الأحد، 2 ديسمبر، 2007

كيف تتكلم جيدا عن كتب لم تقرأها ومقالات أخرى

نقلت صحيفة نيويورك تايمز مؤخرا عن دار نشر جون ويلي صنز الأمريكية أن الكاتب جورج أورويل ـ وهو غير أورويل مزرعة الحيوانات و1984 ـ قد سطا في كتاب صدر له عام 2006 على خمس فقرات كاملة من ويكيبديا. تقول الصحيفة إن الكاتب نقل هذه الفقرات الخمس حرفا حرفا، مصححا خطأين مطبعيين، ومغيرا الفعل "يرى" بالفعل "يشهد"، ربما رغبة منه في تحري مزيد من الرصانة المفتقدة أحيانا في لغة ويكيبديا.


ويكيبديا موسوعة إلكترونية مجانية متعددة اللغات. ولكنها أكثر من ذلك، وغير ذلك، بالتأكيد. هي موسوعة مفتوحة، تسمح لأي كان أن يكون من بين كتابها، أن يعدل موادها بالإضافة والحذف. ويمكنكم أن تجربوا ذلك بأنفسكم.


ونتيجة لهذه الديناميكية التي تسم الموسوعة، فإن الفقرات التي نقلها أورويل لم تعد تطابق مصدرها، ولكنها تطابق نسخة قديمة من المصدر لم يعد لها وجود. ماذا إذا لم يكن سطا؟ ماذا إذا كان أشار إلى الموسوعة كمرجع؟ كيف تريد ويكيبديا أن تكون موسوعة وهي ترفض أن تكون مرجعا؟


المسألة بالنسبة لنيويورك تايمز مسألة سطو أدبي. لذلك اتصلت الجريدة عبر البريد الإلكتروني بالكاتب المجهول لمقالة ويكيبديا فرد عليها برسالة قال فيها إنه يعتبر الأمر برمته تافها، وإنه لم يبذل جهدا للاتصال بالمؤلف أو الناشر، ووصف نفسه بهذه الكلمات "أنا ذكر، في الأربعينيات من عمري، أعمل أستاذا جامعيا للفيزياء في كاليفورنيا. أرى كتاباتي على ويكيبديا بمثابة إجازة من العمل الحقيقي، لذلك أفضل أن أبقى مجهولا، لكي لا يعرف طلبتي أين أقضي إجازاتي".


أما ويكيبديا نفسها، فقد قال محام منها إن اهتمام دار النشر بالمسألة لا يرجع إلى الحرص على حقوق النشر، فويكيبديا لا تبالي بها طالما يشار إليها كمصدر، ولكن الدار ترغب أن يتحول كتابها هذا إلى كتاب مدرسي، وللكتب المدرسية قواعد أخلاقية لن تنطبق على الكتاب ما لم يحل مشكلة حقوق النشر.


ولتبق للدار مشكلتها تحلها كيف تشاء. أما نحن فلا يعنينا من كل ذلك سوى فرصة للثناء على ويكيبيديا لن نفرط فيها. الثناء على إتاحة المعرفة بدون قيد أو شرط أو رسوم أو اشتراك. الثناء على الحرية المكفولة للجميع يكتبون ما يشاءون دون رقيب عليهم إلا من ضمائرهم. الثناء على محاربة الكسل وبلادة القراء الذين يكتفون بالتلقي دونما تساؤل أو حذر. والثناء قبل ذلك كله على خلخلة فكرة المرجعية. زعزعة تلك المصداقية الزائفة التي يضفيها الهامش على المتن!!


كيف تتكلم جيدا عن كتب لم تقرأها؟


ديبورا سولومون، نيويورك تايمز





ـ باعتبارك أستاذا للأدب الفرنسي في جامعة باريس، ألا تكون قد قدمت نصيحة أقرب إلى أن تكون هدامة بكتابك "كيف تتكلم جيدا عن كتب لم تقرأها؟" والذي ستصدر ترجمته إلى الإنجليزية قريبا في أمريكا. وهل تتوقع لهذا الكتاب أن ينجح في أمريكا كما سبق أن نجح في أوربا؟


ـ لا أعرف. لقد كان الكتاب من أكثر الكتب مبيعا في أوربا. اشتراه الكثيرون دون أن يقرأوه ـ متبعين نصيحتي. كما كان من أكثر الكتب مبيعا في ألمانيا أيضا، ففي ألمانيا الكثير من اللاقراء، وقد أرادوا أن يروا دفاعا عن حقوقهم.


