الثلاثاء، 3 يونيو، 2014

اللعب بأشياء نحن من دونها لا شيء

اللعب بأشياء نحن من دونها لا شيء
صدر في الولايات المتحدة الأمريكية في 2010، عن مطبعة روز ميتال كتاب عنوانه "دليل روز ميتال إلى قصيدة النثر الأمريكية" بتحرير كل من جاري إل مكدويل وإف دانيال رزيسنك. يضم الكتاب شهادات كتبها أحدث المنضمين إلى نادي قصيدة النثر الأمريكية، وقصائد لهم. فيما يلي طرف من هذا الكتاب
***
حدود متحركة: عن شعر النثر
كارين فولكمان
من قبيل الألغاز أن قضي على قصيدة النثر بالظهور دائما في خانة المشكل. ولعل الغموض هو سبب هذا: أهي قالب؟ أم هي نوع؟ وما الفارق بينها وبين فئات أخرى سُكَّت أسماؤها مؤخرا كالقصة البارقة Flash Fiction أو القصة القصيرة القصيرة Short Short؟ وكيف لها من الأساس أن تكون قصيدة وهي التي يعوزها المحدد الشكلاني الجوهري ـ في ظاهر الأمر ـ للشعر: وأعني التقسيم البيتي؟
تاريخيا، يرجع ماضي قصيدة النثر إلى ما يربو على 150 عاما، إلى الشاعر ألوزيوس برتران الذي يعد كتابه "جسبار الليل" الصادر سنة 1842، هو العمل الرائد في عالم قصيدة النثر.
وبرغم عدم انتشاره في فرنسا أو نجاحه فيها، إلا أن جسبار الليل ترك أثرا عميقا على الشاعر شارل بودلير. فبتأثير من ابتكار برتران، كتب بودلير سلسلة قصائد نثرية جمعت أخيرا تحت عنوان "سأم باريس" الذي أطلق بودلير على نصوصه اصطلاح "قصائدة قصيرة نثرا". ومثلما هو الحال في جسبار الليل، تتراوح قصائد "سأم باريس" بين القصائد التأملية والفنتازية إلى قصائد الحياة في المدينة، إلى جانب انشغال بودلير المميّز له بالقذرين والسكيرين. وبرغم عدم نشره حتى وفاة الشاعر، إلا أن "سأم باريس" ترك أثرا قويا على جيل الشعراء التالين له، كآرثر رامبو، وستيفن مالارميه. ومن بين أعظم أعمال رامبو سلسلتان مختلفتان من قصائد النثر هما "فصل في الجحيم" ـ وقوامه اعترافات تأملية فنتازية متتابعة، و"التجليات" وهو مقطوعات وجيزة، كثيفة، حلمية شبه رؤيوية. ويكشف هذان العملان وحدهما نطاقا استثنائيا من إمكانيات القالب ولمَّا يتجاوز عمره بعد بضع عقود.
