الثلاثاء، 31 مارس، 2015

عن أغلى كلمة في التاريخ هل هذا شعر؟

عن أغلى كلمة في التاريخ
هل هذا شعر؟

إيان ديلي




في أمسية خريفية لطيفة سنة 1965، كتب شاعر عمره اثنان وعشرون عاما يدعى "آرام سارويان" على آلته الكاتبة سبعة أحرف أصبحت إحدى أكثر القصائد إثارة للجدل في التاريخ. ولا أقول إنه كان يعلم ذلك في حينه.
كان الوقت يتأخر، وثمة صديق منتظر (لا يتذكر سارويان اسمه) بدأ يتململ، راغبا في مغادرة شقة سارويان الصغيرة في "أبر ويست سايد" بمنهاتن، والذهاب إلى مقهى مترو التي كان يحلو لـ لاو ريد وذي فاجز وآندي وورهول أن يتصعلكوا فيها حين كانوا لا يزالون مجانين لم ييصبهم بعد التحوّل إلى النجومية. لكن سارويان استمهله. وكان في منتصف الورقة المحشورة في آلته الكاتبة اليدوية من طراز رويال كلمة واحدة فيها خطأ إملائي واضح:
lighght
ثم خرجا. وبعد أكثر من أربعين عاما على إغلاقهما الباب، لا يزال الناس يتكلمون عن تلك الكلمة.
***
كان منتصف الستينيات وقتا مواتيا للأفكار الجديدة. بل إنها تبدو "بأثر رجعي، أشبه بعصر ذهبي" كما يقول الشاعر رون بادجيت الذي قضى أغلب ذلك العصر الذهبي في نيويورك بصحبة سارويان. "كان يمكن للمرء أن يعرف آندي فيضعه في أحد أفلامه أو يحصل منه على قطعة فنية. كما أن النقود في الفن لم تكن أصبحت بالأمر الرهيب الذي ستصير إليه سريعا". يتذكر صعلكته بصحبة سارويان في لو مترو، وهما يجهزان على القهوة المركّزة ويرسمان المسار لتغيير الشعر. كان كلاهما متأثرين بالداديين وبالشاعر روبرت كريلي. جرَّبا الشعر الكونكريتي [ concrete ويسمى البصري أحيانا]، الذي يتعلق بشكل ترتيب الكلمات بقدر ما يتعلق بما تقوله الكلمات. كما كتبا الشعر المنمنم قبل أن تظهر لافتة الشعر المنمنم أصلا في الوجود. يقول بادجيت "كان ثمة بهجة طفولية في اللعب بالكلمات على الصفحة".
وذات يوم رأى صديق آخر لسارويان هو الشاعر تيد باريجان أحدث قصائده ذات الكلمة الواحدة وهي eyeye [عَيْيْن] على صفحة من ورق آلته الكاتبة فـ "قال’ما هذا بحق الجحيم؟’ وهو رد فعل واعد في ما بدا لي" حسبما يتذكر سارويان.
كما أنه سؤال مشروع. فـ Lighght شيء للرؤية أكثر مما هو للقراءة. انظروا إلى Lighght كقصيدة وقد لا تستوعبونها. وانظروا إليها كنوع من الفوتغرافيا وسوف تقتربون منها. فـ"الفارق بين Lighght وبين نوع آخر من القصائد ذي عدد أكبر من الكلمات هو أنها لا تنطوي على عملية قراءة" حسبما يقول سارويان الذي يعيش في لوس آنجلس ويدرِّس الكتابة في جامعة كاليفورنيا الجنوبية، والذي صدرت أعماله المنمنمة الكاملة في يونيو [2007] عن مطبعة أجلي داكلنج [البُطَيْطَة القبيحة]. "فحتى القصيدة خماسية الكلمات تكون ذات بداية ووسط ونهاية. أما القصيدة ذات الكلمة الواحدة فليست كذلك. إذ تستطيع أن تراها كلها مرة واحدة. هي لحظة".
غير أن حجم ما تنطوي عليه القصيدة من اضطراب قد لا يظهر على الفور. فلو أنك حذفت gh واحدة لعبرتك مباشرة وإن أضفت واحدة أخرى لفقدت قوتها تماما. ويكون تكرار الـ t في المنتصف أشبه بإلقاء حجر في بركة عتيقة السكون بقوة هذه الأحرف الساكنة الأربعة [وثمة نسخ من القصيدة على الإنترنت أشار إليها الكاتب في أحد حواراته وإن لم يعترف بها وفيها t في المنتصف: lightght!]. وما يبقى لك يكون إحساسا أكثر مما يكون فكرا. فالقصيدة لا تصف النور، إنما هي النور. وهذه الطريقة في النظر إلى اللغة أصبحت ملعب سارويان لسنين. "وقعتُ في أسر شكل الكلمات المفردة. كلمة ’guarantee’ على سبيل المثال تبدو لي أشبه بحشرة من جنوب أمريكا".
***
ولعلكم تسألون أنفسكم: وما المثير للجدل في ذلك؟ لا شيء في الحقيقة. فلم يحدث إلا حينما تورطت حكومة الولايات المتحدة في الأمر أن وجد سارويان نفسه عن غير قصد في مركز إعصار لم يتوقف إلى الآن.
بعد مضيّ عام على ظهور lighght في شيكاجو رفيو، قرر جورج بلمتن أن يدرجها في الجزء الثاني من أنطولوجيا الأدب الأمريكي التي كان يحررها لحساب المؤسسة الوطنية للفنون وكان عمرها في ذلك الحين مجرد خمس سنين. وفي ظل برنامج الأدب حديث النشأة في المؤسسة، كان كل كاتب مشارك في الأنطولوجيا يحصل على مكافأة نقدية. واختار بلمتن قصيدة lighght لسارويان فحررت له المؤسسة شيكا بـ750 دولارا، وهو مثل ما حصل عليه جميع المشاركين في الأنطولوجيا. حصلت المجلة [أي شيكاجو رفيو] على 250 دولارا، وحصل سارويان على البقية. كل هذا يبدو طبيعيا بقدر كاف، ما لم تعمد إلى تقييم جدارة القصيدة تقييما صارما بناء على قاعدة التكلفة المالية لكل كلمة فيها، وهو على وجه التحديد ما قام به الكونجرس.
