‏إظهار الرسائل ذات التسميات كازو إيشيغورو. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات كازو إيشيغورو. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 11 ديسمبر 2017

كازو إيشيجورو: هكذا أقمت ياباني .. هكذا أقمت أدبي

كازو إيشيجورو في الجزء الأول من "محاضرة نوبل"
هكذا أقمت أدبي

ربيع 1983. بعد ثلاث سنوات ونصف السنة. الآن أنا ولورنا في لندن، نقيم في غرفتين على سطح منزل ضيق مرتفع، مقام أيضا على تلٍّ في واحدة من أشد مناطق المدينة ارتفاعا. كان بالقرب منا برج تليفزيوني فكلما أردنا الاستماع إلى الاسطوانات، كانت أصوات البث الشبحية تغزو سماعاتنا. لم تكن لدينا أريكة في غرفة المعيشة، بل هما حشيتان على الأرض فوقهما بعض الوسائد. كانت هناك أيضا منضدة ضخمة أستعملها في الكتابة بالنهار ونتناول عليها العشاء في الليل. لم يكن مكانا مترفا ولكن الحياة فيه حلت لنا. كنت قد نشرت روايتي الأولى قبل سنة من ذلك، كما كتبت سيناريو فيلم قصير أوشك تليفزيون بي بي سي أن يذيعه في ذلك الوقت.
لفترة كنت أشعر بفخر معقول بروايتي الأولى، إلى أن حلَّ عليّ مع الربيع  إحساس مزعج بعدم الرضا. كانت المشكلة أن التشابه شديد بين الرواية الأولى والسيناريو الأول. لا في الموضوع، بل في النهج والأسلوب. كلما أمعنت النظر إلى روايتي بدت لي أشبه بسيناريو ـ حوار وإرشادات. ولم يكن في ذلك بأس إلى حد معين، ولكنني كنت أرغب في ذلك الوقت في كتابة أدب لا ينجح إلا على الورق. فما الداعي إلى كتابة رواية إذا كان غاية ما سوف تقدمه هو التجربة التي قد يمرّ بها شخص حينما يفتح التليفزيون؟ كيف يمكن أن يرجو الأدب المكتوب بقاء في مواجهة السينما والتليفزيون إذا هو لم يقدم شيئا فريدا، شيئا يستعصي على الأشكال الأخرى تقديمه؟
في ذلك الوقت تقريبا، أصابني فيروس فلزمت السرير أياما قليلة. وحينما مرت أسوأ مراحل المرض، فلم أعد راغبا في النوم طول الوقت، اكتشفت ذلك الشيء الثقيل، الذي ظل وجوده وسط ثياب نومي يضايقني لبعض الوقت، ولم يكن في الحقيقة إلا المجلد الأول من "تذكر الماضي المفقود" لمارسل بروست (حسبما كانوا يترجمون العنوان في ذلك الوقت). وجدته هناك فشرعت في قراءته. ربما كان استمرار معاناتي من الحمى عاملا، ولكن ما حدث هو أنني بهت تماما بجزئي المفتتح وكومبراي  Combray. قرأتهما مرارا وتكرارا. وبعيدا عن الجمال الصافي في الفقرات، كنت أشعر بنشوة من طرق بروست في إتباع الحلقة بالحلقة. لم يكن يتبع في تنظيم الأحداث والمشاهد الترتيبَ الكرونولوجيَّ المعتاد، ولا الحبكة الخطية. بل هي تداعيات فكرية متماسة، أو هي تقلبات الذاكرة وقد بدا أنها تحرِّك الكتابة من حلقة إلى التالية. ووجدت نفسي أتساءل في بعض الأحيان: ما الذي دعا إلى وضع هاتين اللحظتين اللتين لا تربط بينهما علاقة ظاهرة جنبا إلى جنب في عقل الراوي؟ وأمكنني فجأة أن أرى طريقة مثيرة وأكثر حرية في تأليف روايتي الثانية، طريقة قادرة على إنتاج ثراء على الصفحة وتقديم تطورات داخلية يستحيل أن تقبض عليها أي شاشة. لو أمكنني أن أنتقل من فقرة إلى فقرة وفقا لتداعيات أفكار الراوي وتقلب ذكرياته، لأمكنني أن أؤلف شيئا على النحو الذي يختار رسام تجريدي أن يوزع به أشكاله وألوانه على القماش. يمكنني أن أضع مشهدا حدث قبل يومين مجاورا بالضبط لمشهد وقع قبل عشرين سنة وأطلب من القارئ أن يتأمل العلاقة بين الاثنين. و بدأت أفكر أنني بتلك الطريقة قد أعرض الطبقات الكثيرة من خداع الذات والإنكار التي تحيط برؤية شخص لذاته ولماضيه.
*
مارس 1988. صرت في الثالثة والثلاثين. وصارت لدينا أريكة وصرت أستلقي عليها منصتا إلى ألبوم توم ويتس. في السنة السابقة، اشتريت أنا ولورا بيتنا في جزء غير عظيم لكنه جميل من جنوب لندن، وفي هذا البيت صارت لديَّ للمرة الأولى غرفة مكتب خاصة. كانت صغيرة ولا باب لها، ولكنني كنت مبتهجا أن بوسعي وضع أوراقي أينما أريد بدون أن أضطر إلى لملمتها جميعا في نهاية كل يوم. وفي غرفة المكتب تلك ـ أو هذا ما ظننته ـ سأنهي روايتي الثالثة. كانت الرواية الأولى التي لا تجري أحداثها في اليابان، ياباني الخاصة التي فقدت كثيرا من هشاشتها بكتابتي روايتي الأوليين. الحقيقة أن كتابي الجديد ـ الذي سوف يكون عنوانه "بقايا النهار" ـ كان يبدو متطرفا في طابعه الإنجليزي وإن كنت أرجو في وقتها ألا يأتي على غرار كثير من الكتّاب البريطانيين في الجيل الأكبر سنا. كنت حريصا ألا أفترض ما بدا لي أن أكثرهم يفترضونه وهو أن جميع قرائي إنجليز، يألفون بطبيعتهم دقائق الحياة الإنجليزية. بحلول ذلك الوقت، كان كتاب من أمثال سلمان رشدي و"في إس نايبل" قد صاغا طريقة لأدب بريطاني أكثر دولية في شكله، أدبا لا يخلع على بريطانيا أي مركزية أو أهمية مجانية. كانت كتابتهما ما بعد كولونيالية بالمعنى الأوسع للكلمة. وكنت أريد مثلهما أن أكتب أدبا "دوليا" قادرا على عبور الحدود الثقافية والسياسية، حتى وإن كنت أكتب قصة تجري أحداثها في ما يبدو عالما إنجليزيا قحا. كان من شأن نسختي من إنجلترا أن تبدو أقرب إلى مكان أسطوري ظننت أن ملامحه حاضرة أصلا في خيالات كثر من الناس في شتى أرجاء العالم حتى من لم يزوروا منهم إنجلترا على الإطلاق.
