الاثنين، 11 ديسمبر 2017

كازو إيشيجورو: هكذا أقمت ياباني .. هكذا أقمت أدبي

كازو إيشيجورو في الجزء الأول من "محاضرة نوبل"
هكذا أقمت أدبي

ربيع 1983. بعد ثلاث سنوات ونصف السنة. الآن أنا ولورنا في لندن، نقيم في غرفتين على سطح منزل ضيق مرتفع، مقام أيضا على تلٍّ في واحدة من أشد مناطق المدينة ارتفاعا. كان بالقرب منا برج تليفزيوني فكلما أردنا الاستماع إلى الاسطوانات، كانت أصوات البث الشبحية تغزو سماعاتنا. لم تكن لدينا أريكة في غرفة المعيشة، بل هما حشيتان على الأرض فوقهما بعض الوسائد. كانت هناك أيضا منضدة ضخمة أستعملها في الكتابة بالنهار ونتناول عليها العشاء في الليل. لم يكن مكانا مترفا ولكن الحياة فيه حلت لنا. كنت قد نشرت روايتي الأولى قبل سنة من ذلك، كما كتبت سيناريو فيلم قصير أوشك تليفزيون بي بي سي أن يذيعه في ذلك الوقت.
لفترة كنت أشعر بفخر معقول بروايتي الأولى، إلى أن حلَّ عليّ مع الربيع  إحساس مزعج بعدم الرضا. كانت المشكلة أن التشابه شديد بين الرواية الأولى والسيناريو الأول. لا في الموضوع، بل في النهج والأسلوب. كلما أمعنت النظر إلى روايتي بدت لي أشبه بسيناريو ـ حوار وإرشادات. ولم يكن في ذلك بأس إلى حد معين، ولكنني كنت أرغب في ذلك الوقت في كتابة أدب لا ينجح إلا على الورق. فما الداعي إلى كتابة رواية إذا كان غاية ما سوف تقدمه هو التجربة التي قد يمرّ بها شخص حينما يفتح التليفزيون؟ كيف يمكن أن يرجو الأدب المكتوب بقاء في مواجهة السينما والتليفزيون إذا هو لم يقدم شيئا فريدا، شيئا يستعصي على الأشكال الأخرى تقديمه؟
في ذلك الوقت تقريبا، أصابني فيروس فلزمت السرير أياما قليلة. وحينما مرت أسوأ مراحل المرض، فلم أعد راغبا في النوم طول الوقت، اكتشفت ذلك الشيء الثقيل، الذي ظل وجوده وسط ثياب نومي يضايقني لبعض الوقت، ولم يكن في الحقيقة إلا المجلد الأول من "تذكر الماضي المفقود" لمارسل بروست (حسبما كانوا يترجمون العنوان في ذلك الوقت). وجدته هناك فشرعت في قراءته. ربما كان استمرار معاناتي من الحمى عاملا، ولكن ما حدث هو أنني بهت تماما بجزئي المفتتح وكومبراي  Combray. قرأتهما مرارا وتكرارا. وبعيدا عن الجمال الصافي في الفقرات، كنت أشعر بنشوة من طرق بروست في إتباع الحلقة بالحلقة. لم يكن يتبع في تنظيم الأحداث والمشاهد الترتيبَ الكرونولوجيَّ المعتاد، ولا الحبكة الخطية. بل هي تداعيات فكرية متماسة، أو هي تقلبات الذاكرة وقد بدا أنها تحرِّك الكتابة من حلقة إلى التالية. ووجدت نفسي أتساءل في بعض الأحيان: ما الذي دعا إلى وضع هاتين اللحظتين اللتين لا تربط بينهما علاقة ظاهرة جنبا إلى جنب في عقل الراوي؟ وأمكنني فجأة أن أرى طريقة مثيرة وأكثر حرية في تأليف روايتي الثانية، طريقة قادرة على إنتاج ثراء على الصفحة وتقديم تطورات داخلية يستحيل أن تقبض عليها أي شاشة. لو أمكنني أن أنتقل من فقرة إلى فقرة وفقا لتداعيات أفكار الراوي وتقلب ذكرياته، لأمكنني أن أؤلف شيئا على النحو الذي يختار رسام تجريدي أن يوزع به أشكاله وألوانه على القماش. يمكنني أن أضع مشهدا حدث قبل يومين مجاورا بالضبط لمشهد وقع قبل عشرين سنة وأطلب من القارئ أن يتأمل العلاقة بين الاثنين. و بدأت أفكر أنني بتلك الطريقة قد أعرض الطبقات الكثيرة من خداع الذات والإنكار التي تحيط برؤية شخص لذاته ولماضيه.