ولسوف يأتي السرياليون من بعد في مطلع القرن العشرين فيأخذون قصيدة النثر بحماس متجدد، مستلهمين بودلير ورامبو وكتابات إيزيدور دوكاسيه Isidore Ducasse الكئيبة بعد إعادة اكتشافها. شكلت قصيدة النثر إذن ـ وقد اعتنقها كثير من أهم الشعراء الفرنسيين ـ جزءا مهما من متن الشعر الفرنسي، وانتشرت بتأثير من هؤلاء الشعراء بين كثير من الكتاب الأوربيين. فلماذا لا يزال القالب ـ في نسخته الأمريكية ـ يعد من قبيل الشذوذ لدى كثير من قراء الشعر الأمريكيين؟ الإجابة الأكثر احتمالا تكمن في مسألة المتن الشعري هذه وطريقة تكونه. فخلافا لكبار الشعراء الفرنسيين في القرن التاسع عشر، الذين قاموا بتوسيع الإمكانيات الشعرية وتحويلها، وتسليمها إلى ورثتهم في شكل جديد، فإن شعراءنا الراديكاليين في القرن التاسع عشر، لم ينجذبوا إلى قصيدة النثر، ونفذوا ابتكاراتهم الشكلية دونما إعادة صياغة جذرية للبيت الشعري. وباستثناء وحيد يتمثل في جرترود شتاين التي اشتغلت بكثافة على شعر النثر فإن مبتكرينا الحداثيين أيضا شقوا أرضا جديدا داخل شعر النظم الحر والبيت، مهما تكن هذه المفاهيم متشظية ومتفجرة بالنسبة لهم. ولم يحدث إلا في فترة ما بعد الحرب ـ أي بعد نحو مائة سنة من البداية الفرنسية ـ أن تعامل الشعراء الأمريكيون بفعالية مع قصيدة النثر، في سياق تقاليد الابتكار الأمريكية، هي وافد جديد، لم تأت انطلاقاته العظمى إلا في السبعينيات. قد يوضح هذا سر بقائها طول الوقت ذلك الكائن المشتبه به في متن الشعر، وكان من بعض الأنصار الأساسيين للقالب الشعراء التجريبيون من أمثال رون سوليمان الذي بيَّن في مجلة "الجملة الجديدة" أهداف قصيدة النثر في سياق ماركسي، وكذلك روزماري وولدروب التي سكَّت حديثا مصطلح "زراعة الفجوة" وصفا للحظة المفصلية من الجمل النثرية التي تثير من الوثبة أو الانعطافة ما يثيره نهاية البيت في القصيدة البيتية.
وبرغم بطئها في الوصول إلى أمريكا ونيل القبول فيها، ازدهرت قصيدة النثر الأمريكية في نهاية المطاف، وبات غموضها نفسه وما أثاره من أسئلة حول طبيعتها ذاتها، وهي أسئلة محيرة لا أجوبة لها في نهاية المطاف، باتت هذه مجالا خصبا للتفكير الإبداعي لدى الكتاب المعاصرين. وقد قدم شعراء كبار من أمثال جون آشبري وتشارلز سيميك وجيمس تيت إسهامات مهمة في هذا الصدد، وكذلك شعراء شبان من أمثال ثاليا فيلد وهارييت مولن وإليزابث ويليس. وصدرت كذلك أنطولوجيات مخصصة لقصيدة النثر، فبعد عشرين عاما من صدور أنطولوجيا مايكل بينيدكت المهمة بعنوان "قصيدة النثر: أنطولجيا دولية" (1976) جاءت أنطولجيا ستيوارت فرايبرت وديفيد يانج بعنوان "نماذج الكون" (1995) لتتلوها بعد سنوات قلائل مختارات بيتر جونسن من مجلته ، ثم تصدر في 2003 أنطولجيتان إحداهما لديفيد ليمان بعنوان "قصائد نثر أمريكية عظيمة من إدجار آلن بو وإلى اليوم" وأنطولجيا راي جونزالس بعنوان "24 شاعر نثر أمريكي. وهناك علاوة على ذلك العديد من المجلات المخصصة لشعر النثر، وهي جميعا مزدهرة، وقد أضيفت إليها مؤخرا مجلتا كيو وسِنتِنس. وقصيدة النثر وإن بقيت قالبا مراوغا، حافلا بالوثبات والخدع، قد وجدت لنفسها مكانها كجزء من البيوطيقا الأمريكية دائمة التغير.