كانت القصة التي انتهيت منها تتناول خادما إنجليزيا يدرك بعد فوات الأوان أنه عاش حياته وفقا لقيم خاطئة، وأنه أفنى حياته في خدمة شخص متعاطف مع النازية، وأنه بعجزه عن تولي المسؤولية الأخلاقية والسياسية في حياته، قد أهدر هذه الحياة إهدارا عميقا. وأنه فضلا عن ذلك، في مسعاه إلى أن يكون الخادم الأمثل، حرم نفسه الحب، أن يمنحه للمرأة الوحيدة التي اهتم بأمرها أو يناله منها.
كنت قد قرأت مخطوطتي مرات عديدة، فكنت أشعر بالرضا. ومع ذلك بقي ثمة إحساس مزعج بأن شيئا ما ناقص.
ثم حدث كما قلت أن كنت في بيتنا ذات مساء، على أريكتنا، منصتا إلى توم ويتس. وبدأ توم ويتس يغني أغنية "ذراعا روبي". لعل البعض منكم يعرفها. (وقد فكرت أن أغنيها لكم في هذه اللحظة لكنني غيرت رأيي). هي حكاية رجل، لعله جندي، يترك حبيبته نائمة في السرير. وفي الصباح المبكر يخرج إلى الطريق، ويركب القطار. لا شيء غريب في ذلك. ولكن طريقة أداء الأغنية هي طريقة متشرد أمريكي فظ لم يعتد قط أن يفصح عن مشاعره الدفينة. وتأتي لحظة، في منتصف الأغنية، عندما يخبرنا المغني أن قلبه ينفطر. لحظة مؤثرة بصورة لا تحتمل، بسبب التوتر بين الإحساس نفسه وبين المقاومة الهائلة التي يبدو لنا أنها قُهرت أخيرا من أجل الإفصاح عن المشاعر. توم ويتس يغني هذا البيت بجلال عظيم، فتشعر أن حياة كاملة من الكبت والتزمت تتهاوى في مواجهة حزن جارف.
وأنا أنصت إلى توم ويتس، أدركت ما بقي عليَّ أن أفعله. كنت دونما تفكير قد اتخذت قرارا، في مرحلة سابقة، بأن يظل خادمي الإنجليزي حتى النهاية على تحصيناته العاطفية التي تمكَّن طويلا من الاختفاء وراءها عن نفسه وعن القارئ. ثم رأيت أن أعدل عن ذلك القرار. لمجرد لحظة واحدة، قرب نهاية قصتي، لحظة كان عليّ أن أختارها بعناية، كان عليّ أن أجعل درعه ينصدع. كان عليَّ أن أتيح فرصة لنيل لمحة من توق مأساوي هائل كامن وراء ذلك الدرع.
يجدر بي هنا أن أقول إنني في عدد من المواقف الأخرى تعلّمت دروسا حاسمة من أصوات المغنين. وأنا هنا أشير إلى الكلمات التي يغنونها أقل مما أشير إلى الغناء نفسه. فالصوت البشري في الأغنية كما نعلم قادر على التعبير عن مزيج معقد وصعب المنال من المشاعر. بمرور السنين، تأثرت جوانب محددة في كتابتي بكثيرين من بينهم بوب ديلان ونينا سيمون وإيميليو هاريس وراي تشارلز وبروس سبرينجستين وجيليان ويلش وصديقتي وشريكتي ستيسي كينت. كنت أقع على شيء ما في أصواتهم فأقول لنفسي: "آه، نعم، هذا هو. هذا هو ما أحتاج أن أقتنصه في ذلك المشهد. شيء شديد الشبه بذلك". كثيرا ما يكون عاطفة لا أستطيع نيلها في كلمات، لكنها أمامي، في صوت مغن، لقد نلت الآن شيئا علي أن أسعى إليه.
*
في أكتوبر 1999 دعاني الشاعر الألماني كرشتوف هيوبنر بالنيابة عن لجنة أوشفيتز لقضاء أيام قليلة في زيارة معسكر الاعتقال القديم. كان مقر إقامتي في مركز اجتماعات شباب أوشفيتز على الطريق بين معسكر أوشفيتز الأول ومعسكر بيركنيو على بعد ميلين. زرت تلك المواقع وقابلت بصفة غير رسمية ثلاثة ممن نجوا منها. شعرت أنني اقتربت، ولو جغرافيا على الأقل، من قلب القوة الغاشمة التي نشأ جيلي في ظلالها. وفي عصر يوم رطب في بيركنيو، وقفت أمام أطلال غرف الغاز، وقد باتت مهملة وغير جاذبة للزوار بصورة غريبة، كانت لا تزال على الحال الذي تركها عليه الألمان بعدما فجَّروها وهربوا من الجيش الأحمر. كانت قد باتت محض ألواح مكسورة رطبة مهملة عرضة للمناخ البولندي القاسي، تتدهور من سنة إلى سنة. تكلم من استضافوني عن مأزقهم. هل يجب الحفاظ على هذه البقايا؟ هل ينبغي إقامة قباب شفافة لتغطيتها، حفاظا عليها لأعين الأجيال التالية؟ أم ترى ينبغي تركها  لتتعفن ببطء على يد الطبيعة حتى تصير عدما؟ بدت لي تلك استعارة قوية لمأزق أكبر. كيف ينبغي الحفاظ على تلك الذكريات؟ هل تحول القباب الزجاجية آثار الشر والمعاناة تلك إلى معروضات متحفية؟ ما الذي نختار أن نتذكره؟ ومتى يحسن بنا أن ننسى ونتجاوز؟
كنت في الرابعة والأربعين آنذاك. حتى ذلك الحين، كنت أرى الحرب العالمية الثانية، بأهوالها وانتصاراتها، شيئا ينتمي إلى جيل أبويّ. ثم خطر لي أنه لن يمرّ وقتٌ طويلٌ إلا وكثير ممن رأوا تلك الأحداث الجسام رأي العين غير أحياء. فما العمل حينئذ؟ هل انتقل عبء التذكر إلى جيلي أنا؟ نحن لم نعش تلك السنوات، ولكننا نشأنا على الأقل على أيدي آباء صاغت هذه الحرب حياتهم. هل صار عليَّ أنا كحكَّاء للحكايات واجب كنت حتى ذلك الحين غير واع به؟ واجب أن أنقل على أفضل نحو ممكن ذكريات ودروس جيل أبوي إلى الجيل التالي لجيلي؟
بعد فترة قصيرة، كنت أتكلم أمام جمهور في طوكيو، وسألتني واحدة من الحضور السؤال المعتاد: ما العمل الذي ستنشغل به في الفترة القادمة؟ ثم أشارت بصورة أكثر تحديدا إلى أن كتبي السابقة كانت تهتم في الغالب بأفراد عاشوا في أوقات اضطراب عظيم اجتماعي وسياسي، وراحوا ينظرون إلى حيواتهم ويكافحون لتقبل الجوانب المقبضة أو المخجلة من ذكرياتهم. سألت، هل كتبك القادمة ستستمر في تناول هذا المنحنى نفسه؟
ووجدت نفسي أدلي بإجابة غير سابقة الإعداد. قلت، نعم، لقد كتبت كثيرا عن أفراد يكافحون بين النسيان والتذكر، لكن في المستقبل، ما أرجو فعلا أن أفعله هو أن أكتب قصة عن أمة أو مجتمع في مواجهة هذه الأسئلة نفسها. هل الأمة تتذكر وتنسى بمثل الطريقة التي ينسى بها الفرد أو يتذكر؟ أم هل هناك فوارق مهمة؟ ماذا تكون بالضبط ذكريات أمة؟ أين هي محفوظة؟ كيف تصاغ وكيف يجري التحكم فيها؟ هل هناك أوقات يكون فيها النسيان هو السبيل الوحيد لإيقاف دوائر العنف، أو لمنع مجتمع من التحلل إلى الفوضى أو الحرب؟ في المقابل، هل بوسع أمم حرة مستقرة أن تقام على أسس من فقدان الذاكرة العمدي والعدل غير المتحقق؟ سمعت نفسي أقول للسائلة إنني أريد أن أجد طريقة للكتابة عن هذه الأمور، ولكنني للأسف حتى تلك اللحظة لم أكن عرفت كيف أفعل ذلك.