*
مارس 1988. صرت في الثالثة والثلاثين. وصارت لدينا أريكة وصرت أستلقي عليها منصتا إلى ألبوم توم ويتس. في السنة السابقة، اشتريت أنا ولورا بيتنا في جزء غير عظيم لكنه جميل من جنوب لندن، وفي هذا البيت صارت لديَّ للمرة الأولى غرفة مكتب خاصة. كانت صغيرة ولا باب لها، ولكنني كنت مبتهجا أن بوسعي وضع أوراقي أينما أريد بدون أن أضطر إلى لملمتها جميعا في نهاية كل يوم. وفي غرفة المكتب تلك ـ أو هذا ما ظننته ـ سأنهي روايتي الثالثة. كانت الرواية الأولى التي لا تجري أحداثها في اليابان، ياباني الخاصة التي فقدت كثيرا من هشاشتها بكتابتي روايتي الأوليين. الحقيقة أن كتابي الجديد ـ الذي سوف يكون عنوانه "بقايا النهار" ـ كان يبدو متطرفا في طابعه الإنجليزي وإن كنت أرجو في وقتها ألا يأتي على غرار كثير من الكتّاب البريطانيين في الجيل الأكبر سنا. كنت حريصا ألا أفترض ما بدا لي أن أكثرهم يفترضونه وهو أن جميع قرائي إنجليز، يألفون بطبيعتهم دقائق الحياة الإنجليزية. بحلول ذلك الوقت، كان كتاب من أمثال سلمان رشدي و"في إس نايبل" قد صاغا طريقة لأدب بريطاني أكثر دولية في شكله، أدبا لا يخلع على بريطانيا أي مركزية أو أهمية مجانية. كانت كتابتهما ما بعد كولونيالية بالمعنى الأوسع للكلمة. وكنت أريد مثلهما أن أكتب أدبا "دوليا" قادرا على عبور الحدود الثقافية والسياسية، حتى وإن كنت أكتب قصة تجري أحداثها في ما يبدو عالما إنجليزيا قحا. كان من شأن نسختي من إنجلترا أن تبدو أقرب إلى مكان أسطوري ظننت أن ملامحه حاضرة أصلا في خيالات كثر من الناس في شتى أرجاء العالم حتى من لم يزوروا منهم إنجلترا على الإطلاق.
كانت القصة التي انتهيت منها تتناول خادما إنجليزيا يدرك بعد فوات الأوان أنه عاش حياته وفقا لقيم خاطئة، وأنه أفنى حياته في خدمة شخص متعاطف مع النازية، وأنه بعجزه عن تولي المسؤولية الأخلاقية والسياسية في حياته، قد أهدر هذه الحياة إهدارا عميقا. وأنه فضلا عن ذلك، في مسعاه إلى أن يكون الخادم الأمثل، حرم نفسه الحب، أن يمنحه للمرأة الوحيدة التي اهتم بأمرها أو يناله منها.
كنت قد قرأت مخطوطتي مرات عديدة، فكنت أشعر بالرضا. ومع ذلك بقي ثمة إحساس مزعج بأن شيئا ما ناقص.
ثم حدث كما قلت أن كنت في بيتنا ذات مساء، على أريكتنا، منصتا إلى توم ويتس. وبدأ توم ويتس يغني أغنية "ذراعا روبي". لعل البعض منكم يعرفها. (وقد فكرت أن أغنيها لكم في هذه اللحظة لكنني غيرت رأيي). هي حكاية رجل، لعله جندي، يترك حبيبته نائمة في السرير. وفي الصباح المبكر يخرج إلى الطريق، ويركب القطار. لا شيء غريب في ذلك. ولكن طريقة أداء الأغنية هي طريقة متشرد أمريكي فظ لم يعتد قط أن يفصح عن مشاعره الدفينة. وتأتي لحظة، في منتصف الأغنية، عندما يخبرنا المغني أن قلبه ينفطر. لحظة مؤثرة بصورة لا تحتمل، بسبب التوتر بين الإحساس نفسه وبين المقاومة الهائلة التي يبدو لنا أنها قُهرت أخيرا من أجل الإفصاح عن المشاعر. توم ويتس يغني هذا البيت بجلال عظيم، فتشعر أن حياة كاملة من الكبت والتزمت تتهاوى في مواجهة حزن جارف.
