الأحد، 9 ديسمبر، 2007

كيف تتكلم جيدا عن كتب لم تقرأها ـ الفصل الأول

جراس يقاضي أكبر ناشر أمريكي
جراس 1944 جندي اليمين جراس 2007
أقام الكاتب الألماني الحاصل على نوبل في الأدب جونتر جراس دعوى قضائية ضد دار نشر راندم هاوس الأمريكية العملاقة التي قامت مؤخرا بنشر كتاب يزعم أن جراس قد انضم إلى وحدة إس إس فافن التابعة لقوات النازي بمحض إرادته أثناء الحرب العالمية الثانية. ونقلت وكالة أنباء أسوشييتد بريس عن باول هرتن محامي جونتر جراس أن الأخير قد وجه لدار النشر إنذارا قضائيا رسميا في برلين.
كان صاحب "الطبل الصفيح" قد فجر في عام 2006 قنبلة مدوية، عندما اعترف أنه كان واحدا من أفراد وحدة إس إس فافن النازية، ولكنه قال في مذكراته الصادرة في العام الماضي إن انضمامه إلى تلك الوحدة سيئة السمعة لم يتم بإرادته. وفي أكتوبر الماضي صدرت طبعة جديدة منقحة من كتاب بعنوان "جونتر جراس" للمؤلف مايكل جورغس، وورد في هذه الطبعة ـ بحسب ما نقلت الوكالة ـ أن "جونتر جراس قد اعترف في مذكراته بأنه تطوع في وحدة إس إس فافن وهو في السابعة عشرة من عمره".
وقد نفى جراس هذا بشهادة خطية قال فيها "لقد تطوعت في الخامسة عشرة من عمري للانضمام إلى جوتنهافن، على أمل أن أخدم في وحدة غواصات أو دبابات, وليس لذلك علاقة من قريب أو بعيد بمسألة التطوع المزعوم لوحدة إس إس فافن التي تم إلحاقي بها دونما تعاون فعلي مني في أنشطتها حتى خريف عام 1944".
نقلت وكالة الأنباء عن المستشار القانوني لراندم أن الدار لن تقوم بسحب الكتاب من الأسواق مضيفا أن "ما ينقص والكتاب لا يعدو جملة بسيطة هي: ولم يكن التحاقي بوحدة إس إس فافن طوعيا".
أشار محامي جراس إلى أن النظر في القضية سوف يتم في مطلع مارس القادم.
الرأسمالية والكارثة
شاشي ثارور ـ واشنطن بوست
لو أن توماس فريدمان يحتل في العالم الناطق بالإنجليزية مكانة النصير الأول والمدافع الأكبر عن العولمة، فإن ناعومي كلاين تعتبر أهم الرافضين لها. ففي كتابها "لا شعارات" الصادر قبل سبع سنوات في أعقاب المظاهرات المناهضة لمنظمة التجارة العالمية في سياتل، أوضحت ناعومي كلاين بما لا يقبل اللبس أن شعارات العلامات التجارية العالمية البراقة ليست إلا قناعا لآيات من الظلم وانعدام المساواة. ويأتي كتابها "مبدأ الصدمة" لينتقل برأيها هذا خطوة مهمة إلى الأمام. حيث تقول إن الرأسمالية الليبرالية الجديدة ـ القائمة على مبادئ ميلتن فريدمان ـ تعيش على الكوارث: وذلك لا يعني فقط أن الثروات تتكون من خلال استغلال نكبات الجماهير، وإنما يعني أيضا أن السيطرة العالمية لرأسمالية السوق الحرة أقيمت وتقوم على توجيه البلايا والنكبات إلى تعساء العالم.
