الثلاثاء، 9 يونيو، 2015

نعمة النسيان


في الطابق تحت الأرضي من بنك في مدينة أيوا الأمريكية، جلس إلى منصة في قاعة صغيرة أربعة كتاب، من اليونان وسنغافورة، والسودان، وكوريا الجنوبية، وكنت معهم، والكلام كان عن التداوي بالكتابة، وحكيت عن روايتي الأولى التي لولاها ما كنت أتصور لنفسي النجاة من فخ الهيئة العامة للاستعلامات، فخ الطموح بلا أمل، والانتظار بلا جدوى، والاعتماد إما على الصدفة البحتة أو الفساد الممأسس من أجل قفزة إلى أعلى، هي ككل قفزة إلى أعلى سقطة مؤكدة.
يومها سئلنا عن النسيان والذاكرة. وانحاز الكتّاب من ثلاث قارات إلى الذاكرة، وانحزت للنسيان. قلت: إننا نجرِّب كلَّ شيء، نجرب الفن والحب، نجرب النظام والبوهيمية، نجرب الدين والإلحاد، ونفشل، كل مرة يثبت أننا فشلنا، ربما نستمتع لكن ليس بلا ثمن، فالفشل حليفنا دائما، إلى أن يأتي ألزهايمر في نهاية العمر حلا يصحح كل ما ثبت فشله من قبل. نعم، النسيان هو الحل.
وفي غرفة بفندق في أيوا، كنا أربعة كتاب مرة أخرى، من غينيا، ومن جنوب أفريقيا ومن أيسلندة، وكنت رابعهم. وقرأت الميلف الغينية قصة قصيرة عن جد يحكي لحفيده كيف هجَّرتهم الدولة لتقيم سدًّا، أو مشروعا تنمويا ما. يحكي الجد لحفيده ويعده. يجهزه للحظة الانتقام القادمة لا محالة. قالت لنا مارتينا ـ كاتبة القصة الغينية ـ إن للقصة أصلا واقعيا، وإنها وصلت إلى القائمة القصيرة في جائزة لأدب الأطفال، وسألتنا رأينا. وتكلمنا عن التكنيك، والبنية، والسرد ـ وكان رائعا بحق ـ وتكوين المشاهد، ورسم الشخصيات. اتفقنا على أننا أمام قصة جميلة. وسألتها بعد ذلك: ماذا عن أخلاقية هذه القصة؟ نحن أمام قصة حقيقية، أمام مأساة كمأساة النوبيين في مصر، سألتها: لماذا تقوم هي بدور في توريث المأساة إلى جيل لا ذنب له فيها، ولا مبرر لتوريثه إياها في تصوري؟
قالت مارتينا: فكرت كثيرا في كلامك. ولم تزد. رأيت في وجهها أنها مقتنعة بما قلته، أو أن جزءا منها على الأقل مقتنع. وبدأ ساباتا، الجنوب أفريقي، يتكلم. يحاورني في ما قلت، مستهلا حوارا لن ينتهي بيننا على مدار أسابيع تالية، بل سيحتدم ويتوتر وتتكاثر فيه الحجج ويتشعب الجدل.
هو يتسلح بالذاكرة. وأنا ألوذ بالنسيان.
هذه مقالة تدعم رأيي، لأن حواري مع ساباتا لم ينته بعد.

وأعتذر عن أي ارتباك في ترجمة الجزء الطبي من المقالة، وأرحب بأي تصحيحات مقترحة.





