الخميس، 19 مارس، 2015

الجاسوس الذي أنطق مارسل بروست بالإنجليزية*

الجاسوس الذي أنطق مارسل بروست بالإنجليزية*




كنت أدرس الفرنسية في جامعة إدنبرة وأردت أن أكتب أطروحتي النهائية عن بروست. فقال لي عم هرم خفيف الظل أكن له احتراما كبيرا إن "كتابة [البحث عن الزمن المفقود] قتلت بروست، وترجمتها قتلت سي كيه، ولعل قراءتها سوف تقتلك"، وامتثلت لنصيحته فاستقررت على بلزاك. أما سي كيه الذي يشير إليه في كلامه فهو والد عم أمي الذي كان معروفا بالأحرف الأولى من اسمه لوجود كثير من التشارلزات في العائلة.
نشأت على حكايات سي كيه. كان أب المعمودية لدوروسي والدة عمتي التي كانت تقول بأسف وكدر إنه "كان مغرما بالعيال، فاهمة". كان تحتفظ في إطار معلق على جدار مرسمها بأوسمته الحربية: الصليب الحربي، ونجمة 1914-15، ووسام الحرب البريطاني، ووسام النصر الذي كان أجملها على الإطلاق، بشريط فيه ألوان قوس قزح، ونقش مجنح لـ فكتوري Victory. أرتني أيضا شظية من زجاج ملطخ بالأحمر والأصفر أخذت من كاتدرائية إبريس، وخاتم صنعه ضابط فرنسي من رصاصة فارغة. أما أمي، ليزلي سكوت مونكريف، فحكت لي أنها في طفولتها كانت تنام في مخزن بجوار بورتريه مقطوع لتشارلز، أعيد إصلاحه لاحقا ومنح للجاليري الوطني للبورتريه في إدنبره.
وبعد سنين، حصلت على حقيبة جلدية مهترئة  تحتوي رسائل منسية، ويوميات، ودفاتر لتشارلز سكوت مونكريف، وقررت قراءة ترجمته لبروست. يذهب المحرر العام للترجمة الجديدة لرواية بروست العظيمة إلى أنه لم يعد في وسع فرد الآن أن يترجم بروست. فلقد استغرقت طبعة 2002 من الرواية سبع سنوات من سبعة مترجمين. أما سكوت مونكريف فقضي ثماني سنين في ما بين 1921 و1929 لإنجاز هذا العمل بمفرده، كان خلالها يترجم أيضا ستندال وبيرانديلو، ورسائل أبيلار وهيلويز، علاوة على كتابته قدرا هائلا من الرسائل والأعمال الصحفية. ولقد بلغت ترجمته من الجودة حد أن رأى بعض النقاد أنه كان يقوم بتحسين الأصل. فكتب إليه جوزيف كونراد سنة 1922 يقول:
"لقد اهتممت بأدائك أكثر بكثير مما اهتممت بإبداع بروست الأصلي. فقد كشف لي شيئا، بينما الآخر لم يكشف لي أي شيء ... إن لديك قدرة سامية تقارب العبقرية".
كثيرون يرون أن ترجمة سكوت مونكريف رائعة أدبية في حد ذاتها، وهو نفسه يعد من أعظم المترجمين إلى الإنجليزية في القرن العشرين. ولكن الرجل كان لديه ما هو أكثر من عبقرية الترجمة التي تبيَّنها كونراد. فعلاوة على كونه لاعبا مؤثرا في مشهد الأدب الإنجليزي، كان رجلا مليئا بالتناقضات: فهو جندي متفان وشاعر، ومعتنق للكاثوليكية متحمس، وعاشق ذو طبيعة خاصة للرجال. ولقد تناول العديد من هذه المفارقات في قصائده، وإن قال عن نفسه: "أنا لست شاعرا جيدا، ولكني لحسن الحظ أعرف هذا". قصائده متفاوتة الجودة، لكنها نافذة إلى شخصيته، وهي في العموم غير متاحة، ولكني جمعتها، وهي في حوزتي، سواء المنشورة أو غير المنشورة، في كتاب منفصل.
لم يكن أديبا وحسب، فسجله الحربي كان بارزا، وموقفه من الحرب استثنائيا. فرسائله من الجبهة كانت تأملية، ومسلية. فها هو شاعر، شديد الذكاء، شديد الحساسية، ولكنه  مع ذلك يستمتع بكونه جنديا محاربا. ولذلك ألقت لي رسائله ضوءا جديدا على تلك الحقبة الدموية، حقبة الحرب العالمية الأولى.
كان كاتب رسائل ساحرا، يتنقل ذهنيا بمنتهى السلاسة بين المواضيع. وتكشف رسائله عن روح مركبة وخفة دم حقيقية، لا سيما رسائله المحفوظة ضمن مجموعة بيرج في مكتبة نيويورك العامة، وهي الرسائل الموجهة إلى إدوارد مارش، الموظف الكبير ونصير الشعراء، الذي التقى به تشارلز في وقت متأخر من حياته قبل أن ينتقل إلى إيطاليا لملائمة مناخها لجروحه، وأسعارها لجيبه. كما كان فيها مقر لإقامة الكتاب الإنجليز المغتربين. ولقد كتب إليه إيفيلين واو ـ في شبابه ـ سنة 1923 يطلب أن يعمل سكرتيرا له وقد علم أنه في ذلك الحين قد صار ناقدا وأديبا مثيرا للجدل أحبه ولفرد أوين، وكرهه أوسبرت ستول، وعبده نويل كوارد، وتجاهله سيجفرد ساسون، وأعجب به جوزيف كونراد وهاجمه دي إتش لورنس. كان واو يحلم بأن يقضي وقته في "الشراب تحت أشجار الزيتون  والاستماع للمناقشات في أهوال أوربا ومظالمها في تلك الحقبة"، ولكن تشارلز ما كان ليتخذ سكرتيرا لا يؤتمن على حياته المزدوجة السرية، حياة عميل المخابرات. ولما اتخذ سكرتيرة في نهاية المطاف، كان لا بد أن تكون هي الأخرى عميلة للمخابرات.