***
شيء يشبه التأمل
ألكسندر لونج
تعرفت بقصيدة النثر من خلال النثر. تحديدا، من خلال "كائن لا تحتمل خفته" لميلان كونديرا. أو من خلال "باتجاه الفنار" لفرجينيا وولف. أو ربما من خلال المونولوج الذي تنتهي به عوليس لجيمس جويس. أو ربما من خلال لوليتا نابوكوف كلها. تم التعارف وأنا طالب دراسات عليا. كنت أيامها شاعرا، فكنت أتعالي على الانتظام في منهج لدراسة الرواية الحديثة (أو أتشكك في جدواه أو أي شيء)، ولتعويض نفسي عن هذا، اشتركت في ورشتين شعريتين تبين لاحقا أن "كاثرين مكجوكي" [وهي شاعرة نثر[ تدرّس في إحداهما. وفي محاضرة تلو محاضرة، أخذت كاثي تأتي بصناديق الكلمات الكثيفة. كانت لها معانيها. كانت تغني، كانت تلمع. وفي محاضرة بعد محاضرة، كنت أرجع إلى كاثي بآرائي، فلم تزد يوما عن "واااو" أو "لم أفهمها ولكنها أعجبتني"، أو قولي الذي لا يمكن التسامح معه "ألم تفكري في تقطيع هذه الفقرة إلى أبيات؟"
وقرب انتهاء ذلك الفصل الدراسي، كنت قد انتهيت من بحث عن كونديرا، وكنت لم أزل أبحث دونما جدوى عما يمكن أن أقدمه للورشة، فأخذت "قصيدة" من شعري الحر وهدمتها جاعلا منها مربعا صغيرا محكما من شعر النثر. لا زلت لا أعرف لماذا فعلت ذلك. ما الذي بدا عسيرا في كتابة قصيدة نثرية أصيلة؟ أما كانت كاثي تفعل هذا طوال الفصل الدراسي "بدون أدنى جهد"؟ قلت لنفسي: حسبك أن تأخذ قصيدة عادية وتتخلص من تقسيمها البيتي. خلاص؟ خلاص. في نحو عشر دقائق، أظنني صرت في غاية الفخر بنفسي.
واصطحبتها إلى الورشة. وطبعا كانت كاثي صاحبة أول رد فعل.
على الفور، استطاعت أن ترى أين كان ينبغي أن تنتهي السطور، لتصبح أبياتا. (مقسمة بطريقة أفضل من التي كانت عليها قصيدتي قبل أن أدمر أساساتها). لم يصبني الذهول، وقد كنت متمرسا بالمدارس. بتشريحها ذلك لـ "قصيدتي" وتحويلها إياها إلى ما ينبغي أن تكون عليه، أثبتت كاثي أمرين على الأقل: ليس للمرء أن يكتب قصيدة نثر "هكذا"، وأن قصيدة النثر هي حيوان نفسها الجميل والضروري.
في ذلك الوقت التقطت الطعم.
بعد الأسابيع الأخيرة من الفصل الدراسي، التقيت بالشاعر "بيل أولسن" على الغداء. كنت جائعا، ليس إلى الطعام وحده، بل وإلى رأي بيل في قصائدي، فسألته  ـ وأتذكر كلماتي بدقة ـ "ما هذا الشيء المسمى بقصيدة النثر؟". ضحك بيل في أدب، ثم رشف قهوته، وقال "اقرأ ’الحلاقة’ لـ ستيف بِرج". ولم يزد.
بعد أسبوعين تقريبا وصلني كتاب "الحلاقة" لبرج من موقع إلكتروني لبيع الكتب. ولم أستطع ـ كما يقول الكليشيه المعروف ـ أن أتركه قبل أن أنتهي منه. وذلك يعني، لم أستطع أن أكتب. كانت قصائد برج النثرية تنتشر على الصفحات، هائمة، دونما خضوع فيما يبدو لأي سيطرة. صوت برج جامح صاخب عال، مطالب بالإنصات، وهو يحظى به أخيرا، في شيء من الحنان في بعض الأوقات. استخدام برج لقالب قصيدة النثر يمكّنه من التقاط الدنيوي والمدنّس بجانب الميتافيزيقي والروحاني. ولقد كان من قبيل الصدفة ـ في تصوري ـ أن حدث هذا في إجازة شتائية، في كالامازو، والجليد بسمك أربعة أقدام في كل اتجاه. كما كان من قبيل الصدف أنه لم يكن أمامي أي شيء أفعله سوى أن أتعلم لغة قصيدة النثر. لم أستطع الرحيل عن أرض برج.