فحينما علم النائب وليم شيرلي، وهو جمهوري من ولاية أيوا، بالأمر شنّ حملة وطنية على الهدر السفيه الذي تقوم به المؤسسة الحديثة، ودعا إلى إقالة نانسي هانكس رئيس مجلس إدارتها. [والبرلماني المحافظ] جيسي هيلمز هو الآخر وقف شعر رأسه. وسرعان ما استُدعي مايكل ستريت ـ نائب رئيس مجلس إدارة المؤسسة في ذلك الوقت ـ "بصفة شخصية إلى المكتب المؤلف من ستة وأربعين من أعضاء الكونجرس لإيضاح الأمر" بحسب ما تذكر وثائق المؤسسة. وانهالت على صناديق بريد المؤسسة أجولة الرسائل من دافعي الضرائب الغاضبين، فكان أغلبها يدور حول ثيمة واحدة: أنحن أمة لا تستطيع تخفيض الضرائب لكنها تستطيع أن تدفع خمسمائة دولار لأفَّاق في مقابل كلمة واحدة، بل وهي كلمة فيها خطأ إملائي؟
بل إن أحد أعضاء الكونجرس قال ـ بحسب ما يرد في فصلية سابين التي توقفت عن الصدور وكانت تصدر عن المؤسسة الوطنية للفنون ـ إن "ابني لو رجع من المدرسة وهذا مستواه في الإملاء، لأوقفته ووجهه للجدار". وما كان بلمتن ـ من جانبه ـ ليتقهقر عن المعركة. فبعدما أدان شيرلي القصيدة في مجلس النواب، سافر بلمتن إلى أيوا لشن حملة عليه. وفي النهاية لم ينجح شيرلي في دخول المجلس مرة أخرى سنة 1974، وحينما طولب بلمتن من أحد أعضاء الكونجرس بتفسير القصيدة قال بحسب ما أوردت سابين "أنت من الغرب الأوسط، فأنت من ثم بائس ثقافيا، ومن ثم فلن تفهم القصيدة على أية حال".
ويتبيّن أن Lighght كانت أكثر من قصيدة مجددة. بل كانت استعارة مثلى لمغبة الخلط بين الحكومي والفني، وهو ما سيتكرر حينما تقوم المؤسسة في وقت لاحق بتمويل أمثال روبرت كلارك يانج، وأندريس سيرانو، وروبرت مابلثورب، والفنانين كارين فاينلي، وتيم ميلر، وجون فليك، وهولي هيوز الذين عرفوا بعد ذلك بـ "أربعة المؤسسة"NEA Four. وفي حين أن سارويان لم يتحول لاحقا إلى نار على علم شأن أولئك الفنانين، فقد أصبحت lighght ولا شك أمثولة لفئة من المحافظين الذين يرون في التمويل الفدرالي للفنون أشبه بإضرام للنار في أموال دافعي الضرائب.
يقول بادجيت إن  Lighght"مثّلت قدرا صغيرا من الذخيرة لمهاجمي المؤسسة الوطنية للفنون، وقد استخدمها خصوم المؤسسة فلم يدخروا منها شيئا. وهم لا يلتفتون نهائيا إلى الروايات، وظني أن سبب ذلك يرجع إلى أنهم لا يجدون الوقت الكافي لقراءتها".
يقول سارويان إنه كان من الصعب التعامل مع كل ذلك بجدية، في وقت كان يموت فيه خمسمائة أمريكي أسبوعيا في فييتنام، وبعيد اغتيال كل من الموقّر مارتن لوثر كنج الابن وروبرت إف كينيدي. ومهما تكن قوة أصداء جدل lighght في قاعات الكونجرس، إلا أنها لم تبعث القشعريرة في أوصال الوسط الشعري. فـ "الشعراء الذين كنت أعرفهم لم يبالوا نهائيا بالمسألة كلها" مثلما يقول بادجيت مضيفا قوله "إن الفوضى بدت لنا مسلية. وأحسب أن آرام كان مثلنا. تخيلوا: كنا نثير الخراب في جنوب شرق آسيا، وبلدنا فقد عقله، ونحن ننشغل هنا بخطأ إملائي".
الحقيقة أن الغضب السياسي بثَّ في قصيدة سارويان حياة ما كان للفن وحده أن يبثها فيها. فبعد ربع قرن من كتابة سارويان لتلك الحروف السبعة، وبعد وقت طويل من غروب شمس "صيف الحب" [وهي ظاهرة هيبية شهيرة وقعت سنة 1967] وهجران الشاعر تماما للتجريب في المنمنمات وبدئه التجريب في النثر، كان رونالد ريجان لا يزال يشير بازدراء إلى lighght. وذلك ما دفع سارويان إلى الكتابة عن القضية لـ Mother Jones  سنة 1981 في مقالة عنوانها "أغلى كلمة في التاريخ".
ولكن ثمة شيئا فريدا في lighght هو سر بقائها، فيها طاقة معينة تتجاوز عالم الجدل أو انبعاث التصنيفات الشعرية. فهذه الكلمة الواحدة لا تزال تحمل الناس على التفكير، ومن هؤلاء سارويان نفسه. فقد خطر له مؤخرا أن يطبع القصيدة على بطاقات بعث بها إلى بعض أصدقائه في الكرسماس: الكلمة وحدها، بحروف بارزة، بالأبيض على الأبيض، في منتصف بطاقة تهنئة. يقول "لقد أدركت أن إبراز الحروف وحده، ينفي الحاجة إلى الـ gh الإضافية. ومن ثم فالظاهر أن جوهر القصيدة هو أن تجعل الشيء الفائق للوصف، أي النور ـ الذي لا نعرفه إلا بإضاءته شيئا غيره ـ شيئا آخر. الـ gh الإضافية تفعل هذا. والطباعة البارزة تفعله. حفرها على الحجر، وإتاحة المجال للنور أن يقع على الكلمة نفسها، يفعله أيضا. فهي منحوتة على هذا المستوى".
في أعماله المنمنمة الكاملة، تعود lighght  لتسترد مكانها في وسط صفحة بيضاء. يقول سارويان إن الشعر المنمنم ربما يكون عائدا من جديد. ولكن lighght ليست الكلمة الوحيدة التي ينبغي أن تحمل الناس على التفكير. "فقد أدركت أخيرا أن قصيدتي lobstee كتبت في استوكهولم، حيث تعمد لوحات الإعلانات إلى الدمج بين الحروف، وقد أحببت أشكالها. والـ a المكررة في aaple بدت لي جيدة أيضا. وأحب بيتا عند جرترود ستاين تقول فيه ’الوردة الوردة الوردة A rose is a rose is a rose’. لقد قالت ستاين إن هذه هي الفرصة الوحيدة التي أتيحت للوردة على مدار قرنين من الأدب الإنجليزي لكي تكون حمراء".




