الاثنين، 14 يناير، 2008

الغفران ـ السعادة الصناعية

قام باحثون نفسيون في إحدى الجامعات البريطانية مؤخرا بإنتاج أطلس جديدا للكرة الأرضية، مانحين دول العالم فيه درجات مختلفة من اللون الوردي. إنه أطلس للسعادة يحدد أي بلاد العالم أكثر سعادة وأيها أكثر تعاسة؟
كتب إريك واينر في صحيفة كريستيان ساينس مونيتور وبوسطن جلوب وغيرهما حول هذه الدراسة مقالا بالغ الطرافة، قال فيه إن "الدول الديمقراطية أكثر سعادة من الدول الدكتاتورية". ولم يفسح المجال لينتحب ثلاثة أرباع سكان الكوكب ممن يعيشون في ظل الاستبداد، فأتبع هذه الجملة بسؤال بسيط: هل الديمقراطية شرط السعادة أم السعادة شرط الديمقراطية؟ بعبارة أخرى: هل البشر السعداء هم الذين يميلون إلى تطبيق الديمقراطية، أم أن تطبيق الديمقراطية هو الطريق إلى السعادة؟
يقال إن الولايات المتحدة بلد ديمقراطي، صحيح أن أكثر من يقولون هذا هم الأمريكيون أنفسهم، ولكن أمريكا بلد ديمقراطي مهما تكن ملاحظاتنا على ديمقراطيتها. وبرغم هذه الديمقراطية، وبرغم القوة الاقتصادية الهائلة، والسطوة العسكرية التي لا نهاية ـ فيما يبدو ـ لها، إلا أن مساحة أمريكا في أطلس السعادة بالغة الضآلة. فهل الديمقراطية والقوة والثراء عوامل هامشية في تحديد مستوى السعادة؟
لقد قال جان بول سارتر إن "الجحيم هو الآخر"، ولكن العلماء يقولون إن أحد العوامل المحددة لمستوى سعادة الأمم يتمثل في ثقتها في الشعوب الأخرى. وبرغم أن الدراسة لا تحدد أي دول العالم أقل ثقة في شعوب العالم الأخرى، إلا أنه ربما يكون من السهل علينا في العالم العربي أن نخمن.
تحتل سويسرا في أطلس السعادة مرتبة متقدمة، يرجعها الباحثون إلى النظام (فالقطارات تتحرك في مواعيدها) والديمقراطية (فلكل سويسري حق في الاقتراع يمارسه نحو سبع مرات سنويا) وهناك عامل كيميائي للسعادة السويسرية، ولا تذهبن بكم الظنون إلى المشروبات الروحية، بل إلى الشوكولاتة التي يستهلك السويريون كميات هائلة منها، ومعروف أن الشوكولاتة تحتوي مادة التبتوفان التي تؤثر إيجابيا على الناقلات العصبية

قد تكون سعادة سويسرا مبررة ومفهومة، ولكن لماذا يحتل أبناء أمريكا اللاتينية مرتبة متقدمة في أطلس السعادة برغم الفقر النسبي الذي تشهده بلادهم، ناهيكم عن أوضاعها السياسية القلقة؟
لقد اعتبر الباحثون أن السعادة في أمريكا اللاتينية ظاهرة، وأطلقوا على هذه الظاهرة اسم "المكافأة اللاتينية". فقد رأوا في السعادة الغامرة التي تشعر بها شعوب هذه القارة مكافأة لهم على احتمال الفقر والقلاقل السياسية. ولكن العلماء لم يتركوا الظاهرة بدون تفسير، فقد لاحظوا أن الروابط الأسرية في هذه القارة هي من أقوى ما يمكن. فهل في هذا التفسير جواب لسؤال السعادة؟ هل هو واحد من الأجوبة على الأقل؟
أما السؤال الآخر الذي يشغلكم بالتأكيد، فلا إجابة له لدينا. لا شك أن أطلس السعادة في العالم قد نظر إلى العالم العربي، ولكن جميع التغطيات الصحفية لهذه الدراسة خلت من أية إشارة إلى منطقتنا ... السعيدة.