نعمة النسيان
ماريان جاناك
أدرِّس منهجا في الهوية الشخصية، ومن بين الكتّاب الذين ندرسهم فيلسوف القرن السابع عشر الإنجليزي "جون لوك" الذي ينبئنا بأن الذاكرة هي التي تشكِّلنا وتحدِّد  من نكون. ويطرح التجربة الفكرية التالية: لو أن أميرا وإسكافيا تبادلا ذاكرتيهما، فبات جسد الإسكافي يحمل ذكريات الأمير وجسد الأمير يحمل ذكريات الأمير، فمن منهما يصير من؟
ينبئنا لوك أن جسد الإسكافي سوف يبقى ـ بالنسبة للآخرين ـ جسد الإسكافي وأن جسد الأمير سيبدو لهم جسد الأمير، أما من المنظور الداخلي ـ وهو الأهم ـ فسيظن الإسكافي أنه حلَّ في جسد جديد، ومثله سيظن الأمير. أي أن الأمر سيبدو وكأنه زرع جسد للأمير والإسكافي اللذين سيظنان أن هويتيهما انتقلتا إلى جسدين جديدين، فرُقِّعت الهوية الأميرية بالجسد الإسكافي، وأحيطت الهوية الإسكافية بهالة النبالة.
ومن ثم نتخيل أن يعلن الأمير من داخل جسد الإسكافي للجميع  أنه ليس إسكافيا بل هو الأمير. وقد يكون الإسكافي أسعد حالا في جسده الجديد ولكنه سوف يبقى بالنسبة لنفسه إسكافيا ذا ماض وتاريخ معينين لكنه الآن يحتوي ـ افتراضا ـ على كيان أوتي جسدا جديدا.
ونحن بالطبع لم نعد نتخيل أن تنفصل الذكريات وما يسميه لوك بـ "الضمير" لتوضع جميعا في جسد آخر بهذه الطريقة. ولكنكم لو أضفتم المخ إلى هذه القصة فسيبدأ الناس في الظن بأنها صارت أكثر معقولية. أي أننا حين نقول إن مخ الإسكافي يوضع في جسد الأمير، والعكس بالعكس، فإن الناس يرون في العادة أن هذه التجربة الذهنية أقرب إلى المنطق. وبرغم أن وسيط زرع الهوية يتغير، يبقى شيء واحد دون أن يتغير: أعني إحساس أكثرنا بأن ما يشكّل هوياتنا هو الذكريات وكل ما هو "محفور" في أمخاخنا بطرق غامضة.
***
أقمت الصيف الماضي حفل عشاء في بيتي، وانتقل النقاش إلى طواعية malleability الهوية الجنسية (أو عدم طواعيتها). فأصرت صديقة مثلية على أن هويتها الجنسية غير طيعة، وقالت إنها كانت دائمة الانجذاب إلى الفتيات حتى قبل أن تمتلك المعجم الاصطلاحي الكفيل بمنطقة ذلك، وحكت قصة غرامها المبكر بمعلمتها في المدرسة. وسألتها لماذا هي متأكدة أن هذه لم تكن مجرد ذكرى تافهة للغرام المعتاد بالمعلمة، ولماذا تعتبرها أكثر من ذلك. فأجابت بأنها تتذكر القصة بغاية الوضوح، ولا مجال لاحتمال أنها تسيء التذكر، وإن هذه الذكرى هي دليلها على أن ميلها الجنسي ـ على أقل تقدير ـ لم يكن طيعا. فكان وضوح الذكرى هو الذي ينبئها بأن الذكرى نفسها صحيحة، فبنت على ذلك الأساس معرفتها بأنها ولدت "مثلية".
أثرت الاعتراضات المعتادة المتعلقة بطواعية الذاكرة. فاعترضت ضيفة أخرى، هي عالمة أحياء (وهي بالمناسبة غيرية لا مثلية)، تدرس اللافقاريات البحرية، اعترضت على ما ذهبت إليه من أن تلك الذكرى ربما تكون قد خضعت لبعض التعديلات، قائلة إنها تتصور أن الذكريات الحديثة هي الأكثر عرضة لمثل هذه التعديلات، أما الذكريات القديمة الأكثر أهمية فأقل عرضة لهذه العملية. وقالت إنها تعتقد أن هذه الذكريات القديمة هي بمثابة أحجار أساس الحقيقة، وأن من الممكن الاعتماد عليها. شكَّكتُ في وجود أدلة تجريبية على هذا الزعم، ولكنني صرفت النظر عن الموضوع. فالناس بصفة عامة لا يروق لهم التشكيك في دقة ذكرياتهم، لا سيما حين تتعلق بهذه النوعية من المواضيع. لا بأس أن تشكك في ذكريات صديقتك عما أكلته على الغداء بالأمس، أما تشكيكك في ذكرياتها عن بعض عناصر تاريخها المركزية ومناقشتك لها مناقشة فكرية فمسألة غير هينة.
