الثلاثاء، 8 ديسمبر، 2015

عقل غريب .. حوار مع أورهان باموق

عقل غريب
حوار بروس روبنز


معروف عن الروائي التركي الحاصل على نوبل في الأدب أورهان باموق أنه عند جلوسه مع زملائه الكتاب في الندوات يرسم اسكتشات للوجوه المثيرة لاهتمامه بين الجمهور. واسكتشاته ـ شأن نثره ـ غير مفرطة الهزلية أو الجدية. غالبا ما يلقى الثناء على ما يمتاز به من دقة بصرية وعلى كونه (بشيء من الإملال) جسرا بين الشرق والغرب، ويلام أيضا في بعض الأحيان على اهتمامه أكثر مما ينبغي بقرائه غير الأتراك، أي على كونه كوزموبوليتانيا أكثر مما ينبغي. وكأنما خير لهذا النتاج العلماني المعقد الذي أثمرته مدينة كوزموبوليتانية عظيمة أن يتظاهر أنه ما من شيء مشترك يجمعه بقرائه الكثيرين خارج تركيا (حيث باعت رواياته إحدى عشر مليون نسخة).
صار باموق أحد أغزر كتاب بلده وأكثرهم تأثيرا على مدار التاريخ، بأعمال تدور في الغالب حول الطبقة العليا الموسرة ومواطنيها البائسين الفاتنين  في اسطنبول. في روايته الجديدة "غرابة في عقلي"، ينحرف الكاتب البالغ من العمر ثلاثة وستين عاما انحرافة جريئة إلى أرض لم يطرقها كثيرا. إذ يختار هذه المرة أن يكون بطله بائعا طعام سريحا يصل إلى اسطنبول للتو قادما من قريته، وإذا بمنظور الرواية لاسطنبول ومناظرها وأصواتها وأحيائها ومسافاتها سريعة التبدل والتغير هو بلا مواربة منظور الطبقة العاملة. غير أن الرواية تستطيع أن تكون خفيفة الروح شأن شخصيتها الرئيسية، وفي هذا إعجازها وغموضها، للقراء في تركيا وخارجها على السواء.
على مدار السنوات الست الماضية، اشتركت أنا وباموق في التدريس في جامعة كولمبيا في برنامج "الفن والرواية". هكذا حظيت وطلابي بفرصة الإنصات إلى روائي عظيم إذ يتكلم عن محاولة آنا كارنينا وفشلها في قراءة رواية أثناء رجوعها بالقطار إلى وطنها بعد مقابلة فرونسكي، أو عن تأثير شياطين دوستويفسكي على سيكولوجيا الشرق/الغرب في رواية "الجليد" لباموق نفسه.
***
ـ هذه الرواية، من وجهة نظر معينة، موضوعها رسائل غرامية يتلقاها الشخص الخطأ.
ـ في القول بأنه الشخص الخطأ مبالغة. فـ ميفلوت يكتب لفتاة لم ير عينيها إلا لثوان معدودات، وهذا موقف نمطي في المجتمعات الريفية المحافظة، التي لا يلتقي فيها العزاب من الأولاد والبنات إلا في الأعراس وما يماثلها من المناسبات. إذا أردت الزواج في مجتمع من هذا النوع، لا بد أن تكون موهوبا في إسقاط المثالية، والمرأة التي يكتب ميفلوت رسائله إليها هي امرأة أسقطت عليها المثالية بالطبع.
لقد قرأت أخيرا في تقرير للمعهد التركي للإحصاء أن 52 في المائة من الزيجات في تركيا زيجات مرتبة [زيجات صالونات]. ولو أنه من الصعب الحصول على إحصائيات دقيقة، لأن أحدا لا يرغب في القبول بأن زيجته كانت مرتبة ما لم يكن محافظا للغاية وفخورا بذلك. وأعتقد أن من شأن ثمانين في المائة من ذوي الزيجات المرتبة أن ينكروا هذه الطبيعة لزيجاتهم ـ هؤلاء يذهبون إلى مكان ما فيتناولون الليمونادة في البداية، أو إلى محل حلوى، أو إلى السينما (إن كانوا أكثر حداثة) بصحبة الشقيقات والأعمام فقط ليقولوا لأبنائهم وأحفادهم "لا، لقد التقينا من قبل، ولم يكن زواجنا مرتبا". في المدينة يتزوج الأولاد متأخرين عن أمثالهم في القرى. وذلك ما يفرض على الفتاة التي ترى في القرية (واغفر لي هذا التعبير الفرويدي) نوعا من الإعلاء. وعليك بالطبع أن تتساءل عما لو كانت المصطلحات الفرويدية تنطبق هنا.