الغفران


التايمز: روجر ستراكون


ما الغفران؟ وما فائدته؟ وأي نفع يعود علينا حين نغفر، أو يُغفر لنا؟ وهل يحق لمن لم يقع عليه الإثم أن يمنح الغفران، أم لا بد أن يأتي الغفران دائما من الضحية؟ وهل هناك دوما ضحية؟
ليس أجدر من جرائم القرن العشرين ـ التي تنسرب الآن من الذاكرة بإيقاع متسارع يؤكد الذنب والجريمة ـ بوضع هذه الأسئلة وما شاكلها في صدارة الجدل الفلسفي الإنجليزي حول الأخلاق. ولو لم تفعل ذلك، فليس أقل من أن نتمنى (لو جاز لنا التمني) أن يذكرنا الإرهابيون ـ الذين نراهم ليل نهار وهم يحاربون الريح مهينين أنفسهم شأن كل من يعجز عند النظر في المرآة عن رؤية ما يكرهه ـ بأن الغفران مغروس في قلب حضارتنا، وأنه يسري فيها جدولا من ذهب يترقرق في القواعد والمبادئ التي نشأ عليها أسلافنا. ألم يقل المسيح في تعاليمه إن على من يلتمس الغفران أن يغفر أولا؟ ألا يرد هذا المبدأ في الصلوات التي نكررها كل يوم؟ أليست محبة المرء لجاره ـ وهي الفكرة التي يعتبرها اليهود والمسيحيون جوهر الأخلاق ـ أمرا لا يمكن تحققه ما لم يتحقق أولا الغفران المتبادل؟
تلك فكرة طرحها المنفي المجري أوريل كولناي في مجلة فلسفية ناطقة بالإنجليزية عام 1973، أي وقت أن كان فلاسفة الإخلاق الإنجليز مشغولين بتحليل "منطق الخطاب الأخلاقي" متسائلين عما إذا كان ثمة فارق بينه وبين منطق الهرج والمرج! وفي غمرة انشغالهم الشكلاني ذلك، جاء كولاي ليؤكد أن موضوع فلسفة الأخلاق هو الأخلاق نفسها والدور الذي تقوم به في تحقق الإنسان. وسرعان ما اجتذب إليه مقالات مهمة من الفلاسفة الإنجليز المشغولين بالتحليل من أمثال جي ميرفي وجوانا نورث وآخرين، بل وصدر في السياق نفسه كتاب مهم بعنوان "المغفرة والرحمة"، وقد ظهر على هيأة حوار بين ميرفي والمتخصصة في التنظير التشريعي جين هامتن عام 1988.
في الوقت نفسه، كان علماء النفس ـ بتأثير من علم النفس الإيجابي لمارتن سيليجمن ـ يؤكدون على دور الغفران في رأب صدوع النفس البشرية. بل لقد أقام أحدهم ـ وهو روبرت إنرايت ـ معهد الغفران التابع لجامعة فيسكونيان، وشارك جوانا نورث في تحرير كتاب بعنوان "اكتشاف الغفران" عام 1998، وكانت مقدمة الكتاب بقلم كبير الأساقفة الشهير ديسموند توتو، وهو الشخص الذي ربما يكون أكثر من أكد على ضرورة الغفران في مداواة المجتمعات.
لقد كان الأسقف تيتو هو العقل المفكر الذي نتجت عن أفكاره "لجنة الحقيقة والتصالح" في جنوب أفريقيا. ولقد كان لجهود لجنته تلك تأثير كبير على "فلسفة الأخلاق" الإنجليزية، إذ كان فيها دعم كبير لأفكار التصالح الواردة في ثنايا أعمال عديدة ربما أبرزها "عن الشر" الذي صدر لآدم مورتون عام 2004. كما كانت جهود اللجنة أيضا مصدر إلهام للكثير من الآراء ومضربا للمثل في دراسة "الغفران" المهمة لتشارلز جريسوولد. يعتبر جريسوولد السلطة العليا في فلسفة آدم سميث الأخلاقية، حيث كتب في نظريته الأخلاقية بيانا حاسما استرد فيه لسميث مكانته بوصفه قمة التفكير التنويري. ولقد تأثر جريسوولد تأثرا عميقا بالمشاعر الأخلاقية كما سردها سميث وتتبع جذورها حتى فكرة التعاطف. ولكن كتاب جريسوولد لا يحتوي فقط على آيات تأثره بسميث، وإنما فيه أصداء من بتلر وأرسطو، بل وهيجل الذي يرى في الغفران استردادا للروابط الذاتية، بما يعيد خلق الـ "نحن" من أنوين [أي "أنا" و"أنا"] منفصلين.