لا تزال جمعية الكتاب تمنح جائزة سكوت مونكريف السنوية للترجمة من الفرنسية إلى الإنجليزية. ولقد كان مونكريف واعيا بأنه يقدم بروست للعالم الناطق بالإنجليزية، فلم يجعل ترجمته حرفية دقيقة، بل شعرية، كان يدرك أنها سوف تلقى قبولا من ذائقة الجمهور ما بعد الإدوري، وهي التي أصبحت موضع تقدير وجدل منذ صدورها.
كان البحث والكتابة مغامرة عظيمة خضتها، مضت بي إلى زيارة ميادين المعارك في فلاندرز وبيكارداي، وبيزا وروما، والإقامة في نفس الفنادق التي أقام فيها تشارلز، والعثور على الشقة التي عاش فيها في 67 فياد ديلا كروسي بروما، واستئجارها. وفي خريف ما سافرت في الريفيرا الإيطالية، حاملة ولدي الرضيع أو دافعة عربته أمامي في نفس الشوارع التي عرج فيها تشارلز وفي محطات السكك الحديدية التي توقف فيها في العشرينيات من القرن الماضي. ولماعلمت أنه كان يستعمل مكتبة لندن، فقد حرصت أنا الأخرى على استعمالها.
ولكن أكثر ما أذهلني من بين كل ما اكتشفته هو أن تشارلز كان أيضا عميل مخابرات يعمل لحساب البريطانيين في إيطاليا موسوليني. كان قد تعلم منذ وقت مبكر كيف يعيش حياة مزدوجة، يخلص لكل قطب فيها ويعيشه بصدق، فهناك تشارلز المنزلي المتدين المحب الملتزم، وهناك الشاب المثلي الدموي المنخرط في دوائر المثليين مع روبرت روس وأصحابه في لندن. لم يكن ثمة تداخل بين الحياتين، ولا صراع، كل ما هنالك أنه كان يتنقل بينهما بالتوازي. وطبيعته الفطرية هذه هي التي يسّرت عليه العمل في المخابرات. (ولعل هذا هو السبب في أن كثيرا من المثليين كانوا رجال مخابرات ناجحين) والحق أنه كان يستمتع بالتعقيد، وثمة رابط هنا بترجمته، فقد كان أقرب في ترجمته إلى الممثل إذ يتقمص الدور، فيضع نفسه في جلد شخص آخر ويتحرك حركته. صار أمرا لا جهد فيه، أن يترك وراءه وجها من وجوه شخصيته ويعتمر الآخر.
***
دور المترجم بطبيعته يقتضي الطاعة، وهو يوشك أن يكون دور الظل، دور الوسيط إلى عقل عظيم آخر، ولكن تشارلز كان يصر على أن يحتل نفس الحيز من النرجسية الذي يحتله أي كاتب مبدع. فما من مترجم آخر كان يصدّر ترجماته بقصائد يكتبها ويهدي من خلالها ترجماته إلى أصدقائه. كما أن الكتابة عنه في وسائل الإعلام ـ بفضل نقاد مثل إدموند جوس ـ كانت كالكتابة عن أي كاتب مبدع. لقد كانت ترجمته تأويلا لعمل عظيم، فكانت تقارن بترجمة رتشارد بيرتن لألف ليلة وليلة، التي كانت تعد ترجمة جريئة ملهمة ابتكر فيها الرجل من الكلمات كل ما كان بحاجة إليه.
ولما كان مونكريف قد أنفق زهرة شبابه في الحرب، فقد شعر في السنوات العشر الأخيرة من حياته أنه يطارد الزمن المفقود. ولما كان الزمن بدوره يلاحقه، فقد لجأ إلى جدول عمل مذهل، أفضى به إلى نشر تسعة عشر كتابا تحوي ترجمات صعبة، وكتابة آلاف الرسائل، وإهمال صحته الجسمانية. وليس من المرجح أن يكون قد طبخ لنفسه وجبة، بل كان يعتمد على القهوة السادة والنبيذ نهارا، وتناول الطعام بالخارج ليلا حيث كان يحتفي به أصدقاؤه ويعتبرونه نديما من الطراز الأرفع. لقد كتب بروست البحث عن الزمن المفقود على مهل شديد، أما تشارلز فكان يسابق الزمن. كان رجلا لم يعرف الراحة، وظل يطالب نفسه بما لا يحتمل، فعاش حياة حافلة بالإنجاز، وقودها مُثُلُه الرفيعة:
"السعي إلى النبالة، واحتناب الخسة والخيانة، والاعتماد على مواردنا الخاصة، والمحاربة بلا تذمر حينما يمتنع عنا المدد، أن نعيش، بخير، وبشرف، وأن نموت في بسالة".
كان تجسيدا لقيم نسيناها، أو بتنا نخجل منها، ونراها مرتبطة بالمغالاة في الوطنية والحماقة.

*مقتطف نشرته صحيفة وول ستريت جورنال من مقدمة جين فيندلاي لكتابها "مطاردة الزمن المفقود" الصادر عن دار فارر شتراوس آند جيرو. نشرت الترجمة قبل أيام في جريدة عمان