ناعومي كلاين
تقدم كلاين هذا الطرح من خلال أربعمائة وستين صفحة تضاف إليها هوامش دقيقة وغنية. تقول خلالها إن فرض نظام متطرف من رأسمالية السوق الحرة لا يتم غالبا إلا عندما يكون الشعب المستهدف لا يزال يترنح على إثر صدمة خارجية، سواء كانت هذه الصدمة غزوا أجنبيا، كما حدث في العراق بالاستيلاء عليه من خلال عملية "الصدمة والرعب"، أو كانت الصدمة كارثة طبيعية مثل تسونامي أو إعصار كاترينا، أو حتى إذا تمثلت الصدمة في انهيار اقتصادي كما حدث في جنوب آسيا عام 1997 أو في الأرجنتين عام 2001.
ترى كلاين أن من الكوارث نوعا يهتز له المجتمع ويفقد رشده واتزانه، وهذا هو النوع الذي يتمكن به أنصار السوق الحرة من الدخول، ويمنحهم الفرصة لإعادة وضع القواعد، وإعاددة برمجة سلوكيات دول بأكملها. وهكذا، نرى كيف كان بول بريمر ببذلاته الأنيقة وأحذيته شبه العسكرية يتعامل مع العراق المحتل بتفكيك الصناعات المملوكة للدولة وتمرير القوانين اللازمة لخصخصة كل شيء والسماح للأجانب بالتربح، ونجد أن معالجة التضخم الرهيب في الأرجنتين وبوليفيا تتم باستخدام أدوية هي في حقيقتها مقويات للرأسماليين وضمان لدوام سيطرتهم، أما في المالديف فكان تسونامي أرفق بأبناء الجزر الصغيرة، إذ إنه أخرجهم من بيوتهم إلى حين، أما الآن فقد تمت إزالة بيوتهم وإبعادهم نهائيا لكي يفسحوا الجزر لإنشاء خدمات سياحية عالية المستوى. ولا يقتصر هذا النهج على الدول الصغيرة أو الفقيرة أو الضعيفة، فالحال هو الحال في الولايات المتحدة، حيث تقول كلاين إن مأساة إعصار كاترينا قد بدت للبعض فرصة سانحة لتخليص نيوأورلانز من السود الفقراء، وتهيئتها لرأس المال الأبيض.
تقول كلاين إن كاترينا كشف بوضوح عن عجز الدولة وانعدام كفاءتها، فكان من ثم حجة قوية لكي يتقدم القطاع الخاص ويتولى المسئولية والسيطرة. ولا يفوت كلاين أن تلفت أنظارنا إلى أن المقاولين الذين عملوا في تعمير نيوأورليانز هم أنفسهم المقاولون العاملون في إعمار العراق، وفي سريلانكا بعد تسونامي. وترى كلاين في ذلك استغلالا من الرأسمالية لضحايا الكوارث في الوقت الذي يكونون فيه ضعافا مغلوبين على أمرهم، محتاجين إلى من يمد لهم يد العون، مضطرين إلى القبول بسياسات "التعديلات الهيكلية" التي لا تهدف إلى غير قلب حياتهم رأسا على عقب. وليس أدل على ذلك من منع الصيادين في سريلانكا وتايلاند في أعقاب تسونامي من إعادة بناء بيوتهم المطلة على المحيط، بهدف إخلاء الشواطئ للأعمال التنموية.
لقد ذهب ميلتن فريدمان عام 1962 إلى أن "الأزمات، والأزمات فقط، وسواء كانت حقيقية أم وهمية، هي القادرة على إحداث تغيير". وتتعامل كلاين مع عبارته هذه بحرفيتها، معتبرة إياها بمثابة أجندة لعينة يروج لها "من يستعمرون البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وهم جميعا من خريجي مدرسة فريدمان المحافظة" كما أن تطبيق هذه الأجندة يتم من خلال تبني هاتين المؤسستين لسياسة واشنطن التي تفضل أن تتم التنمية بقيادة من القطاع الخاص.