يستهل جريسوولد ـ برغم أنه ليس باحثا في الكلاسيكيات بأية حال ـ دراسته بنقاش دال لمفهوم السَنْجْنوم، وهو مصطلح قريب وإن لم يكن مطابقا لـ "الغفران"، إلا أنه يساعدنا على معرفة مواطن الشبه والاختلاف بين الإغريق القدامى وبيننا فيما يتعلق بالقضية الشائكة الخاصة بالاعتذار والمغفرة. ويأتي نقاشه لأرسطو والرواقيين ليشعرني بأن الوقت قد حان لتخصيص كتاب مستقل لهذا الموضوع يأخذ مكانه بجوار كتاب إي بي رودز "الإغريق واللامعقول" الصادر عام 1951 وكتاب برنارد وليمز "العار والضرورة" الصادر في عام 1993 كدليل على أن الإنسانية الشائعة بيننا يمكن أن تتخذ أشكالا غير شائعة بالمرة. ومن هذا القسم من الكتاب انتقلت إلى قسم يطفح بالأسف. فبالانتقال من عالم الإغريق إلى العالم الذي نعيش فيه الآن، يقول جريسوولد إن الغفران عبارة عن أمرين: هو أولا عملية يقوم فيها اثنان بالتعامل مع أذى ألحقه أحدهما بالآخر، وهو ثانيا فضيلة. وهو ـ أي جريسوولد ـ يفهم الفضيلة بمعناها الأرسطي، أي بوصفها انتقالا إلى ما هو خير، وإلى ما فيه تحقق الشخص الذي يتسم بهذه الفضيلة. والفضائل هي غاية التعليم الأخلاقي، ومن ثم فإن جريسوولد يرمي إلى كون الغفران قابلا للتعليم والتعلم. غير أن أشياء ستبقى غير قابلة للغفران، وإجمالا وفي جميع الحالات لا ينبغي للغفران أن يكون نسيانا، أو تغاضيا، أو انهزاما.
الغفران لا يتحقق من طرف واحد: إنه نتاج حوار، قد لا يكون صريحا، ولكنه قائم ومن خلاله يتم تواصل متبادل وممتد ومهذب. ومن خلاله يقوم الشخص الذي يغفر بالتوجه إلى الشخص الذي ألحق به الأذى، فتنطوي هذه الإيماءة منه على تغير ذهني، وتبدل في موقفه إزاء الآخر، وتنحية للشعور بالاستياء. ولكن هذا التحول الوجودي ليس سهل الحدوث في جميع الحالات، ومن ثم فليس من الممكن التوصل إليه ـ كما يرى جريسوولد ـ إلا من خلال التعاون والتعاطف، حيث يبذل كل شخص أقصى الجهد بهدف تحييد مصالحه والنظر إلى الآخر من موقف "الرائي المحايد" على حد تعبير سميث. ويأتي على رأس العوامل المكونة لهذه العملية ما يسرده الأشخاص على أنفسهم من "حكايات"، وهنا يعتمد جريسوولد بصورة شيقة على أعماله الأخيرة في مجال السرد، وذلك في سياق بحثه عن العامل المفصلي في رأب الصدوع. فهذا هو العامل الذي يسمح بإزالة الاستياء من نفس شخص، ويفسح مجالا للندم في نفس شخص آخر. فالحكاية التي يسردها كل طرف على نفسه تتضمن سردا لوقائع المشكلة، وإلقاء للوم، تتضمن وهما وحقيقة، وتبرئة وإدانة، وكل ذلك في نسيج واحد متشابك، ولا يمكن النظر إلى الغفران ـ ولو جزئيا ـ إلا بوصفه محاولة للتوصل إلى حالة من التناغم بين الحكايتين، بحيث تصنعان معا قصة تنتهي إلى ما يسمح ببداية جديدة.