ـ قرأت كتابك استعدادا لهذه الحوار، هل ترى أنني أخطأت بذلك؟


ـ ماذا تقصيدين بقولك "قرأت كتابك"؟ إن واحدا من أغراض كتابي هو أن يبين أنه ليس من السهل أبدا أن يقول أحد إنه قرأ كتابا.


ـ ولكن ما عيب المنهج التقليدي الذي يتمثل في قراءة الكتاب بدءا من الصفحة الأولى وحتى النهاية؟


ـ من المهم أن نعرف كيف نقرأ من السطر الأول وحتى السطر الأخير، ولكن هناك أيضا طرقا آخرى للقراءة. من الممكن أن تتصفحي الكتب، أو تسمعي بها، أو تقرأيها ثم تنسيها.


ـ تتناول في كتابك مونتان الذي اعترف أن له ذاكرة ضعيفة وأنه كان ينسى الكتب التي قرأها. وذلك يفضي بي إلى هذا السؤال: لو قرأنا كتابا ثم نسينا أننا قرأناه، هل يستوي ذلك مع عدم قراءتنا إياه أصلا؟


ـ أعتقد أن بين القراءة واللاقراءة فضاء غير محدد ولكنه مهم كثيرا، ففيه توجد الكتب التي يقوم المرء بتصفحها، أو يسمع بها، أو الكتب التي ينساها. ولا ينبغي أن تشعري بالذنب حيال ذلك.


ـ ولكن ماذا عن البعض ممن يقرأون لكي يشعروا بأشياء، لكي يجربوا أشياء أخرى، لكي يقضوا على شعورهم بالوحدة؟


ـ طبعا، أقرأ لكي أشعر بشيء ما. لكي أشعر بنهاية وحدتي، طبعا، مثلك بالضبط.


ـ إذن ما سر حرصك هذا على التهوين من أمر خبرة القراءة الدقيقة لصالح التصفح؟ أنت تبدو كما لو كنت تعتقد أن معرفة القليل عن مائة عمل كلاسيكي أفضل من معرفة عمل واحد معرفة وثيقة.


ـ أعتقد أن القارئ العظيم قادر على القراءة من السطر الأول وحتى السطر الأخير، وإذا أردت أن تفعلي ذلك مع بعض الكتب، فمن الضروري أن تقومي أيضا بتصفح بعض الكتب. فلو أردت أن تقعي في غرام شخص، فعليك أن تقابلي أشخاصا كثيرين. أتفهمين ما أرمي إليه؟


ـ تشير في كتابك إلى أن المدارس تدمر حب الأدب، وذلك جزئيا لأنها لا تسمح بالتصفح.


ـ نعم، أحيانا أساعد ولدي في كتابة تقارير الكتب التي يطلبونها منه في المدرسة. اسمه جيلوم، عنده 14 سنة. أمر بشع. الأسئلة محددة جدا حول أسماء الشخصيات والتواريخ والبلدان التي ذهب إليها الأبطال، أسئلة دقيقة لدرجة تعجزني عن إجابتها. وهذا هو النموذج القرائي في فرنسا. نوع ما من القراءة العلمية التي تمنع الناس من ابتكار أنواع أخرى من القراءة، ينبغي أن تكون أقرب إلى التجوال، كأنما في حديقة.


ـ أليس من الأفضل لولدك أن تتركه يؤدي واجباته بنفسه؟


ـ هو يظن أن تقارير الكتب مضيعة لوقته، وأنا أوافقه الرأي.


ـ هل قرأت بروست كاملا، خاصة وقد كتبت عنه كتابا بحثيا عنوانه "خارج الموضوع: بروست والاستطراد"؟


ـ قراءة بروست أمر بالغ الصعوبة. جمله طويلة ذات تراكيب بالغة الغرابة، لذلك ليس من الممكن قراءته من السطر الأول إلى السطر الأخير. يصبح لزاما عليك أن تستعملي طريقة أخرى للقراءة.