ـ لكنك لا تكتب بأية حال رواية أخرى فيها أوديب؟
ـ هذه هي التي أنهيها حاليا، والتي سنتكلم عنها العام القادم.
ـ في هذه الرواية، تبذل جهدا للحديث عن ناس مختلفين جدا عن الذين نشأت بينهم. ولو صحَّ فهمي، لا بد أن يكون ذلك قد اقتضى منك بحثا. هل يمكن أن تحدثنا عن البحث الذي قمت به؟
ـ في تركيا، وفي المقالات العالمية حاليا، يبرز الناس أن باموق كاتب عالمي ينتمي إلى الطبقة العليا يكتب عن حياة الطبقات الأدنى. والحصول على المعلومات لا يمثل أدنى مشكلة لروائي جاد في عمله يحب الحديث إلى الناس. أغلب المعلومات عما يفعله بائع الدجاج والأرز، وكيفية طهوه لدجاجه وأرزه، وبيعه لهما، والأماكن التي يحصل منها على خاماته، وحجم الربح الذي يحققه، كل ما عليك أن تفعله لتكتشف ذلك هو أن تجري حوارا مع بائع دجاج وأرز في الشارع. فإذا كنت ودودا، ستجد الرجل في أغلب الأوقات مبادرا للغاية. سيبدأ بقوله إنه الذي يفعل كل شيء. بعد نصف ساعة فقط، سيقول لك إن من يفعل كل شيء في حقيقة الأمر هو زوجته. الرواية قائمة على كثير من الأحاديث الودية مع بائعي بوظة [والبوظة مشروب متخمر خفيف الكحولية]، وبائعي المحار المحشو، وما في الحرفتين من حيل. أحب الحصول على مثل هذه المعلومات، فهي تضفي أصالة على الرواية، ولكن ليس البحث هو ما أفخر به، بل أفخر بتوازنها، بتركيبها الجمالي.
للمرة الأولى، كانت لدي مجموعة من الباحثين، من خريجين جامعيين يلتقون ويتكلمون إلى الناس، يحصلون على التفاصيل، وفي بعض الأحيان يعرِّفونني بهؤلاء الناس. فلا أكاد أرى الشخص مستمتعا بالكلام، حتى أستمتع بالإنصات.
ـ لماذا قررت أن تدع العديد من الشخصيات يسردون القصة؟
ـ بدأت كتابة هذه الرواية كما لو كانت رواية قديمة من القرن التاسع عشر. كنت أريد أن أعرف ما الذي يمكنني أن أفعله في هذه السكة. أغلب ابتكاري التجريبي الشكلي، ما يعرف بمابعدحداثيتي، أغلب هذا يتطور بعد أن أبدأ في الكتابة. تكون القصة كلها في رأسي، ثم أطوّر في الطريق وسائل جديدة للحكي. وبعد فترة، أجد أنني أريد أن أفعل شيئا مختلفا عن طريقة بلزاك أو زولا في الحكي. في هذه الرواية كان سهلا عليّ أن أكتب من وجهة نظر الشخصية الرئيسية، وهي لبائع في الشارع يفد على اسطنبول في مطلع سبعينيات القرن الماضي وعلى مدار أربعين عاما يبيع جميع أنواع الأشياء من الزبادي إلى الأيس كريم إلى الدجاج والأرز إلى البوظة. ويمارس مهنا أخرى كذلك.
كنت أكتب عنه بسهولة، لكنني بدأت أشعر بالانزعاج مع تطاول حجم الكتاب. كنت أريد إشراك واقعية الأصوات الفردية الكثيرة التي سجلنا لها وهي تتكلم عن أنفسها. كان الناس لا يكادون يعرفون أنني كاتب أو صحفي حتي يحبوا إسداء النصح لي حول الوقوع في الحب، وحول الحياة وكيف ينبغي أن نعيشها، عن أهمية الدِّين في حياتهم، وأهمية التبكير في الاستيقاظ، وأهمية الأمانة مع زبائنهم، ومثل ذلك. كانوا ينتقلون من معلومات الحياة المباشرة إلى الحكمة، وكان ذلك يعجبني، فأردت أن أتركهم يمثلون أنفسهم. قررت أن أجرب إدخال سرديات مفردة بضمير المتكلم في إطاري السردي الشبيه بزولا القرن التاسع عشر (وأنا في واقع الأمر لا أحب زولا كثيرا، أحب بلزاك وستندال أكثر). وحاولت أن أفعل ذلك بطريقة لا تقتضي منك أن تكون قارئا عبقريا لتدرك أننا انتقلنا من السرد بضمير الغائب إلى السرد بضمير المتكلم. وأعتقد أنها أفلحت.