وبالتماشي مع رؤية لوك للذاكرة بوصفها هوية، هناك أيضا النظرية السردية للهوية التي ترى أن المرء يصوغ هويته ويحافظ عليها بنسجه ذكرياته في سردية متماسكة تربط حاضره بماضيه. والذاكرة وعملية التذكر مركزيان في هذا الأمر. والنسيان عدو، يتسبب في فجوات سردية ويقوّض الإحساس بامتلاك سردية متماسكة.
ولكن لا يبدو أن ذلك نهاية القصة. فمن الناس من يتغزلون في النسيان. ويروق لطلبتي أن يستشهدوا بالقول القديم بأن "الجهل نعمة" عندما نتناقش في مسألة الذاكرة والنسيان، ويخرجون من ذلك ـ مثلما يخرج الليل من النهار ـ بأن الجهل مقدَّمٌ على المعرفة إذا كانت المعرفة مانعا للسعادة. ولو أن النسيان طريق إلى النعمة، فمنذا الذي يرفض النسيان؟ لولا أن علاقتنا بذكرياتنا، وبدقة ذكرياتنا، تعقِّد القصة.
في حوار أخير مع لويس لاوري حول النسخة السينمائية الجديدة من قصة الخيال العلمي التي كتبتها للأطفال بعنوان "المانح" (1993)، قالت إن ما دفعها إلى كتابة تلك القصة كان تجربة لها مع أبيها الذي فقد كثيرا من ذكرياته بحكم السن. تقدم لنا قصة "المانح" عالما فيه النسيان هو الثمن الذي لا بد من دفعه للحصول على السعادة، أو هو على الأقل ثمن اجتناب الحرب، والحسد، والجشع. والغريب أن الناس يشيرون إلى هذه الرواية باعتبارها ديستوبيا، في حين أني أتصور أن عالما يسوده السلام والوفرة هو عالم "طوباوي". لكن يبدو أن أغلب الناس يفترضون أن القدرة على التذكر بدقة أهم بكثير من أن نتخلى عنها ولو كان في ذلك التخلي تحقيق لأغراض قيمة. إذن الذاكرة جزء ممن نحن إياه، ولكن الذكريات قد تكون مؤلمة، وقد تعكر صفو السعادة، وتمنع الجوانب الطيبة من طبيعتنا أن تهيمن وتكون لها الغلبة على الجوانب السيئة. فلو أن السعادة تستوجب النسيان، فمن الواضح أن هناك من يؤثرون الشقاء.
***
في ستينيات القرن الماضي عولجت جدتي لأمي مما كان يسمى حينذاك بـ "الانهيار العصبي"، فقضت فترة في ما كان مستشفى مارسي ستيت قرب يوتيكا في ولاية نيويورك، وبعد خروجها استمرت في تلقي علاج خارجي في سيراكوز، وكان العلاج السائد آنذاك هو "العلاج بالنبض الكهربائي" المعروف بـ "الصدمات الكهربائية"، ولا أعرف إن كان هذا العلاج نجح، لأنني لا أعرف كيف كان حال جدتي قبله، وإن بدا وقتها أنه عالج أغلب الأعراض المزعجة.