وتلك هي مشكلتي مع الطرح الذي تقدمه كلاين، فالكاتبة مستعدة دوما للتأكيد على أن ثمة فكرا تآمريا، في حين لا يزيد الأمر ـ من وجهة نظر آخرين ـ على أنه في أعقاب الكوارث يبرز نمط بشري معين تمتزج فيه الفوضى والتشوش وحسن النوايا والجشع. ففي الفصول الأولى من كتابها تكرر كلاين ـ على سبيل المثال ـ حكاية تمويل وكالة المخابرات الأمريكية لطبيب نفسي في مونتريال للقيام باستخام الصدمات الكهربائية في تجارب تهدف إلى محو محتويات المخ البشري لحالاته وإعادة برمجتها لتكون حالات بشرية صالحة، حيث ترى كلاين أن هذا الأمر مماثل حرفيا لما يفعله مبدأ الصدمة الليبرالي الجديد في المجتمعات والنظم الاقتصادية، وهو تشبيه قد يؤدي إلى سكتة دماغية جماعية في قاعة الاجتماعات بصندوق النقد الدولي.
بل إن كلاين تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك. ففي رأيها أن صناع السياسة ورجال الاقتصاد يضعون أيديهم في أيدي الكوارث، بغية تنفيذ أجنداتهم. وفي هذه السياق تطرح كلاين نظرية مستفزة، إذ ترى أن رأسمالية الكوارث تقتات بنهم ضار على العنف وتستدل على ذلك من هامش الربح الذي تحققه شركة هاليبرتن في العراق. ويكمن استفزاز هذه النظرية في معارضتها لمبدأ يكاد يحظى بإجماع بين الدارسين وهو المبدأ القائل بأن انتعاش الرأسمالية يتطلب مناخا من السلام والدعة.
يثير كتاب كلاين سؤالا مهما: إذا لم يهرع القطاع الخاص للقيام بأعمال الإنقاذ بعد الأزمات فمن الذي سيفعل ذلك؟ إن الدولة تتآكل بصورة واضحة في أغلب أرجاء العالم النامي، وبعد قرابة خمسين عاما لم تنجح المساعدات التنموية الرسمية في بناء قدرات للدول تمكنها من تحسين حياة شعوبها الفقيرة. بل إن المزيد والمزيد من الحكومات ـ الغارقة في الفساد والتصلب البيروقراطي وانعدام الكفاءة ـ تدرك أن القطاع الخاص شريك لا غنى عنه على طريق التنمية الممتد. غير أن كلاين لا تعترف بكثير من ذلك كله.
وعلى الرغم من أية مسالب، يبقى "مبدأ الصدمة" إضافة قيمة للمؤلفات الشعبية التي حاولت إعادة النظر في الأفكار الكبرى لحقبة ما بعد الحرب الباردة التي نعيشها. لقد بدأت عملية إعادة النظر هذه بنظرية "نهاية التاريخ" التي تبناها فرانسيس فوكوياما والتي تقول إن الديمقراطية الليبرالية والسوق الحرة سوف يحكمان في نهاية المطاف جميع مجتمعات الأرض، ثم جاء مفهوم "صدام الحضارات" الذي صاغه صمويل هنتنجتن ليؤكد كثيرا من المخاوف التي انتشرت بعدما أدرك الكثيرون أن ثمة مبالغة كبيرة في القول بموت التاريخ. واليوم يقف طرح توماس فريدمان بتسطح العالم المتعولم وفي مواجهته ومعارضته طرح كلاين بأنه حينما تنجح الكوارث في هدم المجتمعات، فإن الرأسماليين ينظرون إلى ذلك الخراب بوصفه فرصة للربح وبسط النفوذ. ومع أن لكل طرح مسالبه، إلا أن الطروحات جميعا مهمة من حيث إسهامها في التنافس الفكري الرامي إلى تشكيل وتوجيه عصر الشك الذي نعيش في رحابه. ولهذا السبب، وللحماس والروح اللذين يفوحان من صفحات هذاالكتاب، تبقى ناعومي كلاين جديرة بالقراءة.
شاشي ثارور مساعد أمين عام الأمم المتحدة سابقا، ومؤلف كتاب "الفيل والنمر والهاتف المحمول: نظرات في هند القرن الحادي والعشرين".