وأنا أنصت إلى توم ويتس، أدركت ما بقي عليَّ أن أفعله. كنت دونما تفكير قد اتخذت قرارا، في مرحلة سابقة، بأن يظل خادمي الإنجليزي حتى النهاية على تحصيناته العاطفية التي تمكَّن طويلا من الاختفاء وراءها عن نفسه وعن القارئ. ثم رأيت أن أعدل عن ذلك القرار. لمجرد لحظة واحدة، قرب نهاية قصتي، لحظة كان عليّ أن أختارها بعناية، كان عليّ أن أجعل درعه ينصدع. كان عليَّ أن أتيح فرصة لنيل لمحة من توق مأساوي هائل كامن وراء ذلك الدرع.
يجدر بي هنا أن أقول إنني في عدد من المواقف الأخرى تعلّمت دروسا حاسمة من أصوات المغنين. وأنا هنا أشير إلى الكلمات التي يغنونها أقل مما أشير إلى الغناء نفسه. فالصوت البشري في الأغنية كما نعلم قادر على التعبير عن مزيج معقد وصعب المنال من المشاعر. بمرور السنين، تأثرت جوانب محددة في كتابتي بكثيرين من بينهم بوب ديلان ونينا سيمون وإيميليو هاريس وراي تشارلز وبروس سبرينجستين وجيليان ويلش وصديقتي وشريكتي ستيسي كينت. كنت أقع على شيء ما في أصواتهم فأقول لنفسي: "آه، نعم، هذا هو. هذا هو ما أحتاج أن أقتنصه في ذلك المشهد. شيء شديد الشبه بذلك". كثيرا ما يكون عاطفة لا أستطيع نيلها في كلمات، لكنها أمامي، في صوت مغن، لقد نلت الآن شيئا علي أن أسعى إليه.
*
في أكتوبر 1999 دعاني الشاعر الألماني كرشتوف هيوبنر بالنيابة عن لجنة أوشفيتز لقضاء أيام قليلة في زيارة معسكر الاعتقال القديم. كان مقر إقامتي في مركز اجتماعات شباب أوشفيتز على الطريق بين معسكر أوشفيتز الأول ومعسكر بيركنيو على بعد ميلين. زرت تلك المواقع وقابلت بصفة غير رسمية ثلاثة ممن نجوا منها. شعرت أنني اقتربت، ولو جغرافيا على الأقل، من قلب القوة الغاشمة التي نشأ جيلي في ظلالها. وفي عصر يوم رطب في بيركنيو، وقفت أمام أطلال غرف الغاز، وقد باتت مهملة وغير جاذبة للزوار بصورة غريبة، كانت لا تزال على الحال الذي تركها عليه الألمان بعدما فجَّروها وهربوا من الجيش الأحمر. كانت قد باتت محض ألواح مكسورة رطبة مهملة عرضة للمناخ البولندي القاسي، تتدهور من سنة إلى سنة. تكلم من استضافوني عن مأزقهم. هل يجب الحفاظ على هذه البقايا؟ هل ينبغي إقامة قباب شفافة لتغطيتها، حفاظا عليها لأعين الأجيال التالية؟ أم ترى ينبغي تركها  لتتعفن ببطء على يد الطبيعة حتى تصير عدما؟ بدت لي تلك استعارة قوية لمأزق أكبر. كيف ينبغي الحفاظ على تلك الذكريات؟ هل تحول القباب الزجاجية آثار الشر والمعاناة تلك إلى معروضات متحفية؟ ما الذي نختار أن نتذكره؟ ومتى يحسن بنا أن ننسى ونتجاوز؟
كنت في الرابعة والأربعين آنذاك. حتى ذلك الحين، كنت أرى الحرب العالمية الثانية، بأهوالها وانتصاراتها، شيئا ينتمي إلى جيل أبويّ. ثم خطر لي أنه لن يمرّ وقتٌ طويلٌ إلا وكثير ممن رأوا تلك الأحداث الجسام رأي العين غير أحياء. فما العمل حينئذ؟ هل انتقل عبء التذكر إلى جيلي أنا؟ نحن لم نعش تلك السنوات، ولكننا نشأنا على الأقل على أيدي آباء صاغت هذه الحرب حياتهم. هل صار عليَّ أنا كحكَّاء للحكايات واجب كنت حتى ذلك الحين غير واع به؟ واجب أن أنقل على أفضل نحو ممكن ذكريات ودروس جيل أبوي إلى الجيل التالي لجيلي؟