ـ كنت تقول إنك أقل فخرا بالمعلومات ـ بنفاذ الرواية إلى أعمال المدينة ـ منك بتوازن الرواية وتركيبها؟
ـ دعني أقلها بهذه الطريقة. أنا لست فخورا بمتحفي الذي أقمته للبراءة لأنني جمعت كل ما فيه من أشياء، بل بسبب خزانات العرض التي وضعتها فيها، أي بالتركيب. عرض المعلومات ينبغي أيضا أن يكون جميلا.
ـ هل يمكن أن تستفيض في ما تعنيه بالتركيب؟
ـ التركيب مسألة بسيطة، تكاد تكون غريزة حيوانية. أريد أن أعرف: أهي قابلة للقراءة؟ أهي ظريفة؟ ستمائة صفحة من العالم كما تراه عينا ميلفوت وأفكاره قد تكون مضجرة بعض الشيء، أردت أن أمزق الحكاية، أن أدرج من الأصوات ما يعارضه، ويتحدى وجهة نظره وكذلك صوت الضمير الغائب ذا الطبيعة الكتابية. ففعلت ذلك.
أرى شكاوى في المقالات التركية، والعالمية حاليا. شكاوى من أن "باموق غير قريب للغاية هنا من ما بعد الحداثة"! وكأنهم محبَطون. أريد أن أقول "ولكننا فعلنا ذلك الشيء ما بعد الحداثي وانتهينا". أعرف أنني خاطرت بعض الشيء، ولكنني لست في موقف دفاعي بسبب هذا القدر من المخاطرة. كانت لدي معلومات كثيرة، وأردت أن أجمع بينها برؤية، بغرابة محددة، أردت أن أؤكد على الطبيعة البشرية لشخصيتي.
ـ صبغت ميلفوت بنزعتك الكتابية إلى التنقل بين الأمام والوراء، والأمام والوراء، كما لو كان هو نفسه روائيا. هذا يضفي ثراء عليه.
ـ هذا اختراع فلوبير: الأسلوب الحر غير المباشر. يتيح الخطاب الحر غير المباشر للكاتب أن يقترب أكثر من وعي شخصيته. لا يلاحظ القارئ أن السارد هو الذي يتكلم وليس ميلفوت. فالانتقالات لا تتعيّن بأي خط. حينما فعلها فلوبير، حرَّر فن الرواية، إذ جعله شديد المرونة. وبوسع السرد أيضا أن يتراجع فيكون على مسافة، كأن يخبرنا تولستوي أن جيوش نابليون تقترب من موسكو. فمن الذي يتكلم هنا؟
ـ المجال الزمني لهذه الرواية، اختيارك أن تغطي أربعين عاما وتصور قدرا كبيرا من الحياة، مؤثر للغاية. هل يمكن أن تتكلم عن هذا التعامل غير المعتاد مع الزمن؟
ـ لعل التعامل مع الزمن غريب بمعنى أن للرواية لولاه بنية قصة شديدة البساطة. ولد يكتب رسائل غرامية لبنت رآها للحظات فقط، ومن بعيد. وينخدع فيتزوج أختها الكبرى الأقل جمالا. لا أريد أن أحكي الحكاية.
أنا وأنت ندرِّس معا منذ سنين، ولكننا في محاضراتنا، لا ندفع الطلبة إلى الكلام كثيرا عن الروايات وشخصيات الطبقات الدنيا. اختيار أبطال من الطبقة الدنيا كان أمرا شديد العمدية هنا. في الوقت الذي كنت أكتب فيه الرواية، سألني محرري البريطاني إن كنت سأدرج فيها شخصيات من الطبقة الوسطى. وكنت أفكر أن أضيف شخصية صديق لميلفوت من الطبقة الوسطى، ولكنني قلت له على الفور "لا. لن تكون في هذه الرواية شخصيات من الطبقة الوسطى". لا أحد مثل ليفين في آنا كارنينا، لا أحد ينظر إلى الفلاحين وهم يحصدون فيضفي المعنى على ما يفعلون. روايتي تحدث بالكامل وسط الفلاحين.