كانت جدتي تبدو في بعض الأحيان ـ بحسب ما تحكيه خالتي كارول ـ وكأنها "ليست هنا". كانت تكثر من ضرب الأشياء ـ كالشبابيك أو الأطباق ـ إلى أن تنكسر. "ولم تكن تدري ما الذي تفعله" بحسب ما تقول خالتي كارول حينما أسألها عن الأعراض. برغم أن أمي وخالاتي لم يكن يحببن الكلام في هذا الأمر. فالتغزل في النسيان هو الاستراتيجية التي يبدو أنهن يلتزمن بها في ما يتعلق بعناصر تاريخهن الأسري المؤلمة. وبوسع المرء أن يرى سر جاذبية هذه الاستراتيجية. بل إن ما أسمع الكتاب الآخرين يشيرون إليه بوصفه "بورنو الشقاء" [misery porn أدب اعترافي يحكي انتصار الكاتب على معاناة ما في حياته] يبدو في حقيقة الأمر رذيلة تولد من رحم الإفراط في التذكر، والإفراط في الحديث عن معاناة المرء. ففي بعض الأحيان يبدو عدم الكلام هو الفضيلة، وكذلك عدم التذكر.
عرف العلاج بالكهرباء سنة 1938 للسيطرة على الحالات الصعبة أو العنيفة من المرضى العقليين وكان رائده عالم أعصاب من جامعة سابينيزا بروما. ومنذ ذلك الوقت الذي كانت تتلقي فيه جدتي ذلك العلاج وتطوير التكنولوجيا قائم بحيث أصبحت جلسات العلاج أقل إجهادا والآثار الجانبية أقل حدة.
اليوم ينطوي العلاج بالكهرباء على التحكم في تيار بقوة 0.9 أمبير يتم توصيله إلى المريض من خلال أقطاب متصلة بجانبي الرأس. ويتم إعطاء المريض مسكنا أو مخدرا أثناء هذا الإجراء، كما يحصل على أوكسيجين نقي من خلال قناع يغطي الأنف والفم، وتكون عضلات المريض في  حالة شلل مؤقت بسبب عقار يرخي العضلات، وذلك للحيلولة دون أي حركات خرقاء عنيفة كانت تؤدي في أوائل العهد بهذا العلاج إلى كسور في عظمة الأنف.
يتضمن العلاج تمرير تيار كهربائي عبر مخ المريض لإثارة نوبة صرع كبرىgrand mal  أو نوبة توترية رمعية tonic-clonic seizure بحسب اصطلاحات أيامنا. هذه النوبة المخية هي العنصر الفعال في العلاج. وتوتر أصابع القدمين، أو انقباض الأيدي، أو انتفاض الصدور هي بعض من دلائل حدوث النوبة، والنوبات الفعالة علاجيا هي التي تستمر لقرابة ما بين ثلاثين ثانية ودقيقة. وعند الإفاقة بعد العلاج، قد يعاني بعض المرضى من الصداع، والدوار، والتشوش المؤقت، وتيبس العضلات.
وبرغم التحسينات التي شهدها العلاج بالكهرباء إلا أنه صار منذ أواخر السبعينيات من آخر العلاجات التي يتم اللجوء إليها، ويكون ذلك في العادة حينما تفقد العلاجات الأخرى فعاليتها أو تكون لها آثار جانبية غير مرغوبة فلا يبقى من علاج غيره. وصورة العلاج بالكهرباء لدى الناس سيئة في أغلب الحالات، وهو ما يوعزه ماكس فينك الأستاذ الفخري لعلم الأعصاب في مدرسة ستوني بروك للطب في نيويورك ومؤلف كتاب "العلاج بالكهرباء: دليل المحترفين ومرضاهم" (2008) إلى تأثير الأفلام وبالذات فيلم "الذي طار فوق عش الوقواق" (1975). ومع ذلك فقد كتبت كيتي دوكاكيس زوجة حاكم ماساتشوستس السابق في كتاب لها أن هذا العلاج أنقذ حياتها، واختار الروائي الأمريكي الراحل ديفيد فوستر والاس اللجوء إليه مرتين، الأولى حينما أصيب بالاكتئاب، والثانية حينما فقد الثقة في مضادات الاكتئاب. ويبدو أن المرة الأولى كانت ناجحة، أما الثانية فكانت قبل عام واحد من انتحاره.
