السبت، 23 مارس 2013

الطريق إلى التطرف ... رحلة سلفي ألماني في مصر



قبل عام، التقى محرر من صحيفة دير شبيجل بأحد السلفيين في هانوفر. وتعددت بينهما اللقاءات في ألمانيا، ثم حدث أن سافر المحرر معه إلى بيته الجديد في مصر. وما كان يمكن أن يتوقع ما لاقاه من خطر هناك.

الطريق إلى التطرف
استقصاء رحلة سلفي ألماني في مصر
(1 ـ 2)
تاكيس  فيوجر 


ليل الإسكندرية. بوسعي أن أسمع في العتمة صوت تنفس السلفي. يسير في الغرفة على أطراف أصابعه.

دينيس راثكامب، 24 عاما
هذا الرجل الذي يقترب من فراشي هو نفسه الذي أقلني أمس من المطار. اسمه "دينيس راثكامب"، عمره أربعة وعشرون عاما، وهو مهندس سيارات كان يعزف الجيتار في الكنيسة. انتقل إلى مصر قبل أسابيع قليلة ليتعلم فيها كيف يكون مسلما صالحا.
في هذا الصباح يستلقي جسدي بين راثكامب ومكة. يجلس على ركبتيه ويضع جبهته على الأرض. الساعة السادسة والنصف صباحا، وهذا وقت صلوات أول اليوم[i]. أسمع راثكامب يحرك شفتيه في صمت، وقد وعدني أن يلزم الهدوء في صلواته.
أستلقي في سرير بشقة هذا الغريب لأنني أبحث عن إجابة لسؤال عن دوافع السلفيين، تلك الجماعة المرهوبة في ألمانيا. يقدر المكتب الفدرالي لحماية الدستور BfV ـ وهو جهاز المخابرات الداخلي في ألمانيا ـ أن قرابة ستين سلفيا ألمانيا قد هاجروا إلى مصر خلال العام الماضي. وكثير منهم اختار أن يتخذ من الإسكندرية وطنا جديدا، وهم الآن يعيشون في حي المندرة في شمالي المدينة.
يقول راثكامب إنه انتقل إلى الإسكندرية لأنه يريد أن يتعلم لغة نبيه، ولأنه لم يعد يحتمل التمييز في ألمانيا.
التقيت به في الربيع الماضي حينما كان يقوم بتوزيع نسخ من القرآن في مدينة هانوفر بشمالي ألمانيا. وسألته إن كان يمكن أن يصطحبني إلى المسجد الذي يتردد عليه لأنني أريد أن أعرف المزيد عن الإسلام. ورافقته في صلاة الجمعة مرات كثيرة بعد ذلك. شربنا الشاي معا ودارت بيننا حوارات كثيرة. بعد ذلك كان يقلني إلى محطة السكة الحديدية ويعطيني منشورات تتكلم عن دور المرأة في الإسلام لأعطيها لصديقتي في البيت.


حياة جديدة

ينقب راثكامب في الحقيبة الموضوعة قبالة سريره. لحيته تؤطر وجهه كأنها حلقة من نار حمراء باهتة، ويعتمر فوق رأسه طاقية مثقبة. يضع جسمه في جلباب أبيض ويلقي عليّ تحية الصباح مبتسما. يبدو في زيه هذا أشبه بإمام.
كان في ألمانيا يعيش في هوهنهاملن ـ وهي بلدة يبلغ عدد سكانها 9630 نسمة في ولاية جنوب سكسونيا الشمالية في بيت ينفتح بابه الأمامي على حديقة. وفي درع المدينة برجا كنيسة. يقول راثكامب إن بعض جيرانه كانوا يحسبونه إرهابيا.
راثكامب سلفي، وإن يكن يكره الكلمة ويؤثر أن يقول عن نفسه ببساطة إنه مسلم. يرى أنها فكرة جيدة للنساء أن يغطين أجسامهن في ثياب سوداء. ويعتقد أن الرب يهتم بأن لا تتجاوز ساقا بنطلونه كاحليه. يقول إن الشريعة هي القانون الأمثل. ويعتقد أن قطع أيدي اللصوص ـ في ظل ظروف معينة ـ هي الصواب بعينه. ويضيف راثكامب قوله "وأرفض العنف". ووسط التناقضات، يحاول أن يجد مكانا لحياته الجديدة.
حينما كان يعيش في ألمانيا، كان الناس يجتنبونه، إذ يدركون على الفور أنه لا يشاركهم قناعاتهم الدينية. كانوا يخشون أن يكون راثكامب مرتديا حزام ديناميت تحت جلبابه. كان يرى ذلك في أعينهم.
صلى راثكامب، ثم استسلم للنوم وها هو شخيره الخافت يتردد من جديد في هذا الصباح السكندري. ينفتح الباب ويدخل مضيفنا، وهو رجل طويل اللحية حليق الرأس، قائلا "سلام عليكم، هل تعرف من أنا؟"
اسمه "سيفن لاو" لكنه يسمي نفسه أبا آدم. عمره اثنان وثلاثون عاما، وولد في مدينة مونشنجلادباخ في غرب ألمانيا، خدم في الجيش الألماني وتدرب ليكون كبير إطفائيين. اعتنق الإسلام منذ أربعة عشر عاما ووضعه المكتب الفدرالي لحماية الدستور تحت الملاحظة لفترة زمنية غير محددة.
يسمح لراثكامب ولي بالنوم في الغرفة التي يشغلها في الظروف الطبيعية أبناؤه الثلاثة إلى أن نعثر أنا وراثكامب على شقة خاصة بنا.