طبعا هم ليسوا فلاحين بالضبط، هم قرويون وافدون على المدينة الحديثة. الرواية عن حياة المدينة الحديثة، وقد تكون شخصياتها من الفقراء، لكنهم من نواح كثيرة شديدو الحداثة. المشكلة هي التكيف مع الفردية، مع الأنانية، مع العقلانية الاقتصادية في المدينة. المسرعون قد ينجحون. أما الذين يتحيرون، مثل ميلفوت، فلا ينجحون. ولكن هل ما يريده ميلفوت فعلا هو النجاح؟
ـ لعل هذا ما أردت أن يقوله ميلفوت عن الطبقة العاملة؟ في ضوء تركيب الرواية، أرى ما تقوله عن الصداقة بين ميلفوت وفرحات. فصداقتهما تقيم أغلب الرواية. وهناك بنيويا نوع من التوازي مع "جليد"، بمعنى أن ممثل اليسار، وهو كردي، "يحصل على الفتاة"، فيمكننا القول بمعنى ما إنه أنجح وأكثر بطولية من ميلفوت، "رجل الوسط" من الناحية السياسية.
ـ في فصلنا، وفي لقاءاتنا التحضيرية قبل الفصل، نتكلم أحيانا عن جورج لوكاش. يقول لوكاش إن أبرع الروائيين التاريخيين هم الذين ابتكروا شخصيات يمكن اجتذابها إلى مختلف أطراف الصراعات في مجتمعاتهم. يقول إن خلق هذه الشخصيات لا يتيسر لو لم تكن هذه الشخصيات بلا انتماءات سياسية أو أيديولوجية أو التزامات أخلاقية، لو لم تكن أفكارها "لينة". وميلفوت يتبع هذا النمط.
ـ تثير غيظ القارئ حينما تقول إن هذه القصة قد تكون قصة صعود الإسلاموية. من المؤكد أن ميلفوت منجذب إلى الإسلاموية، ولكن له كذلك صديقا يساريا، وأبناء عمومة هم أقرب إلى الفاشيين. فهل هو فعلا شخص في المنتصف؟
ـ لقد كنت أتبع ستندال، ممسكا مرآة أمام المجتمع. ولو أن ميلفوت شديد التعصب، فليس بوسعه أن يذهب لزيارة حكيم مسلم ويصغي إلى حوارات أصدقائه الماركسيين ويمضي يعلق الملصقات.
ـ هذه الرواية طبعا عن المدينة. ما الذي في اسطنبول وتشعر أنك لم تقله بعد؟ سيقول الناس، إن كانوا لم يقولوا بعد، إنك تضع في شخصيتك الرئيسية الكثير من نفسك.
ـ نوع الرواية الذي كانت له الغلبة في تركيا هو رواية الفلاحين. وكان الأبرع بين أولئك الروائيين هو يشار كمال. فلو كنتَ روائيا ملتزما اجتماعيا في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته لكنت كتبت عن ظروف الحياة في الأناضول الواقعية. ولم أكن أعرف شيئا عن ذلك، فبدأت الكتابة عن اسطنبول لأنني أردت أن أكتب عن بشر أعرفهم،لا عن مدن. لقد بدأ الناس يعرفونني ككاتب اسطنبولي بعد ترجمتي فقط. عرف الأتراك هذا من الناس خارج تركيا. وفي ذلك الوقت كتبت سيرة "اسطنبول" التي تنتهي في عام 1973. أحداث "الكتاب الأسود" تجري سنة  1980. ولم أكتب اسطنبول التسعينيات وما بعدها. حتى "متحف البراءة" التي اكتملت في 2008 لا ترسم اسطنبول العقد الأول من القرن الحالي. لذلك لم أكتب من قبل قط عن التغيرات الهائلة التي طرأت على اسطنبول خلال السنوات الخمسة والعشرين الماضية، وحتى ذلك الحين لم أكن كتبت عن طبقات اسطنبول الدنيا، فكان ثمة فجوة هائلة في الرؤية التي فرضتها على نفسي.