وقد اندهشت من الصورة اللطيفة التي ظهر بها العلاج بالكهرباء في فيلم "ورق الخريف" (1956)، وفيه تلعب جون كراوفورد دور ميلي الزوجة الأكبر سنا من زوجها بيرت الشاب المريض عقليا. فبعد تردد تقرر إدخاله مستشفى للعلاج النفسي، وبينما يدخل بيرت الغرفة التي سوف يتلقى فيها العلاج، تنطلق صرخاته الفزعة بما ينبئ بقصة مأساوية أخرى من قصص علاج بالكهرباء، إلا أن يوما مشمسا يظهر على الشاشة، وإذا ببيرت يسير خارجا من المستشفى ويده في يد زوجته ليستمتعا بحياتهما الزوجية من جديد.
وتبيّن الدراسات اليوم أن العلاج بالكهرباء له نصيب من الفعالية مع مرضى الاكتئاب المستعصي refractory depression  الذين يفشل معهم العلاج بالعقاقير، أي المرضى الذين لم يبق لهم من علاج غيره. وبرغم أن آلية عمل العلاج بالكهرباء غير معروفة بدقة، فإن علماء الأعصاب يقولون الآن إنه يعمل من خلال تحفيز المكون اللين في المخ، لا سيما في ما كان منه ذا قرن دماغي صغي ، والمناطق التي تشبه فرس البحر في جانبي المخ هي المرتبطة بتثبيت الذاكرة. ويتبين من بحث منشور في مجلة بيولوجيكال سيكياتري  في مارس الماضي أن العلاج بالكهرباء يزيد من حجم كل من القرينات الدماغية واللوز، المسؤولة في المخ عن المشاعر والخوف. بل إنه كلما صغر حجم القرين الدماغي في بداية جلسة العلاج بالكهرباء، ازداد احتمال تحسن المريض. و ذلك كله قد يبيّن لماذا تستعيد النوبة ـ التي يحدثها مرور الفولتات الضخمة من الكهرباء في المخ ـ الرغبة في الحياة مرة أخرى لدى اليائسين والميالين للانتحار.
***
تشيع الشكوى من فقدان الذاكرة بين من يعالجون بالكهرباء بدرجة ما. بل إن فقدان الذاكرة في واقع الأمر هو الأثر الجانبي الأسوأ الذي يشكو منه الكثيرون، ويبدو أنه أثر جانبي لا يمكن تفاديه. ويعترف الذين تخصصوا في هذا العلاج وعملوا على تحسينه أن هناك حدّا لمدى السيطرة على هذا الأثر الجانبي. ويقولون مع ذلك إن فقدان الذاكرة يكون في الغالب قصير المدى، وأن المنتقدين للعلاج يغالون في إبرازه. ويتساءلون قائلين إنه إذا كانت المقايضة هي بين فقدان للذاكرة قصيرة المدى وعلاج من شأنه إنقاذ الحياة، فمنذا الذي لن يختار فقدان الذاكرة؟
حكت لي أمي مرة أن جدتي بعد خضوعها للعلاج كانت تنسى في بعض الأحيان. فلم تكن تنسى أشياء كبيرة، ولكنها أشياء لا يتوقع المرء من أحد أن ينساها، كالمكان الذي  كانت فيه قبل العلاج بيوم أو بعده بيوم، ومن الشخص الذي أقلَّها إلى المستشفى، وأتصور أن ذلك كان أكثر إزعاجا لأمي منه لجدتي.
الذي أتذكره أنا بكل وضوح هو زيارة قامت بها جدتي وخالاتي لبيتنا وأنا صغيرة للغاية، في الرابعة ربما أو الخامسة. ولا بد أن تلك الزيارة كانت في أعقاب جلسة، أو ربما بعيد خروج جدتي من إقامتها في مارسي، فقد كن جميعا يتكلمن بأصوات خافتة. وكان دأبهن إن اجتمعن في منتصف اليوم من عطلة نهاية الأسبوع لشرب الشاي أن يضحكن وتتعالى أصواتهن إلى درجة الصياح وهن يهزلن ويتناكفن. أظن اليوم كان دافئا، وأتذكر أن البيت كان دافئا، وأننا تحلقنا جميعا حول مائدة المطبخ الخشبية في بيتنا الصغير. كانت الجدران مطلية بالأصفر الليموني الفاتح، وأحضرت خالتي كارول كعكا في علبة بيضاء كبيرة، اشترتها عقب انتهائها من دورة أتوبيس المدرسة الصباحية. وكنت قد قطفت بعض نبتات الهندباء لأقدمها لجدتي وخالاتي.