كيف تتكلم عن كتب لم تقرأها
بيير بيارد
بيير بيارد
هناك أكثر من طريقة لعدم القراءة، أكثرها تطرفا هو ألا تفتح الكتاب من الأساس. وعدم القراءة المطلق هذا يصدق على كل كتاب منشور، وعلى كل قارئ مهما يكن تفانيه في القراءة، وبالتالي فإن الامتناع عن القراءة يمثل جزءا أساسيا في علاقتنا بالكتاب. وعلينا ألا ننسى في هذا المقام أنه مهما يكن القارئ استثنائيا، فإن ما يقع عليه من كتب لا يمثل إلا قطرة من بحر الكتب الموجودة. ونتيجة لذلك، هناك حل من اثنين أمام القارئ: إما أن يلتزم الصمت ويعتزل جميع الحوارات المتعلقة بالكتب ويمتنع تماما عن الكتابة عنها، أو أن يجد نفسه مضطرا إلى التعبير عن آرائه في كتب لم يقرأها.
ولو أننا مضينا بهذا الرأي حتى مداه، لانتهينا إلى اللاقارئ الأكبر، الذي لا يفتح كتابا، وبرغم ذلك يعرف الكتب ويتكلم عنها بدون أدنى تردد. وتلك هي حالة أمين المكتبة في "رجل بلا مزايا"، وهو وإن يكن شخصية ثانوية في رواية موسيل، إلا أن موقفه المتطرف وشجاعته في الدفاع عن هذا الموقف يجعلان منه شخصا لا غنى عنه في الطرح الذي نقدمه.
***
تقع أحداث رواية موسيل في مطلع القرن الماضي في بلد تدعى كَكَانيا، وهي كناية عن الإمبراطورية النمساوية الهنجارية. حيث تتأسس حركة وطنية تعرف بـ "الفعل الموازي" لتنظيم احتفال مهيب بالذكرى السنوية الوشيكة لتولي الإمبراطور الحكم، وهو احتفال يرجى منه أن يكون نموذجا للخلاص تحتذي به دول العالم.
هكذا نجد قادة الفعل الموازي ـ الذي يصورهم موسيل كما لو كانوا دمى بلهاء ـ أسرى بحث محموم عن "فكرة الخلاص" التي لا يكفون عن الحديث عنها وإن بأكثر العبارات غموضا وإبهاما، وذلك لأنهم في واقع الأمر لا يعرفون أي شيء عما يمكن أن تكون عليه تلك الفكرة، ولا هم يعرفون كيف ستؤدي وظيفتها التخليصية خارج حدود بلدهم.
بين قادة الحركة واحد من أكثرهم حماقة يدعى الجنرال ستام (وتعني "أبكم" بالألمانية). يعتزم ستام أن يسبق الآخرين إلى اكتشاف فكرة الخلاص كرامة لوجه امرأة يحبها، هي ديوتيما، وهي الأخرى شخصية مرموقة في الفعل الموازي:
يقول ستام "لا بد أنك تذكر، أم تراك لا تذكر، أنني عقدت العزم على أن أجد فكرة الخلاص العظيمة تلك التي تريدها ديوتيما لأضعها تحت قدميها. وها هو يتبين أن هناك الكثير من الأفكار العظيمة، ولكن واحدة فقط من بينها هي الفكرة العظمى، كلام منطقي، أليس كذلك؟ المسألة إذن مسألة ترتيب للأفكار".
الجنرال، الرجل قليل الخبرة بعالم الأفكار وألاعيبها، الذي لا يبالي بطرائق تكوين الأفكار، هذا الرجل دون غيره، يقرر أن يذهب إلى المكتبة الإمبراطورية ـ معين الأفكار الطازجة ـ لكي "يقف على موارد الأعداء" ويتوصل إلى "فكرة الخلاص" بأكبر قدر من الكفاءة.
