الاثنين، 10 يوليو 2017

دروس السينما للفلسفة

دروس السينما للفلسفة
كوتيتشا براداتان



تصوّروا ما يلي: رجل ـ ساموراي ـ يُقتل في بستان. ويؤتى بجميع المتورطين واحدا إثر واحد، ليمثلوا أمام محكمة. يتكلم الحطَّاب عن الفزع الذي استولى عليه حينما صادف الجثة. ويشهد الراهب أنه سبق أن رأى الرجل ويحدِّد قاتلا محتملا. ثم يؤتى بالمهاجم تاجومارو. فيزعم أنه قيَّد الساموراي، وأغوى زوجته أمام عينيه، ثم قتل الساموراي، ولكن في مبارزة.
لعل بعض القراء قد تعرَّفوا على هذا الخط العام للحبكة. الفيلم هو "راشومون" (1950) رائعة المخرج الياباني أكيرا كيروساوا الذي يقدم للمشاهدين وليمة فريدة، قوامها التفكير على الشاشة، والتفلسف لا من خلال الجدل، أو اللغة المجردة، بل من خلال الحكي الفريد، والصورة المقنعة، والسينماتوغرافيا المبتكرة.
يأتي بعد ذلك دور زوجة الساموراي للإدلاء بشهادتها. هي بحسب قصتها تعرَّضت للاغتصاب من تاجومارو الذي يرحل بدون أن يقتل زوجها. وبعد الاغتصاب تحلُّ وثاق زوجها، ثم تمضي عنه، لتستيقظ فتجد زوجها ميَّتا بجوارها، وقد انتحر.
الآن بات اللغز الفلسفي القائم في جوهر فيلم كيروساوا واضحا: ماذا لو أننا عاجزون عن معرفة وتبيُّن ما يجري؟ لو أن كل رواية ننتجها عن العالم المحيط بنا هي عالم في ذاتها، وأن كل سرد لشخص يختلف اختلافا بيِّنا عن سرد غيره، وما من سبيل إلى معرفة أي الروايات هي الرواية الفعلية؟
ولمزيد من الإفحام، نسمع بعد ذلك من خلال وسيط نسخة الساموراي الميِّت نفسه: بعدما ينام تاجومارو مع زوجته، يتوسل إليها قاطع الطريق أن ترحل معه فتقبل بشرط أن يقتل زوجها. لكن تاجومارو فجأة يأخذ صف زوجها. وبطريقة ما تتمكَّن الزوجة من الهرب، ويحرِّر قاطع الطريق الساموراي ويرحل، وينتحر الساموراي.
شخصيات كيروساوا تنظر إلى عالم واحد، لكن لأسباب أخلاقية أو إدراكية فإن الروايات التي يرونها عوالم في ذاتها، فتستحيل معرفة كيف هو العالم الفعلي. ورسالة الفيلم النهائية هي أننا عاجزون جذريا عن "معرفة الحقيقة".
ثم إننا نسمع بعد هو نسخة أخرى، نسخة الحطاب الذي رأى الأمر كله، لكنه لم يخبر به المحكمة. بل يقدِّم روايته بعد المحاكمة، تحت بوابة راشومون: بعدما ينام تاجومارو مع السيدة، يتوسل إليها أن تتزوجه. ودونما تأثر، تحلُّ الزوجة وثاق زوجها وتتحدَّاه أن يبارز قاطع الطريق. ويشتبك الساموراي مع تاجومارو في مبارزة يقتل فيها.
هذه هي النسخة الأخيرة، لكن ليس بوسعنا أن نقول إنها النسخة الحقيقية. ولو كان مزيد من الناس قد تورطوا في الأمر، لسمعنا مزيدا من الروايات، ولاختلفت كل منها مزيدا من الاختلاف عن الرواية الأخيرة. وفلسفيا، ليس هذا بالأمر الجديد: فمن تفكيك فريدريتش نيتشه للحقيقة في ضوء "الإرادة الحرة، وحتى فكرة ريتشارد رورتي للحقيقة باعتبار أنها "تصنع بدلا من أن يعثر عليها" وصولا إلى فكرة زماننا عن "البناء الاجتماعي" لكل شيء، بتنا نألف العالم وقد أعفى نفسه من الاضطرار إلى معرفة مكمن الحقيقة. وبرغم ما في رسالة فيلم كيروساوا من إزعاج على المستوى الإنساني، فإن الفيلم ينضم إلى حوار قائم منذ بعض الوقت في الفلسفة الغربية.