وإلى الآن لا أملك ذلك بصورة تامة. ولا أنا أملك أن أبيّن لماذا جلست ذات صباح ـ في غبشة فجر أزرق مطل على كل ما هو أبيض ـ فلم أقرأ أي شيء. رشفت بعض القهوة، ثم خرجت لأدخن سيجارة. كانت السادسة، أو السابعة صباحا. ثم إنها نزلت بي. عدت إلى الداخل لغرض لا زلت غير قادر على تسميته. لم أكن مستلبا. لم أستشعر إلهاما مميزا، أو تجليا مشرقا. ولكني بدأت أنقر كلمات كان عليها بطريقة أو بأخرى أن تتضمن كونديرا، وبروبك، ولوحة لأندريه وايث، ونشأتي ودراستي في المدارس الكاثوليكية في "ضواحي" فيلادلفيا الصناعية، وصديقي ب الذي انتحر قبل خمس سنوات من ذلك الصباح الذي كتبت فيه أول قصيدة نثر.
كنت شابا، ولكنني لم أكن بعد طائشا، كنت باردا ووحيدا، وفي غمرة أصوات كثيرة لا يمكن إنكار حضورها ... ولعلي كنت أشرع في الاستماع إلى مدى العمى الذي كنت عليه. لعل هذا هو ما سمعته: كل ما لم أكن أعرف، كل ما لم أكن قادرا أن أراه. فكتبت. تجاهلت كل الأسئلة والشكوك. لا أعرف كيف كان ذلك، ولكن شيئا كأنه التأمل طفا بداخلي. لكن تأمل من، تأمل ماذا؟
ثم حدث في مارس أو ابريل أن تلقيت رسالة من كرستوفر بكلي يسألني فيها إن كانت لدي أية قصائد نثرية. كان كريس قد عثر على قصيدتين نثريتين "ضائعتين" لـ لاري ليفيس وكان بيتر جونسن ـ وهو في ذلك الوقت رئيس تحرير مجلة "قصيدة النثر: جريدة دولية" التي توقفت الآن للأسف ـ قد قال إنه سوف ينشرهما. اقترح كريس أن أرسل إلى بيتر بعض قصائدي وأرى ماذا سوف يحدث. رسالة كريس لم تهدر أي وقت أو كلام: "عندك أي قصائد نثر؟ ابعثها ـ برونتو".
كنت لم أزل غير متأكد من ماهية قصيدة النثر، أو مما يمكن أن تكونه، أو مما ينبغي أن تكونه، ومع ذلك كتبت رسالة أرد بها على رسالة كريس وأرفقت بها ذلك الشيء الذي كتبته في ذلك الصباح الذي كانت قد مضت عليه شهور في ذلك اليوم. اتصل بي كريس بعد أسبوع واقترح عليّ عنوانا هو "تأمل الانتحار" كما اقترح مواضع لتقسيم النص إلى فقرات، واقترح أيضا بعض التعديلات الإيقاعية، وكذلك حذف بعض الزيادات التي لا تنجو منها قصيدة نثر أولى.
في صيف ذلك العام، نشرت "تأمل الانتحار" في "قصيدة النثر: جريدة دولية". وظهر اسمي على الغلاف الخلفي لذلك العدد تاليا لاسم لاري ليفس مباشرة. وتلك حقيقة لم أزل إلى اليوم أشعر أني غير جدير بها. إضافة إلى أن الحظ هو سبب ذلك الترتيب الهجائي.
كان انتحار ب يزعجني لوقت طويل، ليس فقط بوصفي شاعرا. الانتحار أمر عادي، متكرر، لا مهرب منه. انتحار ب بالذات كان بالنسبة لي غريبا عني، وقريبا مني. وكنت قد عجزت أن أكتب عنه من قبل. فشلت محاولاتي للكتابة عنه في قصائدي ذات الأبيات، سواء كانت قصائد شعر حر أم قصائد في قوالب ثابتة، وذلك جزئيا بسبب القرب الزمني (نعم، خمس سنوات)، ولكنه أيضا بسبب أن الأبيات والتفعيلة والقافية كانت بطريقة أو بأخرى تخفف من ثقل الحدث. كنت بحاجة إلى زمن ومساحة. أما الزمن فكان لدي منه الكثير. ولم أعرف إلى أن التقيت بقصيدة النثر أي مساحة كانت متاحة لي.