*
ذات مساء في مطلع عام 2001، في الغرفة الأمامية المعتمة من بيتنا في شمال لندن (الذي صرنا نعيش فيه بحلول ذلك الوقت)، أخذت أنا ولورنا نشاهد شريط فيديو ذي جودة مقبولة لفيلم هوارد هاوكس من إنتاج سنة 1934 بعنوان "القرن العشرون". سرعان ما اكتشفنا أن عنوان الفيلم لا يشير إلى القرن الذي كنا قد تركناه وراءنا للتو، بل إلى قطار فاخر شهير في عصره يصل بين نيويورك وشيكاغو. وكما يعلم البعض منكم، فإن الفيلم كوميديا سريعة الإيقاع تجري أغلب أحداثها على القطار وتتعلق بمنتج [مسرحي] في برودواي يحاول بيأس متزايد أن يمنع بطلة فرقته من الذهاب إلى هوليود لتصبح نجمة سينما. والفيلم مبني حول استعراض كوميدي ضخم لجون باريمور، وهو من كبار الممثلين في زمنه. تعبيرات وجهه، وإيماءاته، وتقريبا كل جملة ينطق بها تأتي محملة بالمفارقات والتناقضات والوحشية الكامنة في رجل غارق في ذاته وأوهامه عن نفسه. وهو من نواح كثيرة عرض رائع. لكن، مع تقدم الفيلم وتكشف الأحداث، وجدت نفسي منفصلا عنه بصورة غريبة. وحيَّرني الأمر في البداية. فأنا في العادة محب لباريمور، وكنت من كبار المتحمسين لأفلام هوارد هاوكس الأخرى في هذه الفترة، مثل "فتاته يوم الجمعة" و"للملائكة فقط أجنحة". ثم حدث بعد مرور قرابة ساعة من الفيلم، أن مرَّت برأسي فكرة بسيطة ومفاجئة. السبب الذي يجعل الكثير من الشخصيات الحية والمقنعة بلا مراء في الروايات والأفلام والمسرحيات عاجزة عن لمسي هو أن هذه الشخصيات لا ترتبط بأي من الشخصيات في علاقة إنسانية مثيرة للاهتمام. وعلى الفور خطرت لي فكرة تالية ذات علاقة بعملي: ماذا لو توقفت عن الانشغال بشخصياتي وانشغلت بدلا من ذلك بعلاقاتي؟
ومع تقدم القطار وقعقعته باتجاه الغرب وازدياد توغل جون باريمور في الهستيريا، فكرت في تمييز "إي إم فورستر" الشهير بين الشخصيات ذات البعدين والشخصيات ثلاثية الأبعاد. قال إن الشخصية في القصة تصبح ثلاثية الأبعاد بفضل حقيقة قدرتها على أن "تدهشنا بصورة مقنعة"، فبذلك تصبح شخصيات "مدورة". وبدأت أتساءل، لكن ماذا لو أن شخصية ثلاثية الأبعاد، بينما جميع علاقاتها ليست كذلك؟ في موضع آخر من سلسلة المحاضرات نفسها، كان فورستر قد استعمل صورة ظريفة لاستخراج الخط الحكائي من رواية بمبضع وإمساكها كأنها دودة لفحصها تحت الضوء. أليس بوسعي أن أفعل شيئا مماثلا وأمسك في النور العلاقات المتعددة التي تتقاطع في قصتي؟ هل بوسعي أن أفعل هذا مع قصص كتبتها وأخرى أكتبها؟ بوسعي أن أنظر مثلا إلى تلك العلاقة بين المعلم والتلميذ. هل تقول العلاقة شيئا عميقا وجديدا؟ أم ترى يبدو جليا وأنا أحملق فيها أنها تتحول إلى نمط مستهلك مماثل لما يوجد في مئات القصص العادية؟ أو هذه العلاقة بين الصديقين المتنافسين: أهي ديناميكية؟ هل فيها وقع عاطفي؟ هل تتطور؟ هل تدهش إدهاشا مقنعا؟ أهي ثلاثية الأبعاد؟ شعرت فجأة أنني بت أكثر فهما للسبب الذي جعل جوانب عديدة من أعمالي السابقة تفشل، برغم تقديمي لها علاجات يائسة. فكرت، وأنا مستمر في مشاهدة جون باريمور، أن جميع القصص الجيدة، مهما يكن تطرف مزاج الحكي فيها أو تقليديته، تحتوي حتما على علاقات مهمة لنا، تؤثر فينا، وتسلينا، وتغضبنا، وتدهشنا. فربما إن انتبهت أكثر في المستقبل لعلاقاتي، تهتم شخصياتي بأنفسها.
ويخطر لي وأنا أقول هذا أنني ربما أقول الآن أمرا كان واضحا لكم أنتم طول الوقت. لكن كل ما يمكنني قوله هو أن هذه الفكرة خطرت لي فجأة في وقت متأخر من حياتي الكتابية، وأراها الآن باعتبارها نقطة تحول بالمقارنة مع نقاط تحول أخرى كلمتكم عنها اليوم. اعتبارا من ذلك بدأت أبني قصص على نحو مختلف. فعند كتابة روايتي "لا تدعني أرحل"  على سبيل المثال انطلقت منذ البداية في التفكير في مثلث علاقاتها المركزي، ثم في العلاقات الأخرى المتفرعة منه.
*
نقاط التحول المهمة في حياة الكاتب ـ وربما في الكثير من المهن ـ شبيهة بهذه. تكون في الغالب لحظات بسيطة وصغيرة. تكون شرارات هادئة وشخصية من الإلهام. وهي لا تأتي كثيرا، وحين تأتي، لا تأتي بجلبة أو خيلاء، أو بشهادة من الأساتذة أو الزملاء. ولا بد أن تتنافس على الاهتمام مع مطالب أخرى أكثر إلحاحا وأعلى صوتا. وأحيانا يتعارض ما تكشف عنه مع الرأي السائد. لكن حينما تأتي، من المهم أن يكون المرء قادرا على إدراكها مثلما هي. وإلا فإنها تنسرب من بين يديه.
إنني أركز في كلامي كله على الصغير والشخصي، لأن هذا هو ما يتناوله جوهر عملي كله. شخص يكتب في غرفة هادئة، محاولا التواصل مع شخص آخر يقرأ في غرفة أخرى هادئة أو ربما غير شديدة الهدوء. والقصص قادرة على التسلية، وأحيانا على التعليم، أو إثبات رأي. لكن المهم عندي أنها قادرة على توصيل مشاعر. وأنها تستعين بما نشترك فيه نحن البشر برغم الحدود والانقسامات. وثمة صناعات كبيرة وبديعة قائمة حول القصص: صناعة الكتاب، وصناعة السينما، وصناعة التليفزيون، وصناعة المسرح. لكن القصص، في النهاية، تدور دائما حول شخص يقول لشخص: هكذا أشعر. هل تفهم ما أقوله؟ هل شعورك به مثل شعوري أنا به؟
