الثلاثاء، 12 فبراير 2013

دراسات كولنيالية



دراسات كولنيالية
ديبورا م جوردن



ما أسهل أن نتخيل أن تكون حياة النمل مماثلة لحياتنا، وأن نملة قد تشعر ـ مثلما يشعر الناس أحيانا ـ بالتيه وسط الزحام. ما أسهل ذلك خاصة لو أنك نظرت إلى مدينة من على البعد، فرأيت خلية نشاط: ناسا رائحة غادية من الشغل إلى البيت حاملين لفافات طعام وأشياء ينتجها ناس آخرون، ليأخذها أناس فيخزونها في غرفهم أو يحولونها إلى قمامة يأتي ناس آخرون فيحملوها. فكل شخص ذرة ضئيلة في نظام سار ليس لأحد من القوة ما يكفي لتغييره.
غرامنا بالنمل أدى بنا إلى كتابة قصص عنه، ابتداء من المرميدونز Myrmidons في الإلياذة وحتى النملة ز Z في فيلم "نمل  Antz" (إنتاج 1998)، إلى جانب كم متزايد من بحوث علماء البيولوجيا. وبرغم أن مستعمرات النمل التي نصادفها في الأعمال الخيالية والسينمائية غالبا ما تكون عامرة بمثل ما لدينا في المجتمع البشري من خصائص مؤسساتية هيراركية، إلا أن مستعمرة النمل الحقيقية تعمل دونما توجيهات أو إدارة. وتبين البحوث الجديدة كيف أنه يتم إنجاز المهام في مستعمرات النمل دون أن يكون أي أحد في موقع المسئولية. ويتبين أن لدى النمل الكثير مما يعلمه لنا فيما يتعلق بالشبكات اللامركزية التي تعمل في كثير من الأنظمة البيولوجية التي تنتج تفاعلاتها الداخلية سلوكا عاما دونما إرشاد من أي سلطة أو جهة معلومات مركزية.
***
في كثير من قصصنا عن النمل نرى كيف أنه يعمل بجدية، وبأي صورة يتقبل مصاعب الحياة بوصفها مكونا هينا في نظام أكبر بكثير. ويأخذنا الخيال أحيانا إلى أن النمل يحب الحياة على هذا النحو. ويحث "سفر الأمثال" الكسالى أن يتعلموا من النمل الجاد في عمله. وفي خرافات أيسوب، يمثل النمل الدأب وبعد النظر. وتحكي لنا إلياذة هوميروس أن أبناء سلالة المرميدونز ما هم إلا نمل حوله زيوس جندا بشريا مغوارا. وتي إتش وايت T. H. White الذي كتب أثناء الحرب الباردة عن إرسال الملك آرثر إلى مستعمرة للنمل ليست سوى جحيم شمولي، تدوّي فيه عبر مكبرات الصوت الأوامر تلو الأوامر.
ومن بين أفلام السينما الحديثة والجميلة المتعلقة بالنمل حكايات أنتجتها هوليود مثل "نمل" سنة 1998 والذي يبدأ بالنملة "ز" (وهي تملة لا يفهمها أحد ممن حولها من النمل ـ وقام بأدائها الصوتي "آلن وود") وهي تشكو لمعالجها النفسي من أنها لا تشعر أنها مقدرة حق قدرها بوصفها فردا. في هذا الفيلم ـ كما في فيلم "حياة حشرة" (إنتاج 1998) ـ يأتي انتصار النمل من خلال منجزاته الشخصية. ويأتي فيلم "طغيان نملة" (إنتاج 2006)، ليخطو خطوة أبعد. حيث يتحول صبي أناني مغرور إلى صبي ودود مراع لمشاعر الآخرين بعد أن يتحول إلى عامل مخلص في شركة للنمل تتنافس فيها فرق عمل مختلفة على تحقيق أكبر ربح ممكن للشركة.
هذه الأفلام تستبدل بوصف المجتمعات البشرية مجتمعات الحشرات. فالعمال والمدراء ورؤساء الورديات واللواءات جميعهم على سبيل المثال من الذكور. وهناك هالة حول الأميرات والملكات اللاتي لا تقمن بالكثير، وإن كان لهن من السلطة الأمومية شيء قليل. في حين أنه في مستعمرات النمل الحقيقية لا يعيش الذكور غير أيام قليلة أو أسابيع، أي أن حياتهم لا تطول إلا بالقدر الكافي للتزاوج ثم الموت، والإناث هن العاملات. والأهم من ذلك أننا نرى هذه المستعمرات المتخيلة موئلا للبيروقراطيين والعسكر والملوك، في حين لا وجود لسلطة من الأساس في المستعمرات، فالنملة ـ كما يقول مؤلف سفر الأمثال ـ "بلا رئيس ولا رقيب، تجمع الحصاد".
