الثلاثاء، 10 يونيو 2014

لأننا لا يمكن أن نعرف الماضي

لأننا لا يمكن أن نعرف الماضي
كرستوفر كينيدي
 
قدمنا في الأسبوع الماضي ثلاث شهادات لثلاثة شعراء أمريكيين عن قصيدة النثر، ترجمتها من كتاب "دليل روز ميتال إلى قصيدة النثر الأمريكية" الذي صدر في الولايات المتحدة الأمريكية في 2010، عن مطبعة روز ميتال، بتحرير كل من جاري إل مكدويل وإف دانيال رزيسنك. ها هنا شهادة للشاعر كرستوفر كينيدي عنوانها "مانيفستو الهامش الأيمن: هذا ما أقصده"، ومساهمة له في مجلة دابل روم التي يرأس تحريرها، وعدد من قصائده المنشورة في دليل روز ميتال وفي كتابه مشكلة مع الآلة.

مانيفستو الهامش الأيمن: هذا ما أقصده
وأنا أكتب هذه المقالة الذاتية مبينا فيها كيف أصبحت شاعر نثر، تراودني غواية أن ألفق قصة صغيرة محكمة تنتظم فيها سلسلة أحداث تفضي جميعا إلى تجلٍّ ما تغرقني بسببه المعرفة؛ فإذا بي أتعرّف وسط الضباب طريقي إلى الأرض المنشودة المغمورة بالنور. في حين أن الحقيقة هي أن إدراكي للطريقة التي أصبحت بها أي شيء هي أقل صفاء من ذلك بكثير، وليس شروعي في كتابة قصيدة النثر استثناء من ذلك، وإن تكن ثمة قصة معقولة:
كانت لدى أختي نسخة من "أعظم الأغنيات" لـ جين بيتني، أتذكر أنني كنت أسمعها وأنا تقريبا في التاسعة من عمري أو العاشرة. كنت مفتونا بالأغنيات القصصية في ذلك الألبوم، لا سيما "الرجل الذي أطلق الرصاص على ليبرتي فالانس" و"أربع وعشرون ساعة من تولسا". راق لي السرد الممزوج بالموسيقى، فحفظت الكلمات، وتخيلت السيناريوهات التي تصوِّرها. في الوقت نفسه تقريبا، أحضرت أمي كتابا إلى البيت، وذلك حدث نادر في أسرتي. كان أبوها قد مات قبل سنوات قليلة بالسكتة القلبية، وتبعه أبي أنا، أي زوجها، بعد يوم واحد في حادث سير. وأظن أن شخصا ما أراد بإعطائها ذلك الكتاب أن يسرِّي عنها.

كان كتاب مذكرات، عنوانه "حذاء أحمر من أجل نانسي"، ويروي قصة فتاة ولدت مصابة بمرض انحلالي [1] وبترت ساقاها. كانت تتمنى لو أن لديها حذاء أحمر. لا أتذكر من الكتاب الكثير، اللهم إلا أنها تحصل في النهاية على الحذاء. ويبقى لك أن تخمن ما الذي فعلته به، فاستحوذت عليَّ تلك المفارقة العبثية وفتنتني. في ذلك الوقت أيضا، اشترت أمي تلفازا بريموت كونترول بسيط كان عبارة عن حاجة مستطيلة وثقيلة تنتقل من قناة إلى أخرى ببطء وتؤدة. ولم تكن هناك أصلا غير ثلاث قنوات، فكنت في أغلب الحالات أرجع من المدرسة، لأجد نفسي وحيدا في البيت لا رفيق لي غير مسلسلات التليفزيون. وبقوة الضجر والوحدة، صرت بارعا في الانتقال من مسلسل إلى آخر دونما توقف تقريبا، وصرت أخلق منها قصصي أنا، بالانتقال من مشهد ميلودرامي إلى آخر، فصرت ألاحظ أن الربط العشوائي بين القصص ينتج بعض اللحظات الطريفة. وظلت تلك لشهور طويلة وسيلتي لقضاء الوقت بعد المدرسة. أما ما أضافه هذا إلى خلق شاعر النثر فيقتضي خبرة بتطور المخ البشري أكثر من خبرتي، وإن كنت لا أشك في أن هناك تأثيرا.