*
 ونأتي إلى الحاضر. استيقظت أخيرا لأدرك أنني عشت بضع سنين في فقاعة. أنني عجزت عن ملاحظة الإحباط والخوف لدى كثيرين ممن حولي. أدركت أن عالمي ـ وهو مكان متحضر محفِّز مليء بأشخاص ساخرين ليبراليين متفتحي العقول ـ كان في حقيقته أصغر كثيرا مما كنت أتخيل. لقد كانت سنة 2016 سنة أحداث سياسية مدهشة ـ ومحبطة بالنسبة لي ـ في أوربا وأمريكا، وأعمال إرهابية مقيتة في شتى أرجاء الكوكب، فأرغمني ذلك على الاعتراف بأن التقدم المطرد للقيم الإنسانية اللبرالية الذي كنت أعتبره منذ طفولتي مسلمة من المسلمات ربما لم يكن إلا وهما.
أنا جزء من جيل يميل إلى التفاؤل، ولم لا؟ وقد رأينا كبارنا ينجحون في تحويل أوربا من أرض أنظمة الحكم الاستبدادية، والإبادة الجماعية، والمذابح غير المسبوقة تاريخيا، إلى منطقة ديمقراطيات ليبرالية محسودة تعيش في شبه صداقة لا حدود لها. شهدنا الإمبارطوريات الكولنيالية تتهاوى في العالم هي والافتراضات الكريهة التي قامت عليها. رأينا تقدما ملموسا في النسوية وحقوق المثليين ومعارك على جبهات عديدة ضد العنصرية. نشأنا على خلفية صدام عظيم ـ أيديولوجي وعسكري ـ بين الرأسمالية والشيوعية وشهدنا ما يعتبره الكثيرون منا نهايته السعيدة.
لكن الآن، إذ أنظر إلى الوراء، تبدو الحقبة المنصرمة منذ هدم سور برلين أشبه بحقبة رضا عن الذات، حقبة فرص ضائعة. تفاوتات هائلة ـ في الثروة والفرصة ـ سمح لها بالنمو بين الأمم وبعضها وداخل كل أمة. وبصفة خاصة، الغزو الكارثي للعراق سنة 2003، وسنوات طويلة من سياسات التقشف المفروضة على البشر العاديين في أعقاب أزمة 2008 الاقتصادية وصلت بنا إلى حاضر نرى فيه أيديولوجيات اليمين المتطرف  والقوميات القَبَلية تتكاثر. ونشهد العنصرية في أشكالها التقليدية وفي نسخها المحدثة جيدة التسويق في صعود مرة أخرى، نراها تنشط تحت شوارعنا المتحضرة كأنها وحش مدفون يستيقظ. وفي اللحظة الراهنة يبدو أننا يعوزنا وجود قضية تقدمية توحدنا. بل إننا بدلا من ذلك التوحد، بتنا في دول الغرب الديمقراطية الثرية نتشرذم إلى معسكرات متناحرة تتنافس بضراوة على الموارد أو الطاقة.
وهنا في المنعطف، أم ترانا تجاوزنا هذا المنعطف، تكمن التحديات التي تثيرها فتوحات مذهلة في العلوم والتكنولوجيا والطب. تقنيات جينية جديدة ـ مثل تقنية كريسبر CRISPR  لتعديل الجينات ـ وتطورات في الذكاء الاصطناعي سوف تحقق لنا منافع مذهلة منقذة للحياة لكنها قد تخلق أيضا حكومات نخب همجية تشبه الأبارتيد، وبطالة هائلة، تشمل حتى بعض من يشغلون الآن الوظائف المهنية النخبوية.
وها أنا ذا، رجل في الستينيات من عمره، أدعك عيني محاولا أن أتبين الأشكال وسط الضباب في هذا العالم الذي لم أكن أحسب أنه موجود حتى الأمس. هل بوسعي أنا الكاتب المتعب المنتمي إلى جيل منهك فكريا، أن أجد الآن طاقة للنظر إلى هذا المكان غير المألوف؟ هل بقي لدي شيء قد يساعد على تقديم وجهة نظر، وإدخال طبقات شعورية في النقاشات والشجارات والحروب التي سوف تنشب وسط نضال المجتمعات من أجل التكيف مع التغيرات الهائلة؟
سيكون عليَّ أن أواصل وأبذل أفضل ما في وسعي. لأنني لم أزل أومن أن الأدب مهم، وسيظل مهما ونحن نعبر هذه الأرض الصعبة. ولكنني سوف أنظر إلى الكتَّاب الأصغر سنا باحثا لديهم عن إلهام لنا. فهذا عصرهم، وستكون لديهم من المعرفة به ومن الغريزة ما ليس لديَّ. وفي عوالم الكتب والسينما والتليفزيون والمسرح أرى اليوم مواهب مثيرة مغامرة: نساء ورجالا في الأربعينيات والثلاثينيات والعشرينيات. ومن هنا تفاؤلي، ولم لا أكون متفائلا؟
لكن اسمحوا لي أن أنهي هذا المرافعة، إن شئتم، مرافعة نوبل! من الصعب أن نضع العالم كله في نصابه الصحيح، لكن لنحاول على أقل تقدير أن نفكر في طريقة نستطيع بها تهيئة ركننا الصغير من العالم، ركن "الأدب" الذي نقرأ فيه ونكتب وننشر ونوصي ونرفض ونمنح الجوائز للكتب. لو أن لنا أن نقوم بدور مهم في هذا المستقبل المضطرب، لو أن لنا أن نستخلص أفضل ما كتّاب اليوم والغد، أعتقد أننا لا بد أن نصبح أكثر تنوعا. وأرمي من هذا إلى مقصدين محددين.
أولا، لا بد أن نوسع عالمنا الأدبي المشترك ليتسع لمزيد من الأصوات الخارجة عما نألفه ونركن إليه، أعني خارج نخبة ثقافات العالم الأول.علينا أن نبحث بمزيد من الحماس لاكتشاف جواهر الثقافات الأدبية المجهولة حتى يومنا هذا، سواء أكانت هذه الجواهر كتابا يعيشون في بلاد بعيدة أو داخل مجتمعاتنا نفسها. ثانيا: لا بد أن نبذل عناية عظيمة لكي لا نضع تعريفات أضيق من اللازم أو أكثر محافظة مما ينبغي لما يتكون منه الأدب الجيد. فالجيل القادم سوف يأتي بشتى أنواع الطرق الجديدة المذهلة في بعض الأحيان لحكي قصص مهمة ورائعة. لا بد أن نبقي أذهاننا مفتوحة لهم، لا سيما في ما يتعلق بالجنس الأدبي والقالب، من أجل أن نغذي أفضل ما فيهم ونحتفي به. ففي وقت الانقسام المتزايد تزايدا خطيرا، لا بد أن ننصت. فالكتابة الجيدة والقراءة الجيدة سوف تكسران الحواجز. بل إننا قد نعثر على فكرة جديدة، ورؤية إنسانية عظيمة، يمكن أن نحتشد وراءها.
وللأكاديمية السودية، ومؤسسة نوبل، وشعب السويد الذين جعل من جائزة نوبل على مدار السنين رمزا ساطعا للخير الذي ننشده نحن البشر، أقدم شكري.


