الاثنين، 4 مارس، 2013

كيف تغيرين العالم وأنت في سريرك

عبر حياة طويلة من العمل البحثي والسياسي، تعرض جين شارب للسجن والاضطهاد، لكنه لم يلذ قط بالصمت. ولا تزال أفكاره إلهاما لحركات المقاومة في شتى أنحاء العالم







كيف تغيرين العالم وأنت في سريرك

جون بول فلينتوف

لا يمكن القول بأن "جين شارب" داعية سلام نمطي. فالأكاديمي الذي تجاوز خمسة وثمانين عاما من العمر يقول "إنني كلما كنت ألقي محاضرة، كنت أجد دعاة السلام يتذمرون مني قائلين إننس لست [سلميا] خالصا، وإن ما أدعو إليه ’يبقى صراعا’". في حين كان العسكريون أكثر فهما لأفكاره. فقد حدث أن استمع إليه العقيد المتقاعد من الجيش الأمريكي "روبرت هيلفي" قبل عشرين عاما، وأقنعه بالتوجه إلى بورما، حيث طلب الثوار هناك مشورته.

سحب الأعمدة

كتب شارب منشورا، يقول "لم أكن أعرف بورما، فكان لزاما عليَّ أن أكتب في العموميات: لو أن حركة تريد إنهاء دكتاتورية، فكيف لها أن تفعل ذلك؟". كان ذلك المنشور المعنون بـ "من الدكتاتورية إلى الديمقراطية" (1993) يحتوي الفكرة التي كانت سبب شهرة شارب اليوم في شتى أرجاء العالم: وهي أن السلطة تتأتى من رضا الشعب عن الذين يمارسونها، وأن هذا الرضا قابل للاسترداد. إن كل أنظمة الحكم تقوم على أعمدة من التأييد، ومن ثم فبوسع المقاومين ـ بانتهاجهم استراتيجية معينة ـ أن يزيلوا هذه الأعمدة بدون اللجوء إلى العنف.
صدر الكتاب أصلا باللغتين الإنجليزية والبورمية. "وظننت الأمر انتهى عند هذا الحد" كما يقول شارب، ولكن الكتاب بقي معروضا في متجر للكتب في بانكوك، ومن هنالك انتشر الكتاب، دون أن يدري أحد كيف حدث ذلك. انتشر في كل مكان. "ولم أزل مندهشا إلى الآن. فلم يكن انتشاره بسبب دعاية، أو حيل إقناع تسويقية، بل لأن الناس وجدوه مهما وقابلا للاستخدام".

المستحيل الممكن

"لم أكن أعرف كيف سيفيد هذا الكتاب". هكذا يؤكد "سردجا بوبوفيتش" زعيم حركة أوتبور التي أطاحت بسلوبودان ميلوسوفيتش في صربيا سنة 2000. ووصف آخرون تجربة قراءتهم لكتاب شارب بأنهم وجدوه "عاصفا بالذهن"، إذ أنه أراهم أن ما كان يبدو لهم مستحيلا قد لا يكون كذلك على الإطلاق.
لقرابة عشرين عاما، ظل توزيع "من الدكتاتورية إلى الديمقراطية" يتم سرا في قرابة أربعين دولة. طبع في موسكو لقتوم الإف إس بي (وريثة الكي جي بي) بشن غارة على طابعه. ثم عرض فيما بعد في متجرين مستقلين من متاجر الكتب في موسكو ـ ليلاحظ بعد قليل أن النار شبت في كليهما.
سمع المخرج البريطاني "رورياد آرو" عن شارب للمرة الأولى أثناء تغطيته للثورة البرتقالية في أوكرانيا. فقرر أن يستزيد، وأصبحت نتيجة بحثه فيلما عنوانه "كيف تبدأ ثورة" عرض في أكثر من اثنتين وعشرين دولة وصار من أنجح الأعمال السرية مع حركة الاحتلال [الأمريكية المعروفة بـ OCCUPY].
تعاليم شارب اليوم تحظى باهتمام المتون أيضا، وليس الهوامش فقط، فلقد عثر "من الدكتاتورية الديمقراطية إلى الديمقراطية" أخيرا على ناشر له  في بريطانيا. كما أن أسقف كانتربري وجه الدعوة إلى شارب لمقابلة الأساقفة من شتى أنحاء العالم. كما تقدمت إيه جمعية قضايا الصراع البرلمانية المؤلفة من جميع الأحزاب طالبة منه إلقاء كلمة أمام أعضاء البرلمان ونظرائهم وكبار المسئولين في مجلسي العموم والنواب. وغصت القاعة بالحضور ـ بفضل حشد من ناشطي حركة احتلال ـ وقوبل الرجل بترحيب ووقوف من الجميع. وتم ترشيحه لجائزة نوبل للسلام، وفي وقت مبكر من مطلع الشهر الماضي حصل في البرلمان السويدسي على جائزة نعرف بنوبل البديلة.

