الثلاثاء، 3 يونيو 2014

مشاجرة 68 بين كبار الشعراء

مشاجرة 68 بين كبار الشعراء

تشارلز سيميك


كان أكبر وأشهر ملتقى شعري حضرته هو المؤتمر العالمي للشعر الذي أقيم في يونيو من عام 1968 في ستوني بروك. فقد حضره مائة وثمانية من الشعراء، والعهدة على "جيم هاريسُن" الذي شارك في تنظيم الملتقى مع "لويس سيمسُن" وآخرين. كان أغلب الشعراء أمريكيين، ولكن كان ثمة أيضا فيلق أجنبي كبير. وكانت تلك هي المحاولة الوحيدة الذي بذلتها الولايات المتحدة ـ في حدود ما أعرف ـ لجمع مثل هذا الطيف الواسع من الشعراء، شبابهم وشيوخهم، تقليدييهم وطليعييهم وغير القابلين منهم للتصنيف. وهو ما كان يعني لكل مشارك في المؤتمر أن كل شاعر يعجبه أو يكرهه هو على الأرجح حاضر بدوره شخصيا. ولحسن الحظ، كان بوسع أغلب الشعراء ـ ما لم تكن وجوههم معروفة من خلال الصور الفوتوغرافية ـ أن يحافظوا على بقائهم غير معروفين، وذلك لأنه في ملتقى للمشاهير وغير شديدي الشهرة من الشعراء، لم يكن ثمة مجال للتفكير في وضع بطاقات بالأسماء على الصدور كالتي يمكن أن تروها على صدور باعة المكانس الكهربائية مثلا. ومع ذلك كان ثمة إشارات. فكان يسهل على الواحد أن يخمن من ثياب شخص وطول شعره أي نوع من الشعر هو مولع به، ولكن ليس في كل الحالات بطبيعة الحال. فقد كان شعراء الساحل الغربي من مختلف الأعمار تقريبا يرتدون ثيابا أميل إلى البساطة وأبعد عن الرسمية من شعراء الغرب الأوسط والساحل الشرقي، الذين كان يمكن لمن يراهم أن يتصورهم موظفي بنك أو مسئولي دعاية وإعلان. وكان في الجمع أيضا قليل من الغنادير من أمثال صديقي "جيمس تيت" الذي كان يلبس سترة مجعدة من الكتان الأبيض وكأنه كان قادما للتو من مقامه الأنيق في الريفييرا الفرنسية لا من كنساس سيتس التي كان بالفعل قادما منها.
بدأ المهرجان بداية ودودا بعشاء من سرطان البحر الطازج، وتعارف مهذب بين الجميع، ودردشة بسيطة. لكن أخلاق المشاركين بدأت تتدهور بعض الشيء مع تقدم الأمسية، فصار بوسع المرء أن يرى جماعات صغيرة تتهامس، ونظرات ارتياب تختلس. وكان ثمة بالطبع كثير من الشراب. ويزعم هاريسن أنه تجاوز الميزانية المقررة بخمسين ألف دولار صرفت على الطعام والنبيذ، وأنا من جانبي أصدقه. في آخر الليل، أتذكر أنني صادفت الشاعر "هنري راجو" يتجول في ممرات سكن الطلبة الذي كنا نقيم فيه ومعه زجاجة فودكا. كان يبحث عمن يشرب معه كأسا، ويبدو أن كل من قابلهم خذلوه. ولا عجب.
فقد كان شعراء كثيرون لا يطيقون راجو الذي كان لا يزال يشغل، ومنذ سنوات، منصب محرر مجلة Poetry [شعر]، وهي أقدم مجلة شهرية مخصصة في بلدنا للشعر، ولم يكن غاية أمره أنه يرفض نشر قصائدنا، لكنه كان يرفض أيضا الاعتراف بما طرأ على الشعر الأمريكي من تغيرات منذ الحرب العالمية الثانية. وكان يشاع في شيكاغو، التي تصدر منها المجلة، أن راجو ينحدر من عائلة حانوتية حققت الثراء الملوث من قيامها بدفن رجال العصابات. كما كان يشاع أن قاعتهم الجنائزية هي التي وضع فيها جثمان "آل كابوني" في تابوته ليأتي أقاربه وشركاؤه في العالم السري لإلقاء نظرة الوداع عليه. ولعل ذلك كله لم يكن إلا هراء، لكنه جعلني ألزم الحذر حينما لوح بالزجاجة أمام وجهي. ولما كنت قد نشأت على ألا أرفض دعوة ودودا إلى الشراب، فقد أدخلت السعادة على قلب راجو بجرعتين كبيرتين تجرعتهما من الزجاجة مباشرة. بعد ذلك، حاولت أن أنام قليلا، فكان شاعر سكران يدخل المبنى مترنحا كلَّ حين وهو لا يعرف أين غرفته فيبدأ الطرق على الأبواب أو يقتحم الغرف إن لم تكن أبوابها موصدة، ويضع نفسه في أقرب سرير يصادفه في العتمة، ليجد من يخرجه من ذلك السرير بعد قليل وقد علا الصياح فأيقظ الجميع.