ـ هل تقول إنك تصفحت بروست؟


ـ نعم، طبعا فعلت ذلك، وإن كنت أفضل أن أقول إنني عشت مع بروست، هو رفيق، أحيانا أذهب إليه ملتمسا نصيحة لزوجتي. أفتحه وأتصفح لبضع صفحات. وذلك هو العيش مع الكتب. من المهم أن نعيش مع الكتب.


ـ ولكن لو أنك متصفح بحكم العادة، فما الذي يجعلنا نثق في الاستنتاجات التي تستخلصها من الأدب؟


ـ لأنك الآن، وبعد أن استمعت إلى حجتي، أصبحت مقتنعة بموقفي.


ـ لست مقتنعة تماما


ـ إذن عليك أن تعودي إلى قراءة كتابي مرة أخرى، من السطر الأول وحتى السطر الأخير، وفقا للمنهج الفرنسي في القراءة.


في الأسبوع القادم فصل كامل من الكتاب





أبو مصعب الـ ... سوري



لا يزال أبو مصعب السوري أحد أهم الأساتذة في جامعة الإرهاب المفتوحة، أي الإنترنت، برغم اعتقاله في باكستان في أكتوبر 2005، واحتجازه لدى الولايات المتحدة في موقع غير معلن. ويرجع استمراره أستاذا للإرهاب برغم الاعتقال إلى أن بعض مواقع الإنترنت تتيح له بمارسة نشاطه "التعليمي" من خلال محاضرات صوتية ومقروءة، وإن تكن قديمة.


اسمه الحقيقي مصطفى بن عبد القادر نصر، ولكن له إلى جانب أبي مصعب ـ العديد من الأسماء المستعارة من بينها الأسباني (ربما لزواجه من أسبانية) والأشقر. ولكنه لم يحظ بشهرة واسعة خارج دوائر الإرهابيين حتى تفجيرات مدريد في مارس 2004، عندما أعلنته السلطات الأسبانية أحد مصادر التأثير الأيدولوجي المحتملة، إن لم يكن العقل المدبر للتفجيرات. ولم تمض خمسة أشهر، حتى رصدت الولايات المتحدة خمسة ملايين دولارا لرأس السوري. فاحتاط لنفسه وبدأ يروج عبر الإنترنت لكتبه التي كان يوزعها بنفسه.


يقول السوري "إنني أرجو من الله أن تندم أمريكا على أنها استحثتنا على قتالها بالسيف والقلم". ويبدو أن قلم السوري هذا غزير الإنتاج، حيث أنه أصدر مؤلفات قيم فيها هبة العنف التي شهدتها سوريا في الثمانينيات، والجزائر في التسعينيات، كما أن له أيضا كتيبات تدريبية. ولكن تحفته الأساسية المؤلفة من ألف وستمائة صفحة هي كتابه "الدعوة إلى مقاومة إسلامية عالمية" والذي بدأ تأليفه في مطلع التسعينيات وفيه يدعو الجهاديين إلى أن يجتنبوا إقامة هياكل تراتبية (هيراركية) تسهل على قوات الأمن الأمريكية مهاجمتها، وأن يعمدوا بدلا من ذلك إلى النظم اللامركزية المكونة من أفراد أو خلايا صغيرة لا تربط بينها إلا العقيدة .


ومن الواضح أن الحركات الإرهابية تطورت على النحو الذي حدده السوري، وإن يكن من غير المعروف ما إذا كان ذلك قد حدث التزاما بدعوة السوري أم وفقا لما أملته الظروف، خاصة بعد تشرذم القاعدة.



