الثلاثاء، 12 مايو 2015

فينوس الإسكيمو الصغيرة تشارلز سيميك

فينوس الإسكيمو الصغيرة
تشارلز سيميك
يحكى أن قوما يطلق عليه الـ شيابوديس كانوا يعيشون في يوم من الأيام في الهند، حسبما أتذكر مما قرأت في طفولتي. كان للواحد منهم قدم واحدة ضخمة يتحرك بها بسرعة عظيمة ويجعل منها كذلك مظلة يتقي بها الشمس الحارقة. وللقارئ بعد ذلك أن يتخيل ما يشاء من أمر حياتهم العجيبة. كان الكتاب حافلا بمثل تلك الكائنات. فظللت أرجع إلى صفحاته، أقرأ الأوصاف الوجيزة وأتمعن في الرسومات. كان هناك السيربيوس، والكلب ذو الرؤوس الثلاثة، والسيناتور، والتنين الصيني، والمانتيكور، وهذا له وجه إنسان وجسم أسد، وذيل عقرب، وأعاجيب أخرى كثيرة، أدركت بعد سنين أنها تشبه مخلوقات لعبة الصدفة السريالية المعروفة بالجثة المنتقاة Cadavre Exquis [وهي لعبة يشترك فيها جمع من الفنانين كل يكتب كلمة في جملة، دون أن يعرف ما كتبه السابق والتالي، فتخرج الجمل شديدة الغرابة كهذه الكائنات الأسطورية ـ المترجم]. تذكّرت كذلك روايات ماكس إرنست السريالية المكتوبة بطريقة الكولاج والتي تطلع منها أجنحة الطيور من ظهور البشر، ونرى فيهخا الرجال ذوي الرؤوس الديكية وهم يحصدون أرواح النساء العاريات.
تاريخ هذه المخلوقات الخرافية منزوع الزمن. فهي موجودة في أقدم الميثولوجيات وفي جميع الثقافات. تتباين أصولها. فمن الوارد تماما أن يكون بعضها تمثيلات رمزية لأفكار لاهوتية صاغتها عقائد منسية ومدارس خيميائية كان القران بين العناصر المتنافرة فكرتها الأساسية. ومنها، حسبما يحلو لي الظن، ما هو نتاج الفنتازيا المحضة، أعني فن الكذابين، ونتاج افتتاننا بصورة الجسد الجروتسكية. هي في كل الحالات أقدم أمثلة الاستطيقا الكولاجية. وتشهد حدائق الحيوانات الميثولوجية على فضولنا فيما يتعلق بنتاج العناق الجنسي بين السلالات المختلفة. فهي أولى أمثلة التعاون بين الحلم والعقل بغية وضع المظاهر موضع الشك.
ولكن هل سبق الخيالُ الرسمَ إلى هذه المركبات المتناقضة البصرية العتيقة، أم العكس؟ هل كان الشخص يرسم رأسا ثم يترك يده تتحرك من تلقاء نفسها، كما هو حال الكتابة الآلية؟ محتمل، وإن كنت لا أومن إيمانا كبيرا بالكتابة الآلية، ومحاكاتها السخيفة للوسطاء الروحانيين في غيبوباتهم. فجميع المحاولات التي بذلتها لفتح سدود ذاتي لم تثمر عن نجاحات مبهرة. وقد قال بنيامين بيريه "إنك بحاجة إلى حالة معينة من الفراغ لكي يتنازل العجيب ويزورك". جميل جدا، وألف شكر على النصيحة، لكن عندي شكوكي. فسمعة اللاوعي بوصفه المصدر اللانهائي للشعر تنطوي على قدر كبير من المغالاة. ذلك أن قاعدة الشاعر الأولى لا بد أن تكون هذه: لا تكن أمينا في ما يتعلق باللاوعي والأحلام.
أظن أوكتافيو باث هو الذي حكى لي حكاية ذهابه مرة لزيارة أندريه بريتون في باريس. يومها، أدخلوه، وطلبوا منه الانتظار لأن الشاعر مشغول. والحق أنه استطاع من غرفة المعيشة التي أجلسوه فيها أن يرى بريتون يكتب باهتياج في غرفة مكتبه. ثم خرج بعد فترة، فتبادلا التحية، وذهبا لتناول الغداء في مطعم قريب.
سأله باث وهما يمشيان إلى مقصدهما: "ما الذي كنت تعمل فيه يا أستاذنا؟"
قال بريتون "كنت أقوم ببعض الكتابة الآلية".
قال باث في عجب "ولكني رأيتك تمحو مرارا".
فطمأن بريتون الشاعر الشاب قائلا "إنها لم تكن آلية بالقدر الكافي".
راسل إدسن