كنت مبسوطة بجلوسي معهن إلى المائدة، متظاهرة أنني كبيرة، وإصغائي إلى ثرثرتهن، ومشاركتهن الشاي. كنت قد بدأت للتو أحاكيهن في شرب الشاي، ومضيت أراقب جدتي لأرى مدى انخراطها في ذلك الطقس. كانت يدها ترتعش فيصطدم طبق الشاي في الفنجان الصيني وهي تتلقاه أو ترفعه إلى فمها. ولما ظننت أن تلك الارتعاشة جزء من الطقس مضيت أحاكيها أنا أيضا بطبقي والفنجان. فهل أوقفتني إحداهن عن ذلك قبل أن تنتبه جدتي؟ لا أعتقد. ولكنني أشعر بالخجل حينما أفكر في الأمر حتى الآن.
وأتساءل دوما إن كنت أتذكر ذلك المشهد على النحو الصحيح. يبدو دائما وكأنني قادرة على استحضاره بأقل مجهود ممكن: مائدة المطبخ البنية، الموقد الضخم الأبيض، دفء النهار، وخالاتي وأمي وجدتي، والتصاقي بطاقم الشاي، ويدي السمراوين الملتصقتين بساعدين أسمرين نحيلين تهزان الفنجان في طريقه إلى فمي، وأسمع في أذني صوت اصطدامه بالطبق.
أعتقد أن لدى معظمنا مثل هذه الذكريات: أشياء نتذكر قيامنا بها، قد تكون بسيطة، لكنها تتضخم بفعل التذكر، وتربض فينا كالغيلان فلا نستطيع اجتيازها ولا نملك لها دفعا. ولو أن الأمر كذلك فمن المهم جدا أن نطرح السؤال التالي: لماذا نقدّر التذكر، والتذكر الصحيح، كل هذا التقدير؟
تخيلوا لو أن ذكرياتكم السيئة لا تتعلق بتوافه مما مررنا به جميعا، بل تتعلق بأشياء هائلة فعلناها أو وقعت لنا. ينبغي في هذه الحالة أن يكون النسيان غايتكم لا التذكر.
يبدو أن جزءا من المشكلة هو أن الأشياء التي ننساها ليست بالضرورة الأشياء التي نريد ان ننساها: أين وضعنا مفاتيح السيارة، اسم زميلة الفصل التي تحضر معنا حفلا بعد خمسة وعشرين عاما، موعدنا مع الطبيب، وأن الأشياء التي نتذكرها قد لا تكون الأشياء التي نريد تذكرها.
لكن ماذا لو أن بوسعكم تذكر الأشياء التي فعلتموها أو وقعت لكم بدون صبغة الألم المحيطة بها؟ لو أن بوسعكم تذكر أشياء مؤلمة ـ قلتموها في نوبات غضب أو فعلتموها وأنتم نادمون عليها، حوادث مثلا أو إساءات، وتتذكرونها مثلما تتذكرون أن السادس والعشرين من نوفمبر سنة 1993 كان يوم جمعة، أو اسم معلمة الصف الأول أو اللاعب الذي قام بدور الظهير الثالث  مع اليانكيز في مبارة الموت المفاجئ أمام بوسطن سنة 1978؟

وافترضوا ـ على سبيل المثال ـ أنكم لا تزالون تجدون بهجة في الذكريات الجيدة، كالفترة التي كانت ابنتكم تتعلم فيها المشي، أو يوم تخرجكم. ستكون الذكريات السيئة فقط هي التي ترونها مفصولة عنكم وكأنها وقعت لشخص آخر. لو أن بوسعنا أن نتذكر الأشياء السيئة بغير ألمها، لأصررنا جميعا على أن التذكر مهم حقا لتاريخنا ونبقى مع ذلك ننعم بفوائد النسيان. لو أن الناس في "المانح" قادرون جميعا على تذكر تاريخ الصراع الإنساني المأساوي دون الشعر بالعواطف السليية أو المؤلمة من جراء أحداثه، ألن نكون بذلك قد نلنا مجتمع السلام السعيد الذي تحقق في الرواية من خلال النسيان؟ ولو أمكن، على سبيل المثال، لمن يعانون من خلل ما بعد الحوادث أن يتذكروا الحوادث، على أن يتذكروها منفصلة عنهم، لبدا حينئذ أن بوسعنا الاحتفاظ بذكرياتنا مع جعلها أجلب للسعادة.