***
زيارة إذن إلى المكتبة تلقي هذا الرجل منقطع الصلة بالكتب في خضم ألم مبرح. فالرجل ـ بوصفه عسكريا ـ معتاد أن يكون في موضع المسيطر، أما هنا، فإنه يجد نفسه في مواجهة نمط من المعرفة لا يمن عليه بعلامة تهديه، أو عصا يتوكأ عليها:
"مشينا عبر طبقات مخزن الكتب العملاق ذلك، ولن أجشم نفسي عناء إخبارك بأنني لم أرتبك على نحو خاص، لا سيما وأن صفوف الكتب تلك ليست أسوأ من طابور عسكري. مع ذلك، وبعد قليل، لم أملك إلا أن أقوم ببعض الحسابات في رأسي، وجاءني حل لم يكن في حسباني. انظري، لقد فكرت أنني لو قرأت كتابا كل يوم، فسيكون الأمر مرهقا، وهذا طبيعي، ولكنني سأكون ملزما بالوصول إلى النهاية في وقت ما، وعندئذ، وحتى لو عبرت على بعض الصفحات، فسيكون من حقي أن أطالب بموقع لي في عالم المثقفين. ولكن تصوري ماذا قال لي أمين المكتبة، ونحن نمشي ونمشي، دون أن تلوح في الأفق نهاية، عندما سألته كم كتابا لديهم في تلك المكتبة المجنونة؟ ثلاثة ملايين ونصف المليون. هكذا قال لي. كنا قد وصلنا إلى السبعمائة ألف أو نحو ذلك، ولكنني ظللت أقوم بالحسابات في رأسي، سأعفيك من التفاصيل، ولكنني تحققت من الأمر بعد ذلك في المكتب، بالورقة والقلم الرصاص، سوف يتطلب تنفيذ خطتي عشرة آلاف عام".
تشجعنا هذه المواجهة مع لانهائية الكتب المتاحة على عدم القراءة أصلا. ففي مواجهة هذا الكم الرهيب من الكتب الذي يكاد يكون كله مجهولا لنا، هل يكون لنا مفر من الوصول إلى أن عمرا كاملا إن ضاع في القراءة فقد ضاع بحق؟
القراءة أولا وأخيرا هي اللاقراءة. فحتى في حالة القراء الأكثر شغفا وتفانيا، فإن فعل القيام بتناول كتاب وفتحه ليس إلا مجرد قناع للفعل العكسي الذي يحدث في الوقت نفسه وهو فعل عدم القيام بتناول وفتح كل الكتب الأخرى في العالم. *** لو أن "رجل بلا مزايا" تثير مشكلة المواجهة الدائمة بين اللانهاية من ناحية وبين انتفاء الأمية الثقافية، فهي أيضا تقدم حلا ممكنا، أي الحل الذي يقدمه أمين المكتبة في مساعدته للجنرال ستام. فلقد وجد أمين المكتبة ذلك وسيلة يزرع بها نفسه وسط ملايين الكتب في مكتبته، إن لم يكن بين جميع كتب العالم. وإن له في ذلك أسلوبا فائق البساطة، يقول ستام: "ولما لم أفلته إذا به ينهض بغتة في بنطاله الرجراج ذلك، ويقول بصوت خافت وواضح، وكأنما آن الأوان ليفضي بالسر الأكبر: سيدي الجنرال، لو أنك تريد أن تعرف كيف تأتى لي أن أحيط بكل كتاب هنا، فبوسعي أن أخبرك! سر ذلك أنني لم أقرأ أيا منها". يندهش الجنرال من أمين المكتبة الغريب ذلك الذي يعزف عامدا عن القراءة لا عزوفا عن الثقافة، بل من أجل معرفة أفضل بكتبه: "صدقيني، كان ذلك يفوق احتمالي. ولكنه عندما رأى مبلغ دهشتي، أوضح لي حاله: ـ سر كفاءة أي أمين مكتبة يكمن في كونه لا يطالع من الأدب الذي بحوزته إلا العناوين والفهارس. أما كل من يسمح لنفسه بالبدء في كتاب فقد ضاع كأمين مكتبة. إذ إنه يفقد زاوية النظر. فقلت له محاولا السيطرة على نفسي: أنت إذن تقول إنك لم تقرأ أي كتاب. قال: إطلاقا، لم أقرأ سوى سجلات العناوين. ـ ولكن، ألست حاصلا على الدكتوراة؟ ـ طبعا، وأعمل في الجامعة محاضرا خاصا في علم المكتبات. علم المكتبات مجال دراسي يمنح درجة علمية، كما تعرف، ولكن أيها الجنرال كم نظاما في رأيك لترتيب المكتبات والحفاظ عليها وفهرستها وتصحيح الأخطاء المطبعية والمعلومات المغلوطة في صفحات العناوين؟" هكذا ينأى أمين المكتبة في رواية موسيل بنفسه عن الدخول في الكتب التي تقع في عهدته، ولكنه أبعد ما يكون عن معاداتها وعدم الاكتراث بها، كما قد يتصور البعض. بل إن حبه للكتب ـ أي لجميع الكتب ـ هو الذي يدفعه إلى البقاء الحذر في محيطها، خشية أن يؤدي اهتمام مبالغ فيه بواحد منها إلى تجاهل البقية.