في الصباح التالي كان الجميع في مزاج سيء من آثار ما شربوه في الليلة السابقة. وفي الأمسية الشعرية المقامة في عصر ذلك اليوم، أتذكر أن "روبرت دَنكان" كان يصدح بإحدى مطولاته الشعرية المعقدة الحافلة بالإحالات الأسطورية، فيصيح "آلَن دوجان" بعد كل بضعة أبيات قائلا "خراء". إلى أن وقف "جورج هيتشكوك" أخيرا من جلسته في الصف الأول، طويلا وسيما، وبالصوت المدوي للنقابي العمالي الذي كانه ذات يوم على أرصفة ميناء سان فرانسيسكو، قال لدوجان "اخرس يا ابن القحبة". وما كان للخطأ، في حدود ما يعنيني، أن يعرف طريقه إلى هتشكوك، فقد كان الرجل محررا وناشرا لمجلة كاياك السريالية المرموقة آنذاك، وكان ينشر لي قصائدي بانتظام. وكان وصف المرء في تلك الأيام بالسريالي من قبيل النكتة: فهو ذلك الذي يكتب قصائد يجدها جميع من عداه مستغلقة على الأفهام. وكان أطيب شيوخ الشعراء يحاولون أن يبينوا لي ولأصدقائي أن طريق السريالية مسدود، وذلك بالضبط كان رأينا نحن أيضا في شعرهم. ولا بد للشعراء الشباب أن يمتلئوا حماسا تجاه مايفعلون، وإلا لأعوزتهم الثقة اللازمة للاستمرار في الكتابة.
ونرجع إلى منزل "لويس سيمسن" في ستوني بروك، أثناء حفل الوداع في الليلة الأخيرة من ليالي المؤتمر، حيث نشب شجار. كان الحاضرون واقفين أزواجا وجماعات في الحديقة الكبيرة يرشفون من كؤوسهم، ودونما أدنى بادرة تشي بأن شيئا ما يوشك على الوقوع، إذا باللكمات تبدأ في التطاير، فإن حاول قليلون أن يفضوا الشجار، تتجه اللكمات إليهم فإذا هم مشتبكون في المعركة. وكنت واقفا في السقيفة أشاهد مندهشا، برفقة الشاعر التشيلي "نيكانور بارّا" والشاعر الفرنسي "يوجين جيليفتش" اللذين أبهجهما المنظر، وجاء مصداقا لتصورهم أن هذه هي الطريقة المعتادة التي يسوِّي بها الشعراء الأمريكيون معاركهم الأدبية، وحاولت أن أشرح لهما أن هذه أول مرة أرى فيها شيئا مثل ذلك، وأن المشهد برمته بالنسبة لي مفزع أشد ما يكون الفزع، فلم يثر ذلك لديهما غير الضحك. وحينما أرجع النظر في ذلك أجد لزاما عليّ أن أعترف بأنه كان مشهدا مثيرا بالفعل للضحك.
ما كادت المعركة تنشب حتى جثا "آلن جينسبرج" على ركبتيه وانطلق ينشد صلاة بوذية من أجل السلام والتناغم بين جميع الكائنات الحية، فلم تشتت تلك الصلاة تركيز المتشاجرين وحسب، بل أفزعت قليلا من الأزواج الحائرين الذين كانوا قد انسلوا إلى الآكام أثناء الحفل وعادوا في عجلة وقد اختلطت ثيابهم. أما عن سبب نشوب الشجار في المقام الأول، فحتى الذين دميت أنوفهم لم تكن لديهم أدنى فكرة، وإن سمعت في وقت لاحق من تلك الليلة أن إهانة لحقت بصاحبة شخص ما أو زوجته فأفضت إلى تهشيم زجاجة شمبانيا على رأس أحدهم. ومهما يكن السبب، لم يحدث بعد ذلك لقاء آخر بين قبائل الشعر المتحاربة ليتحقق المرء مما إذا كان ذلك الذي شهدناه في ذلك اليوم انفجارا لعداوة جمعية أم مجرد دفاع عن شرف امرأة.


نشرت في مدونة نيويورك رفيو أوف بوكس