بعد فترة قصيرة، كنت أتكلم أمام جمهور في طوكيو، وسألتني واحدة من الحضور السؤال المعتاد: ما العمل الذي ستنشغل به في الفترة القادمة؟ ثم أشارت بصورة أكثر تحديدا إلى أن كتبي السابقة كانت تهتم في الغالب بأفراد عاشوا في أوقات اضطراب عظيم اجتماعي وسياسي، وراحوا ينظرون إلى حيواتهم ويكافحون لتقبل الجوانب المقبضة أو المخجلة من ذكرياتهم. سألت، هل كتبك القادمة ستستمر في تناول هذا المنحنى نفسه؟
ووجدت نفسي أدلي بإجابة غير سابقة الإعداد. قلت، نعم، لقد كتبت كثيرا عن أفراد يكافحون بين النسيان والتذكر، لكن في المستقبل، ما أرجو فعلا أن أفعله هو أن أكتب قصة عن أمة أو مجتمع في مواجهة هذه الأسئلة نفسها. هل الأمة تتذكر وتنسى بمثل الطريقة التي ينسى بها الفرد أو يتذكر؟ أم هل هناك فوارق مهمة؟ ماذا تكون بالضبط ذكريات أمة؟ أين هي محفوظة؟ كيف تصاغ وكيف يجري التحكم فيها؟ هل هناك أوقات يكون فيها النسيان هو السبيل الوحيد لإيقاف دوائر العنف، أو لمنع مجتمع من التحلل إلى الفوضى أو الحرب؟ في المقابل، هل بوسع أمم حرة مستقرة أن تقام على أسس من فقدان الذاكرة العمدي والعدل غير المتحقق؟ سمعت نفسي أقول للسائلة إنني أريد أن أجد طريقة للكتابة عن هذه الأمور، ولكنني للأسف حتى تلك اللحظة لم أكن عرفت كيف أفعل ذلك.
*
ذات مساء في مطلع عام 2001، في الغرفة الأمامية المعتمة من بيتنا في شمال لندن (الذي صرنا نعيش فيه بحلول ذلك الوقت)، أخذت أنا ولورنا نشاهد شريط فيديو ذي جودة مقبولة لفيلم هوارد هاوكس من إنتاج سنة 1934 بعنوان "القرن العشرون". سرعان ما اكتشفنا أن عنوان الفيلم لا يشير إلى القرن الذي كنا قد تركناه وراءنا للتو، بل إلى قطار فاخر شهير في عصره يصل بين نيويورك وشيكاغو. وكما يعلم البعض منكم، فإن الفيلم كوميديا سريعة الإيقاع تجري أغلب أحداثها على القطار وتتعلق بمنتج [مسرحي] في برودواي يحاول بيأس متزايد أن يمنع بطلة فرقته من الذهاب إلى هوليود لتصبح نجمة سينما. والفيلم مبني حول استعراض كوميدي ضخم لجون باريمور، وهو من كبار الممثلين في زمنه. تعبيرات وجهه، وإيماءاته، وتقريبا كل جملة ينطق بها تأتي محملة بالمفارقات والتناقضات والوحشية الكامنة في رجل غارق في ذاته وأوهامه عن نفسه. وهو من نواح كثيرة عرض رائع. لكن، مع تقدم الفيلم وتكشف الأحداث، وجدت نفسي منفصلا عنه بصورة غريبة. وحيَّرني الأمر في البداية. فأنا في العادة محب لباريمور، وكنت من كبار المتحمسين لأفلام هوارد هاوكس الأخرى في هذه الفترة، مثل "فتاته يوم الجمعة" و"للملائكة فقط أجنحة". ثم حدث بعد مرور قرابة ساعة من الفيلم، أن مرَّت برأسي فكرة بسيطة ومفاجئة. السبب الذي يجعل الكثير من الشخصيات الحية والمقنعة بلا مراء في الروايات والأفلام والمسرحيات عاجزة عن لمسي هو أن هذه الشخصيات لا ترتبط بأي من الشخصيات في علاقة إنسانية مثيرة للاهتمام. وعلى الفور خطرت لي فكرة تالية ذات علاقة بعملي: ماذا لو توقفت عن الانشغال بشخصياتي وانشغلت بدلا من ذلك بعلاقاتي؟