ولكم أن تتساءلوا مع ذلك ما الذي يفعله سينمائي بانضمامه إلى حوار فلسفي؟ بحسب خط فكري، هامشيٍّ حتى الآن، وإن يكن مؤثرا، يفعل كيروساوا ما يجدر بكل سينمائي جيد أن يفعله: يستفز المشاهدين إلى تجاوز ما يرونه معروضا أمام أعينهم على الشاشة، والاشتباك مع أسئلة كبيرة حول الوضع الإنساني، والسعي إلى غايات فلسفية من خلال الوسيلة السينمائية. فبدءا من جيل دولوز وستانلي كافيل إلى ستيفن مولهال وروبرت سينربرينك، تأسَّست حجة ترى أن الفيلم قابل لأن يكون فلسفة. والحق أن بوسع السينما أن تخدم الفلسفة، لا بأدائها دورا مساعدا هو على سبيل المثال "تصوير" المشكلات الفلسفية في مشاهد المحاضرات، بل بطريقتها الخاصة، وأساليبها الخاصة، وعلى نحو لا يمكن اختزاله في مناهج الفلسفة التقليدية. والواضح أنه ليست جميع الأفلام فلسفية على نحو بارز، لكن منها ما هو كذلك، وهذا يكفي. ومثلما يقول مولهال في "عن السينما" [On Film] (2001) فإن "هذه النوعية من الأفلام ليست المادة الخام للفلسفة، ولا مصدرا لزخارفها، بل هي ممارسات فلسفية، هي فلسفة تتحرك، هي الفيلم بوصفها تفلسفا".
وليس الفلاسفة شيئا ما لم يكونوا مجادلين، ولذلك فقد حوصرت "الفرضية الجريئة" القائلة بأن الفيلم فلسفة. فيمضي الخط الانتقادي الأساسي قائلا إن الفيلم لا يمكن أن يكون فلسفة، لأنه لا يعمل من خلال الحجج مثلما يجدر بالفسفة أن تعمل دائما، بل من خلال الصور والمشاعر وما شاكل ذلك. والسينمائيون ـ بعبارة أخرى ـ لا يمكن أن يكونوا فلاسفة لأنهم لا يرقون إلى فهم الفلسفة فهما خلاصته هي إقامة الحجج والتحسب للحجج المضادة. غير أن عددا كبيرا من الفلاسفة ـ بموجب هذا التعريف ـ ليسوا فلاسفة هم أيضا: فلا مكان بموجب هذا التعريف في الفلسفة لهيراقليطس وديوجين، ناهيكم عن كونفشيوس ونيتشه.
وبغض النظر عما إذا كانت الأفلام تحقق هذا التعريف التقني للفسلفة أو ذاك، تظل الحقيقة قائمة، وهي أن بوسع الأفلام أن تترك فينا مثل الأثر الذي تخلفه فينا الأعمال الفلسفية العظيمة الخالدة: فهي توقظنا وتزلزلنا، وتبثُّ في عقولنا فهما جديدا للحياة، وتجعلنا ننفتح على سبل جديدة لرؤية أنفسنا والعالم المحيط بنا. ففي أعمال تاركوفسكي وإنجمار بيرجمان وكيروساوا نقاء في النظرة، وعمق في الرؤية، وبراعة في التبصر، كالتي في أعمال كبار الفلاسفة.
غير أن الأهم من ذلك، في ضوء هوس الفلاسفة غير الحميد بالعقلانية، هو أن بوسع السينمائيين أن يعلّمونا معنى أن يكون المرء إنسانا: أن يعلِّمونا كيف هي فوضوية أساليبنا، وكيف يمكن أن نكون متقلبين معقدين وفي نهاية الأمر غير عقلانيين. ثم إننا نتحرك بدافع من المشاعر والعواطف بقدر ما نتحرك بدافع من المنطق والعقل، ونوظِّف الخيال الأسطوري بقدر ما نوظِّف التفكير الجدلي. ولعله خير الفلسفة أن تكون أكثر أريحية في تعريفاتها وأكثر تواضعا في علاقاتها بالمجالات الأخرى. فبوسعها أن تتعلم من السينما ـ على سبيل المثال ـ أكثر من شيء مفيد: الدفء الإنساني والضرورة الاجتماعية والحديث المباشر إلى القلب الإنساني، وتلك جميعا أشياء لا تكثر في النصوص الفلسفية.