الأحد، 10 ديسمبر 2017

كازو إيشيجورو: هكذا أقمت ياباني .. هكذا أقمت أدبي

كازو إيشيجورو في الجزء الأول من "محاضرة نوبل"
هكذا أقمت ياباني


لو كنتم قابلتموني في خريف عام 1979، لربما كان صعب عليكم تصنيفي، اجتماعيا أو حتى عرقيا. كنت آنذاك في الرابعة والعشرين من عمري. كانت قسمات وجهي لتبدو لكم يابانية، لكن شَعري، خلافا لمن كانوا يُرَوْن من اليابانيين في بريطانيا تلك الأيام، كان مسترسلا حتى كتفي، فضلا عن شارب متهدل على غرار شوارب قطاع الطرق. ولم يكن للكنة أن تستشعر في كلامي إلا لكنة من نشأ في مقطاعات إنجلترا الجنوبية، مع أثر في بعض الأحيان من عامية زمن الهيبيز الفاترة والبائدة حتى في تلك الأيام. ولو كنا تبادلنا الحديث، فلعل حديثنا ما كان ليخرج عن نقاش حول "طواحين كرة القدم الهولندية" أو حول أحدث ألبوم لبوب ديلان، أو ربما حول السنة التي قضيتها أعمل مع المشردين في لندن. ولو كنتم أتيتم على ذكر اليابان، فسألتموني عن ثقافتها، فلعلكم كنتم لتستشعروا أثرا من نفاد الصبر يشوب طريقتي في إعلان جهلي بالأرض التي لم أطأها بقدمي في ذلك البلد ـ ولا حتى في إجازة ـ منذ رحيلي عنها وأنا ابن خمس سنين.
في خريف ذلك العام كنت قد حملت حقيبة ظهر وجيتارا وآلة كاتبة محمولة وحللت على باكستن ـ بمقاطعة نورفولك ـ وهي قرية إنجليزية صغيرة فيها طاحونة مائية قديمة تحيطها من جميع الجهات حقول زراعية مبسوطة. كنت قد حللت على ذلك المكان إثر قبولي في برنامج دراسات عليا بجامعة آنجليا الشرقية مخصص للكتابة الإبداعية. كانت الجامعة تقع على بعد عشرة أميال، في مدينة نورويتش، ولكنني لم أكن أمتلك سيارة فلم يكن لي من وسيلة للذهاب إلى هناك إلا حافلة تعمل مرة واحدة في الصباح، ومرة واحدة في وقت الغداء ومرة في المساء. ولكن تلك، كما اكتشفت سريعا، لم تكن بالصعوبة الكبيرة: فلم يكن مطلوبا مني الحضور في الجامعة غير مرتين في الأسبوع. استأجرت غرفة في منزل صغير يملكه رجل في الثلاثينيات تركته زوجته للتو. وما من شك في أن البيت بالنسبة له كان يغص بأشباح أحلامه المحطمة، أو أن كل ما في الأمر أنه كان راغبا في اجتنابي، ومن جانبي أنا، كانت أيام تمر في بعض الأحيان بدون أن تقع عيناي عليه. أريد أن أقول إنني بعد حياة صاخبة كنت أعيشها في لندن، وجدت نفسي هنا، في مواجهة قدر غير معهود من الهدوء والعزلة لأحول نفسي إلى كاتب.
ولم تكن غرفتي في حقيقة الأمر شبيهة بسندرة [عِلِّية] الكاتب الكلاسيكية. كان سقفها ينحدر خانقا، ولكن كانت تتاح لي ـ إن وقفت على أطراف أصابع قدمي ـ رؤية من نافذتي الوحيدة للحقول المحروثة وهي تمتد حتى البعيد. كان ثمة منضدة صغيرة، تكاد تستولي على سطحها بالكامل آلتي الكاتبة ومصباح مكتبي، وعلى الأرض، بدلا من السرير، كان ثمة قطعة مستطيلة كبيرة من الفلين الصناعي تتسبب لي في العرق خلال نومي، حتى في ليالي البرد القاسية في نورفولك.
حدث في هذه الغرفة أن تمعنت بمنتهى الدقة في القصتين القصيرتين اللتين كتبتهما في الصيف، والتساؤل عما لو كانتا جيدتين بما يكفي لعرضهما على زملائي في الفصل. (وكنت قد عرفت أننا ستة في الفصل نلتقي مرة كل أسبوعين). في تلك المرحلة لم أكن كتبت الكثير غير ذلك في القص النثري، فما كنت حظيت بمكاني في ذلك الفصل الدراسي إلا بمسرحية إذاعية رفضتها بي بي سي. في واقع الأمر، لم أكن بلغت العشرين إلا ولدي خطط واضحة لأن أكون نجم روك، إلى أن أفصحت لي طموحاتي الأدبية قبل وقت قصير عن وجودها. أما القصتان القصيرتان اللتان انشغلت بتدقيق أمرهما فكانتا قد كتبتا في ذعر، وفي رد فعل انفعالي على خبر قبولي في البرنامج الجامعي. إحداهما عن اتفاق رهيب على الانتحار، والأخرى عن شجارات في شوارع أسكتلندة التي سبق أن قضيت فيها بعض الوقت عاملا اجتماعيا. ولم تكن القصتان جيدتين كثيرا. فبدأت قصة أخرى عن مراهق يقتل قطته بالسم، تجري أحداثها مثل الأخريين في بريطانيا ذلك الزمن. وحدث ذات ليلة من أسبوعي الثالث أو الرابع في تلك الغرفة الصغيرة أن وجدت نفسي أكتب بحماسة جديدة وملحة عن اليابان، عن مدينة نجازاكي التي ولدت فيها، خلال الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية.
ويجدر بي إيضاح أن هذا كان بالنسبة لي مدهشا. المناخ السائد اليوم، بل الغريزة إن شئتم، هي أن يعمد كل كاتب ناشئ ذي أصول ثقافية مختلطة إلى استكشاف "جذور"ـه في أعماله. لكن الحال لم يكن كذلك في ذلك الزمن. كنا لا نزال على بعد سنوات قليلة من انفجار أدب "الثقافات المتعددة" في بريطانيا. كان سلمان رشدي غير معروف، وله رواية وحيدة منشورة ونافدة. وكان الناس إن سئلوا عن الروائي البريطاني الشاب الأهم في تلك الفترة فقد يذكرون مارجريت درابل، ومن الكتاب الأكبر سنا، أيريس مردوك وكينسلي آميس ووليم جولدنج وأنطوني بيرجس وجون فاولز، أما الأجانب من أمثال جابرييل جارثيا ماركيز وميلان كونديرا وبورخس فكانوا غير مقروئين إلا بأعداد ضئيلة، ولم تكن أسماؤهم معروفة حتى للقراء المتمرسين.
ذلك هو المناخ الأدبي السائد في ذلك الوقت، فلما انتهيت من قصتي اليابانية الأولى، وبرغم إحساسي بأنني اكتشفت اتجاها جديدا ومهما، بدأت على الفور أتساءل إن كان هذا الانفصال سوف يرى باعتباره استغراقا في الذات إذا أنا لم أرجع وبسرعة إلى مواضيع أكثر "طبيعية". ولم يحدث إلا بعد تردد غير قليل أن بدأت أعرض قصتي، ولا أزال إلى يومنا هذا ممتنا لزملائي وأستاذيَّ مالكولم برادبيري وأنجيلا كارتر والروائي باول بايلي ـ وكان الكاتب المقيم في الجامعة في تلك السنة ـ على رد فعلهم المشجع تماما. فلو أنهم كانوا أقل إيجابية، لعلي ما كنت كتبت مرة أخرى أبدا عن اليابان. ما حدث أنني رجعت إلى غرفتي وكتبت، وكتبت. خلال شتاء 1979-1980، وحتى الربيع، لم أكلم أحدا قط باستثناء الطلبة الخمسة في فصلي، وصاحب بقالة القرية الذي كنت أشتري منه حبوب الإفطار وكُلْيَة الضأن التي كنت أعيش عليها، وصديقتي لورنا (وهي زوجتي الحالية) التي كانت تأتي لزيارتي كل أسبوعين. لم تكن حياة متوازنة، ولكن في تلك الشهور الأربعة أو الخمسة أمكنني أن أنهي نصف روايتي "منظر شاحب للتلال A Pale View of Hills  " التي تدور أحداثها أيضا في نجازاكي في سنوات التعافي بعد إلقاء القنبلة الذرية. وبوسعي أن أتذكر أنني كنت في تلك الفترة أعمد بين الحين والآخر إلى معالجة بعض أفكار لقصص قصيرة لا تجري أحداثها في اليابان لأجد اهتمامي يفتر بمنتهى السرعة.
تلك الشهور كانت حاسمة في حياتي لدرجة أنني لولاها ربما ما كنت لأصبح كاتبا. وكم نظرت ورائي منذ ذلك الحين متسائلا: ما الذي كان يجري لي؟ وأي طاقة بالضبط كانت تلك الطاقة؟ فكان ما أصل إليه هو أنني في تلك المرحلة من حياتي أصبحت منهمكا في عملية إنقاذ ملحة. ولكي أشرح هذا، سأكون بحاجة أن أرجع قليلا إلى الوراء.
*