أعترف أني صدمت أنا الآخر حينما سمعت القصة. فقد كنت أظن أنني الوحيد الذي يفعل ذلك. هناك طول الوقت طريقتان متقابلتان ومتناقضتان للإبداع الصدفوي. في الأولى، يخترع المرء طرقا للإتيان بالكلمات عشوائيا من القاموس، أو يكتب القصائد بالمقص والجرائد القديمة واللصق. ثم لا تلفى الكلمات الناجمة عن أيٍّ من الطريقتين أي نوع من العمل، بل تبقى على حالها الذي أنتجته الصدفة، فتكون القصيدة نتاجا صادقا للصدفة العمياء. وجميع عمليات الصدفة الآلية، ابتداء من انتقاء الدادية الكلمات من قبعة وحتى تراكيب "جون كيج" وقصائد "جاكسن ماك لو" تعمل على هذا النحو. بدون خداع في الأمر. هؤلاء قوم صادقون متزمتون شأن ممارسي الواقعية الفوتغرافية photo-realism[حيث يعمد رسام إلى محاكاة دقيقة لصورة فوتغرافية ـ المترجم]. أعني أنهم جميعا سواءٌ في ارتيابهم من الخيال. يتعاملون مع الصدفة باستهتار بوذي بالعقل ولا يسمحون لها أن تتلوث بشوائب الرغبة.
بينما تتألف ممارستي أنا في المقابل من الاستسلام للصدفة بهدف الخداع فيها لا أكثر. وأتفق مع "فيسينت أويدوبرو" Vicente Huidobro حينما قال قبل زمان بعيد إنه "لا بأس بالصدفة إن كان نصيبك من الورق خمسة آسات أو أربع ملكات على الأقل، فإذا لم تكن كذلك، دعك منها". وأنا على سبيل المثال، قد أتناول كتابا من المكتبة، فأفتحه على أي صفحة، لأستل منها كلمة أو عبارة. ثم أبحث عن نتفة أخرى من اللغة تتماشى مع لقيتي الأولى، وقد أتناول كتابا آخر، أو ألقي نظرة على أحد دفاتري فأنال منه شيئا من قبيل:
يمزق بعض الورق
الغابة
الهمسات
دليل التليفون
قلب طفل
للفأر عشه
بيانو الفرقة
البراءة المفقودة
ثوب حداد أمي
وما تكاد الكلمات تجتمع على الصفحة حتى أتركها تلعب مع بعضها البعض. وفي بيت التصحيح المسمى بالوعي، حيث اللغة والفن في خدمة الجُمَل، تمرح الكلمات.
براءة.
أحدهم يمزق دليل التليفون نصفين.
للفأر عش في بيانو الفرقة.
في غابة الهمسات، طفل،
وثوب حداد أم.
هذا أكثر إثارة للاهتمام. يتخلَّق إحساس بوجود إمكانيات حقيقية هنا. ولكي أرى ما الذي سيحدث، أستدعي الصدفة طالبا عونها من جديد. وافتراضي الذي أعتمد عليه هنا هو أن الشاعر يعثر على الشعر في ما يأتي إليه عن طريق الصدفة. وهذه مراجعة كاملة لما درجنا على تسميته بالإبداع.
قبل عشرين سنة، تعاونت أنا وجيمس تيت على بعض القصائد بالطريقة التالية: نأخذ كلمة أو عبارة ثم نحوّل نفسينا إلى "آلة لعب بالعلاقات" كما قد يسميها بول أوستر، فإذا بكلمتي "ثقاب" و"زنزانة" مثلا تصبحان "زنزانة من عيدان الثقاب". ثم إننا كنا نتوقف عند نقطة معينة ونرى ما لدينا. بل كنا نقوم بقليل من التحليل الأدبي. وكنا نعدل، ونعود من جديد إلى لعبة العلاقات الحرة، ونرى قصيدة مجهولة وقد أخذت في التشكل. وكنا في بعض اللحظات نشعر كما لو أننا شخص واحد، وفي أحيان أخرى، وكأن أحدنا هو الشاعر الملهَم والآخر هو الناقد ذو الدم البارد.
يقول راسل إدسن، الذي يعد مع جيمس تيت وجون أشبري أحد أعظم مؤمني زماننا بلقى الحظ السعيد إن "لا بد من إنجاز هذا النوع من الإبداع بأسرع ما يمكن. فأي تردد يؤدي إلى فقدانه قابليته للتصديق، وخسرانه واقعه الخاص. وأنا لي مثل هذه التجربة. فالمرء لا يأتي بعبارات مثل عبارة تيت "فراشة المقعد المتحرك" أو عبارة بيل نوت "جوقة نصل الموسى" بطريق التأمل الديكارتي المتمهل. بل تكون مفاجأة للشاعر بقدر ما تكون مفاجأة للقارئ المستقبلي.
إنني أفتح نفسي على الصدفة دعوةً للمجهول. ولا أعرف أهي الصدفة أم القدر ما يتعقبني، ولكن شيئا ما يتعقبني. أنا أشبه بقارئ الفنجان في متجر على أول الشارع. وفي ميتافيزيقا مدام إزميرالدا، هناك أيضا مشهد اعتراف. فالمطّلعون على الغيب يؤمنون أن هناك أياما ولحظات سَعْدٍ تكون فيها قدرات المرء التنبؤية على قدر خاص من الرهافة، فيقول فيها المرء لنفسه، أنا الحلم الصاحي، أنا منبع النهر المسحور! أرى اليد التي تقود القدر. والعجيب أن الفنجان والقصيدة دائما ما ينتهيان وهما شبيهان بي. هذا أشبه ببورتريه شخصي، أشبه بقصة حياتي، ولا أعرف كيف وصلت إلى هذا.