تكرار هذه المعلومات ممل للغاية، ولكنني سوف أكررها: لقد ولدت في اسطنبول سنة 1952. في ذلك الوقت كان تعداد سكان اسطنبول مليون نسمة، ويبلغ الآن سبعة عشر مليونا. التغيرات التي شهدتها في السنوات الخمسين الأولى من حياتي توازي التغيرات التي شهدتها خلال السنوات الثلاثة عشرة الماضية فقط. ولا زلت بسذاجة أومن بمهمة الكتابة عن الحياة في اسطنبول، وأنا سعيد أني أفعل هذا، ولكن الاستمرار في المجاراة أمر بالغ الصعوبة. فقلت لنفسي في هذه الرواية "سوف أكتب عن حياة الشارع".
ـ ميلفوت يحب عمله. لن أقول إنه أكثر ما يكون إحساسا بنفسه وهو يعمل، ولكن لا يبدو أنها محنة بالنسبة له أن يجوب شوارع اسطنبول بائعا الزبادي أو البوظة مقابلا من الناس من يقابلهم. فهذا، على نحو عميق، يعبِّر عما هو إياه. وهو بذلك المعنى، فيه نزر من الروائي. وأنت تؤكد على هذه النقطة حينما تكتب أن العاطفة التي يبثها في ندائه "بوظاااااااااا" هي المشاعر التي تنتاب من يسمعونه من الناس. فهل بين الروائي وبائع البوظة شيء مهم مشترك؟
ـ أوه نعم، ميلفوت شخصية فاتنة ـ لو أنه شخصية فاتنة حقا، فقد أكون مخطئا بالطبع ـ لأنه رجل حسن النية، وسعيد، وطيب القلب. كيركيجارد قال إن الأشقياء يعيشون إما في الماضي أو في المستقبل، أما السعداء فيعيشون في الحاضر. وميلفوت غارق في الحاضر. جزء من عقلي هو عقل ميلفوت، لكنني أتمنى لو أن لدي موهبته في الاستمتاع بالحاضر، الاستمتاع بالآن. كثيرا ما تقول لي صديقتي "استمتع الآن! كف عن القلق على مستقبلك! استمتع الآن!". ميلفوت فيه شيء صوفي. انظر إلى التفاني العاشق الذي يوليه لكل تفصيلة في الفتاة التي يهرب معها، برغم أنه يعرف أنها الفتاة الخطأ، ويتعرض لخدعة. لديه ذلك الشيء العميق الذي تقتله فينا الحداثة. لديه أحلامه وموهبة الاستمتاع بالشأن المشترك أكثر مما نفعل نحن. ليس لديه هذا الحزم. أو هذا النزوع إلى الجدال. هو ضحية، لكنه لا يشعر أنه ضحية.
اكتشاف تفاؤل ميلفوت حلَّ مشكلة ضخمة في هذه الرواية: مشكلة الكتابة عن شخص من الطبقة الدنيا لقراء ليسوا من تلك الطبقة وبوصفي كاتبا لا ينتمي كذلك إلى تلك الطبقة. هذا ليس خطأ فقط من الناحية السياسية، إنها أيضا مسألة تتعلق بالإقناع. لا أريد أن أكشف لك أسرار صنعتي، ولكني فعلت أشياء كثيرة لأتفادى تلك المشكلة، أو لأجعلها أقل وضوحا على الأقل. جربت أن أتفادى الميلودراما ـ "يا للرجل المسكين، إنه يبكي" ـ لم أرد ذلك. أنا أحب ديكنز، أحب لغته، ولكنني لا أحب سنتمنتاليته. فهي تغضبني. ومن نواح كثيرة هذه الرواية ديكنزية. تفاديا للميلودراما ـ وهذا شيء تعلمته أيضا من ديكنز ـ ليس هناك ما هو خير من خفة الدم. وأرجو أن يضحك القارئ أكثر مما يبكي.
 ولكن أكثر ما نفعني هو الاستلهام من عقلي أنا، مثلما حدث مع العنوان. طوال سنوات مراهقتي، وفي العشرينيات والثلاثينيات من عمري، كان أصدقائي يقولون لي "يا أورهان أنت عقلك غريب". ثم صادفت مقتطفا من وردذورث هو "غرابة في عقلي"، فدونته، ظانا أنني ذات يوم سوف أجعله عنوان إحدى رواياتي. وها هو أخيرا. لقد أعرت ميلفوت خيالي، ولكنني لا أستطيع أن أقول لك الأمر كله.