***
في ظني أن حكمة أمين المكتبة في رواية موسيل تكمن في فكرة الحرص على زاوية النظر. ولعله ما يقوله في واقع الأمر عن المكتبات يصدق على الثقافة بعامة: فالذي يدفن وجهه في كتاب إنما هو يعزف عن المعرفة الحقيقية، بل وعن قراءة نفسه ذاتها. ولأن هناك بالضرورة خيارا لا بد من القيام به ـ في ضوء عدد الكتب الموجودة ـ بين الرؤية الكلية من ناحية وكل كتاب على حدة من ناحية أخرى، فإن كل قراءة ما هي إلا تبديد للطاقة في محاولة شاقة مهدرة للوقت تسعى إلى معرفة الكل. يكمن سر سداد هذا الموقف بادئا ذي بدء في الأهمية التي يعلقها على الكلية، إذ يشير إلى أنه من أجل أن نكون مثقفين حقا، فعلينا أن ننزع إلى الشمولية، لا إلى المراكمة لنتف منعزلة من المعرفة. والأهم من ذلك أن السعي إلى الشمولية يغير من طريقتنا في النظر إلى كل كتاب، فيتيح لنا أن نتجاوز النظر إليه في فرديته، وننظر إلى العلاقة القائمة بينه وبين غيره من الكتب. تلك العلاقات هي التي يجدر بالقارئ الحصيف أن يصل إليها، وذلك ما يفهمه أمين المكتبة الموسيلية على خير نحو. ولذلك فإنه لا يهتم بالكتب ـ شأن بقية زملائه ـ وإنما بالكتب التي تتناول الكتب: "وزدت قليلا في الكلام عن احتياجي إلى جدول يمكنني من الربط بين جميع أنواع الأفكار في كل اتجاه، وعندئذ تحلى بأدب جم، وبرغم أن في ذلك خرقا للمقدسات، إلا أنه اقترح أن يأخذني إلى غرفة السجلات ويتركني أقوم ببحثي، مع أن القواعد تمنع ذلك، لأن استخدام هذه الغرفة مقصور على أمناء المكتبة. وهكذا وجدت نفسي في قدس الأقداس. شعرت أنني بداخل مخ هائل. تخيلي نفسك محاطة بكل تلك الأرفف، المتخمة بالكتب والحجيرات والسلالم في كل مكان، وكل تلك الكتب مرصوصة، والطاولات مختفية أسفل السجلات المكدسة والببليوجرافيات، تلك خلاصة المعرفة، ألا تعرفين ذلك، ولا يوجد كتاب واحد صالح للقراءة، ليس سوى كتب عن كتب". إن ما ينبغي للفرد المثقف أن يبحث عنه هو هذه الروابط والعلاقات وليس أي كتاب محدد، تماما كما ينبغي لعامل التحويلات أن يركز على العلاقات بين القطارات ـ أي تقاطعاتها وتحولاتها ـ لا أن يركز على محتويات أي منها. والصورة التي يقترحها موسيل للمخ تؤكد بقوة على هذه النظرية التي ترى أن العلاقات بين الأفكار أهم بكثير من الأفكار نفسها. قد يشكك البعض في زعم أمين المكتبة بأنه لا يقرأ الكتب، فيقولون إنه يهتم اهتماما كبيرا بالكتب المكتوبة عن الكتب والمعروفة بالسجلات. ولكن هذه الكتب لها وضع خاص جدا إذ إنها في حقيقة الأمر ليست سوى قوائم. كما أنها عرض بصري للعلاقات بين الكتب