أما الذي أعرفه بحق وعن يقين، فهو أن كتابة القصائد النثرية منحتني هويتي ككاتب، إذ صار التماهي النوعي، بصورة أو بأخرى، ولحسن الحظ أو لسوئه، هو الهاجس الذي استولى عليّ لوقت طويل. قد أكون نفيت نفسي ـ لما اعتنقت قصيدة النثر ـ إلى جزيرة معزولة لا يعيش فيها إلا العاجزون عن التكيف. ولكنني أجد في هذه الصحبة فتنة لا تقاوم.

بعدما انتهيت ليلة أمس من كتابة ما سبق من هذه المقالة، حلمت أني كتبت رسالة إلى سالنجر[2] سائلا إياه فيها أن يكتب رواية "لي وحدي". وانتهى بي الحال وأنا أسلمها له يدا بيد فإذا على ظهرها عَقْدٌ لسالنجر كي يحضر أمسية في جامعة سيراكيوس التي أدرِّس فيها. ضحك سالنجر من محاولتي الصاخبة لإخراجه من عزلته، ولكنه قال لي إنه تأثر بجزء في رسالتي كتبتُ فيه أنني أحتاج منه أن يكتب رواية أخرى "لأن هذه هي الطريقة الوحيدة المتاحة لي كي أعرف المزيد عن الوضع الإنساني". وبعد أن نقل عني ذلك الجزء من الرسالة، نظرت حولي فرأيت أن هناك كتّابا آخرين في صالة شقته. خرجنا كلنا معا، وحينما صحوت قصصت حلمي على زوجتي، فخطر لي وأنا أفعل ذلك، أنني بسبب فكرة "الوضع الإنساني" هذه ومعرفته من خلال ما يكتبه الكتّاب أصبحت قارئا. وإن في قصيدة النثر الناجحة شيئا يضعني في حالة كتلك التي كنت فيها عندما قرأت للمرة الأولى وأنا في الصف السادس رواية سالنجر "الحارس في حقل الشوفان". شعرت يومها بقربى بيني وبين بطلها هولدن كولفيلد. كان ثمة صوت أيقنت أنه يعلمنا شيئا عن معنى أن تكون إنسانا. عرفت أنني وهولدن كولفيلد يمكن أن نكون أصحابا؟ ذلك هو الصوت الذي أنشده كلما أكتب قصيدة نثر. قد لا أنجح مطلقا، ولكنني أرجو أن أعثر ذات يوم على شيء آخر عن الوضع الإنساني. وإلى أن يجيب مستر سالنجر طلبي، ذلك كل ما لديّ.


