قابلة للتطبيق بصفة مطلقة. صحيح أنها نجحت في شرق آسيا، حيث كان هناك عدد من الشخصيات من أمثال لي كوان يو وبارك تشانجهي أو زعامة الحزب الشيوعي الصيني، وهؤلاء استخدموا  سلطاتهم الأوتقراطية لدعم التنمية السريعة والتغير الاجتماعي. أما السلطويون العرب فلم يتمتعوا بتلك الفضيلة، ورضوا بالبقاء على رءوس مجتمعات راكدة اقتصاديا. فلم تأت النتيجة على هيأة استراتيجية تنموية متماسكة، بل على هيأة جيل ضائع.
إن طموح علم الاجتماع إلى استنساخ قدرة بعض العلوم الطبيعية على التنبؤ ليس في نهاية المطاف أكثر من مسعى موعودا بالخيبة. فالمجتمعات البشرية ـ مثلما فهمها فردريك هايك Friedrich Hayek وكارل بوبر Karl Popper  وغيرهما ـ أكثر تعقيدا بكثير من أن يتم قياسها على نموذج. والاقتصاديات الكبرى المعاصرة ولو أنها تتعامل مع ظواهر اجتماعية مقاسة، تمر اليوم بأزمة مرجعها فشلها التام في توقع الأزمة المالية الأخيرة.
ويبقى جانب في التغير الاجتماعي هو الأصعب على الفهم فهما إيجابية، أعني الجانب المتعلق بالبعد الأخلاقي ـ أعني الأفكار التي يسير بها الناس داخل رءوسهم فيما يتعلق بالشرعية والعدالة والكرامة والمجتمع. لقد كانت شرارة الثورة العربية الحالية هي تضحية ذاتية قدمها شاب تونسي في السادسة والعشرين من العمر، كان بائع خضراوات دأبت السلطات على مصادرة عربة خضراواته كل حين. وبعد أن تلقى هذا الشاب ـ محمد بوعزيزي ـ صفعة من شرطية إثر محاولته تقديم شكوى، نفد صبر بوعزيزي. وتحول انتحاره العلني إلى حركة اجتماعية، لأن وسائل الاتصال المعاصرة ساعدت على نشأة فضاء اجتماعي جديد يتسنى فيه لأبناء الطبقة الوسطى التعرف على مصالحهم المشتركة وتنظيم أنفسهم حول هذه المصالح. ربما لن نفهم أبدا ـ بأثر رجعي ـ ما الذي جعل وقود الكرامة يشتعل فجأة في ديسمبر 2010 وليس في ديسمبر 2009 أو قبل عشر سنوات ولماذا امتد الحريق إلى دول عربية دون دول عربية أخرى.  ولكن بوسعنا بدلا من ذلك أن نجمع الشذرات التي نفهمها بطريقة ينتفع بها واضعو السياسات في مجاراة واقع التغير الاجتماعي.




*  هذا هو العنوان الأصلي للمقال الذي تنشره مجلة "ذي أمريكان إنتريست" عدد مايو ويونيو 2011


هوامش [الهوامش للكاتب ما لم ترد إشارة إلى غير ذلك]
(1)               صدرت طبعة حديثة منه بمقدمة لفرانسيس فوكوياما سنة 2006 عن مطبعة جامعة ييل.
(2)               يشير مصطلح "رأسمالية الندمان" ـ إن جازت هذه الترجمة لـ Crony capitalism ـ  إلأى نمط من الاقتصاد الذي يزعم أنه رأسمالي والذي يعتمد فيه النجاح على العلاقات الوثيقة بين رجال الأعمال ومسئولي الحكومة، حيث تظهر محاباة المسئولين لندمانهم/أصحابهم/ رفاقهم في تجاوز القوانين لمنحهم التراخيص والإعفاءات الضريبية والمنح الحكومية وما شابه ذلك ـ عن ويكبديا ـ المترجم.
(3)               ديفيس، "نحو نظرية للثورة"، مجلة أمريكان سوشيولوجيكال رفيو، ع 27 (1962) ـ الكاتب.
يؤكد ديفيس أن الثورات تأتي للإحباط الناجم عن الحرمان النسبي من ثروات الوطن. ويرى أنها تحدث عبر فترة نمو اقتصادي تتلوها فترة ركود. ويمكن توضيح النمو فالركود بيانيا من خلال خط منحن يظهر مث حرف جيه مقلوب ومائل إلى اليمين وهو ما يعرف بمنحنى جيه ـ ويكبديا ـ المترجم

(4)               زكريا، "مستقبل الحرية: الديمقراطية اللالبرالية Illiberal في الوطن وفي الخارج" (مطبعة نورتن ـ 2003)، أنظر أيضا لزكريا "حوار مع لي خوان يو" مجلة فورين أفيرز مارس/ابريل 1994
(5)                 للتعرف على فترة رئاسة وولفنسن انظر سيباستيان مولابي في "مصرفي العالم: قصة الدول الفاشلة والأزمات المالية وثروة الأمم وفقرها" (مطبعة بنجونـ 2004)
(6)               يشير مصطلح إجماع واشنطن Washington Consensus إلى توجه نحو السياسات النيولبرالية التي كان لها تأثير كبير فيما بين عامي 1980 و2008 على الاقتصاديين والسياسيين والمؤسسات الدولية مثل صندوق النقد والبنك الدوليين. السياسات النيولبرالية المقصودة هي تلك السياسات المحابية للسوق التي نُصحت بها الدول النامية. كما يستخدم مصطلح "إجماع واشنطن" أحيانا للإشارة تحديدا إلى الإصلاحات الاقتصادية التي نصحت بها الدول النامية من قبيل تقليل العجز الحكومي وتحرير التجارة والانفتاح على الاستثمار الأجنبي. وأول من سك المصطلح في عام 1989 هو جون وليمسن John Williamson لوصف حزمة من عشر وصفات اقتصادية محددة اعتبرها الحزمة الإصلاحية "المعيارية" التي تنصح واشنطن وصندوق النقد والبنك الدوليان بها الدولَ النامية مأزومة الاقتصاد. ويكبديا ـ المترجم
(7)                 انظر "آلام نامية  Growing Pains"  لـ هارولد جيمس المنشور في ذي أمريكان إنتريست (سبتمبر/ أكتوبر 2006) وهو عبارة عن رؤية لمقالة كلاسيكية نشرت في ديسمبر 1963 لـ مانوكر أولسن بعنوان "النمو السريع بوصفه قوة للقلقلة".