ـ العلاقات التي ينبغي أن يهتم بها كل من يبالي حقيقة بالكتب، ومن يحبها إلى حد الرغبة في الإحاطة بها معا. *** فكرة المنظور أو زاوية النظر هذه مركزية للغاية في منطق أمين المكتبة، وهذه الفكرة تقدم لنا على المستوى العملي معنى مهما. فالإدراك الحدسي لهذا المفهوم هو الذي يتيح لبعض الأفراد المميزين أن يخرجوا سالمين من مواقف كان من الممكن أن يخرجوا منها وقد ألصقت بهم فضيحة عدم الثقافة. كما يعرف المثقفون (وكما يجهل غير المثقفين لسوء حظهم)، فإن الثقافة هي قبل كل شيء مسألة اختيار لاتجاه. فالمثقف ليس الذي يقرأ أي كتاب معين، بل الذي يجد وجهته بين الكتب بوصفها نظاما، وهو ما يقتضي منك أن تعلم أن الكتب تشكل نظاما وأن تعرف موضع كل عنصر في علاقته بالآخر. وهكذا فإن ما بداخل الكتاب أقل أهمية مما بخارجه، أو لنقل ـ إن شئتم ـ إن داخل الكتاب هو خارجه، لأن ما هو مهم في الكتاب هو الكتب المجاورة له. ومن ثم، فإن عدم قراءة المثقف ومن ثم عدم معرفته بالمحتوى الدقيق لكتاب ما لا تمثل مشكلة على الإطلاق، إذ إنه برغم ذلك قد يكون مدركا لموضع هذا الكتاب، أو للمكان الذي يحتله بين غيره من الكتب. وهذا التمييز بين محتوى الكتاب وموضعه يشكل أمرا أساسيا، لأن ذلك هو ما يتيح لغير الخائفين من الثقافة أن يتكلموا دونما مشكلات في أي موضوع. فأنا على سبيل المثال لم أقرأ عوليس لجيمس جويس، وليس من الصعب أن تصدقوا أنني لن أفعل ذلك. وهكذا فإن "محتوى" تلك الرواية غريب عني إلى حد كبير، أقول "المحتوى" وليس الموضع. ولكن محتوى الكتاب هو ـ إلى حد كبير ـ موضعه. وذلك يعني أنني أشعر بارتياح تام حينما يأتي أحدهم على ذكر عوليس في حوار، لأنني قادر على تحديد موضعها بدقة في علاقتها بكتب أخرى. فأنا أعرف مثلا أنها إعادة حكي للأوديسة، وأن السرد فيها يتبع أسلوب تيار الوعي، وأن الحدث فيها يجري داخل دبلن على مدار يوم واحد إلخ. ونتيجة لذلك فإنني أشير إلى جويس بدون أدنى تردد. والأهم من ذلك، وكما سيتبين لنا عند تحليل علاقات القوة الكامنة خلف حديثنا عما نقرأه، فإنني قادر على الإشارة إلى عدم قراءتي لجويس دونما إحساس بالخجل. لأن مكتبتي الفكرية ـ شأن أي مكتبة ـ تتألف من الفجوات والفراغات، ولكن ذلك لا يمثل على أرض الواقع أدنى شكلة: إذ إنها مكدسة بكفاءة تخفي أثر أي ثغرة وكل ثغرة. معظم ما يقال عن الكتاب لا يكون عن الكتاب نفسه، وإن بدا غير ذلك، وإنما عن مجموعة أكبر من الكتب التي تقوم عليها ثقافتنا في لحظة الحديث. ولسوف أتحدث عن هذه المجموعة منذ الآن بوصفها المكتبة الجمعية، وهي