يقدم جريسوولد جملة من الآراء العميقة كما يقدم أمثلة بالغة الدلالة والفعالية، وهو يستقي هذه الأمثلة جميعا من أحداث وقعت قريبا أو من سير ذاتية، وهو ما يضفي على الكتاب سخونة الحياة اليومية للناس. وإلى جانب ذلك كله يقدم لنا جريسوولد نموذجا يقوم فيه شخص بإيذاء شخص آخر، ثم يسعى إلى طلب الغفران، ثم يحظى بما سعى إليه. يمثل فعل الأذى وفعل السعي إلى الغفران من الأهمية لدى جريسوولد مثل التي يمثلها الغفران النهائي نفسه، فالرجل يرفض ـ ويصيب في رفضه ـ رؤية الغفران باعتباره مجرد "هبة" يمنحها الشخص الذي تعرض للأذى للشخص الذي أذاه مهما تكن حالته الذهنية. لأنك لا يمكن أن تغفر دون أن ترى اعترافا بالخطأ، ولا يمكن أن تعترف بالخطأ ما دمت غير مكترث بارتكابك له، ولا يمكن أن تغفر ما لم يكن الغفران مسبوقا باستيائك من خطأ ارتكبه في حقك شخص آخر. إن الشخص الذي يغفر يغير موقفه تماما تجاه الشخص الذي أساء إليه، ولن يمكن له أن يفعل ذلك ما لم يجد تعاونا من الآخر. لا بد أولا من الشعور بالاستياء، والاستياء شعور أخلاقي يمكن "تنحيته" من خلال حوار عقلاني. وفي وصفه لهذه العملية، يستعين جريسوولد بتناول الأسقف بتلر لهذا الموضوع في عظاته الكنسية.
والمواضع التي يناقش فيها جريسوولد أفكار بتلر هي من المواضع النادرة التي يعترف فيها بالمكانة الخاصة للغفران في الرؤية المسيحية للعالم، إذ إنه في غير هذه المواضع يكرر كثيرا أنه يتناول "الغفران" تناولا "علمانيا" وإن اعتمد على فرضيات لاهوتية. وقد يرى راء مسيحي أن هذا التناول العلماني قد أدى إلى تضييق لا داعي له للنموذج الذي يقدمه جريسوولد. فالذين يطلبون من الرب غفران خطاياهم لا يسعون إلى طرف أسيء إليه؛ فالرب لا يساء إليه. ولكنه يملك أن يغفر لنا بمثل ما "نغفر نحن لمن يرتكبون الخطايا في حقنا". إننا نسأل الرب غفرانه لكي نستعيد علاقتنا معه، وقد تقتضي هذه العملية مشقة بالغة ووقتا طويلا. ولعله كان من المفيد لجريسوولد لو كان درس ما يقال عن هذه العملية وفقا للتقاليد الكاثوليكية، لا سيما ما يتعلق بالاعتراف والندم والتوبة والإصلاح، ومن ثم الإياب إلى عالم المحبة من جديد. خاصة وأن كثيرا مما يتكلم عنه جريسوولد هو تناول لهذه العملية وإن لم يأت ذكرها صراحة. ونتيجة لهذا الإغفال فإن جريسوولد يغض الطرف عن الدور الكبير الذي تلعبه التوبة في استعادة مشاعرنا الطيبة ومنحها مزيدا من العمق.
وفي الكتاب فصل طويل يتناول الاعتذار السياسي، مشيرا إلى السؤال المزعج الخاص بالأخطاء الجماعية، وهل من الممكن أن يغفرها ضحاياها، ولو كان ذلك ممكنا فمن خلال أية عملية؟ والأمثلة التي يتناولها جريسوولد بالغة التعقيد، إذ تتراوح من الاعتذار الذي تقدمت به جامعة ألباما عام 2004 عن استغلالها للعبيد في القرن التاسع عشر، وصولا إلى اعتذار روبرت نكامارا بوصفه وزيرا سابقا للدفاع عن كارثة فييتنام. وكما يوضح جريسوولد، فإن هذه الاعتذارات جميعا لم تكن أكثر من كلام في الفراغ، كانت تنحية للمسئولية لا اعترافا بها، وجميعها تمت بدون وجود أدنى فكرة عن العلاقة التي تجددت بموجبها، وبدون إعراب عن ندم حقيقي، فكانت تكسوها جميعا مسحة من البلاهة. كما كان كثير من هذه الاعتذارات محاولة لاجتناب المهمة الأكثر خطورة والتي تتمثل في تنفيذ العدالة. وحتى إذا كان الدور المهم الذي يؤديه الغفران في العلاقات البشرية لا يتأتى إلا لأن المطالب الصارمة التي تقتضيها العدالة تحول دون رأب نوع معين الصدوع. ففي عالم السياسة لا بد أن يكون الاعتذار مشفوعا بتطبيق العدالة. وفي هذا السياق تأتي لغة الغفران لتضفي الرقة والوجدانية على القضية في أغلب الحالات. وفي هذا الصدد يقول جريسوولد:
عندما يصبح الغفران صرخة شعبية، أو نغمة تلعب عليها مسلسلات التليفزيون النهارية، وتشجعها الزعامات الدينية والسياسية، وتلقى الثناء بما لهما من مقدرة على الشفاء، فلا بديل في هذه الحالة عن انزلاق الغفران إلى حالة من الغموض والتشوش. إذ يصبح مرادفا لـ "النهاية" الدرامية، ويتحول عبر الأحاسيس المفرطة إلى "جلسة علاج نفسي"، وعندئذ لا يعرف أحد معايير ممارسته السليمة. وإذا به فجأة يتساوى مع نسيان الخطأ، ويسهل منحه لمن لا يستحقه، وليس ذلك إلا نتيجة للبدء في أداء المسرحية على الملأ.