وهم النيرفانا السياسية

بعد عمر كامل من الشقاء والعزلة الأكاديميين، إذا بشارب على حين غرة يرى الناس في شتى أرجاء العالم متهيئون للإنصات إلى نظريته حول السلطة ـ ومتهيئون لالتهامها. وهذه بالنسبة له "تجربة شديدة الغرابة؟" ولكن هل ثمة مغالاة في التقدير؟ فقد أخفقت حركة احتلال إلى حد كبير، والربيع العربي لم يحقق النجاح الذي كان يرجوه له الناس. فهل يتخوف شارب من أن يخفت صيته مرة أخرى؟ يقول "أنا لا أبالي بالصيت أدنى مبالاة. الأمر أن الإطاحة بنظام سياسي لا تفضي إلى نيرفانا سياسية. إنما تبقى صعوبات حقيقية، ولقد كنت طول الوقت ولا أزال في غاية الوضوح بشأن هذا الأمر".
"ولكن الناس دأبوا على القول بأن التغيير غير العنيف لا يفلح. والآن بعد ما شهدته تونس ومصر، لم يعد بوسع أحد أن يقول بهذه الاستحالة. لقد كانت نظرية ’الحرب العادلة’ القديمة تقوم أساسا على عدم وجود بديل للحرب، ولكن هذه النظرية اليوم خاطئة. لم يعد الأمر قدريا، بل عمليا" ينقل عن كينيث بولدنج قوله "إن كل ما يمكن تصوره، هو ممكن" That which is, is possible.". لقد حدث الفتح".

صناديق ألبرت أينشتين

شارب، على المستوى الشخصي، شخص رهيف. ألتقي به في صباح شتائي في فندق يقع في ويستمينستر. نرى من أحد الشبابييك نصبا تذكاريا عسكريا. يسير الرجل ببطء، مستعينا بعكاز، ويتكلم بهدوء، وفي حواري معه، كنت أجد نفسي مرغما أن أميل إليه لأتبين ما يقوله.
يدير منذ عام 2004 معهد ألبرت أينشتين المكون من غرفتين في بيته الذي يقع على مقربة من مطار لوجان في بوسطن. منضدته مكدسة بالورق، وبقية غرفة المكتب مثلها. وقلة الفراغ مشكلة حقيقية. يقول "لا يمكن أن تتصور كمَّ الأشياء التي لا أستطيع العثور عليها الآن، لا أستطيع العثور على قواميسي، لا أستطيع العثور على قاموس أوكسفورد للغة الإنجليزية، أو على نسختي من كتاب السياسة لأرسطو. كلها في صناديق، وكل شيء في الصناديق منذ انتقلنا إلى هنا قبل عامين. وأفتقدها طول الوقت. عندنا قرابة عشرين أو ثلاثين صندوقا. ولا أستطيع النظر فيها لأن هذا سوف يصرفني عن القيام بما هو أهم".
لا يحتاج المرء إلى جهد يذكر لتفنيد الاتهام الذي لا تكف أنظمة الحكم في فنزويلا وإيران وغيرهما عن توجيهه لمعهد ألبرت أينشتين بأنه محض واجهة للمخابرات المركزية الأمريكية. يحمل المعهد اسم أينشتين، لأن شارب حينما كان في الخامسة والعشرين من عمره، اعترض على المشاركة في الحرب الكورية لأسباب أخلقاية، مستخدما تكتيكات العصيان المدني، وسانده أينشتين في ذلك. وكان شارب في نيويورك يؤلف كتابا عن المهاتما حينما عرف أن أينشتين معجب بغاندي مثله. "كتبت إليه في برينستن وقلت له إنني على وشك أن أدخل السجن بسبب اعتراضي على الخدمة العسكرية، وبالمناسبة، لقد ألفت هذا الكتاب". فكتب له أينشتين تصديرا.
في عام 1953، حكم على شارب بالسجن سنتين لتهربه من التجنيد. غضب أبواه ـ وهما قِسٌّ ومعلمة ـ غضبامفهوما. "حاولا إقناعي أن أكتب طلبا للإعفاء على اساس أخلاقي أو ديني، ولكنني كنت معترضا على التجنيد للخدمة العسكرية نفسه". لم يقوما بزيارته في السجن إلا مرة واحدة. وبعد وقت طويل، وبعد وفاة أمه، عرف شارب أن حبها الأول والكبير انتهى نهاية مأساوية بموت حبيبها في فرنسا أثناء الحرب العالمية الأولى، ولذلك فقد كانت هي أكثر تفهما لمعارضته الخدمة العسكرية من أبيه. "ولكن حتى هو غيّر رأيه في نهاية المطاف". 
بعد الإفراج عنه، عمل سكرتيرا شخصيا لـ "آيه جيه ميوست" الذي وصفته مجلة تايم بداعية السلام الأول في أمريكا، ثم عمل على آلة كاتبة في وول ستريت، وواصل تحليله لغنادي. ويجدر بالمرء هنا أن يلاحظ أن الدافع إلى دراسة غاندي لم يكن عاطفيا فـ "أنا لست معجبا به لما كان عليه من رقة ولطف، فالرجل لم يكن أحمق. وعنده جمل ـ عن السلطة والحاجة إلى مقاومتها ـ لو نظرت إليها منفردة لظننتها لشخص مثل ماوتسي تونج. غاندي كان عظمة ناشفة".