لو أنك تتعبّد في كنيسة الفن ذي الرسالة، فابتعد عني. لأن الصدفة في الفن تثير المتاعب، وتعزِّز الغموض، وتبصق على الدوجمائية من كل نوع. كل شيء ابتداء من أفكارنا عن الهوية وحتى أفكارنا عن العلة والمعلول تتقوّض في مرح. والألعاب السريالية هي أكبر ما توصلت إليه الفنون من تجديف على الفنون. ففي هذه الألعاب، ينال اضطراب الحواس طبيعة أونطولوجية. إذ تضع الصدفةُ الواقعَ أمام مرآة لاهية. ولأسباب أهون من ذلك بكثير كانوا في ما مضى من الزمن يحرقون الناس على المقاصل.
ما من شاعر إلا وآمن بضربة الحظ. فماذا تكون القصيدة إذا لم تكن تلاقيا سريعا بين نتف مفاجئة من اللغة؟ وذلك هو شأن كاتولوس وفرانك أوهارا. ونقاد الأدب وحدهم هم الذين لا يعلمون أن القصائد في أغلب الحالات تكتب أنفسها. وأن الاستعارات والتشبيهات تدين بكل شيء للصدفة. وأنه ليس بوسع شاعر أن يعمد إلى مقارنة تبقى في الأذهان ويتقصّدها، إنما يظهر كل ذلك في رأس المرء دونما ترتيب. فكان الشاعر في الماضي يشكر ربة الشعر على ذلك، في حين أن الصدفة هي التي كانت طول الوقت توزع الهبات، وتستحق الشكر. ولقد زعم بيرس Pierce  أنه فقط من خلال الاعتراف بوقوع الصدفة يمكن للمرء أن يقدّر تنوع الكون. وهو ما يصدق على الفن والأدب الحقيقيين.
ولكن، كيف يعرف المرء أن الصدفة العمياء وهبته شعرا؟ هذا ما يحيّرني. ما الذي يقود العين أو الأذن فتقبل بما بدا للوهلة الأولى قبيحا أو تافها؟ إن المرء يقول لنفسه مرارا وهو يكتب، إن ما لديّ هنا لا أفهمه على الإطلاق، ولكنني سوف أبقي عليه مهما يكن.
يا رسامَ وجوه الدُمى
هذه شرفة درجت روحي
أن ترى منها كلَّ ليلة
أولئك المشنوقين
بلا غرض وعلى عجل.
إذا لم يكن ثمة شيء من قبيل المنطق الاستطيقي، فكيف يتأتّى للمرء الاختيار من بين منتجات الصدفة العديدة ويقرر أيها التافه وأيها غير ذلك؟ من الواضح أن تاريخ الفن والأدب الحديثين قد عوّد العين والأذن على غير المتوقَّع. ونحن سعداء، أو هكذا نحسب أنفسنا، بإعادة توجيه رؤيتنا، حتى بتنا قادرين على القبول بأي انتهاك. ألا يزال الافتتان القديم بالجنون هو الذي يدفعنا، أم أن اعتباراتنا الاستطيقية الرسمية مهمة بالقدر نفسه؟
ما من شك في أن كلا الأمرين فاعلان. وأن العمليات الصدفوية الناجحة تؤكد مصدر الغموض وتعقّد طبيعة أي عمل فني أو أدبي. فالعمل الفني دائما نتاج تعاون بين الإرادة والصدفة، ولكن الصدفة، شأن حسِّنا الفكاهي، تتملص من التحليل. فلا يوجد تعريف دقيق للسبب الذي يجعل شيئا ما طريفا أو شيئا ما جميلا، ولكننا مع ذلك نضحك ونكتب القصائد ونرسم اللوحات المماثلة للواقع من زوايا جديدة وممتعة.
ما الأكثر صدمة لنا في النهاية، ما نراه أم ما نسمعه؟ هل الأذن أكثر طليعية أم العين؟ لقد وجد الفن السريالي من المعجبين أكثر مما وجده الشعر السريالي، ومن ثم فلا بد أن العين هي الأكثر طليعية. إن الصورة الجديدة هي الشيء الذي حلم به الرسامون والشعراء على مدار هذا القرن، الصورة المتقدمة على أفكارنا ورغباتنا، الصورة البديعة بصدمتها وطيشها. ربما بعض جديد من "غواية القديس أنطونيو"، حيث يحاط الشهيد المقدس وهو يصلي في الصحراء بالمساجين الثائرين من الجثث المنتقاة بدلا من الشياطين التقليدية؟
لقد حدس السرياليون أن خلق العالم لم ينته بعد. فالهيولى التي تكلمت عنها الأساطير القديمة لم تقل بعد كلمتها الأخيرة. والصدفة لا تزال إحدى تجليات الغموض الكوني. فيما التجلي الآخر هو الرياضيات. ونحن مصلوبون منبهرون بين الحرية والضرورة. والمستقبل هو اللعبة الأبدية التي لم تنته بعد، لعبة الجثة المنتقاة الخالدة.
في الوقت نفسه، وعلى رأي الأغنية، "لم تزل تعويذتي تعمل".

