الأربعاء، 5 يوليو 2017

تشارلز سيميك يكتب في العتمة: أمريكا بلد ضل طريقه وقد ينتهي في مزبلة التاريخ

تشارلز سيميك يكتب في العتمة:
أمريكا بلد ضل طريقه وقد ينتهي في مزبلة التاريخ
حوار: بيتر ميشلر
تشارلز سيميك شاعر ومترجم ولد في يوغسلافيا, حصل على كثير من الجوائز الأدبية، من بينها جائزة بولتزر، وجائزة جريفين، ومنحة مكأرثر،  ووسام والاس ستيفنس. يشارك كثيرا بالكتابة لنيويورك رفيو أوف بوكس، واختير في 2007 أميرا لشعراء الولايات المتحدة [وذلك لقب يطلق على المستشار الشعري لمكتبة الكونجرس الأمريكية]. هو أستاذ فخري بجامعة نيوهامشر التي يدرِّس فيها منذ عام 1973، كما أنه كاتب زائر متميز بجامعة نيويورك.
***
ـ مجموعتك الشعرية الجديدة تتسم بسمة لم ألاحظها في أعمالك من قبل: الإيروتيكية والجنسية. لكنني حينما بدأت أراجع أعمالك كلها وجدت ذلك في كل مكان. هل أنت واع بالإيروتيكي في قصائدك؟
ـ يدهشني كم الشعراء الذين لا يحيلون إلى الجنس في قصائدهم، كأنهم لا يفكرون فيه مطلقا، وكأنما لا وجود لتراث طويل من الإيروتيكية في الشعر يرجع إلى الإغريق والرومان. لو أن شخصا جمع كل شعري في هذا الاتجاه لأثمر عن سفر ضخم.
ـ ومع ذلك كثيرا ما يوصف شعرك في المقالات والاستعراضات النقدية بل وفي إشارات الأغلفة الخلفية، بالآسر المنذر القاتم الآثم.
ـ أتخيل أن مرجع ذلك هو إحساسي الدائم بما في العالم من شر. لقد نشأت في فترة الحرب العالمية الثانية في مدينة محتلة مقصوفة بالقنابل في أوربا ولم أر الكثير منذ ذلك الحين مما يحملني على الظن بأن سلالتنا تعلَّمت من تلك الأهوال وأن قرننا الحالي سيكون أفضل حالا بأي اعتبار.
ـ كيف تفهم تواتر حضور الأطفال كموضوع في قصائدك؟
ـ لم أكن واعيا بذلك، لكنني لست مندهشا. شأن كل من نشأ في مدينة وقضى سنوات عمره فيها، فإن الفرجة على الناس شغف لديّ، وهذا ينطبق على الأطفال أيضا. فهم يثيرون اهتمامي كأفراد، ككائنات صغيرة غامضة، سوف ينشأون في ما سوف ينشأون فيه مهما يكن. وإنني أشعر بالأسف لوجودهم في هذا العالم الوضيع أكثر مما أشعر بالأسف للكبار.
ـ ما أفكارك حيال تواتر صور معينة في جميع أعمالك؟ هل الهوس كلمة لائقة الاستعمال في هذا السياق؟
ـ نعم، الهوس كلمة لائقة الاستعمال. ينزع الشعراء جميعا، إن عاشوا طويلا مثلما عشت، إلى تكرار أنفسهم. وبعيدا عن هذه الصور والمواضيع التي يرجع المرء إليها مرارا وتكرارا، هناك ألغاز لا يملك المرء أن يحلها، ألغاز تتعلق بهويته، ومصيره. إننا نعيش حياة واحدة، وتبقى الحياة لغزا، لذلك يستحيل أن يرمي المرء ذلك كله وراء ظهره ويبدأ من جديد كشاعر مع كل كتاب جديد.
ـ بالإشارة إلى عنوان كتابك الجديد "شخبطات في العتمة"، هل يكشف العنوان شيئا عن طريقتك في تأليف القصائد؟