تأتي سيرة السوري التي كتبها الخبير النرويجي في شئون الإرهاب "براينجار ليا" لتسد فراغا في المكتبة المتخصصة في الإرهاب. فالسوري يختلف عن الزرقاوي المقاتل، أو المقدسي ـ الداعية الأردني الفلسطيني المعتقل الآن، وذلك لأنه يعتبر نفسه مخططا عسكريا يعتمد على العلوم الدنيوية ويستفيد من خبرات حروب العصابات السابقة. يقول براينجار ليا إن السوري بدأ حياته بمقاتلة العدو الأقرب وهو ـ من وجهة نظره ـ النظام البعثي بدعم من مصر والعراق. وبعد أن فشل في ذلك، انضم إلى القتال الرامي إلى تحرير أفغانستان من الاحتلال السوفييتي. وبعد ذلك وجد لنفسه مكانا في الإرهاب الدولي، إلى أن وصل إلى "لندن ستان" على حد تعبير الإيكونوميست.ومن هناك بدأ يغير توجهه إلى مقاتلة العدو الأبعد، أي الولايات المتحدة، فساعد القاعدة على توصيل رسالتها من خلال "مكتب إعلامي" في لندن رتب من خلاله لقاءات صحفية لأسامة بن لادن مع صحفيين من الغرب. ثم عاد إلى أفغانستان عام 1997 ليعمل مستشارا إعلاميا لطالبان التي يعتبرها "خير مثال للدولة الإسلامية اليوم على وجه البسيطة". غير أن أكثر ما يثير الاهتمام في الكتاب هو الإشارات إلى الصراعات داخل الجماعات الإرهابية ذاتها. فقد كان السوري يتخوف من أفعال القاعدة غير المحسوبة، ويرى أنها قد تقوض طالبان (وثبت أن تخوفاته كانت مبررة). وقد حدث وجه السوري اتهاما لابن لادن بأنه يتصرف كـ "فرعون".

ولم يكن السوري عموما يحترم الإرهابيين السعوديين، فكثير منهم في رأيه كانوا يعتبرون معسكرات التدريب بمثابة أماكن للمغامرة، بل إن منهم من كان يأتي إليها ليطهر نفسه التي يدنسها باللهو مع بغايا بانجوك.


تدفعنا الشياطين

أورهان باموق ـ الجارديان


عندما قرأت فوكنر في مجلة باريس ريفيو للمرة الأولى في اسطنبول عام 1977، انتابني التيه، كما لو كنت عثرت على نص مقدس. كنت في الخامسة والعشرين من عمري، أعيش مع أمي في شقة مطلة على البوسفور، جالسا في غرفة خلفية، محاطا بالكتب، أدخن بلا انقطاع، فيما أجاهد كي أنتهي من روايتي الأولى. فكتابة المرء لروايته الأولى لا تقتضي فقط أن يتعلم المرء كيف يحكي حكايته وكأنها حكاية شخص آخر. إنها أمر يتعلق في الوقت نفسه بأن يصبح المرء شخصا يستطيع أن يتخيل رواية من بدايتها إلى منتهاها بطريقة متزنة، وأن يكون شخصا يستطيع أن يعبر عن حلمه بكلمات وجمل. ولكي أصبح روائيا، تركت كلية العمارة وأغلقت على نفسي في البيت. أي نوع من البشر ينبغي عليَّ الآن أن أكون؟


المحاور: كيف يصبح المرء روائيا جادا؟


فوكنر: تسعة وتسعون بالمائة من الموهبة ... تسعة وتسعون بالمائة من النظام ... تسعة وتسعون بالمائة من العمل. عليه ألا يشعر أبدا بالرضا عما يفعل. فالعمل لا يصل أبدا إلى الجودة التي يمكن أن يكون عليها. لا تكف عن الحلم، واطمح إلى أعلى مما تحسب أنك قادر على تحقيقه. لا تقصر اهتمامك على أن تبز معاصريك أو أسلافك. حاول أن تتفوق على نفسك. الفنان خالق، لكنه خالق تدفعه الشياطين. وهو لا يعرف لماذا اختارته الشياطين هو بالذات، وهو دائم الانشغال عن التساؤل عن سر ذلك. هو لاأخلاقي مطلقا، بمعنى أنه يسطو أو يستعير أو يتسول أو يسرق من أي شخص لكي يكتمل العمل... وليس من مسئولية للكاتب إلا التي تجاه فنه.


كان في قراءة هذه الكلمات عزاء حقيقي في بلد تعلو فيه مطالب المجتمع على ما سواها. وعملت على أن تجيئني في اسطنبول حوارات باريس ريفيو التي صدرت عن دار بنجوين في أجزاء مستقلة، وأخذت أقرأ بتركيز واستمتاع. ويوما بعد يوم، صرت أفرض على نفسي نظام عمل يجلسني إلى الطاولة طوال النهار، ناعما بعبق الورق والقلم في غرفة ليس فيها سواي، وتلك عادات لن أتخلص منها بعد ذلك أبدا. كنت أكتب روايتي الأولى "جودت بيك وأبناؤه" ـ رواية من ستمائة صفحة سوف تستغرق مني أربع سنوات لإكمالها ـ ومع كل وقفة كنت أنهض من أمام الطاولة وألقي نفسي بيأس على الديوان في الغرفة المعبأة بالدخان، وأعود من جديد إلى قراءة تلك الحوارات مع فوكنر ونابوكوف ودوس باسوس وهمنجواي وآبدايك محاولا أن أسترد إيماني بالكتابة وأن أعثر مجددا على دربي. في البداية قرأت تلك الكتب حبا في كتب أولئك الكتاب، ورغبة في أن أعرف أسرارهم، وأفهم كيف يبدعون عوالمهم الخيالية. ولكنني كنت استمتع أيضا بقراءة حوارات مع روائيين وشعراء لم أكن أعرف أسماءهم، ولا قرأت كتبهم.