قد يكون التنظيم في مستعمرة النمل غامضا، ولكنه فعال، بما يسمح بأن ننسب قوى إضافية إلى النمل. في أغلب أفلام الرعب المتعلقة بالنمل، لا يكون النمل مجرد دواب تزحف ـ بل يكون بطريقة ما أفضل تنظيما من البشر. في فيلم "هم! " (من إنتاج 1954) يؤدي إشعاع بالقرب من موقع للاختبارات النووية في نيومكسيكو إلى إنتاج نمل عملاق يستولي على شبكة المجاري في لوس آنجلس. يستشعر النمل ما لا يمكن للبشر استشعاره، وملكتهم الشيطانية  تعطيهم من الإرشادات ما يجعلهم يغلبون العالِم، ويختطفون ابنته (ذات القبعة الرقيقة طبعا)، ويوشكون أن يهزموا الشرطي الوسيم المبعوث لإنقاذها.
ويأتي فيلم "المرحلة الرابعة" (إنتاج 1974) ليمضي بعجبنا من تنظيم النمل إلى ما هو أبعد. أقام العلماء نظاما بيئيا معزولا، ويحدث أن يدخل النمل إليه، مثلما دخل نمل حقيقي إلى نظام بيئي صناعي في أريزونا عرف باسم بيوسفير2. يقوم النمل في الفيلم بقرض أسلاك كهربية، وذلك ما يفعله النمل الحقيقي في بعض الأحيان، وذلك ما تفعله فصيلة معينة من النمل الآن مما يسفر عن مشكلات كهربية في تكساس. ولكن النمل في "المرحلة الرابعة" يقرض الأسلاك بهدف محدد: هو التلاعب في الكمبيوتر. يستولي النمل على المشروع عندما يرغم الكمبيوتر على قهر العلماء الأقل ذكاء من الناحية الإلكترونية. وذلك يكاد يبدو معقولا. فلو أن الحشرات الصغيرة قادرة على إقامة شبكات هائلة، والعثور على طعام قطتك مهما فعلت لإخفائه عنها، والتناسل بنجاح يجعل ثلث الكتلة البيولوجية في غابات العالم مؤلفا من أجسادها هي، فمن المؤكد أن بوسعها السيطرة على الكمبيوتر أيضا.
***
حتى العلماء يميلون إلى تخيل أن تنظيم النمل يعطيه قوة إضافية. وانظروا إلى فكرة "المستعمرة السوبر" وهي فكرة شائعة عن مستعمرة النمل الأرجنتيني العدواني. بدأت هذه السلالة الانتقال من الأرجنتين في مطلع القرن العشرين، مع شحنات السكر في الغالب. واستطاع النمل الأرجنتيني منذ ذلك الحين أن يبيد النمل في كل مكان كان مناخه مماثلا للمكناخ الذي اعتاده النمل الأرجنتيني، وذلك ينطبق على مناخ ساحل كاليفورنيا، ومناخ ساحل البحر الأبيض المتوسط، وبعض مناطق جنوب أفريقيا، وأستراليا، وهاواي، وغيرها.
في مطلع تسعينيات القرن الماضي، قامت مجموعة علماء في جامعة كاليفورنيا بطرح نظرية مفادها أن النمل الأرجنتيني يشكل مستعمرة سوبر، مستعمرة هائلة واحدة تمتد عبر كاليفورنيا كلها. فتلقف العلماء الدراسون للنمل الأرجنتيني في الريفييرا الفرنسية والسواحل الإيطالية الفكرة التي وجدت طريقها في ذلك الوقت إلى عدد من المانشيتات "العلمية" حيث أعلنت بي بي سي في عام 2002 أن "مستعمرة النمل السوبر تسيطر على أوربا". ثم طورت البي بي سي الأمر في عام 2009 إلى "ميجا مستعمرة النمل تسيطر على العالم".
جاءت فكرة مستعمرة النمل السوبر من مراقبة النمل الأرجنتيني واكتشاف أنه ـ وإن كان منتميا إلى إلى شبكات متباعدة ـ لا يتصارع مع بعضه البعض إلا نادرا. وأثارت المستعمرة السوبر صورة نمل بُنِّي صغير يَنصَبُّ على كاليفورنيا قادما من أمريكا اللاتينية. كان في عدم اقتتال النمل الأرجنتيني مع بعضه البعض إشارة إلى أن كل هذا النمل يترابط مع بعضه البعض بطريقة أو بأخرى، وأن النمل بتوحده استطاع أن يزيح من طريقه النمل الذي يمثل  أصحاب الأرض الأصليين.