بداية البحث

في أثناء عمله سكرتيرا لميوست، تعرف شارب بزائر من صحيفة " بيس نيوز [أخبار السلام]" البريطانية، فعرض عليه الزائر وظيفة، وانتقل إثر ذلك إلى لندن. كانت "بيس نيوز" تقع في كنجز كروس، وتوزع نحو أربع عشرة ألف نسخة أسبوعيا. كان شارب يغطي للصحيفة أخبار المظاهرات ومؤتمرات وزارة الدفاع الصحفية. وسرعان ما حصل على فرصة لدراسة الدكتوراه في جامعة أوكسفورد. (وكان من قبل قد حصل على شهادتي الليسانس والماجستير من جامعة أوهايو). وبحلول ذلك الوقت كان قد وضع نظرية عامة للنضال غير العنيف مؤسَّسةً على أفكار غاندي والمنظرين السياسييين الكلاسيكيين من أمثال توماس هوبس. وكان جون بلاميناتز ـ المشرف على رسالته في أول سولز كوليدج ـ فيلسوفا وعضوا في حكومة يوغسلافيا في المنفى في زمن الحرب، وهو الذي نصح شارب بألا يقصر تركيزه على النظرية، بل يبحث عن أدلة واقعية من دكتاتوريات فعلية وثورات فعلية.
كان شارب يعيش وقتها في مسكن مشترك في "أول سينتس رود" بأوكسفورد، ومضى يجمِّع الأمثلة إلى أن تبين له أن هناك تاريخا هائلا للاستخدام البرجماتي للنضال غير العنيف. وقد يبدو لنا الأمر بأثر رجعي فكرة عادية غير ملفتة كثيرا، ولكن الأثر النهائي لأبحاثه تلك كان بالغ الأهمية.
كان شارب يرى أن الإيمان المبدئي باللاعنف أمر لازم لتقنيات العمل. ولكن بحثه بيَّن له أن أغلب النضالات غير العنيفة إنما قام بها ناس ما كانت لديهم اعتراضات أخلاقية أو دينية على العنف. ولقد أدرك ذلك أول ما أدركه وهو جالس في قاعة مطالعة يتفحص جريدة تسرد استخدام التظاهر غير العنيف في الهند. "كنت أنقل بيدي أوصاف الصحيفتين الهندية أو الإنجليزية لما يجري في تلك الصراعات. واتضح لي أن المقاومين كانوا يتحركون بغير عنف ولكنهم ما كانوا منطلقين من إيمان. كنت أتوقف لأدون ملاحظات. وتساءلت هل أكتب هذه الملاحظة أم أتغاضى عنها؟ ودونتها. وأدركت وقتها أن تلك لم تكن تمثل مشكلة كبيرة بل فرصة هائلة. فلن يكون مطلوبا أن تُحمل الجماهير على اعتناق الإنسانية واعتناق مبدأ اللاعنف لكي تجعلهم يعدلون عن اللجوء إلى العنف في الصراعات".
في الماضي، كان الذين يحاولون التغيير إنما يحاولون ذلك بشكل عفوي، فتساءل عما كان يمكن أن يحققه هؤلاء من فعالية لو أنهم كانوا على دراية بما سبق لغيرهم أن فعلوه من قبل.
هكذا أخذ على عاتقه أن يبين كم كان العمل السياسي غير العنيف فعالا، لا على مستوى الصراعات التي قد تفضي إلى حرب، بل وفي النزاعات الصغيرة نسبيا. وعلى مدار السنين أعد شارب قائمة تضم على وجه الدقة 198 طريقة للعمل غير العنيف. وفي سفره الضخم الصادر سنة 1973 بعنوان "سياسات العمل غير العنيف" يضرب شارب أمثلة لكل واحدة من تلك الطرق موجودة في التاريخ المدون في شتى أرجاء العالم.
الطريقة رقم 67، هي "رحيل العمال"، وهي طريقة يمكن القول إن [النبي] موسى استخدمها هو وبنو إسرائيل سخطا على حكم فرعون.