وينبهنا جريسوولد إلى ضرورة أن يكون الغفران قاسيا في بعض الأحيان، ويلح على أن الغفران ليس هو المهم في السياق السياسي، وإنما الندم، وإبداء الندم.
وإن لي تحفظا واحدا في هذه النقطة. فجريسوولد يفترض أننا نفهم الاعتذار الجماعي بوصفه علاقة بين فرد ومجموعة أو مجموعة ومجموعة. ولكننا أحيانا ما نواجه ـ كما في مثال جامعة ألباما ـ علاقة بين جماعة محددة وجماعة غير محددة. فليس من الممكن تقديم الاعتذارات الجماعية إلا في حالة وجود هيأة ما، وهو ما يقتضي هوية جماعية تتشكل عبر الزمن وشبكة من الواجبات والحقوق الناتجة عن ذلك. ولكن أية هوية وأية هيأة؟ إن هناك فارقا كبيرا بين جرم دولة النازي وجرم الشعب الألماني. أما عن الدولة فقد حوكمت قضائيا، وأما عن الشعب فلا تزال الجريمة معلقة تفوح رائحتها القذرة، مع ترقيع هنا أو هناك من خلال محاولات الإصلاح. والشي نفسه ينطبق على الدول الشيوعية السابقة التي يثار فيها الكثير من المطالبات بالاعتذار، دون أن يقترب احد من المصدر الحقيقي للمعاناة السابقة، وهو الحزب الشيوعي السابق هنا أو هناك.
كاتب المقال أستاذ باحث في معهد العلوم السيكولوجية بـ آرلنجتن ـ فيرجينيا. صدر له في 2006 كتاب "الفلسفة السياسية".



كل هذه السعادة .... الصناعية



منذ خمس سنوات طلبت مني امرأة أن أصف لابنها دواء بروزاك. فقد انضم الشاب إلى البحرية بعد تخرجه من الثانوية العامة، وهو ما اعتبرته المرأة "جنونا"، فقد كانت ترى الشباب في مثل ظروفه يصبحون أطباء ومحامين. وقالت لي إن التعساء فقط هم الذين ينضمون إلى البحرية الأمريكية، وطلبت مني أن أصف له دواء البروزاك ليرفع معنوياته ويجعله يعيد توجيه مسار حياته. وحين أحجمت عن ذلك، وقلت لها إنني طبيب تخدير ولست معالجا نفسيا، احتجت قائلة إن كثيرا من الأطباء غير المتخصصين في العلاح النفسي يصفون لمرضاهم أدوية نفسية هذه الأيام. وبرغم ذلك بقيت على رفضي. وفي النهاية، أفضى بها الطريق الذي اختاره ابنها إلى تعاسة جعلتها هي تتعاطى البروزاك. وحين قلت لها إن هذا خطأ: صاحت قائلة إن "تعاستي مرض، وإن له علاجا وصفه لي طبيبي. هو شيء ما يتعلق بالناقلات العصبية". ولحسن حظها، حاول ابنها أن يلتحق بالعمل في غواصة، فاكتشف أنه مصاب برهاب الأماكن الضيقة، فحاول أن يعمل على سطح سفينة فاكتشف أنه يصاب بدوار البحر، وهكذا ترك البحرية والتحق بكلية الحقوق. وحينما حدث ذلك لم تعد المرأة بحاجة إلى الدواء.