***

أن أبسط نفسي[3]
ـ يرى الناقد الثقافي [وشاعر النثر الأمريكي] مايكل بيندكت أن "المسافة بين اللاوعي وقصيدة النثر ربما تكون أقصر من المسافة بين اللاوعي وأغلب القصائد المنظومة". إلى أي مدى ترى هذا صحيحا؟
كرستوفر كنيدي: أنا جالس في غرفة نومي/مكتبي، أكتب على الكمبيوتر، وبي ما بي من زيغ في البصر، ورهاب الأماكن الضيقة، علاوة على أنني على شفا انهيار عصبي بسيط. ولا أجد في نفسي رغبة إلى كتابة قصيدة، ولا أي رغبة في أن أفرز حياتي بهدف خلق بناء من الذكريات ذي تصميم خاطئ يزعم أنه يمثل تجاربي الفعلية، وأعني بذلك القصة إن كان ثمة شيء اسمه قصة. لذلك أكتب ما يرد بخاطري دونما إحساس بما قد يكون هذا الذي أكتبه.
أجلس حيثما أنا الآن لأنني وزوجتي صرنا غريبين عن بعضنا البعض وقريبا سوف ننفصل. في هذه الأثناء، أسكن غرفة صغيرة جدا من المنزل أنام فيها، وآكل، وأكتب. تقلص عالمي إلى 3 أمتار في أربعة. الذي أمتلكه الآن حقا  هو خيالي وخلاياي العصبية. أكتب عن قِرَدة، ورجال تائهين، وأشياء أخرى. لكن لا أكتب عن نفسي.
يمر الوقت، وحينما أرجع إلى ما كتبته، أراه سيريا بطريقة كاشفة ومؤلمة. أقرر ألا أعرض ما كتبته على أي شخص.
يمر المزيد من الوقت، فأجد في نفسي قدرة على النظر إلى عملي برؤية أكثر موضوعية بقليل. إنه يضحكني، ولكنني لا أزال أشعر بعدم الارتياح. أعرض بعض العمل على قلة من الأصدقاء. يعجبهم. أعيد النظر.
باستثناء بعض الاختيارات اللفظية، وبناءات الجمل، لا أقوم بمراجعات تذكر. يبدو أنه كان ثمة تدفق مباشر من لاوعيي إلى الصفحة. أهو فن؟ ربما لا يكون. أهو شعر؟ أشك. لكنه أدق تمثيلا لمن أنا إياه، أدق من الشعر المنظوم الذي سبق وكتبته. لأنني لم أكن مهموما لا بالفن ولا بالشعر، كتبت شيئا آخر، شيئا أقل اهتماما بالصنعة وأكثر اهتمالما بالـ .. حسن، أكثر اهتماما بأن يكون صادقا. ليس الأمر أنني أقرر أن أكون صادقا. كنت ببساطة أحاول أن أبسط نفسي في وقت كان يصعب عليَّ فيه إقناع نفسي بالنهوض من السرير. فكرت قليلا في جوزف ك وتساءلت متى سوف أبدأ في التحول.
والآن، ما الذي أقصده؟ بسيطة جدا. لقد كتبت قصيدة النثر لأنني لم أحفل بشيء مما كان يعني لي الكثير جدا حينما كنت أكتب الشعر. لم أحفل بدقة المعلومات، خاصة بعد أن لم أعد أومن بإمكانية معرفة الماضي. لم أحفل بتقطيع الأبيات أو التفعيلة، لأنني لم أكن أعتزم أن أشتغل بمثل تلك الأشياء. ولكنني، مع ذلك، أججت من جديد حبي للاستعارة التي كانت تضع خليجا بيني وبين نفسي في لحظة الكتابة، وتسمح لي أن أكتب بلاوعي بالذات لم يتحقق لي مثله من قبل. والاستعارة بطبيعة الحال معنى بقدر ما هي أداة، وهي في نهاية الأمر تنبئني بمعلومات عن نفسي لا سبيل إلى تفنيدها. ولو بدا لكم ذلك كله أشبه بهراء جلسات العلاج النفسي، فما ذلك إلا لأنني أغفلت حتى الآن الجانب الأفضل: وهو أنني استمتعت بكتابة قصائد النثر تلك. شعرت أني تحررت من نفسي بطريقة لم أحسب أنها ممكنة، وكنت أتلهف إلى معرفة أن ما يظهر أمامي على الصفحة هو ضربة مباشرة لذاتي.
ومن ثم، نعم، أنا أتفق مع مايكل بيندكت، وذلك فقط لأنه قال "ربما".

***

قصائد

 

تشجيع رجل يسقط إلى حتفه

يؤسفني أن تكون مظلتك مصنوعة من الجبنة المخفوقة، لكن فكِّر في المتفرجين وحكاياتهم، وفي وحدة الأسفلت التي لن يكسرها إلا وصولك الفجائي العفوي. أنت سمعت طبعا عن يسوع، الآن [يا عم] سوف تصبح مثل يسوع تماما. كل عين ترى الآن صورتك، إنما هي عين شخص سيعرف، فلا ينسى إلى الأبد، معنى أن يكون حيا. والذين أحبوك حبا كبيرا سيضعون إكليل ورد لدى النقطة المحددة التي أصبحت فيها أنت نقطة محددة. وصور سقوطك سوف تكون تحذيرا فعالا لكل من يعتقد أن الجبنة المخفوقة بديل صحي للحرير. أرجو ألا يكون ما عرفته الآن كثيرا عليك وأنت راجع إلى كوكبك النائي، حيث كل شيء على ما يرام أو على غير ما يرام، أنت ومقصدك، وحيث لا يحتمل أن تتوقف لتتبين الشرق من الغرب، من فرط انشغالك على ذلك الكوكب بفيزياء الشمال والجنوب.