ومع تقدم القطار وقعقعته باتجاه الغرب وازدياد توغل جون باريمور في الهستيريا، فكرت في تمييز "إي إم فورستر" الشهير بين الشخصيات ذات البعدين والشخصيات ثلاثية الأبعاد. قال إن الشخصية في القصة تصبح ثلاثية الأبعاد بفضل حقيقة قدرتها على أن "تدهشنا بصورة مقنعة"، فبذلك تصبح شخصيات "مدورة". وبدأت أتساءل، لكن ماذا لو أن شخصية ثلاثية الأبعاد، بينما جميع علاقاتها ليست كذلك؟ في موضع آخر من سلسلة المحاضرات نفسها، كان فورستر قد استعمل صورة ظريفة لاستخراج الخط الحكائي من رواية بمبضع وإمساكها كأنها دودة لفحصها تحت الضوء. أليس بوسعي أن أفعل شيئا مماثلا وأمسك في النور العلاقات المتعددة التي تتقاطع في قصتي؟ هل بوسعي أن أفعل هذا مع قصص كتبتها وأخرى أكتبها؟ بوسعي أن أنظر مثلا إلى تلك العلاقة بين المعلم والتلميذ. هل تقول العلاقة شيئا عميقا وجديدا؟ أم ترى يبدو جليا وأنا أحملق فيها أنها تتحول إلى نمط مستهلك مماثل لما يوجد في مئات القصص العادية؟ أو هذه العلاقة بين الصديقين المتنافسين: أهي ديناميكية؟ هل فيها وقع عاطفي؟ هل تتطور؟ هل تدهش إدهاشا مقنعا؟ أهي ثلاثية الأبعاد؟ شعرت فجأة أنني بت أكثر فهما للسبب الذي جعل جوانب عديدة من أعمالي السابقة تفشل، برغم تقديمي لها علاجات يائسة. فكرت، وأنا مستمر في مشاهدة جون باريمور، أن جميع القصص الجيدة، مهما يكن تطرف مزاج الحكي فيها أو تقليديته، تحتوي حتما على علاقات مهمة لنا، تؤثر فينا، وتسلينا، وتغضبنا، وتدهشنا. فربما إن انتبهت أكثر في المستقبل لعلاقاتي، تهتم شخصياتي بأنفسها.
ويخطر لي وأنا أقول هذا أنني ربما أقول الآن أمرا كان واضحا لكم أنتم طول الوقت. لكن كل ما يمكنني قوله هو أن هذه الفكرة خطرت لي فجأة في وقت متأخر من حياتي الكتابية، وأراها الآن باعتبارها نقطة تحول بالمقارنة مع نقاط تحول أخرى كلمتكم عنها اليوم. اعتبارا من ذلك بدأت أبني قصص على نحو مختلف. فعند كتابة روايتي "لا تدعني أرحل"  على سبيل المثال انطلقت منذ البداية في التفكير في مثلث علاقاتها المركزي، ثم في العلاقات الأخرى المتفرعة منه.
*
نقاط التحول المهمة في حياة الكاتب ـ وربما في الكثير من المهن ـ شبيهة بهذه. تكون في الغالب لحظات بسيطة وصغيرة. تكون شرارات هادئة وشخصية من الإلهام. وهي لا تأتي كثيرا، وحين تأتي، لا تأتي بجلبة أو خيلاء، أو بشهادة من الأساتذة أو الزملاء. ولا بد أن تتنافس على الاهتمام مع مطالب أخرى أكثر إلحاحا وأعلى صوتا. وأحيانا يتعارض ما تكشف عنه مع الرأي السائد. لكن حينما تأتي، من المهم أن يكون المرء قادرا على إدراكها مثلما هي. وإلا فإنها تنسرب من بين يديه.