برغم سلوكها الغريب، إلا أن هذه المرأة تعرف شيئا مهما عن الطب في أمريكا: كثير من الأطباء غير المتخصصين في العلاج النفسي يصفون أدوية نفسية للتعاسة، إلى جانب العديد من الوسائل العلاجية مثل الطب البديل وممارسة الرياضة، وقد كانت تلك الممارسات جميعا بمثابة ثورة مهمة في الطب على مدار الثلاثين عاما الماضية. بدأت تلك الثورة بجهود مخلصة بذلها الأطباء لمساعدة الناس على حل المشكلات النفسية اليومية، ثم تدهور الوضع حتى بات مزعجا، بل بات فضيحة مدوية. كتاب "السعادة الصناعية" يحكي قصة هذه الثورة ويبين كم من أذى تلحقه السعادة الصناعية بمستهلكيها، ومردود ذلك على مجتمع يحارب الملايين فيه التعاسة بعلاجات خارجية.
ولكن كيف تولى الأطباء مسئولية معالجة التعاسة ـ وليس الاكتئاب ـ من خلال وسائل صناعية؟ بدأت هذه الثورة الطبية في العيادات الأولية في أواخر ستينيات القرن العشرين، حينما كانت مهنة الطب تواجه خطرا جسيما. فقد كان المرضى يثورون ضد الطب العلمي كما استمر على مدار قرون، متهمينه بتجاهل مشكلاتهم النفسية اليومية. وانصب أكثر النقد وألذعه على الأطباء في العيادات الأولية، إذ إن الناس كانوا يعتبرون أن مشكلاتهم النفسية اليومية أمر لا بد أن يشغل هؤلاء الأطباء. فاستجاب الأطباء للنقد بأيديولوجية ثورية جديدة، أحدثت تغيرا كميا في علاج المرضى وأثارت تحديات كبيرة أمام مهنة الطب برمتها. وشأن جميع الأيديولوجيات، كان لهذه الأيديولوجية الجديدة رؤية للعالم، تطمح إلى أن تفيد المجتمع ككل وليس مجرد مجموعة محددة، وضيقة المصالح، ولكن ذلك كان يرتكز على إيمان أكثر منه على معرفة. وهذه الأيديولوجية الجديدة أدت إلى ازدياد رهيب في وصف العقارات النفسية، أي العقارات ذات الآثار المعدلة للذهن، ومن بينها مضادات الاكتئاب، ومضادات القلق، والمسكنات.
كان للثورة الجديدة أثر في مجال الطب. فقد اعترض بعض الأطباء على الإفراط في استخدام العقارات النفسية، وتشكلت من المعترضين جماعتان بدأت كل منهما في وضع أيديولوجيتها الخاصة لمحاربة التعاسة. إحداهما قامت حول الطب البديل، فيما قامت الأخرى حول الهوس بممارسة الرياضة. وكانت النتيجة أن تحددت الثورة في الممارسة الطبية حول ثلاثة مرتكزات: الاستخدام المفرط للعقاقير النفسية، والطب البديل، والهوس بممارسة الرياضة، بوصفها جميعا مصادر للسعادة الصناعية.
فماذا تكون السعادة الصناعية؟ جون جرين، رجل التقيت به أثناء كتابتي لهذا الكتاب، وهو مثال جيد لشخص يشعر بالسعادة الصناعية.
جون محام في الخامسة والثلاثين من عمره، دائم الشجار مع زوجته بسبب النقود. لا يريد الطلاق لأنه يخشى من فقدان حضانة ابنهما. سبق له في الماضي أن جرب عقار الفليوم من أجل الاسترخاء، ولكنه كان يسبب له الدوار. وحدث يوما أن اتصل به زميل من أجل إحدى القضايا. فاقتحمت زوجته المكالمة، واعتذرت، ثم صاحت "لا يمكنك أن تتكلم معه، لقد أخذ القرص للتو". وأخيرا وجد جون الراحة في بروزاك الذي يتيح له أن يعيش سعيدا في زواجه الخالي من الحب. ويتوقع جون أن يستمر على تعاطي البروزاك لسنوات، يكبر خلالها ابنه (ويتسنى له أن يترك زوجته)، أو ربما لوقت أطول من ذلك، فإلى أن يكبر ابنه سيكون جون قد جنى من المال ما يجعل الطلاق مستحيلا، لأن الزوجة لن تقبل به.