وسائد الطغاة الخالية

ورقم 90 هي "رفض الضريبة" وقد استخدمت في الصين القديمة حيث كان دافعو الضرائب يدفنون ممتلكاتهم ويلوذون بالتلال كلما عرفوا أن الجباة في الطريق. والطريقة رقم 57 هي طريقة "إضراب ليزستراتا" التي ليس مقطوعا بما إذا كانت نساء اليونان القديمة قد استخدمنها أم لم يستخدمنها بهدف إنهاء الحرب، حيث رفضن ممارسة الجنس مع أزواجهن المحاربين (بحسب ما يشير إليه أرسطوفانيس)، لكن شارب وجد دليلا على استخدام هذا التكتيك نفسه لدى نساء أمة الإيروكيوس Iroquois  [من سكان أمريكا الشمالية الأصليين]، وفي العهود الاستعمارية فيما كان يعرف بـ رودسيا الجنوبية. (واستخدم هذا التكتيك أيضا في كينيا عام 2009 وكان من بين اللاتي استخدمنه زوجة رئيس الوزراء).
ومن الوسائل ما يبدو شائعا بصورة مضجرة مثل رقم 2 وهي "رسائل المعارضة أو التأييد"، ولكنها على إملالها تبقى فعالة، بل وتبقى خطوة تستوجب في بعض الأحيان نوعا من الشجاعة. ومن الوسائل ما يستلزم شجاعة أكيدة كرقم 171 وهو تكنيك "الاعتراض غير العنيف" وقد استخدمه صيني مجهول اعترض بجسده الدبابات في ميدان تيانانمن سنة 1989، أو رقم 66 "عدم التعاون الشخصي التام"، ففي أثناء الحرب العالمية الثانية لجأ أحد المعترضين لأسباب أخلاقية أو دينية على المشاركة في الحرب وهو "كوربيت بيشب" إلى الامتناع عن الأكل واللبس بل وحتى الوقوف، فما كان من بديل عن حمل جسمه المتهالك إلى المحكمة ومن المحكمة وبين عدد كبير من الزنازين. وكان يتم إطعامه قسرا بالأنابيب. وأخيرا، بعدما شاع أمره بين الجرائد، سمح له بالرجوع إلى البيت دونما رضوخ منه لأي شيء.
كثير من التكتيكات يستلزم مشاركة أكثر من شخص واحد. كالتكنيك رقم 193، وهو "إرهاق الأنظمة الإدارية" الذي أثبت فعالية كبيرة عند استخدامه في الولايات المتحدة أثناء حرب فييتنام كما تم استخدامه بعد ذلك بكثير لتحطيم أنظمة الكمبيوتر الحكومية.
ولئن نحن نظرنا إلى القائمة المكونة من 198 تكتكيا من تكتيكات العمل غير العنيف ككل، لأمكننا أن نقسمها إلى ثلاث فئات. الأولى تأتي تحت عنوان عريض هو "الاحتجاج" أو "نشر الوعي". والثانية يصفها شارب بعدم التعاون ـ أي التوقف عن إبرام صفقات مع الحكومة أو مع من تبغضهم من الناس (فلا تشتري ـ مثلا ـ منتجات الشركات التي تقوم باستغلال عمالها، أو ترفض ركوب الطائرات لتقليل انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون). والمجموعة الثالثة تأتي تحت عنوان التدخلات الفعالة لقلقلة الوضع الراهن، وهو ما قد يتم من خلال إيجاد بدائل لما هو متاح. ولا ينبغي أن تكون هذه الابتكارات "بدائل" بمعنى أن تكون أدنى، كما أنها ليست سلبية طوال الوقت بمعنى أن تقوم على الانسحاب أو المعاداة. فالنقابات المهنية اليابانية التي تخدم عمال توصيل الطلبات اخترعت إضرابا أطلقت عليه "أسرع التوصيل" للمطالبة بحقوق العمال في رواتب أفضل. وحينما تعرضت مكتبة في "ملتن كينز" لخطر الإغلاق في عام 2011 نتيجة لتخفيض الميزانية، قام سكان المنطقة باستعارة كل كتاب فيها حتى تركوا أرففها خاوية، فأثبتوا بذلك أنهم يستخدمون المكتبة وأنهم بحاجة إليها، وبذلك أوقفوا خطط إغلاقها.
كان تكتيكا بالغ البراعة لدرجة أنه يبدو التكتيك الأوضح، بل والبديهي، وحين ننظر إليه بهذه الطريقة نرى أن حماقة غير هؤلاء السكان كان ستدفعهم في موقف مشابه إلى اختيار تكتيكات بديلة ـ كأن يرموا الطلاء على العمدة المحلي مثلا، أو يبدأوا إضرابا عن الطعام.