أبو آدم، 32 عاما
كان لاو ـ الذي يعد من قيادات السلفيين الألمان ـ يدير مسجدا في مدينة مونشنجلادباخ وكان رئيسا لجمعية أصولية اسمها "الدعوة إلى الفردوس". وقد اتهم مرة بإضرامه النار في مسجده محاكاةً للإحراق العمدي للمباني، ثم تمت تبرئته. وهو موضع معارضة ناشطي حقوق الإنسان الذين يعتقدون أنه سوف يدخل الشريعة إلى المانيا. أما المكتب الفدرالي لحماية الدستور فيراقبه اعتقادا منه بأن لاو يريد القضاء على الدولة الدستورية الديمقراطية لتأسيس دولة ثيوقراطية. كما تحقق النيابة الألمانية في اتهام موجه للاو بالاعتداء بالضرب على شخص سكران أثناء كرنفال في ألمانيا.
يسألني لاو "هل تريد أن تفطر؟ ستعد لك زوجتي سندوتش لحم بارد مفتوحا، ثم نجلس فنتكلم عن الطريقة التي سنجعل بها هذه زيارة سعيدة بالنسبة لك".
لا شيء نخفيه

كان راثكامب قد سأل ما إذا كان من الفطنة أن يسمح لصحفي بدخول حياتهم. وناقشوا الموضوع في صلاة [أي عقب إحدى الصلوات]، وفي النهاية قال لاو لراثكامب إنهم ليس لديهم ما يخفونه لأنهم في نهاية المطاف ليسوا بإرهابيين.
يقول لاو "ولكن ليس جميع من في هذا الحي على ما نحن عليه من تسامح، لذلك من فضلك لا تذهب إلى أي مكان بدوننا". يطيل النظر في عيني ثم يقول "فأنت لا تريد أن تكون الثقاب الذي يقع في علبة بنزين".
الجو بارد في الحواري الضيقة أسفل البيت. هناك ستائر مسدلة على الشرفات لكي تحجب النور. ثم محل يبيع الدجاج المشوي في البناية المجاورة. تتدافع القطط بين جبال من القمامة، وتمر بالقرب عربة يجرها حمار. هو مكان مناسب لأناس تقوم حياتهم على قيم القرن السابع.
يهيكل السلفيون في الإسكندرية أيامهم بحسب إيقاع صلواتهم. فالغرض من الخلق ـ فيما يرى راثكامب ـ هو أن يعبد الناس الرب. الرجال في حي المندرة يرتدون النعال. فهم يصلون كثيرا بحيث لا يستدعي الأمر وجود أحذية تربط. أما راثكامب فيرتدي حذاء رياضيا لكي يدفئ رجليه.
يخطط أن يبدأ في نهاية الأسبوع دراسة اللغة العربية في مركز إيزي لانجويدج. ومدارس اللغات في الإسكندرية هي التي علمت السلفيين الألمان اللغة العربية في الماضي. هناك درس "دانيال شنيدر Daniel Schneider "وكان أحد إرهابيي خلية ساورلاند وحكم عليه بالسجن اثني عشر عاما للتخطيط لهجمات في ألمانيا. وهناك سلفيان من مدينة سولجين بغرب ألمانيا هما "روبرت ب" و"كرشتيان إ" درسا أيضا في الإسكندرية. وتم اعتقالهما العام الماضي في إنجلترا، وأدانتهما محكمة بعد ذلك على خلفية العثور في متاعهما على تعليمات لصنغ المتفجرات.
مدرسة اللغة في الإسكندرية يمكن أن تكون مكانا يتعلم فيه الطلبة لغة. ولكنها قد تكون في الوقت نفسه مكانا يتعلمون فيه التطرف، مكانا يكون دليلا لهم في رحلتهم إلى "الحرب المقدسة". ومركز إيزي لانجودج الذي يريد راثكامب الدراسة فيه ينشر هذه المعلومات في صفحته على فيسبوك: "غامر بهذه الخطوة إلى بلد إسلامي، واعتبرها خطوة أولى إلى المملكة العربية السعودية إذا لم تعجبك مصر. يا إخوتنا: افعلوها من أجل أسركم، وأبنائكم، أو اصطحبوا آباءكم (المسلمين) معكم. لا تتركوا الشيطان يضلكم. اعتبروها التزامكم الشخصي بالهجرة".
الشيطان أو الرب. الجحيم أو الفردوس. الحرام، أو الحلال. الممنوع أو المباح. لا توجد في السلفية درجات.