برغم التعاسة التي يعيشها جون جرين، إلا أن ذهنه سعيد. حياته وذهنه إذن غير متوائمين: وذلك يعني أنه يرفل في نعيم السعادة الصناعية. استجابة جون لبروزاك هي الاستجابة النمطية. فحياة المريض التعيس تسير بقوة الدفع، وتستمر فيها أسباب التعاسة، ومع ذلك يشعر المريض أنه أفضل حالا بعد بضعة أسابيع من تعاطي عقار نفسي. يقول جون جرين "لا تزال زوجتي بشعة كما هي. ولا زلت أعجر عن احتمالها. ولكنني الآن لا أبالي كثيرا. فلا زلت أشعر بالسعادة مهما يكن ما يحدث". لا وجود للانسجام إذن بين زواج جون التعيس وشعوره بالارتياح. بل إن جون نفسه مندهش مما يشعر به من ارتياح في البيت.
آلن كلارك أيضا ينعم بالسعادة الصناعية. هو شخص عادي في منتصف الأربعينيات، فقد وظيفته كعامل تعبئة في أحد المتاجر ولم يجد غيرها. وبدأت صديقته تمتعض منه وترى أنه يتسكع في البيت ليل نهار بينما هي تعمل، فانتابه إحساس بالخجل. وفي الليل كان يقوم من نومه مفزوعا فيلوم نفسه ويتهمها بالفشل ثم يستلقي في الظلام، وهو قلق عاجز عن النوم. وأخيرا وصف له الطبيب بروزاك، فأدى إلى تحسن دراماتيكي في مظهره. لم تعد إهانات صديقته تؤثر فيه إلا لماما، ولم يعد قلقا من بطالته. من المؤكد أنه لم يزل يريد أن يجد عملا، ولكن بروزاك يريحه. فيبدو كما لو كان اهتمامه بالعثور على عمل قليلا.
بروزاك غير آلن كلارك كما غير جون جرين. يقول آلن: "لا أعرف لماذا، ولكنني راض تماما عن نفسي". وهذا الرضا لم يفارقه قط. وهو يسمي هذا الشعور بالـ "سعادة". ولكن أغلب الناس يعرفون السعادة في الحياة. أما في حالة آلن، فإن إحساسه بالارتياح والرضا هو إحساس مجلوب على الحياة، إحساس يشعر به دونما سبب يمكن إدراكه، إحساس لم يكن يشعر بمثله من قبل إلا لو صفت له الحياة حقا. لقد صار يشعر بالسعادة، برغم أن شيئا لم يتغير في حياته، اللهم إلا قرصا لا أكثر.
أهم ما تتميز به السعادة الصناعية هو مقدرتها على مقاومة الحياة. فالناس حينما ينعمون بالسعادة الصناعية يفقدون القدرة على الإحساس بالتعاسة حينما تكون الحاية تعيسة. ولك أن تقيس بؤسهم أثناء مرورهم بتجارب باعثة على البؤس، ولن تصل درجة بؤسهم أبدا إلى نقطة الغليان. فمهما تسؤ الأمور، يبقى الشخص ذو السعادة الصناعية مرتاحا، لا يمكن لأحد أن يثير فيه الإحساس بالشقاء وقلة الحيلة.
في الولايات المتحدة اليوم من السعداء الصناعيين ما يكفي لتكوين طبقة جديدة من الأمركيين السعداء صناعيا، أو الأمريكيين السعداء إلى حين. وهؤلاء ناس يعيشون حياة مكتملة، لولا أن الحياة لا تتغلغل في أعماقهم. قد يجعل الدين الناس ملتزمين بالأخلاق، وقد يشبع العمل طموحهم، ولكن الدواء وحده هو الذي يضمن لهم السعادة، وليس الحياة. فهؤلاء لا ينالون السعادة من ممارسة الحياة بما فيها من أنشطة يومية، وإنما من قرص البروزاك أو الزولوف ومضادات الاكتئاب. وهؤلاء تأتيهم السعادة دون أن يعوا بها، تأتيهم كما يأتيهم النوم، وتبقى لديهم طالما سمحت أقراص الحياة الوهمية ببقائها. ولا تكاد توجد علاقة بين ما يعيشه هؤلاء السعداء صناعيا، وبين ما يشعرون به.