مقاومة هتلر سلميا

غالبا ما يقول المشككون إن الجهود الشعبية السياسية غير العنيفة "ما كان يمكن أن تهزم النازي". ولكن شارب لا يستسلم لنقاش عما إذا كان العمل اللاعنيف "كان يمكن" أن يتسبب في إلحاق الهزيمة بالنازي، بل يشجعنا على  النظر في سبل مقاومة الشعوب للنازي بطريقة غير عنيفة في ألمانيا وفي الدول التي خضعت لاحتلال الألمان. وفي أعمال شارب تغطية شاملة ورائعة للمقاومة غير العنيفة للنازي، ولكنها مقاومة لم تلق الانتباه الكافي من المؤرخين العسكريين. وهناك قائمة طويلة من الوقائع في هذا الصدد، ولكن الأمثلة الفردية ليست مهمة. فالمهم بحق هو أنه لولا هذه المعوقات ـ مهما بلغ تواضع أغلبها وبساطته ـ لكان نظام هتلر على الأرجح قد ازداد سوءا مما كان عليه. ويمكن قول ذلك بطريقة أخرى: لو كان المزيد من الناس قد تجاسروا على المقاومة، فلعل ذلك كان ليمنع أسوأ ما ارتكب النازي من انتهاكات. وقولنا ذلك لا يعني إصدار حكم على الذين كانوا يعيشون في عهد هتلر، إنما هو تحد لنا نحن الذين نعيش الآن. ذلك أنه من السهل أن نتصور أننا كنا سنتصرف بجرأة لو أننا كنا في ألمانيا في ذلك الزمن، ولكن أمثلة التحديات التي يسردها لنا شارب تدفعنا إلى أن نسأل أنفسنا عما لو كان هناك شيء ما ينبغي أن نقوم به اليوم إزاء شيء ما يجري في هذه اللحظة.
هذه التحديات لا تأتينا في نثر متلألئ، فالجمال في كتابات شارب يأتي من نفاذها، ومن شفافيتها، ولقد حكى لي البروفيسور "توماس شيلنج" الذي حصل على جائزة نوبل سنة 2005 عن أعماله المتعلقة بنظرية اللعبة game theory أنه قابل شارب للمرة الأولى في ستينيات القرن الماضي فأعطاه شارب "مخطوطة من قرابة 800 صفحة ليطالعها في رحلة عودته إلى لندن ثم إلى الولايات المتحدة". فعرض شيلينج على شارب وظيفة في هارفرد راجيا من ذلك جزئيا أن يتمكن شارب من اختصار مخطوطته، فما كان منه إلا أن أطالها.