لعل أهم شيء، هو أنني وجدت صوتي يتحرك بصورة أقل تقيدا، وأكثر طبيعية، بأصالة حديثة الاكتشاف، وثقة بأن الإيقاع القائم على الجملة ليس مسموحا به وحسب، بل إنه مطلوب. الحقيقة أنني كنت أكتشف  ـ أثناء فعل الكتابة ذاته وبعد سنين ـ أن هذا القالب "الجديد" وأن صوتي "الجديد" كانا يحتاجان أحدهما إلى الآخر. الحقيقة أن القالب والصوت في قصيدة النثر لا ينفصلان، إنهما البذرة والشجرة. قصيدة النثر التي وجدت نفسي أكتبها، في ذلك الوقت، والآن، هي ليست قصيدة النثر السردية، بل التأملية، المحملة بإيقاعات الجاز التي نشأت عليها.
ولقد نشأت كاثوليكيا، مثلي مثل ب. وكانت نشأتي الكاثوليكية تصر على أن ب الآن في الجحيم. لم أكن قادرا على قبول ذلك، ولا زلت غير قادر. أنا لا أقول إن بوسع قصيدة أن تخرج شخصا من الجحيم. ولكنني أعرف أن من أهم فضائل قصيدة النثر التي أحاول أن أكتبها هي المساحة: مساحة تتسع لليأس والجمال أن يتواجدا جنبا إلى جنب، من خلال صوت لا يشبه غيري، مهما يكن.
***
في كتاب تاريخ عثرت على صورة لفتاة
نانسي أيمرز
لـ بيير ريفردي Pierre Reverdy قصيدة ترجم عنوانها إلى "تفسير آخر للغز". من الممكن جدا اعتبار ذلك وصفا لأول ما قرأت من قصائد النثر. كانت تلك في الغالب خرافات سريالية، وأناشيد سريالية، وكان ذلك في سبعينيات القرن العشرين. لم أكن أعرف بعد بودلير أو ريفردي. ولكنني كنت عثرت في "أبناء عامل المنجم الشاحبون" لـ دبليو إس مرون على أنشودة للسكاكين "تلك المخلوقات الرقيقة ... لا يصدر عنها صوت، إلا نغمة بين الحين والآخر بسيطة واضحة كأنها صيحة طائر، وفقط عند الاصطدام". في "المسرح الهادئ" لراسل إدسن، يتجادل رجل بحدة مع شمبانزي على قهوة الصباح. منذ ذلك الحين، باتت كل قصيدة نثرية جيدة أقرؤها  تبدو أشبه بـ "تفسير آخر للغز". فما اللغز؟ الواقع ـ  كما قال رينيه ماجريت مرة ـ غير معقول. إنني أوزع على طلبتي في فصول الشعر الجامعية كل سنة مذكرة تضم أكبر عدد من مختلف قصائد النثر التي يتسنى لي العثور عليها. وبمرور السنوات اكتشفت أن القصائد التي أجمعها تختلف عن القصائد التي يجمعها طلبتي للمذكرات التي يوزعونها على طلبتهم. فهم يعرفون شعراء أصغر لم أقرأ بعد كتاباتهم. وهكذا يواصل التيار طريقه، مرورا بانحرافات، ومنعطفات، والتفافات، ونكوصات، والتواءات.
أكلف كل طالب، بناء على ما بين أيديهم من قصائد نثرية، أن يأتيني بتعريف لقصيدة النثر. وذلك في حد ذاته تكليف سريالي، حيث أن كل قصيدة في المذكرة تعريف في ذاتها ولذاتها، وكل واحدة تتصادم مع الأخريات. أقول لهم إن بوسعهم أن يتناقضوا مع أنفسهم. وقد جاءت تعريفاتي أنا لقصيدة النثر بناء على عينة القصائد المختارة على شكل قائمة، فيها من البنود قدر ما كان بين يدي من قصائد:
قصيدة النثر تختار ملمحا أو شيئا وتقارنه مع أشياء يختلف معها بوضوح وبشدة.