إنني أركز في كلامي كله على الصغير والشخصي، لأن هذا هو ما يتناوله جوهر عملي كله. شخص يكتب في غرفة هادئة، محاولا التواصل مع شخص آخر يقرأ في غرفة أخرى هادئة أو ربما غير شديدة الهدوء. والقصص قادرة على التسلية، وأحيانا على التعليم، أو إثبات رأي. لكن المهم عندي أنها قادرة على توصيل مشاعر. وأنها تستعين بما نشترك فيه نحن البشر برغم الحدود والانقسامات. وثمة صناعات كبيرة وبديعة قائمة حول القصص: صناعة الكتاب، وصناعة السينما، وصناعة التليفزيون، وصناعة المسرح. لكن القصص، في النهاية، تدور دائما حول شخص يقول لشخص: هكذا أشعر. هل تفهم ما أقوله؟ هل شعورك به مثل شعوري أنا به؟
*
 ونأتي إلى الحاضر. استيقظت أخيرا لأدرك أنني عشت بضع سنين في فقاعة. أنني عجزت عن ملاحظة الإحباط والخوف لدى كثيرين ممن حولي. أدركت أن عالمي ـ وهو مكان متحضر محفِّز مليء بأشخاص ساخرين ليبراليين متفتحي العقول ـ كان في حقيقته أصغر كثيرا مما كنت أتخيل. لقد كانت سنة 2016 سنة أحداث سياسية مدهشة ـ ومحبطة بالنسبة لي ـ في أوربا وأمريكا، وأعمال إرهابية مقيتة في شتى أرجاء الكوكب، فأرغمني ذلك على الاعتراف بأن التقدم المطرد للقيم الإنسانية اللبرالية الذي كنت أعتبره منذ طفولتي مسلمة من المسلمات ربما لم يكن إلا وهما.
أنا جزء من جيل يميل إلى التفاؤل، ولم لا؟ وقد رأينا كبارنا ينجحون في تحويل أوربا من أرض أنظمة الحكم الاستبدادية، والإبادة الجماعية، والمذابح غير المسبوقة تاريخيا، إلى منطقة ديمقراطيات ليبرالية محسودة تعيش في شبه صداقة لا حدود لها. شهدنا الإمبارطوريات الكولنيالية تتهاوى في العالم هي والافتراضات الكريهة التي قامت عليها. رأينا تقدما ملموسا في النسوية وحقوق المثليين ومعارك على جبهات عديدة ضد العنصرية. نشأنا على خلفية صدام عظيم ـ أيديولوجي وعسكري ـ بين الرأسمالية والشيوعية وشهدنا ما يعتبره الكثيرون منا نهايته السعيدة.
لكن الآن، إذ أنظر إلى الوراء، تبدو الحقبة المنصرمة منذ هدم سور برلين أشبه بحقبة رضا عن الذات، حقبة فرص ضائعة. تفاوتات هائلة ـ في الثروة والفرصة ـ سمح لها بالنمو بين الأمم وبعضها وداخل كل أمة. وبصفة خاصة، الغزو الكارثي للعراق سنة 2003، وسنوات طويلة من سياسات التقشف المفروضة على البشر العاديين في أعقاب أزمة 2008 الاقتصادية وصلت بنا إلى حاضر نرى فيه أيديولوجيات اليمين المتطرف  والقوميات القَبَلية تتكاثر. ونشهد العنصرية في أشكالها التقليدية وفي نسخها المحدثة جيدة التسويق في صعود مرة أخرى، نراها تنشط تحت شوارعنا المتحضرة كأنها وحش مدفون يستيقظ. وفي اللحظة الراهنة يبدو أننا يعوزنا وجود قضية تقدمية توحدنا. بل إننا بدلا من ذلك التوحد، بتنا في دول الغرب الديمقراطية الثرية نتشرذم إلى معسكرات متناحرة تتنافس بضراوة على الموارد أو الطاقة.