كنت قد جئت إلى انجلترا وأنا في الخامسة من عمري، مع أبويّ وشقيقتي في ابريل سنة 1960، لنقيم ببلدة جيلدفورد في سوري، في "حزام مضاربي البورصة" [أو حزام الأثرياء] الذي يقع على بعد ثلاثين ميلا إلى الجنوب من لندن. كان أبي باحثا علميا، متخصصا في علوم المحيطات وجاء للعمل لحساب الحكومة البريطانية. ويتصادف أن الآلة التي اخترعها أصبحت اليوم جزءا من المجموعة الدائمة في متحف العلوم بلندن.
تظهر إنجلترا في الصور الفوتغرافية الملتقطة بعيد وصولنا إنجلترا عصر تبخر. كان الرجال لا يزالون يرتدون بلوفرات صوفية بفتحة رقبة مثلثة مع ربطات عنق، ولا تزال للسيارات ألواح أسفل الأبواب وإطارات احتياطية معلقة في الخلف. وفي الأجواء أينما نظرت هناك البيتلز، والثورة الجنسية، ومظاهرات الطلبة، و"التعددية الثقافية"، ولكن من الصعب أن تصدقوا كيف كانت انجلترا التي صادفتها أسرتي للمرة الأولى، أو حتى أن تتصوروها. فقد كانت مقابلة أجنبي من فرنسا أو إيطاليا حدثا فريدا بالقدر الكافي، ناهيكم عن أن يكون من اليابان.
أقامت أسرتي في زقاق من اثني عشر بيتا في الموضع الذي تنتهي عنده الطرق الأسفلتية بالضبط ويبدأ الريف. كنا نمشي خمس دقائق لا أكثر فنصل إلى المزرعة المحلية وإذا بنا أمام العشب وصفوف تلو صفوف من الأبقار المتثاقلة في مشيها وسط الحقول. كان الحليب يصلنا على عربة يجرها حصان. ومن المشاهد الشائعة التي أتذكرها بوضوح من أيامي الأولى في إنجلترا منظر القنافذ، تلك الكائنات الليلية اللطيفة الشائكة وكانت غزيرة الأعداد في الريف، إذ تدهسها إطارات السيارات في الليل، لتبقى في ندى الصبح ملتصقة تماما على جوانب الطرق في انتظار أن يرفعها جامعو القمامة.
كان جميع جيراننا يذهبون إلى الكنيسة، فحينما كنت أذهب لألعب مع أبنائهم ألاحظ أنهم يتلون صلاة قصيرة قبل تناول الطعام.
حضرت مدرسة الأحد [الكنسية]، ولم يمض وقت طويل حتى كنت أغني في الكورال، فما بلغت العاشرة إلا وأنا أول رئيس كورال ياباني في جيلدفورد. التحقت بالمدرسة الابتدائية المحلية، فكنت الطفل غير الإنجليزي الوحيد، وربما الوحيد في تاريخ تلك المدرسة كله، ومنذ أن بلغت الحادية عشرة، كنت أسافر بالقطار إلى مدرسة النحو في البلدة المجاورة، فيكون معي في العربة نفسها رجال في سترات مقلّمة وقبعات في طريقهم إلى مكاتبهم في لندن.
بوصولي إلى تلك المرحلة كنت قد تعلمت تماما السلوكيات المتوقعة من أبناء الطبقة الوسطى الإنجليز في تلك الأيام. فحينما كنت أزور منزل أصدقاء، كنت أعرف أنني يجب أن أقف منتبها لحظة أن يدخل الغرفة شخص كبير، وتعلمت أنني في أثناء تناول الوجبة يجب أن أطلب الإذن قبل القيام عن المائدة. وبوصفي الولد الأجنبي الوحيد في الحي، توافر لي شيء من الشهرة المحلية أينما كنت. فكان بقية الأولاد يعرفون من أنا قبل أن أقابلهم. حتى الكبار الذين كانوا أغرابا عني تماما كانوا في بعض الأحيان يحيونني بالاسم حينما يقابلونني في الشارع أو في المتجر المحلي.
حينما أرجع النظر إلى هذه الفترة، وأتذكر أن عشرين سنة لم تكن مرت بعد على نهاية حرب عالمية كانت اليابان فيها عدوا شرسا لهم، يدهشني الانفتاح والكرم الفطري الذي قوبلت به أسرتي من ذلك المجتمع الإنجليزي العادي. وما المحبة والاحترام والفضول التي أحتفظ بها إلى يومنا هذا تجاه جيل البريطانيين الذين عاشوا الحرب العالمية الثانية وتجاوزوها وأقاموا دولة رفاه جديدة فريدة في أعقابها إلا نتيجة لتجاربي الشخصية في تلك السنوات.
لكنني طوال هذا الوقت كله كنت أعيش حياة أخرى في البيت مع أبويّ اليابانيين. فقد كانت في البيت قواعد مختلفة، وتوقعات مختلفة، ولغة مختلفة. كانت نية والديّ في بداية الأمر أن نرجع إلى اليابان بعد سنة، أو ربما اثنتين. والحق أننا طوال سنواتنا الإحدى عشرة الأولى في بريطانيا كنا نعيش حالة دائمة من الرجوع "في السنة القادمة". ونتيجة لذلك بقيت صورة والديَّ صورة زائرين، لا مهاجرين. فقد كانا كثيرا ما يتبادلان ملاحظات عن عادات أبناء البلد المثيرة بدون الإحساس بأن عليهما أن يتبنيا تلك العادات. ولوقت طويل بقي ثمة افتراض بأنني راجع لأعيش حياتي الراشدة في اليابان، وبذلت جهود للمحافظة على الجانب الياباني في تعليمي. فكان يصل كلَّ شهر طرد من اليابان، محتويات القصص المصورة الصادرة في الشهر السابق، والمجلات، والإصدارات التعليمية، فكنت ألتهمها جميعا في نهم. وتوقفت تلك الطرود عن الوصول في مرحلة ما من مراهقتي ـ ربما بعد موت جدي ـ ولكن حديث والديّ عن أصدقائهما القدامى، وأقاربهما، وحكايات حياتيهما في اليابان وفرت لي مددا دائما من الصور والانطباعات. ثم إنه كان لدي أنا أيضا مخزوني الخاص من الذكريات، والمدهش أنه كان شاسعا وواضحا: عن جدي، ولعبي المفضلة التي تركتها هناك، والبيت الياباني التقليدي الذي كنا نعيش فيه (والذي ما أزال قادرا حتى يومنا هذا على استحضاره في ذهني غرفة غرفة)، وحضانتي، ومحطة الترام المحلية، والكلب الشرس المقيم عند الجسر، ومقعد محل الحلاق المصمم خصيصا ليلائم الصغار بمقود سيارة مثبت أمام المرآة.
الخلاصة من ذلك كله أنني في نشأتي الأولى، وقبل وقت طويل من تفكيري مجرد التفكير في إنشاء عوالم روائية نثرية، كنت منشغلا بأن أقيم في ذهني مكانا ثريا بالتفاصيل اسمه "اليابان"، مكانا كنت بطريقة أو بأخرى أنتمي إليه، ومنه استلهمت إحساسا معينا بهويتي وثقتي. أما كوني لم أرجع قط إلى اليابان في تلك الأيام ففائدته الوحيدة أنه جعل رؤيتي للبلد شديدة النصوع والشخصية.
ومن هنا الحاجة إلى الإنقاذ. فبحلول الوقت الذي بلغت فيه منتصف العشرينيات من عمري ـ وبرغم أنني لم أتبين هذا بوضوح في حينه ـ بدأت أدرك بعض الأمور الأساسية. بدأت أتقبل أن يابانـ"ـي" قد لا تتماثل كثيرا مع أي مكان يمكنني الذهاب إليه بالطائرة، وأن الحياة التي كان يتكلم عنها أبواي، والتي أتذكرها أنا من طفولتي الغضة، كان قد اختفى إلى حد كبير في الستينيات والسبعينيات، وأن اليابان الموجودة في رأسي على أي حال ربما لم تكن طوال الوقت إلا بناء عاطفيا أقامه طفل من ذاكرته وخياله وتكهناته. ولعل الأهم أنني بت أدرك أنني كلما كبرت عاما، كانت تلك اليابان الخاصة بي، يابان المكان الغالي الذي نشأت فيه، تزداد شحوبا على شحوب.
أنا الآن على يقين من أن هذا الإحساس، الإحساس بأن يابانـ"ـي" كانت فريدة وفي الوقت نفسه بالغة الهشاشة ـ فهي شيء لا يمكن التحقق منه من خارجه، هو الذي ساقني إلى العمل في تلك الغرفة الصغيرة في نورفولك. ما كنت أفعله هو أنني كنت أضع على الورق ألوان ذلك العالم الفريدة وأعرافه وآدابه وفضائله ونقائصه وكل أفكاري عنه قبل أن تتبدد إلى الأبد من ذهني. كان رجائي هو أن أعيد بناء اليابان في الخيال، وتأمينه، بحيث يصير بوسعي أن أشير إلى كتاب قائلا: "نعم، ها هنا ياباني، بداخله".
*