وراشومون لكيروساوا يفعل هذا بالضبط. فهو لم يقتصر على أن يكسو باللحم والدم الفكرة القديمة القائلة بأن الحقيقة صناعة بشرية، بل أضفى بعدا دراميا متوترا لا يمكن أن تحققه الفلسفة وحدها. فمن خلال السرد، والأسلوب السينمائي، والأداء، والميزانسين، وما شابه هذا، نستشعر كيف يكون إحساس العجز عن فهم الواقع: إذ تروى القصص المتعارضة من خلال الفلاشباك بما يثير قضية أساسية عن علاقة الحقيقة بالذاكرة والنسيان، والتذكر وسوء التذكر. ويتم التذكر والحكي من خلال انهمار لا يتوقف: فكأنما تحول كل ما في هذا العالم ـ من واقع وحقيقة ومنا نحن أنفسنا ـ إلى سائل، ومكان التذكر هو مكان الخراب، هو أطلال معبد، لنتذكر ـ إذا كنا نسينا "موت الإله" أو على الأقل صمته التام. وفي المحكمة لا نرى مطلقا وجوه القضاة، بل وجوه الشهود المستدعيْن للإدلاء بشهاداتهم المتعارضة: فهم يتحدثون إلينا، ونحن القضاة، نحن الذين نتلقى كل شيء، ثم إن في الفيلم لقطات مباشرة للشمس تتسبَّب في إحساس بالعمى والتخبط. وكل هذا يعمِّق الانطباع بأننا شهود ـ بما ينهي عجزنا عن قول الحقيقة ـ وأن في هذا مأساوة كونية. وهناك مراثي الراهب البوذي الآسرة:
الحرب والزلزال والريح والنار والمجاعة والطاعون. عاما بعد عام، ما من شيء غير الكوارث. واللصوص ينهبوننا كل ليلة. كم رأيت رجالا يقتَلون قتل الهوام، ولم أسمع مع ذلك قصة مرعبة كهذه القصة. حقا، رهيبة. هذه المرة، قد أفقد أخيرا إيماني بالروح الإنسانية. هي أوسخ من اللصوص، والطاعون، والمجاعة، والنار، والحرب.
طبعا كل هذا "مجرد فيلم". فضلا عن أنه كان ممتعا للغاية أن نتسلى بفكرة أن الحقيقة اصطناع بشري، وأن من الممكن بناء كل شيء وهدمه إلى ما لا نهاية. متعة فائقة. ولكن. يأتي أوان دفع الثمن، وقد يأتي قبل الأوان، سابقا توقعاتنا. فحين تدفعنا الحكومة إلى القبول بالأكاذيب لا بوصفها أكاذيب بل بوصفها "حقائق بديلة"، نعرف أن الإطار المرجعي لم يعد رورتي أو نيتشه، بل جورج أورويل، و1984، وأنه ليس قصة نطالعا، بل هو عالم بدأنا نقيم فيه.
وواجبنا على أقل تقدير أن نراه قادما. ففي النهاية، راشومون حذرنا منه تحذيرا كافيا.

كاتب المقال هو أستاذ العلوم الإنسانية بجامعة تكساس للتكنولوجيا وأستاذ الفلسفة الفخري بجاعة كوينزلاند بأستراليا. وهو مؤلف "الموت من أجل الأفكار: فلاسفة عاشوا حياة الخطر". يعمل محررا راسات الأديان المقارنة في لوس آنجلس رفيو أوف بوكس وهو المحرر المؤسس لـ"Philosophical Filmmakers" [سينمائيون فلاسفة] وهي سلسلة كتب تصدر عن دار بلومسبيري.
نشر المقال في مجلة آيون ونشرت الترجمة اليوم في جريدة عمان