 

اختبار الشخصية

س: كيف تصف قدرتك على العمل مع الآخرين؟

ج: حذاء ضائع في غابة.

س: من الشخص الذي تود كثيرا لو كنت مثله؟

ج: صورة مغلق عليها صندوق.

س: كيف ترى نفسك في المواقف الطارئة؟

ـ طفل في متاهة.

س: ما أكثر سماتك إثارة؟

ج: لوحة نصف منتهية في سندرة.

س: من النجم الذي تود أن يلعب دورك في قصة حياتك؟

ج: قاتل حشرات ينقذ عنكبوتا من الموت

س: هل فيك ما تود تغييره؟

ج: قفل مكسور على باب

س: فقط؟

ج: وإطار نافذة مفقود.

س: كيف ترجو أن تكون ذكراك بعد موتك؟
ج: جواب سؤال لم يطرحه أحد.
س: ما برنامجك المفضل في التليفزيون؟
ج: طاحونة تحترق في حلم بنت.
س: لو بيدك أن تكون حيوانا آخر، ماذا تكون؟
ج: شريحة لحم على سير متحرك، تُنفخ فيها الروح.
س: كيف تصف شخصيتك للآخرين؟
ج: المشكلة والحل.
س: كيف يمكن أن يصفك الآخرون؟
ج: ظل مختبئ في العتمة.
س: كيف تصف حالتك الذهنية؟
ج: متسكع فضولي على الشط، يلمح موجة في المد.
س: هل لديك مكان مثالي لقضاء إجازة؟
ج: مواقع التجارب النووية الأولى في نيفادا.
س: هل في ماضيك من ترك تأثيرا عليك؟
ج: قسيس في طابور الاعتراف
س: لو بيدك أن تكون جمادا، ماذا تكون؟
ج: دائرة العرض الثلاثون، حالمة أنها خط الاستواء
س: كيف تصف حياتك الاجتماعية؟
ج: راهب على فراش الموت تتراءى له خيالات جنسية.
س: كيف تصف مهارتك في إدارة الوقت؟
ج: ساعة رملية ضائعة في صحراء.
س: من بطلك؟
ج: سمكة تخاف الغرق.
س: كيف تصف معتقداتك الدينية؟
ج: مصاب بالديلكسيا، يتنبأ بالماضي
***
منتعلة
سرت في براعة حتى نهايات الأرض فالتقيت برجل قال لي شيئا غير مألوف. قال: قد تكون العبقرية، أو تكون الحماقة العادية منتعلة حذاء باهظ الثمن. منتعلة؟ هكذا كررت كلمته كأنه أغرب ما قال.
***
ماذا كنت تفعل في بورسزومبات[4]؟
كنت أصنع شبابيك من لحوم البشر. كنت أعلم الشحاذين كيف يأكلون شوارعهم. كانت الجثث تتوافد عليَّ طلبا للنشور. كان الدبلوماسيون يطلبون في السر نصحي ليعالجوا تفكيرهم في الخيانة. ووقعت ذات ليلة في الحب تحت شباك صنع من لحم بشري. وقعت في حب ذكرى المرأة التي من لحمها صنعت الشباك. كنت أستطيع أن أراها وهي تخطر في الشوارع الضيقة، وهي تدور بجيبتها الحمراء، وتهزأ بالغيوم. ووراءها، وعلى مقربة، قاتلها، كما يمشي صاحب وراء صاحب له لا يستقر على حال.
***
برج بابل