وفي هارفرد بدأ شارب ينأى بنفسه عن أصوله اليسارية، ربما بهدف أن تلقى أعماله مزيدا من القبول بين الكتلة الرئيسية من الجمهور، وبدأ شارب يعمل مع أشخاص كان من قبل يجتنبهم. ولم يخف يوما حقيقة أن عمله في هارفرد كان ممولا جزئيا من وزارة الدفاع الأمريكية. "قد يندهش البعض من عرض هذا التمويل أو القبول به. وأنا منذ سنين أرد على هذا بقولي إن الحكومات ـ وغيرها من الجماعات ـ ينبغي أن تمول الأبحاث أو تقوم بالأبحاث الرامية إلى إيجاد بدائل للعنف". 
كان من بين الطلبة الذين أشرف عليهم شارب بعد استقراره في بوسطن طالب يدعى "بيتر آكرمان" الذي استطاع لاحقا أن يجني ثروة في وول ستريت. في عام 1983، بدأ آكرمان يستثمر بسخاء في معهد ألبرت أينشتين، بمكاتب في هارفرد سكوير ومتسع لاثني عشر فردا. ولكن بعد عقد من ذلك بدأ الرجلان يختلفان. انتقل اهتمام آكرمان من العمل البحثي إلى العمل المتعلق بنشر الأفكار. فأقام هيئة جديدة هي المركز الدولي للصراع غير العنيف لإنتاج وتوزيع الأفلام الوثائقية والكتب وألعاب الكمبيوتر التي تروج للعمل غير العنيف.
يقول آكرمان في حوار هاتفي مطول إن "شارب كان من أهم الشخصيات التي عرفتها في حياتي. وهو الذي وضع الأساس الفكري لعملي. ولكن ليس المهم هنا هو تأليهه، بل فهم الإسهام الذي قدمه واستيعاب حقيقة أن المجال الآن بات مستعرا".
سحب آكرمان تمويله، فهوى دخل معهد أينشتاين السنوي من مليون دولار إلى مجرد مائة وستين ألف دولار. فلم تكن كتابات شارب ـ التي تتم ترجمتها وتوزيعها سرا ـ تأتي بعائد كبير. (وهو لا يزال يسمح بتنزيل أكثرها مجانا)
ويمكن أن نفهم لماذا لم يتزوج شارب حينما نتأمل التزامه بالعمل البحثي، ونضاله الدءوب من أجل تأمين الدعم التمويلي، ولكنه اقترب من الزواج "مرتين أو ثلاث مرات، في العشرينيات والثلاثينيات من عمري، في الولايات المتحدة والنرويج. صحيح أنني نادم، ولكن ما حدث هو أنني لم أتزوج. هل أنا محطم الآن؟ لا. ربما يرجع كل شيء إلى خلل في شخصيتي".
عنده أبناء أخته وأخواته منتشرون في شتى أرجاء الولايات المتحدة ولكنه نادرا  ما يراهم. "يأتون في بعض الأحيان إلى بوسطن، وأكلمهم بالهاتف بين الحين والآخر. هل أشعر بالوحدة؟ نعم. لكن ليس ذلك بالأمر لامهم". لا يرتاح إلى الحديث عن حياته الشخصية. "الناس يهتمون كثيرا بمن أكون، مقارنة مع اهتمامهم بما أقول".