ـ أدوِّن كلمات وصورا وأبيات شعر في أي مكان يتصادف أن أكون فيه، وبسرعة، في دفاتر أو على قطع من الورق بالقلم الرصاص أو بالقلم الجاف. وفي الليل أفعل ذلك في العتمة، مراعاة لعدم إزعاج زوجتي بإضاءة المصباح. طبعا يكون بوسعي أن أقوم من السرير وأذهب إلى غرفة أخرى، وهذا ما أفعله في بعض الأحيان، لكنني في الغالب أبقى في السرير، لأنني أعرف أنني لو قمت إلى غرفة أخرى فسوف أقضي وقتا جحيميا في محاولة استئناف النوم.
ـ لا أعرف إن كنت تعتقد أن المصاعب التي تواجهها مع النوم قد وسمت قصائدك التي تكتبها ليلا بسمة ما.
ـ أختلف عن غيري من المؤرقين في أنني لا أشكو من هذه الأزمة. فالسر الذي يجعلني قادرا على العمل في اليوم التالي هو أنني لا أسمح لنفسي بأن أكون في حالة يقظة تامة. فأنا أستلقي في العتمة ولا أضيء المصباح، وقد أدوِّن أشياء، لكنني لا أكتب قصائد كاملة. في المقابل، يدور عدد هائل من قصائدي في الليل، فلعل أرقي هو تفسير ذلك.
ـ فقد الشعر الأمريكي في السنوات الثلاث الأخيرة مارك ستراند، وجيمس تيت، وبيل نوت، وأفهم أنهم كانوا أصدقاء لك، وأنك كنت على معرفة جيدة بشعرهم. ما التركة التي خلَّفوها بعد وفاتهم؟
ـ اعمل في ما يخصك. وهذه هي تركة والت ويتمان وإيميلي ديكنسن أيضا. لقد كانت المئة عام الماضية هي العصر الذهبي للشعر الأمريكي، لذلك لدينا وفرة نختار منها. لا يشترك ستراند وتيت ونوت في الكثير، فكل منهم اتبع ذلك التراث. لذلك أنصح الشعراء الشبان بأن يقرأوا كل شيء ثم بأن يفعلوا ما يريدون أن يفعلوه.
ـ أعرف أنك كنت طموحا في شبابك. هل وجدت أنك لا بد أن تحافظ على اشتعال جذوة الطموح لكي تستمر في الكتابة بعد عقود؟
ـ نعم ولا. طبعا أنا لا أحب أن أكون كأي أحد سواي، لكنني لا أفكر في ذلك وأنا أكتب. ربما أكون فعلت ذلك في شبابي، لكن بعد ستين عاما، ما يبقى قائما هو الافتتان بصنع شيء من لا شيء. تمر في رأسي كلمة، ثم عبارة، وأخيرا تبدأ قصيدة في التشكل قد أبقى أسمكر  فيها لسنين. طموحي الوحيد هو أن أفعل شيئا لم أفعله من قبل، ويكون جيدا.
ـ في مقالاتك في نيويورك رفيو أوف بوكس، تكتب بدقة شديدة وببصيرة عن المجتمع والسياسات في أمريكا. وفي قصائدك شهادة من نوع مختلف، لكن لا يحدث نهائيا في ما يبدو أن تكون شهادة على حقيقة أو معلومة. هل من علاقة أو توتر بين هذين النوعين من الكتابة؟
ـ على الإطلاق. أنا أمقت الشعر التعليمي، الشعر ذا الرسالة، لذلك لا أصدر أحكاما قاطعة عن مأزقنا الوطني. أحاول في القصائد أن أنقل إحساس الحياة هنا والآن في بلد ضلَّ طريقه وقد ينتهي في كومة قمامة التاريخ مثل سبق وانتهت امبراطوريات كثيرة. هذه الرؤية القاتمة هي التي تستولي على القصائد. وأعرف أن كثيرين غيري يشعرون بمثل ذلك. فقد قال لي جار "نحن ضائعون يا شارلي" ولم يكن عليه أن يشرح لي ماذا يقصد. في الوقت نفسه، يزهر الليلك، ويطارد الأطفال بعضهم بعضا ضاحكين في فناء المدرسة، وأخرج أنا لتمشية طويلة لطيفة في الغابة.

نشرت الترجمة صباح اليوم في جريدة عمان