بعدما مارست الحب مع المانيكان، سألتها إن كانت تريد سيجارة. فضَّلتْ عدم الرد. كانت تنأى بنفسها، وبرغم هذا التعالي كانت رائعة بقرعتها اللامعة الشبيهة تماما ببطيخة. أما الذى أدخلها دماغي بحق فهو ذلك الجسم عديم الأطراف سهل الحمل. وأنا طول عمري أحب نساء أوربا الشمالية. باردات، نعم، وبما أني أخاف من الحميمية، فماذا أريد أكثر من هذا؟ أتذكر أني حكيت هذه القصة لطبيب في أنتاركتيكا فلم يفهم لها معنى.
***
كوكب بعيد

اشتريت التلسكوب المزوَّد بأقوى العدسات. أخرجته من شباكي وبحثت عن أبعد كوكب عن الأرض. رأيت نقطة نور في الدائرة السوداء. ابتعدت عن التلسكوب مقدار خطوة، ونقشت ملحوظة على عجل: كوكب بعيد. كان لا يزال هناك عمل كثير، لكن الواحد انتهى من مهمة على الأقل.
***
نفس بقرة الأمس

تريدني أن أصدق أن البقرة الواقفة في ذلك الحقل هي نفس بقرة الأمس، بينما أنا عارف أن كثيرات من نوعها تتجمع هناك؟
ثم وما دليلك، غير البقع التي تؤكد أنها موجودة في أماكن تتذكرها؟
لماذا أصلا أهدر وقتي مع الحمقى بينما أنا قادر بسهولة على ابتكار دواء للفكر والأمراض التي يسببها؟
وتعال نسأل الكلب الذي قتلناه ليلة أمس، والذي لا يزال يهز ذيله الخالد.
***
كوكب أحمر

تجمع السكان حول الشيء المعدني. قرروا أن يعبدوه، وسموا أبناءهم بأسماء صفاته: لامع، مدور، فضي. لم يتحرك الشيء المعدني قط، ولم يبدر عنه صوت، ولا كان قط مصدر دفء. كان ينقصه الكثير. لكن السكان عبدوه غاضين الطرف عن ذلك. قانعين بظل وثنهم البارد. ورغم أن شيئا لم يحدث، أقيمت احتفالات كبرى. رجالٌ ونساء ونساء تحابوا. وراح أطفال لقاءاتهم يجرون في حقول  ناضجة وهم يغنون أغاني بلهاء علَّمها لهم آباؤهم. على كوكب آخر، كان ثمة دوامات غبار أحمر تملأ صحاري غير قادرة على منح أي نوع من الحياة. هناك ولدتُ.
***
ادخل الفرن