وهنا في المنعطف، أم ترانا تجاوزنا هذا المنعطف، تكمن التحديات التي تثيرها فتوحات مذهلة في العلوم والتكنولوجيا والطب. تقنيات جينية جديدة ـ مثل تقنية كريسبر CRISPR  لتعديل الجينات ـ وتطورات في الذكاء الاصطناعي سوف تحقق لنا منافع مذهلة منقذة للحياة لكنها قد تخلق أيضا حكومات نخب همجية تشبه الأبارتيد، وبطالة هائلة، تشمل حتى بعض من يشغلون الآن الوظائف المهنية النخبوية.
وها أنا ذا، رجل في الستينيات من عمره، أدعك عيني محاولا أن أتبين الأشكال وسط الضباب في هذا العالم الذي لم أكن أحسب أنه موجود حتى الأمس. هل بوسعي أنا الكاتب المتعب المنتمي إلى جيل منهك فكريا، أن أجد الآن طاقة للنظر إلى هذا المكان غير المألوف؟ هل بقي لدي شيء قد يساعد على تقديم وجهة نظر، وإدخال طبقات شعورية في النقاشات والشجارات والحروب التي سوف تنشب وسط نضال المجتمعات من أجل التكيف مع التغيرات الهائلة؟
سيكون عليَّ أن أواصل وأبذل أفضل ما في وسعي. لأنني لم أزل أومن أن الأدب مهم، وسيظل مهما ونحن نعبر هذه الأرض الصعبة. ولكنني سوف أنظر إلى الكتَّاب الأصغر سنا باحثا لديهم عن إلهام لنا. فهذا عصرهم، وستكون لديهم من المعرفة به ومن الغريزة ما ليس لديَّ. وفي عوالم الكتب والسينما والتليفزيون والمسرح أرى اليوم مواهب مثيرة مغامرة: نساء ورجالا في الأربعينيات والثلاثينيات والعشرينيات. ومن هنا تفاؤلي، ولم لا أكون متفائلا؟
لكن اسمحوا لي أن أنهي هذا المرافعة، إن شئتم، مرافعة نوبل! من الصعب أن نضع العالم كله في نصابه الصحيح، لكن لنحاول على أقل تقدير أن نفكر في طريقة نستطيع بها تهيئة ركننا الصغير من العالم، ركن "الأدب" الذي نقرأ فيه ونكتب وننشر ونوصي ونرفض ونمنح الجوائز للكتب. لو أن لنا أن نقوم بدور مهم في هذا المستقبل المضطرب، لو أن لنا أن نستخلص أفضل ما كتّاب اليوم والغد، أعتقد أننا لا بد أن نصبح أكثر تنوعا. وأرمي من هذا إلى مقصدين محددين.
أولا، لا بد أن نوسع عالمنا الأدبي المشترك ليتسع لمزيد من الأصوات الخارجة عما نألفه ونركن إليه، أعني خارج نخبة ثقافات العالم الأول.علينا أن نبحث بمزيد من الحماس لاكتشاف جواهر الثقافات الأدبية المجهولة حتى يومنا هذا، سواء أكانت هذه الجواهر كتابا يعيشون في بلاد بعيدة أو داخل مجتمعاتنا نفسها. ثانيا: لا بد أن نبذل عناية عظيمة لكي لا نضع تعريفات أضيق من اللازم أو أكثر محافظة مما ينبغي لما يتكون منه الأدب الجيد. فالجيل القادم سوف يأتي بشتى أنواع الطرق الجديدة المذهلة في بعض الأحيان لحكي قصص مهمة ورائعة. لا بد أن نبقي أذهاننا مفتوحة لهم، لا سيما في ما يتعلق بالجنس الأدبي والقالب، من أجل أن نغذي أفضل ما فيهم ونحتفي به. ففي وقت الانقسام المتزايد تزايدا خطيرا، لا بد أن ننصت. فالكتابة الجيدة والقراءة الجيدة سوف تكسران الحواجز. بل إننا قد نعثر على فكرة جديدة، ورؤية إنسانية عظيمة، يمكن أن نحتشد وراءها.
وللأكاديمية السودية، ومؤسسة نوبل، وشعب السويد الذين جعل من جائزة نوبل على مدار السنين رمزا ساطعا للخير الذي ننشده نحن البشر، أقدم شكري.