غرفتان وصالة

في عام 2004، وفي محاولة منه لتجنب إغلاق معهد ألبرت أينشتين نهائيا، قام شارب بنقل المعهد إلى بيته. "كان علينا أن نتخلص من بعض أثاثنا المكتبي، فتركنا في الشارع للناس ليأخذوه إن شاءوا. كنت أعرف أنني سوف أستمر مهما جرى، لكن الأمر كان باعثا على الاكتئاب". لم ينتقل معه من العاملين إلا واحدة كانت قد عينت قبل سنتين وهي جميلة رقيب التي كانت قد هربت مع أسرتها من أفغانستان وهي في الخامسة من العمر. درست إدارة الأعمال، ولكن كانت لها اهتماماتها الخاصة فيما يتعلق بالعالم (تقول "كانت سنة 2001 سنة مثيرة، وهذا أقل ما يقال عنها") رأت إعلانا عن وظيفة في معهد ألبرت أينشتين فتقدمت لها "ولم أكن سمعت عن جين قبل ذلك، ولا عن المعهد".
نبهوا رقيب إلى عدم وجود ضمان وظيفي، ولكنها قبلت الوظيفة على أية حال، وأكملت مؤخرا عشر سنوات من العمل مع جين شارب. "أنا محظوظة جدا باشتراكي في هذا العمل، ولا أستطيع أن أتخيل عملا أكثر منه أهمية". لقد أدركت رقيب مبكرا أنها إذا كانت تريد أن تقدم شيئا فعليا، فعليها أن تتعلم الكثير. "بدأت أقرأ في كل شيء تقريبا، الكتب الضخمة والتقارير الوجيزة، وقدرا هائلا من أعمال أخرى غير مطبوعة إلى الآن. على مدار عقد أو ما يربو عليه قدمنا عددا جيدا من المنح الدراسية لإنجاز هذا العمل، وهناك كثير من الملفات ولا أحد باستثناء جين نفسه يملك هذه الذاكرة المؤسسية".
والآن وقد بات شارب معروفا، صار معهد ألبرت أينشتين غارقا في طلبات من وسائل الإعلام ومن أشخاص عاديين يطلبون النصيحة. وهما يناضلان من أجل تلبية كل تلك الطلبات. يقول شارب "إنني غالبا ما أنبه الناس إلى الحذر من نصائح الأجانب، بمن فيهم أنا شخصيا، فعلى الشعوب أن تفهم أوضاعها، وأن تستوعب العمل غير العنيف، وأن تتعلم التفكير الاستراتيجي".
برغم تبنيه هذا الموقف، يظل شارب هدفا لنظريات المؤامرة. وهو ما يفسره "ستيفن زيونس" أستاذ الدراسات السياسية والدولية بجامعة سان فرانسيسكو بأنه "اتصل على مدار سنوات العمل الطويلة بعدد كبير من العسكريين والجمهوريين وكل من بدا له قادرا على أن يؤكد أن عمله ليس مجرد سعي رخو مثالي طوباوي، ولكنه بقيامه بهذه المقابلات كان لسوء الحظ يغذي نظريات المؤامرة التي روجها اليسار المتطرف زاعما أن شارب جزء من مؤامرة أمريكية استعمارية ترمي إلى تنفيذ انقلابات ناعمة".

أبيض وأسود معا

يرى شارب أن التكتيكات التي يوثقها في أعماله للمقاومة غير العنيفة يمكن استخدامها في الخير والشر على السواء. وهو لا يرى في هذا أي مشكلة. "ففي الولايات المتحدة، أثناء فترة النضال من أجل الحقوق المدنية، استخدم كلا الجانبين المتصارعين هذه التكتيكات. حيث عمد السود إلى مقاطعة الحافلات، وبدأوا يتشاركون سياراتهم الخاصة، اعتراضا على سياسات الفصل العنصري. فما كان من خصومهم إلا أن بدأوا يرفضون تزويدهم بالوقود، ويلغون التأمين على سياراتهم. وأنا لا أرى أن ذلك كان شيئا رائعا، ولكنه أفضل من الإعدام بغير محاكمة [وهو ما كان يمارسه البيض على المتمردين السود في فترات العبودية من قبل]".
أكثر ما يرجوه شارب هو أن يتعلم الناس استخدام النضال غير العنيف بدلا من الصراع العسكري العنيف. "لن تضطر الحكومات إلى محاربة الإرهاب لو أن الناس الذين كان يمكن أن يتحولوا إلى إرهابيين تعلموا هذا النوع من النضال". (ولقد تبين مؤخرا أن من بين من اشتروا كتب شارب أشخاص كانوا أعضاء في الجيش الجمهوري الأيرلندي).
لم يقل شارب يوما إن استخدام أي تكتيك من تكتيكات العمل غير العنيف سوف يثمر عن نجاح. "ولكن الذين يقطعون بأن هذه الأساليب لا يمكن أن تنفع لديهم معايير لنجاح النضال غير العنيف أعلى بكثير من معاييرهم لنجاح الحروب. فكم عدد الحروب التي انتهت بهزائم، وكم عدد الذين ماتوا في حروب لم تحقق النتائج التي نشبت من أجل تحقيقها؟"



جون بول فلينتوف كاتب وصحفي، من أهم كتبه "كيف تغير العالم"، نشرت مقالاته في الجارديان وصنداي تايمز وغيرهما الكثير.

نشرت هذه المادة أصلا في نيوستيتسمان في 3 يناير 2013 ونشرت ترجمتها اليوم في جريدة عمان، بعناوان"كيف تغير العالم"، وهذا العنوان والعنوان الحالي وغيرهما من العناوين الفرعية تخص الترجمة لا الأصل