ـ ولكن هذه ليست رواية عن طموح ميلفوت المحبط، لأنه لا يعترف بأخطائه.
ـ ميفلوت ليس راستنياك، بطل بلزاك، القروي الذي يفد إلى باريس غازيا. هو يريد أن يكون ثريا وناجحا. وما في وجهة النظر هذه من طاقة وقوة ودراما إنما ينبع في الوقت الذي تصعد فيه الرأسمالية بالتوازي مع رؤية أكثر ديمقراطية للمجتمع، وإمكانية إحداث تغيير اجتماعي. بلزاك أسقط طموحاته على راستنياك. ونحن حينما نقرأ عن راستنياك يمكن أن نتخيل بلزاك نفسه وهو يشتري المطابع ويحلم بالثراء. أما أنا وميلفوت فليست لدينا هذه الطموحات. رؤية ميلفوت محدودة أكثر من هذا.
ـ فهل فرحات، الكردي اليساري، وأعز أصدقاء ميلفوت، أقرب إلى بطل بلزاك.
ـ هو أكثر حداثة.
ـ هل تعتقد أن اسطنبول ـ كما تراها هنا ـ مدينة يديرها رجال العصابات، أو تديرها دولة مؤلفة من رجال هم أشبه ما يكونون برجال العصابات؟
ـ اليوم هناك رأسمالية طبيعية متحضرة أيضا.
ـ ولكنك لا تعرض الكثير من الرأسمالية الطبيعية المتحضرة في الرواية.
ـ هذا لأنك لا ترى الطبقات العاملة الطبيعية. وهذه نقطة مهمة في الرواية. باعة الشوارع ليسوا كأبناء الطبقة الدنيا الذين يعملون في المصانع. هم يعيشون في نفس أحياء عمال المصانع، لكن في نهاية المطاف، هم أصحاب مشاريع خاصة، هم رأسماليون صغار.
ـ إذن من أجل غزو باريس، راستنياك كان ينبغي أن يكون رجل عصابات، وميلفوت لا يريد أن يكون رجل عصابات؟
ـ لكن أبناء عمومته يصبحون كذلك.
ـ تنفق وقتا كثيرا مع مغامرات فرحات وميلفوت كمفتشي كهرباء. هل كنت تحاول أن تري القراء جمال هذه المهنة؟
ـ في الرواية كثير من الأركيولوجيا الفوكوية [نسبة إلى فوكو] للحياة اليومية، لكن ذلك كله في الواقع حدث لي. فقبيل إجازة لمدة عشرة أيام انقطعت الكهرباء لدي. ثم بوم بوم بوم. شخص ما يطرق الباب. حدث هذا سنة 1995. عرفني المفتش. كان يساريا سابقا، وحكى لي كل شيء عن مهنته. بعد ذلك، تحققت من كلامه: أجريت الكثيرا من الحوارات مع مفتشي كهرباء ومهندسين متقاعدين. جمعت معلومات كثيرة عن إنتاج الكهرباء، وتوزيعها، وسرقتها ـ وبالطبع عن الخصخصة. في البداية، خصخصت الدولة تحصيل الفواتير، ولاحقا خصخصت الصناعة كلها. في تلك السنوات، كان هناك كثير من الإبداع في السرقات. قبل ذلك، حينما كنت روائيا مبتدئا، كانت لدى زوجتي أشياء أخرى تفعلها، فكنت أذهب لدفع فاتورة الكهرباء في مكتب البريد. فكان وقت كثير يضيع في الطوابير والجدال. وكان عليك أن تدفع نقدا، وكان على شخص ما أن يوقِّع، كانت عملية بدائية. الآن ندفع بالبطاقة الائتمانية ولا نرى أي شخص.
ـ للأحلام دور كبير في الرواية، أليس كذلك؟
ـ هنري جيمس قال إنك حينما تحكي حلما في كتاب، تخسر قارئا. ليس للأحلام هذا الدور الكبير، هي جزء من البلاغة. هي لا تغيّر حياة الناس، ما يعنيني أنا هو ما سمَّاه فرويد بالمضمون الحلمي. ولست أنظر إلى بناء الرواية من خلال فرويد، ليس من خلال الأحلام ذاتها.لا أريد أن أكون مثل جاك لاكان. ميلفوت لا يؤمن بلاكان.