انتهى الجزء الأول، ونشر اليوم في جريدة عمان، ويليهالجزء الثاني "هكذا أقمت أدبي"


الجمعة، 6 أكتوبر 2017

كازو إيشيجورو: أرى تماثلات كثيرة بن الروايات والأغنيات

ضمن سلسلة نيويورك تايمز الحوارية مع الكتاب حول قراءاتهم وكتبهم المفضلة، الروائي البريطاني  كازو إيشيجورو

أرى تماثلات كثيرة بين الروايات والأغنيات


ـ ما الكتب الموجودة حاليا على المنضدة المجاورة لسريرك؟
ـ مثلما أوضح طول الوقت لزوجتي، فإن كل كتاب على المنضدة المجاورة لسريري هو جزء من مشروع ما أساسي، وإنه لا مجال على الإطلاق لترتيبها. هناك على سبيل المثال مشروعي عن هوميروس، ولذلك فهناك ترجمات ستيفن ميتشل الجديدة للإلياذة والأوديسة. وقد انتهيت من الأولى، ولكنها يجب أن تظل موجودة في مكانها إلى أن أنتهي من الأخيرة. هذه النسخ أكثر انضباطا، وأقل غنائية من ترجمات فيجلز العظيمة، ولكن المشاعر العظيمة تبقى حاضرة بقوة في تعبيرات أبسط. وتحت الكتابين ثمة "الميت العظيم: سر أهمية هوميروس" لآدم نيكولسن، والذي قد أقرؤه أو لا أقرؤه لاحقا. ولدي بعد ذلك مشروعي القوطي الجنوبي: فهناك كتب كارسن مكالرز "القلب صياد وحيد"، وفلانري أوكونور "دم حكيم"، ولم أقرأ كليهما من قبل. وفوقهما "جوني ميتشل عبر كلماتها: حوارات مع مالكا ماروم". ومن الغريب أنني أزداد إعجابا بميتشل كلما تقدم بي العمر (وهذا عكس تجربتي مع أغلب مجايليها السبعينيين من كتاب الأغنيات). ألبومات مثل "هجرة Hejira" و"أزرق" تبدو لي الآن بلا أشك من جملة الفن العظيم، ولا أثر على الإطلاق في تقييمي هذا للنوستالجيا. ولكنها طالما كانت بالنسبة لي لغزا، وأرجو أن يكون هذا الكتاب حافلا بالاكتشافات.

ـ من الروائي المفضل لديك من كل العصور؟
ـ تشارلوت برونتي زحزحت في الفترة الأخيرة دوستويفسكي. ففي إعادة قراءتي لدوستويفسكي في نضجي، أجدني أقل صبرا على سنتمنتاليته، وعلى الاستطرادات والارتجالات المطولة التي كان ينبغي حذفها أثناء التحرير. ولكن تناوله للجنون شامل وعميق، حتى ليتصور المرء أنه تشخيص إنساني مطلق. أما عن برونتي، فحسن، أنا أدين بمسيرتي الروائية كلها، وبأشياء أخرى أيضا، لـ "جين إير" و"فيليتي".

ـ ما الكتب التي قد يدهشنا وجودها في مكتبتك؟
ـ عندي قسم مخصص لروايات الغرب الأمريكي. وفي ضوء مركزية هذه الأسطورة الحدودية في ذاكرة أمريكا الجمعية، فإنني طالما اندهشت من عزوف المجتمع الأدبي في أمريكا عن تبني هذا النوع الأدبي بالحماس اللائق به. بل إنني أستشعر توترا، وهروبا من الموضوع، كلما أثير في في الدوائر الثقافية. هل سبب ذلك هو الإحساس فقط بأن السينما هي صاحبة الحق الأكبر في هذا الموضوع؟ أم أن ثمة إحساسا أعمق بعدم الارتياح للمنطقة التي يحتلها هذا النوع لا محالة؟ أرى في مكتبتي "الصخر الحقيقي"، و"واقعة بحيرة أوكسباو"، و"الظهيرة الدامية" (وهي جميعا من الروائع) و"اليمامة الوحيدة" (ولعلها كذلك أيضا)، و"ديدوود" و"معبر الجزار"، و"وقفة سانت آيجنز"، وغيرها. وجميعها بالفعل روايات جميلة. ولا تسألني عن "أبناء فرجينيا" ففيها فصلان رائعان في البداية، ولكنها بعد ذلك متواضعة إلى حد ما.