أما "بِل مانسفيلد" ـ وهو مسئول إداري في الثامنة والثلاثين من عمره ـ فيكشف لنا الجانب المظلم للسعادة الصناعية. لمانسفيلد تاريخ في تعاطي العقارات، وليس ذلك غريبا إذا نظر المرء إلى الشقة التي يعيش فيها في نيويورك، فرأى كيف أن أثاثها الخفيف يناسب أعزب مثله، ورأى على أرضيتها أدوات رياضية، وفي أحد أدراجها فوضى من العملات الصغيرة والواقيات الذكرية. يقول بل مانسفيلد وهو يقهقه إنه لا بد لكل أعزب أن يحتفظ في خزانة الأدوية لديه بأربعة عقارات: إكستاسي، والكوكايين، والفياجرا، والآمبيين. يقول مانسفيلد إن إكستاسي يعطيه الإقبال، ومن ثم يستميل إليه النساء في الأندية الليلية، بينما يعمل الكوكايين كمثير للشهوة الجنسية للنساء اللاتي ينجح في إغوائهن بالقدوم إلى شقته، ومع أن وظيفته الانتصابية طبيعية، إلا أنه يتعاطى الفياجرا لتلغي الأثر التسكيني الخفيف الذي يحدثه إكستاسي، وأيضا لكي "يواصل الليلة كلها". ولا توجد إلا مشكلة واحدة مع الفياجرا، وهي أنها تساعده على الاستمرار، ولكنها لا تحقق الانتصاب بالفعل، ولكي تشعر بالإثارة ويتحقق لك الانتصاب فـ "لا تزال مضطرا إلى أن تعجبك المرأة" وهو أمر يراه مثيرا للإزعاج. وأخيرا يأتي دور آمبيين ليساعده على النوم، حيث يبطل المفعول المنبه للعقارات الأخرى، ويهدئ مخاوفه، ومن بينها تفكيره فيما إذا كان سيجد دوما من المال ما يكفي للذهب للأندية الليلية، والتقاط النساء، ودفع ثمن المشروبات، ودفع ثمن العشاء، ودفع ثمن الكوكايين، ودفع ثمن إكستاسي، ودفع ثمن الفياجرا، ودفع ثمن آمبيين، ليستمتع بحياة طيبة.
منذ عام تقريبا تعكر مزاج بل مانسفيلد، ولم يجد لذلك سببا. إنه شاب، صحيح البدن، يعمل في المهنة التي اختارها، يستمتع بنساء كثيرات من مختلف البلدان، ولكنه ـ لسبب لا يعرفه ـ تعيس. بات سريع الغضب، ضيق المزاج، نافرا من الجدل الدائر بينه وبين نفسه وبينه وبين أهله، وبدأ يمقت الحياة، ويجد لنفسه في مقتها كل الحق. وفي الوقت نفسه، لم يعد يجد لذة في سعيه الأبدي إلى النساء. بدا كل شيء في حياته باعثا على الضجر. ولما رأى حالته النفسية على هذا النحو، ولما انتابه الخوف والقلق بشأن السبب في تلك الحالة، ذهب بل مانسفيلد إلى العيادة الأولية طالبا العون.
لو كان مانسفيلد قد صادف طبيبا أكثر حصافة، لكان نقب في هيكل حياته العميق ثم قال له "أنت تعيس لأنك تضيع وقتك ومالك على نساء لسن سوى ساقطات، ينمن معك لأنك تشتري لهن أشياء، ولكنهن لا يحفلن بك، ولا أنت نفسك تحفل بهن، وأنت تعيس لأنك مستسلم لرغبة داخلية بلهاء تدفعك لأن تكون سوبرمان جنسيا". ولكن بل مانسفيلد لم يجد ذلك الطبيب. وصادف بدلا منه طبيبا وصف له عقار ويلبوترن بعد أن قضى نحو عشرين دقيقة يكلمه عن ضغوط الحياة وكيف أنها تؤدي إلى غياب التوازن عن الناقلات العصبية مما يؤدي إلى إحساس مزمن بالكآبة. ولأن الطبيب عرف أن بل مانسفيلد نشط جنسيا، فقد وصف له ويلبوترن الذي يؤدي إلى آثار جانبية جنسية أقل من العقارات الأخرى المضادة للاكتئاب، ولكن الطبيب تجاهل تماما طبيعة حياة بل الجنسية والعاطفية، كما لو كانت مجرد تفاهة لا تستحق اهتمامه. وفعلها ويلبوترن، وملأ حياة بل مانسفيلد بالسعادة الصناعية، وأسكت تماما الضجيج الذي كان يحيط بضميره، فمنحه بذلك نظرة جديدة إلى الحياة. وحتى يومنا هذا، لا يزال بل مانسفيلد يتعاطى ويلبورتن، ويشعر بالرضا، ويعيش حياته التي عاشها دائما، وقد أعمته السعادة الصناعية عن أمراض حياته الحقيقية.
* هذا هو الفصل الأول من كتاب "السعادة الصناعية