ولو أنكم ترون هذا مثلما أراه أنا مزعجا بطريقة غامضة، فما السبب؟ أهو اللاعقلانية فحسب؟ أم نكون بحذفنا العنصر العاطفي من الذاكرة قد غيَّرناها؟ هل تكون تحولت من ذكرى تجربة إلى ذكرى معلومة، وفي معرض هذا التحول تزيَّفت برغم حرصنا الشديد على صيانة حقيقة الذاكرة مع محو محتواها المؤلم؟ بعبارة أخرى: هل بعض الذكريات مؤلمة في جوهرها، لأنها ذكريات تجارب، لا مجرد ذكريات معلومات؟ وهل ينبغي للتذكر الدقيق أن يبقي على هذا الجانب؟
كثيرا ما أتساءل لو أن "الانهيار العصبي" الذي عانت منه جدتي كان مجرد حادثة صادقة أكثر مما ينبغي. لعلها كانت مجرد امرأة كثيرة الأبناء قليلة الطعام والمال في فترة الكساد الكبير، ذات زوج يتعرض للاضطهاد بين الحين والآخر ولا يجد عملا له لمجرد أنه ألماني في الولايات المتحدة أثناء الحرب العالمة الثانية. ربما كان كل ما تحتاج إليه هو جرعة صغيرة من النسيان. وأفكر في طلبتي الذين تستولي عليهم ذكرى أخطائهم أو تعرضهم للانتهاك أو القسوة، وفي هذه الحالات أجدني أقرب إلى الثقة بأن بعض النسيان نعمة، وإلا لبقي في الأفق دائما شبح جلد الذات أو الانتقام.
وهناك من الناس من ينسون بمنتهى السهولة، ولا يجدون مشقة في تجاوز ذكريات جرائم اقترفوها وهم مسؤولون عنها. وأتصور أن بوسعهم تناول جرعة من محسنات الذاكرة، بافتراض أنها ستكون ذات تأثير عقابي كاف. وهناك أيضا القديسون الذين يستطيعون بسهولة أن ينسوا الإساءات ويمضون ليعيشوا دونما رغبات انتقامية. هؤلاء في ما يبدو أبناء سلالة أخرى، ولكنهم باقون بيننا.
برغم أن المخ عضو تشريحي يعمل من خلال  عمليات كهروكيميائية معقدة، فلو ظننا أن إجابات أسئلتنا حول التذكر والنسيان كامنة في هذه العمليات، فقد ضيَّعْنا شيئا مهما. فلأسئلة التذكر والنسيان لا تتعلق بتشريح المخ وعملياته الكهروكيميائية، بل بطبيعة الحيوان الذي نحن إياه، الحيوان الذي يرى أسئلة الذاكرة والصدق والسعادة مهمة في ذاتها.

ماريان جاناك أستاذة الفلسفة ورئيس قسم الفلسفة في كلية هاملتن بنيويورك. صدر أحدث كتبها بعنوان "ما الذي نعنيه بالتجربة" (2012)

نشرت الترجمة اليوم ـ بدون مقدمتي طبعا ـ في شرفات