"ليس الجميع راضين"

أجلس بالخارج في الشمس بينما لاو وراثكامب يحضران صلاة الظهر. يقف المؤمنون أمام المسجد بعد الصلاة، ويتكلم راثكامب مع  رجل أسود اللحية. يقترب الاثنان مني. الرجل الذي يقول راثكامب إنه من مركز إيزي لانجودج ـ يقول "لا شيء ضدك أنت بالذات، ولكننا لا نريد للصحفيين أن يدخلوا المدرسة". ألاحظ كيف ينظر المؤمنون الواقفون أمام المسجد ناحيتي. يلاحظون جميعا أنني لست من دينهم. ينظرون لي وكأنني عدو، رجل يرتدي بنطلون جينز يتجاوز كاحليه، كافر، غير مؤمن.
يميز القانون الإسلامي ـ بحسب مدى التزمت في تفسيره ـ بين ثلاث فئات من غير المسلمين: الذميون Dhimmis  وهم المسموح لهم بالعيش في البلاد الإسلامية ولكن مع حقوق محدودة، المستأمين Mustamins وهم الذين يحصلون على ما للذميين من حقوق بموجب اتفاقية حماية مؤقتة، والحربيون Harbis الذين يعيشون خارج الأراضي الإسلامية وليس لهم حقوق ولا حتى الحق في الحياة. ولا أعرف من أنا بالنسبة لمسلمي المندرة.
يقول راثكامب "ليس الجميع راضين عن زيارتك لي. ربما ينبغي أن أصلي في مسجد آخر أثناء وجودك هنا". ثم يقترح أن نخرج بسيارة إلى وسط البلد. يريد أن يشتري أدوات تنظيف لشقته الجديدة وهدية يشكر بها لاو على حسن استضافته. ولكن أية هدية يقدمها المرء لسلفي؟
ثياب السلفيين لا يمكن العثور عليها في سوبر ماركت، باستثناء الجوارب والملابس الداخلية. النبيذ ليس مطروحا، لأن الكحول حرام، أو ممنوع. ولا الأسطوانة، إذ الموسيقى أيضا حرام. ولا دي في دي عليها فيلم من أفلام هوليوم، لأن هوليود حرام. أما القرآن، فعند لاو نسخة من القرآن.
يشتري راثكامب ثلاث علب معدنية على شكل سبايدر مان لأبناء لاو الثلاثة. فهو لا يعتقد أن الرب عنده أي اعتراض على سبايدرمان.
سوف يتسلم مفاتيح شقته الجديدة في الصباح التالي. وهو الآن يحاول بيع سيارته البي إم دبليو على الإنترنت ليتمكن من دفع الإيجار. فهو في الوقت الراهن يعيش على مدخراته. تتكون الشقة من أربع غرف، وحمامين، وشرفة وغرفة معيشة هائلة. يقول راثكامب إنه بحاجة إلى غرفة للأسرة التي يعتزم تكوينها. يقول إن إمامه قد رتّب له بالفعل مسألة الزواج. ستتخرج الفتاة قريبا في المدرسة الثانوية في براونشفيج بألمانيا، وسوف تأتي إلى الإسكندرية في الصيف.