كتبت سنة 1993 لافتتاح معرض في مركز الرسم في نيويورك كان عنوانه "عودة الجثة المنتقاة"، ونشرت في كتاب صدر حديثا لتشارلز سيميك بعنوان "حياة الصور: مختارات نثرية". نشرت هذه الترجمة اليوم في ملحق شرفات

ملحق
ذات ليلة طويلة من شرب النبيذ والاستماع إلى الجاز، كتبت أنا وجيمس تيت متتالية شعرية. كانت لدينا فكرة عامة هي أن نكتب قصيدة على غرار قصائد بودلير، في نوع من التقدير القائم على توظيف كليشيهات الشعر الرمزي الفرنسي. أتذكر أني انبهرت من ابتكارات تيت التي بدا لي أنها لا تنتهي. فقد جاء بكثير من الصور الرهيبة، ولكننا استبقيناها خارج القصيدة حرصا على تماسكها. هذا هو المثال الوحيدة لتعاوني في الكتابة مع أحد، ولا بد أن أقول إن الأمر كان فيه كثير من المرح.
سيميك

سالومي

1
ما الذي تراه قطة سوداء حينما تغمض؟ ترى خمول طفولتها الحشيشية. حيث البوابة مغلقة. وخاتم يغرق ببطء في وسادة. حيث بقع النبيذ تهيّئ أنفسها لرحلة. صوب فنار الملح.
2
الشرطة السرية ترتدي أربطة حمراء. وتأتي إلى زنزانة من عيدان الثقاب. يعترف السجين أنه هو المنديل، الذي كبت حلم الكاردينال. ينتصب قضيب الحارس الهرم كأنه فتاة لها ذيل خنزير في أول أيام السنة الدراسية. والرصاصات في غضون ساعتين، سوف تنزع النوم من الغيوم، وتسعل في نهر قهوتهم الصباحية.
3
في ساحل الزنزانة الأقصى، حيث ما للنجوم سوى سرير فردي، هناك منضدة صغيرة في غرفة نوم، عليها رسالة حشيشية، تفتح طياتها بنفسها. يتحرك اللون الأبيض في المكان، مرورا بصمت البوابات، يوصد البرجُ على نفسه بمفتاح الماء، ورِمشُ عينٍ فقط هو الذي بيني، وبين دخان سالومي.
4
أنا يا سالومي الجسر الذي لا بد لجثمانك أن يعبره، كي يخلع عنه أكفانه،  يا سالومي، بينما تنفتح لك الرسالة. المحيط يضرب نفسه في حشرة بحجم القمر. أنا مشانق البخور، لا قوة لي إلا على احتمال ثقل زفيرك،وأخواتك الجميلات وصلن بالفعل، بمقاعدهن العاجية القابلة للطي.
5
أعتصر قرطك عقدم، يسقط ثوبك بصليل الموت، حلمتاك فقمتا هذه الليلة، التي ييبس الشمع فيها. أمص بطنك المرصعة حتى تصفو، كأنني على مضمار سباق الموت. إنها تدفن ظلالنا جميعا بين الجمشت والرمل. تضع عقد أصدائك في قفص الصراصير. اثنا عشر خريفا تنحّت. وأول الخطوات في الرقصة، يا سالومي، ستكون خطوتك.

ابريل 1970