ـ يبدو لي أن من الأشياء التي تحاول أن تفعلها من خلال رسمك للطبقة العاملة في هذه الرواية هو أن تحارب برقة شديد فكرة التنميط.
ـ من كلاسيكيات هذا النوع الأدبي، رواية أعشقها هي "مائة عام من العزلة". تبدأ بناس يقيمون منازلهم. وإذابأغراض كأنها مجلوبة من خارج الزمن، وتظهر في الوجود قرية. وفجأة كل من في القرية يعزف البيانو! وفجأة لا يعودون فلاحين. وتقفز القصة فإذا بها مهتمة بالطبقة الوسطى. ما كان ليكون هناك ميلفوت لو أن عمته كانت تعزف البيانو. شخصياتي تشارك في نضال اقتصادي أكثر واقعية. المرحلة التالية، مرحلة الحياة الثقافية، خارج نطاق معارفهم. فهم لا يقتنون الأشياء ولا يشاهدون الأفلام ولا يقرأون الصحف. هم ليسوا جزءا من التطورات المفضية إلى الرواية. ويعيشون في عالم لن يشكّل بذاته رواية أبدا. كان ذلك هو التحدي الذي واجهني.
حينما يقول الناس إن ميلفوت فلاح، أو مشاهد ينتمي إلى طبقة أدنى، أسعد بكلامهم، وأوافقهم عليه. اختراع بودلير للمشَّاء المتفرج جعل رؤية شعر المدينة أمرا ممكنا. أحب المشي بلا هدف، ومشاهدة واجهات المحلات، وما إلى ذلك. ولكن المشاهد في نهاية المطاف شخصية من الطبقة العليا. هذه الفجوة في الرواية تحدٍّ لي. ميلفوت لا يمتلك كل الأشياء التي تملأ الروايات: التحف الصغيرة، وطفايات السجائر، والإعلانات، والأثاث. كل ما تكتب عنه أقسام الكتب في الجرائد مختف من عالمه. وهو لا يرى هذه الأشياء إلا في مطابخ الآخرين. هذه المشكلة كانت تمثل لي الدراما الداخلية وأنا أناضل لكتابة الرواية.
ـ يبدو ميلفوت سعيدا بمشيه في الشوارع ليلا يبيع البوظة والزبادي. مهنته شاقة، وحمله ثقيل، ولكنه سعيد؟
ـ لا، الزبادي ثقيل، أما البوظة فليست كذلك. خمسة عشر كيلو من البوظة ليست ثقيلة.
 ـ هو أيضا سعيد للغاية بأسرته. أتساءل عما لو أن من بين مقاصدك أن ترسم صورة للسعادة الأسرية لدى الطبقة الدنيا؟
ـ نعم، ولكني دعني أقلها بطريقة أخرى: أنا لا أعتقد أن ميلفوت شديد السعادة وهو يبيع في الليالي الباردة، لكنه مرغم على ذلك. الأمر لا يعدو ثلاث ساعات في الليلة. في الثقافات التي يكون فيها النضال من أجل الحياة شديد المشقة، وينتشر الخوف، تصبح العائلة أكبر مصدر للسعادة. وكلما تقسو الحياة بالخارج وتشتد وتخلو من الأمل، يمعن المرء في إضفاء الرومنسية على حياة الأسرة ومسراتها. أمثال هؤلاء ـ وكان يمكن جدا أن يكون راستنياك من بينهم ـ الذين يفدون على المدينة بفردية مجهدة، هم الأرجح بثا لشقاء الخارج في حياة الداخل. هم الذين يتشككون في زوجاتهم، وأبنائهم، وفي كل شيء. وميلفوت لا يفعل هذا مطلقا. ميلفوت يدخل بيته كأنه داخل إلى مسجد.
ـ وهذا ما يساهم في تفسير الجملة الأخيرة، عما له أهمية حقيقية في نهاية المطاف. أم ربما لا يجدر بنا أن نتكلم في هذا؟ وإن كنت لا أفترض أنها تهكمية في المقام الأول.
ـ على الإطلاق. هي جملة مباشرة تماما.


بروس روبنز أستاذ بمؤسسة أولد دومينين للدراسات الإنسانية في قسم الإنجليزية والأدب المقارن بجامعة كولمبيا

نشرت الحوار أصلا في لوس آنجلس رفيو أوف بوكس، ونشرت الترجمة اليوم في ملحق شرفات