كتاب لا ريب فيه
حي المندرة ـ الإسكندرية ـ مصر

بينما يدعك راثكامب البلاط يحكي لي كيف انتهى الحال بصبي من سكسونيا الجنوبية إلى أن يصبح الله ربه اليوم. نشأ في بيت أقامه جده. كانت فيه حديقة فيها شجرتا كرز، إحداهما حلوة الثمار والأخرى ثمارها حامضة. كان أبو راثكامب يعمل في تجميع المحركات لمزود فولكفاجن أما أمه فكانت ترعى دينيس وشقيقته الصغرى.
قضى راثكامب طفولته في ملعب كرة القدم  وفي الغابات. حضر في مراهقته دروس التثبيت في الكنيسة. كانت الكاهنة هناك تعلم الأطفال من خلال مسرحيات مستوحاة من مقاطع وآيات من الإنجيل. ويتذكر أنه لعب ذات مرة دور يسوع. كما أنه انضم إلى كورال الكنيسة بالعزف على الجيتار والغناء "ليتقدس اسمك يا إلهي".
يقول راثكامب إنه كان يعرف دائما أن الرب موجود. قرأ الإنجيل وكان كلما انغمس في المسيحية ازداد شكا. لماذا كان العهد الجديد مكتوبا باليونانية برغم أن يسوع لم يكن يتكلم اليونانية؟ لو أن هناك إلها أعظم، فلماذا ترك ابنه يصلب ويعلق بالمسامير على الصليب؟ لماذا يكون نص الوصية الأولى هو "لا يكن لك آلهة أخر غيري" ثم يكون هناك يسوع الذي نعامله معاملة إله؟
فكر راثكامب في اعتناق الكاثوليكية، لأنه كان يتصور أنها أكثر أصالة، لكنه لاحظ أن الكاثوليك كانوا ـ ببخورهم ـ أغرب من البروتستنت. قرر راثكامب سرا أن يستمر في إيمانه بالرب، ولكنه توقف عن الإيمان بأن يسوع ابن الرب، توقف عن الإيمان بالثالوث، وبالمسيحية.
أنهى الدراسة الثانوية وبدأ برنامجا تدريبيا مؤهلا للعمل مستشارا ماليا، يبيع خطط التقاعد وبوليصات التأمين. وجد صديقة وظلا معا ثلاث سنين. كان ينام معها في سرير واحد، ويتناول العشاء مع أبويها، ويخرج للتنزه معها على شاطئ البحيرة. وحدث أن تركته، لكنهما بقيا صديقين.
كانت عنده عضلات في بطنه، وكان يعلق في رقبته صليبا ذهبيا، كنوع من الحلي لا أكثر. كان يشرب البيرة، لكن بحسب الظروف. وكان يلاحظ أن هناك من هم أسوأ منه حالا، وإحساسا منه بغياب العدالة عن العالم، انضم إلى الحزب الديمقراطي الاشتراكي SPD. ويقول إنه كان يريد الترشح عنه لكنه لم يصل إلى هذا المدى قط.
لكم أن تبحثوا ما شئتم، دونما جدوى، عن أي شيء في ماضي دينيس راثكامب قد يكون هو الذي ساقه في طريق التطرف.
راثكامب يوزع القرآن في هانوفر ـ 2012
قبل أربع سنوات، أرسلت له صاحبته رابط فديو على يوتيوب للداعية الإسلامي بيير فوجيل عنوانه "لماذا لا يأكل المسلمون لحم الخنزير؟". شاهد راثكامب الفديو الذي يقول فيه فوجيل إن لحم الخنزير سام. ثم نظر في قامئة الروابط على يمين شاشة الفديو فرأى فديو عنوانه "وفقا للقرآن، المسيحيون سوف يدخلون النار".  فلما شاهد ذلك الفديو قال لنفسه إن فوجيل هذا جريء بحق إذ يقول مثل هذا الذي يقوله.
قرر أن يعرف المزيد عن هذا الدين الذي يريد أن يزج به في الجحيم، فطلب نسخة من القرآن بالألمانية. وقرأ السورة الأولى، وبداية السورة الثانية فقرأ فيها "ذلك الكتاب لا ريب فيه".
أذهلته الجملة. قال راثكامب لنفسه إنه ما من بشري يمكن أن يقول جملة مثلها، ومنذ ذلك اليوم لم يقرب لحم الخنزير.


الاطلاع على الحلقة الثانية هنا


[i]   حرصت الترجمة على مثل هذه الحرفية لإعطاء فكرة عن طبيعة المفاهيم التي تصل إلى القارئ الغربي عن الإسلام والحضارة الإسلامية

هناك 3 تعليقات:

  1. أحييك على الموضوع الأكثر من رائع والترجمة الراقية ، في انتظار الجزء الثاني
    :)
    خالص تحياتي

    ردحذف