ست قصائد
1
سماء
كلَّ
يوم
2
قضيت عاما وأنا وحدي تقريبا.
أسير كثيرا.
مشدودا شِعريًّا
إلى رسومات الشوارع.
محملقا في الخرسانة.
وحذائي.
مستعرضا حياتي.
مواقف.
سائرا
جالسا في غرفتي.
أو السينما.
أو القراءة.
عاملا.
ممارسا الصبر الجديد.
عام جيد.
أفكار ممتدة.
عناية بنفسي.
3
كوابيس غالبا
تنتنابني.
إحدى عاداتي الأخيرة.
السجائر [عادة] أخرى.
يوميا
نفس الجولات.
ولكنني الآن ذاهبٌ
إلى المحيط وصديق.
متفائل بأني
سأستغرق في هذا.
يومان
من جغرافيا جديدة.
4
ليل ليل ليل ليل ليل ليل ليل ليل ليل ليل ليل ليل ليل ليل ليل
5
أصدقائي واحد فواحد
يفقدون إياي
أو أنا إياهم
اليوم لم أتكلم مع أي أحد.
6
في حديثها إليك
أشاحت الأشياء،
كرسي وجدار
وأنت، نعم، أنت
يا أبيض الذراعين،
كلمة عابرة
بين الكلمات.





نشرت المقالة في مجلة Poetry الأمريكية في 25 اغسطس 2007. ونشر ت الترجمة اليوم في شرفات