المكتبة ذات الأهمية الحقيقية، إذ إن إحاطتنا بهذه المكتبة الجمعية هي ما نعول عليه عندما نتناقش في الكتب. ولكن هذه الإحاطة تتحقق عبر الإحاطة بالعلاقات، لا عبر الإحاطة بكتاب منعزل، كما أن هذه الإحاطة تتكيف بسهولة مع الجهل بأجزاء كبيرة من الكل. من الممكن القول إذن إن الجهل بكتاب ما ينتفي بمجرد أن يدخل مجالنا الإدراكي، وأن عدم معرفة شيء يذكر عن كتاب لا يمثل عائقا أمام تخيله أو مناقشته. إذ إن بوسع شخص مثقف أو محب للمعرفة، بمجرد أن يلقي نظرة سريعة على عنوان كتاب أو غلافه، أن يستدعي سلسلة من الصور والانطباعات لتلتحم معا وبسرعة بحيث تكون جميعا رأيا مبدئيا، يتيسر له بقوة مجموعة كاملة من الكتب القائمة في الثقافة الأوسع. ومن ثم فإن أسرع نظرة عابرة على كتاب ـ قد تكون بالنسبة للاقارئ ـ بداية امتلاك حقيقي ويصبح الكتاب المجهول كتابا معروفا لنا منذ هذه اللحظة. *** ما يميز اللاقراءة لدي أمين المكتبة في رواية موسيل هو أن الموقف الذي يتبناه من الكتب غير سلبي، بل إيجابي طبعا. فلو أن كثيرا من المثقفين هم لاقراء، ولو أن كثيرا من اللاقراء هم مثقفون، فذلك لأن اللاقراءة ليست مجرد انتفاء القراءة. بل إنها نشاط فعلي هو عبارة عن تبني موقف يقي من الغرق في سيل الكتب الجارف. ومن هذا المنطلق، فمن المهم الدفاع عن هذا الموقف بل وتعليمه. يصعب على العين غير المدربة ـ بطبيعة الحال ـ أن تميز في بعض الأوقات بين انتفاء القراءة واللاقراءة، ولسوف أوافق على أن أكثر الناس شبها بشخص لا يقرأ هو شخص آخر لا يقرأ. ولكننا لو أمعنا النظر عندما يواجه هذان الشخصان كتابا، فإن الفارق في السلوك والدافع الكامن وراء كل سلوك سوف يكون جليا لنا. في الحالة الأولى، نجد الشخص الذي لا يقرأ غير مكترث بالكتاب، أي الكتاب بمحتواه وموضعه. فعلاقة الكتاب بغيره لا تعني له شيئا بالقياس إلى موضوع الكتاب، كما أنه لا يبدو منشغلا مطلقا بأن اهتمامه بكتاب واحد، قد يبدو ازدراء لبقية الكتب. في الحالة الثانية، نجد أن الشخص الذي لا يقرأ ـ مثل أمين المكتبة في رواية موسيل ـ يتمهل من أجل أن يحدس جوهر الكتاب، وموضعه من المكتبة ككل. وهو بما يفعله هذا أبعد ما يكون عن اللامبالاة بالكتاب، بل هو على العكس تماما من ذلك. إذ إنه يفهم الرابط بين محتوى الكتاب وموضعه، الكتاب الذي يختار ألا يقرأه، فيكون اختياره أكثر صوابا وحكمة من قرار كثير من القراء، بل وربما أكثر احتراما للكتاب نفسه. الأسبوع القادم ـ ربما ـ نص كلمة قبول دوريس ليسنج لجائزة نوبل، أقول ربما لأنني لا أزال في مرحلة ترجمتها