يريد أن يبعث لحبيبته هدية. هدية شخصية. هدية حين تقع عينها عليها تعرف أنها منه، هو بالذات. فيقرر أن يطهو كعكة. لا، لا يكفى. فيقرر أن يطهو رأسه. هو ذا. هدية شخصية، دون أن تكون شخصية أكثر من اللازم. في الأول، يضبط حرارة الفرن عند 350 درجة. يدهن رأسه بالسمن. ووجهه بالدقيق. يذوق مزيجا من البيض المخفوق باللبن ثم يضعه في فمه ثم يضع رأسه في الفرن. لكنه لا يستطيع أن يغلق باب الفرن، فتتسرب الحرارة، وهكذا لن تنضج رأسه. لو كانت الفكرة هي ما يهم، وفكرته من أكثر الأفكار جنونًا (هكذا قرر)، ولكنها أيضا قد تكون من أكثرها رومانتيكية.
يتصل بحبيبته. دخلت الفرن من أجلك، لكن بلا فائدة، يقول. ممكن أعرف من حضرتك؟  تسأل حبيبته.  أنا، يرد. أنا؟ تقول. نعم، أنا،  يقول، أكثر واحد يحبك في الدنيا. تقدر تثبت هذا؟ تسأل. من ثانية كنت أحاول أن أطهو رأسي من أجلك، يقول. وفشلت؟ تريد أن تعرف. نعم،  يقول،  لكن أليست الفكرة هي المهم؟ والله، على حسب الفكرة، تقول. فكرت أن أطهو رأسي وأقدمها لك هدية،  يقول.  فكرة لطيفة حقا، تقول. لكن عند التطبيق طلعت أي كلام. بمعنى؟ يسأل. بمعنى أني أحببتك عندما فكرت،  لم أعد أحبك لحظةَ أن أوقدت الفرن.
***
مسعود
وهو يأخذ الباقي من كاشير الصيدلية، لمح دولارًا فضيا وسط عملات أصغر. هذا دولار سعدي، هكذا قال لابنته ووضع الدولار في جيبه. في اليوم التالي وهو يلبس بنطلونا نظيفا تذكر الدولار وفكر أنه لم يعتبر نفسه قط رجلا يؤمن بالخرافات والحظ، مد يده في جيب الجينز، أخرج الدولار، وأسقطه في جيب بنطلونه.
وهو يقود عربته إلى الشغل، تعرض لحادثة بسيطة. يا سلام على الحظ الذي جلبته العملة، كانت هذه أول فكرة واتته، لكن فكرته الثانية ـ والتي اعتبرها أكثر أصالةً ـ هي أنه كم كان من الممكن أن تسوء الحادثة عن ذلك. ربما في عملة السعد هذه شيء من النفع.
ومنذ ذلك الحين ظل محتفظا بالدولار في جيبه، وكل يوم، ومهما كان ما يحدث له من أشياء سيئة، كان مقتنعا أن العملة منعتها أن تكون أسوأ. وهكذا ـ على سبيل المثال ـ حين احترق بيته أمسك الدولار في يده وهو واقف في الفناء الأمامي، يشاهد البيت ينهار على نفسه كأنه جاموس جريح، فكر أنه كان محظوظا بنجاته وإنقاذه مجموعة طوابعه وببغائه.
وذات يوم، وهو عائد إلى شقته الجديدة في الحي المتعفن، بعد أن شاهد فيلما فظيعا، لكن كان من الممكن بالطبع أن يكون أفظع، دنت منه عصابة مراهقين طاردوه إلى حرم الجامعة المحلية. بمجرد أن دخل الحرم، جرى إلى غرفة وأغلق الباب. كان على الزجاج الأخضر الشاحب المحبب للباب كتابة بحروف حمراء. قضى وقتا عصيبا وهو يحاول قراءتها خاصة وأن ظلال أفراد العصابة كانت ترتعش على الزجاج وهم ينتظرون خروجه.
وما أن استعاد رباطة جأشه، حتى قرأ التحذير: خطر: نفايات طبية خطيرة، لا تدخل. جلس الرجل على مقعد معدني بعجل وتراجع به، وأخذ شهيقًا عميقًا مسممًا بعناصر فيروسية لا علاج لها، ومد يده في جيبه، وقال، يا إلهي، لا أتصور كيف كان يمكن أن تكون الأشياء بدون عملة سعدي.
***
خيانة

في مكتب الطبيب النفسي، ذات يوم، قلت الحقيقة، لما تهاوى حول قلبي قفصٌ، ففرّ، ورأى الطبيب أن من صالح العلم ألا يمسك به، وألا يعينني على رأب صدوع بيته. جرى في شارع متفاديًا الاختناقات المرورية، أقام شهورا في غرفة، تعرَّف فيها على المخدرات، ولم يجد وظيفة ولا امرأة؛ فلم يستطع أن يفتح بيتا.
يكتب لي الآن بانتظام، يطلب نقودًا، ونثرياتٍ أخرى، لا أتوانى عن إرسالها. الحياة في غيابه غريبة، فقد كنت قبل نومي أصغي إليه لأعرف أنني لم أمت بعد، لكنني سعيد أن افترقنا، فأنا الآن أعرف أن حاجته إليَّ تفوق حاجتي إليه.
نشرت هذه المادة اليوم في شرفات

[1] مرض يتدهور فيه تركيب أو وظيفة الانسجة
[2] الروائي الأمريكي جيه دي سالنجر J D Salinger  (1919 _ 2010)
[3] نشر في العدد الأول من مجلة "دابل رووم" المعنية بشعر النثر والقص البارق
[4] مدينة في المجر