ـ علاوة على رواياتك، كتبت أيضا أغنيات جاز. كيف تقارن بين كتابة الرواية والكتابة للجاز؟ وهل لديك رواية مفضلة موضوعها الجاز؟
ـ في هذه الأيام لا أكتب غير الكلمات. عازف الساكسفون جيم توملنسن يؤلف الموسيقى ويوزعها، ونؤلف الأغنيات معا لمغنية الجاز العظيمة ستيسي كنت. ولكنني أكتب الأغاني منذ أن كنت في الخامسة عشرة، وثمة ـ في ما أرى ـ تداخل كبير بين الرواية والأغنية. أسلوبي كروائي يأتي بالدرجة الأساسية مما تعلمته من كتابة الأغاني. حميمية المغني المباشرة حينما يؤدي أمام الجمهور تماثل في نظري حالة كتابة الرواية تماثلا كبيرا. وكذلك الحاجة إلى تناول المعنى برهافة تصل في بعض الأحيان إلى ضرورة بثه في ما بين السطور. تلك جميعا أشياء لا بد لك أن تفعلها وأنت تكتب كلمات ليغنيها شخص ما.
أنا لم أقرأ قط رواية جيدة عن الجاز. محاولة كيرواك في هذا الصدد كانت بائسة. ولكن رواية مثل رواية موراكامي "جنوب الحدود، غرب الشمس" تبدو تجسيدا لروح الجاز، وتبدو قراءتها أشبه بالاستماع إلى أغنية جاز حزينة في آخر الليل. غير أن هناك ثلاثة أفلام بارزة موضوعها الجاز "قرابة منتصف الليل" لتافرنيير، و"الطائر" لإيستوود، وفيلم كاسافيتس المظلوم تماما "أغنيات بعد فوات الأوان" عن الموسيقيين الفاشلين في كاليفورنيا أواخر الخمسينيات.

ـ ما آخر كتاب قرأته فأثار ضحكك؟
ـ كتاب نانسي ميتفورد "الحب في الطقس البارد". ظريف بحق، لكن المدهش أنه مقبض أيضا.

ـ ما آخر كتاب قرأته فأثار بكاءك؟
ـ مسرحيات تيرنس راتيغان، وبالذات "النسخة البنية"، و"بعد الرقصة"، و"طريق الوهج" و"الصبي من وينسلو". هناك على أقل تقدير لحظة مؤثرة للغاية في كل منها، ومشاعر قوية دائمة. لم تفشل مرة في إثارة الدمع في عيني، سواء وأنا أقرؤها أو أشاهدها على الخشبة.

ـ أي قارئ كنت في طفولتك؟ وكتابك المفضل. وأحب الشخصيات؟
ـ مثل كثير من الصبية لم أكن أقرأ تقريبا، إلى أن حدث واكتشفت قصص شرلوك هولمز في مكتبة الحي. كنت في التاسعة أو العاشرة، فلم أكتف بالقراءة بهوس عن هولمز وواطسن، بل صرت أتصرف مثلهما. كنت أذهب إلى المدرسة فأقول أشياء من قبيل "اجلسي يا براي" و"هذا أمر شديد التفرد". فكان الناس في ذلك الوقت يرجعون كلامي إلى أنني ياباني.
"كلب باسكرفيلز" كانت ولا تزال أحب قصص هولمز إليّ. كانت مخيفة، حرمتني ليالي من النوم، لكنني أتصور أنني انجذبت إلى عالم كونان دويل لما وجدته ـ على النقيض من ذلك ـ عالما شديد الدفء.

ـ ما وقع مشاهدتك الأفلام المأخوذة عن كتبك؟ ولو أن لك أن تختار من بين كتبك عملا يتحول إلى فيلم فماذا يكون؟
ـ أمر مرض إلى أبعد حد أن تشاهد فريقا من الموهوبين المخلصين يحولون ما تناثر من خيالك دونما نظام إلى فيلم محكم. فيلما "بقايا النهار" و"لا تدعني أذهب" كانا تجربتين إيجابيتين تماما، وتعلمت منهما ما لم أكن أعرف عن الشخصيات، لا سيما من رؤى الممثلين. كنت في بعض الأحيان أتجاوز المعقول في الاعتراض على بعض الصور التي لا تتطابق وما في تصوري: "مهلا، أنتم أخطأتم تماما في تصوير هذه الغرفة! كيف خطر لكم أن تجعلوا الباب في هذا الجانب؟"، ولكنني لم أنظر قط إلى هذه الأفلام بوصفهما ترجمات لكتبي، بأي معنى من المعاني، أو مثلما أنظر مثلا إلى الطبعات الفرنسية. أراها دائما أعمالا مستقلة عن أعمالي، قد تكون بمثابة الأقارب، أو حتى أبناء العمومة، ولكنها منفصلة.
من أعمالي التي لم تتحول إلى سينما، أكثر ما أحب أن أراه على الشاشة الكبيرة هو الأحدث، روايتي "العملاق الدفين". قد يكون الفيلم أقرب إلى قصة ساموراي غرامية إنجليزية. وحقوق استغلالها السينمائي حاليا مع المنتج الاستثنائي سكوت رودن، لذلك عندي أسباب للتفاؤل.

ـ محبط، مغالى في تقديره، ببساطة رديء. ما الكتاب الذي تشعر أنه كان ينبغي أن يعجبك ولم يعجبك؟ هل تتذكر آخر كتاب تركته دون أن تكمله؟
ـ لا أريد أن أحدد عناوين. ولكن هناك كتبا كثيرا للغاية حولنا وقد شهد لها على أغلفتها أصدقاء مؤلفيها وزملاؤهم أو أكاديميون متقاعدون. لا بد أن تكون لنا وقفة مع هذه الشهادات المرتبة. ففيها فساد سافر، ومجاملات واضحة. وهي تخدع القارئ، وتمنع دون وصول الكتب الجيدة إلى ما تستحقه.

ـ لو كان لك أن تطلب من رئيس الوزراء أن يقرأ كتابا واحدا، فأي كتاب تختار؟
ـ أظنني أقترح على رئيس الوزراء رواية "إما أحمر أو ميت" وهي رواية لديفيد بيس عن مدرب كرة القدم بيل شانكلي. والأحمر إشارة إلى الشيوعية، وايضا إلى فريق ليفربول لكرة القدم. الرواية مجنونة، ولكنها عبقرية أيضا، وهي بمثابة نصب تذكاري للرقة المذهلة التي عرفتها الحياة البريطانية ذات يوم ولكنها الآن تتلاشى بسرعة.

ـ ما الكتاب الذي لم يؤلفه أحد وتتمنى أن تقرأه؟
ـ رواية جين أوستن السابعة، الرواية التي كان يمكن أن تكتبها في سنوات نضجها، ناظرة في أمر الحب وما يجري له بعيدا عن الغزل وليلة الزفاف.

ـ ما الكتب التي تعود إليها المرة تلو الأخرى؟
ـ لا أعيد قراءة كتب بأكملها، حتى الكتب المحببة إليّ. ولكنني أعيد قراءة قصص قصيرة معينة، مثلما أفعل مع مقطوعات موسيقية مفضلة. "ينابيع الصخرة" لريتشارد فورد، "أيونتش" لتشيخوف، "قل لي أقتل من" لفي إس نيبول، مجموعة "نيران" لريموند كارفر، "اللهب الفضي" لكونان دويل، ومسرحية جون مليلنتن سينج "في ظل غلين".

ـ ما الكتب التي تشعر بالحرج لأنك لم تقرأها؟
ـ القائمة أطول من أن تكون ذات معنى. وينضم إليها كتاب جديد كل بضعة أيام، بحسب ما يتكلم الناس عنه أمامي، والأحدث انضماما للقائمة رواية "الخدعة 22" لجوزيف هيلر

ـ ما الذي تخطط لقراءته لاحقا؟
ـ زوجتي تلح عليّ منذ فترة أن أقرأ رواية بريطانية جديدة هي الأولى لكاتبتها، عنوانها "ذات المعطف الأحمر" لـ كيت هامر. لاحظت أثناء قراءتها أنها لم تكن على طبيعتها إطلاقا. ظلت تقول إنها شديدة الإزعاج، وإنها تريد أن تتوقف عن قراءتها، ولكن التوقف مستحيل. والآن أريد أن أعرف ما إذا كان زوجتي مصابة بالهستريا.

نشرت الترجمة في موقع 24