قصيدة النثر إغواء.
قصيدة النثر خرافة لعالم غير معقول.
قصيدة النثر وصف مكتوم ومجرد للحظة حافلة بالخطر.
قصيدة النثر تلعب بأشياء نحن من دونها لا شيء.
قصيدة النثر ترسم بورتريه لشخص مهنته تصيبنا بالعصبية البالغة.
قصيدة النثر تتأمل تحديدا ما هو خارج الإطار.
قصيدة النثر تصر على واقعية عالم الحلم.
قصيدة النثر تحكي قصة عن الخيانة تنتهي برسالة ليس من الممكن ترجمتها إلى أية لغة إنسانية.
عندما تبدأ السرديات، تخرج قصيدة النثر من السباق.
قصيدة النثر تتكلم عن الساعة التي نستلقي فيها صاحين.
قصيدة النثر تصحو من غفوتها في منطقة ما بين الشعر والنثر.
ذات مرة في إحدى متاجر الكتب رأيت "حياتي" لـ لاين هجينيان في قسم الأدب. أكان خطأ أم رأيا؟ ومرة قلت لكاتبة حصلت على جائزة في الكتابات غير الأدبية إنني أشعر أن كتابتها شبيهة بالقصائد النثرية. فأطرقت وهمست "لا تخبري أعضاء لجان التحكيم".
لـكامبل مكجراث قصيدة نثرية عنوانها "مانيتوبا" عن التوقف في محطة غاز أثناء هجوم للجراد. وكأنما في حيز القصيدة لا تكف اللغة عن تغيير قواعدها، أو ربما أن الأوقات المختلفة تتكلم لغات مختلفة، ففي محطة الغاز الهادئة تكون اللغة فصيحة، شبه إنجيلية، يوصف فيها الجراد أنه "جمع غفير، بدائي، فرعوني، من ركاب العجلات الحربية النكدين". ولكن تزويد السيارة بالغاز ينتهي، ويحين الدور على البشر، فـ "هيا (بِينَا) على الطريق".

بعد انتهاء ديربي كنتاكي، وبعد فوز بيج براون بفارق خمس مسافات ومجيء المهرة إيت بيليز في المركز الثاني بسبب انكسار كاحليها واضطرار المنظمين إلى إراحتها فورا، امتلأت الصحف بمقالات عن تربية الفصائل الأصيلة. فهذه الفصائل تربى لأداء وظائف سريعة وقصيرة وحادة. أرسل لي صديق عبر البريد الإلكتروني يقول: أما كان ليكون رائعا لو كان المرء حصانا بريا، قبل استحداث كل هذا، حصانا يجري وحسب؟ إنني أميل بصورة غريزية إلى الاتجاه إلى قصيدة النثر عندما تصبح غاية الجمال في القصيدة معتمدة على براعة تقسيمها البيتي أو بعض الاستعارات التي طال الإلحاح عليها. إن في كتابة قصيدة النثر ما يبدو شبيها بالأرض البراح، بالمسافة التي لك فيها أن تفقد ذاتك. (أهي لذة دائمة؟) ولا مانع أن تشعر أحيانا بوهم أنك في مكان لا يعرف الأسيجة. ثم إنك حينما تمضي إليه، إذا هو يتغير. وإذا المسافة المفتوحة تمتلئ أمام عينيك بشتى أنواع العراقيل التي تقتضي وثبات، وانحرافات، وتفاوضات، وتغييرات راديكالية في الاتجاه ـ إنها تملي عليك مطالبها، ليتبين في نهاية الأمر أنها قصيدة، أو أنها شيء تتمنى لو أنه قادر على تقديم تفسير آخر للغز.