لم تكن حوارات باريس ريفيو مرتبطة بكتاب معين أو عمل محدد يحرص الكتاب على الترويج له. بل لقد كان أولئك الكتاب متحققين بالفعل ولهم شهرة عالمية، وكانوا في تلك الحوارات يتكلمون عن عاداتهم الكتابية، وأسرار صنعتهم، وأساليبهم في الكتابة، ولحظات ضعفهم، ووسائلهم في التغلب على المصاعب التي يواجهونها. وكنت بحاجة إلى التعلم من خبراتهم بأسرع طريقة ممكنة.ومثلما اتخذت من كتبهم نماذج تحتذى، فقد اعتمدت على عاداتهم المختلفة، ومخاوفهم، وغرائبهم، بل وأفعالهم البسيطة (من قبيل الإصرار على ألا تخلو المائدة من القهوة). وعلى مدى ثلاثة وثلاثين عاما حتى الآن، ظللت أكتب على ورق الرسم البياني. في بعض الأحيان أتصور أن السبب في ذلك هو أن ورق الرسم البياني يناسب طريقتي في الكتابة ... في أحايين أخرى أتصور أن السبب هو أنني عرفت في تلك الأيام أن اثنين من كتابي المفضلين ـ هما توماس مان وجان بول سارتر ـ يستعملان هذا النوع من الورق.لم أكن صديقا لأي من الكتاب الأتراك في جيلي، وزادتني العزلة قلقا على مستقبلي. وكلما كنت أجلس لقراءة تلك الحوارات، تتبدد الوحدة. كنت اكتشفت أن ثمة آخرين يشعرون بمثل ما أشعر به، وأن المسافة بين ما كنت أشتهيه وما حققته مسافة طبيعية، وأن نفوري من الحياة اليومية المعتادة ليس علامة على علة تعتريني، بل دليل ذكاء، وأنني ينبغي أن أحافظ على العادات البسيطة الغريبة التي تؤجج جذوة خيالي وتعينني على الكتابة.


أشعر أنني عرفت الكثير عن حرفة كتابة الروايات: كيف تتكون البذرة الأولى في عقل الكاتب، وكيف يتم إنماؤها بحب، وكيف يتم تحويلها ـ أو عدم تحويلها مطلقا ـ إلى حبكة. وفي بعض الأحيان، كان رد فعلي الغاضب على فكرة عن الرواية ترد في هذه الحوارات سببا في تطويري لأفكاري عن الرواية.


بعد أن قرأت في شبابي رسائل فلوبير وقصص حياة أكثر من أحببت من الكتاب، اعتنقت أخلاقيات الحداثة الأدبية التي لا يمكن لكاتب أن يتملص منها: أن أكرس للفن نفسي دون أن أنتظر شيئا في المقابل، أن أجتنب الشهرة، والنجاح، والانتشار الرخيص، أن أحب الأدب لما ينطوي عليه من جمال. ولكنني عندما قرأت فوكنر وغيره من الكتاب وعرفت كم يلتزمون بهذه المثل، وكيف يعبرون عن ذلك بلا مواربة، وجدت في ذلك دفعة معونية كبيرة إلى أعلى.
لقد كنت في أوائل عهدي بالكتابة أعود إلى تلك الحوارات لأشد من عزمي. وبعد كل هذه السنين، تذكرني إعادة قراءتها بآمال تلك الأيام البعيدة ومخاوفها. فثمة ثلاثون عاما من هذه الحوارات تجسد لي ـ أكثر من أي شيء آخر ـ مباهج الأدب وإحباطاته.


الترجمة إلى الإنجليزية بقلم: مورين فريلي