ولكن عدم اقتتال النمل الأرجنتيني مع بعضه البعض لا يكشف عن غرض جماعي يحتشد وراءه هذا النمل. فخبرات النمل الأرجنتيني ـ شأن جميع النمل ـ هي خبرات شمية حسية، إذ أن للنمل قدرات بصرية بالغة الضآلة، وهذا ينطبع على أغلب سلالات النمل الإحدى عشرة ألف المعروفة في العالم. تحيط بالنملة طبقة من الزيت (الهيدروكربونات الخارجية) تحمل رائحة مستعمرتها، فيكون رد فعل نمل بعض السلالات بالغ العنف تجاه روائح المستعمرات الأخرى. والنمل الأرجنتيني ـ شأن بعض سلالات النمل الأخرى ـ ليس شديد الحساسية تجاه الاختلافات الطفيفة في الروائح. وإن اكتشف العلماء مؤخرا أن النمل الأرجنتيني ـ مع وجود اختلافات كافية ـ سوف يتقاتل في النهاية. خلال عمل مختبري لإنتج مبيدات حشرية، قام أحد الفنيين بإطعام صرصار ألماني لنمل أرجنتيني. فكانت النتيجة غير مقصودة ومثيرة في آن واحد: إذ تسربت رائحة الصرصار إلى النمل الأرجنتيني الذي أكل الصرصار فهوجم هذا النمل من نمل أرجنتيني آخر لم يأكل الصرصار. والنمل الأرجنتيني مشهور بأنه يأتي إلى البنايات فيولم لنفسه من صفائح القمامة الخارجية. فحينما يتعلق الأمر بالقتال بين النمل الأرجنتيني وبعضه، قد يكون اشتراكهم في بقايا شطيرة من مكدونالدز أهم حينئذ من اشتراكهم في أصول جينية واحدة.
الحقيقة أنه لا وجود لمستعمرة سوبر للنمل الأرجنتيني، لا وجود لمستعمرة عملاقة تمتد على اتساع أميال، ولا على امتداد الكوكب بالتأكيد. إنما للنمل الأرجنتيني مستعمرات مختلفة تتناسل كل منها بمعزل عن الأخرى ولا تشترك في الموارد مع بعضها البعض. وشأن كثير من سلالات النمل، تتألف هذه المستعمرات من أعشاش عديدة، تربط بين بعضها البعض أرتال من النمل. أغلب هذه السلالات عديدة الأعشاش هي سلالات غزاة غامضة ولكنها ليست عالمية. وقد تبين لي أنا وزملائي أن أعشاش النمل الأرجنتيني التي لا تبتعد عن بعضها البعض لأكثر من مائتي متر متمايزة جينيا، مما يعني أن نمل مستعمرة معينة لا يختلط بنمل المستعمرة المجاورة. وتبين لنا أيضا أن نمل إحدى المستعمرات لا يشارك نمل مستعمرة أخرى في طعامه. أما مجاز المستعمرة السوبر فيكشف عن تقديرنا نحن لما ينتج عن الوحدة من قوة. ولكن أثر النمل الأرجنتيني على البيئة ليس نتاج تلاحم بين المستعمرات، بل إن له فيما يبدو أسبابا أخرى ـ من بينها القدرة على منافسة النمل الأصلي في القدرة على الانتفاع من الإفرازات السكرية من الحشرات القشرية (وهي الحشرات التي تقوم بامتصاص العصارة من النباتات).
***
إن فهم الطريقة التي تعمل بها مستعمرات النمل فهما حقيقيا يقتضي منا التخلي عن التفسيرات القائمة على التحكم المركزي. وهذا ينحو بنا إلى منطقة صعبة وغير معتادة. فنحن مرتبطون ارتباطا عميقا بفكرة أن تنظيم أي نظام يتفاعل فيه عملاء متعددون لا بد أن يكون تنظيما هيراركيا. والمجازات التي نستخدمها لوصف سلوك مثل هذه النظم تحفل بأفكار من قبيل الأوامر المتسلسلة. فنحن على سبيل المثال نوضح ما تفعله أجسامنا من خلال الحديث عن الجينات بوصفها "مخططات تفصيلية" blueprints تحمل تعليمات ممررة من المهندس إلى البناء. ولكننا نعرف أن تعليمات الجينات في حالة تغير دائم، حيث أن الجينات تعمل وتتوقف عن العمل استجابة للتفاعلات الداخلية في الخلايا.
مستعمرات النمل ـ شأن الجينات ـ تعمل بدون مخططات تفصيلية أو برمجة. فما من نملة تفهم ما الذي يجب عمله أو ما الذي تعنيه أفعالها بالنسبة لصالح المستعمرة. ليس في مستعمرة النمل فرق عمل مخصصة للقتال ولا لجلب الطعام وتخزينه. وبرغم أنه لا يزال يعتقد أنه توكل إلى كل نملة مهمة واحدة في حياتها، إلا أن علماء البيلوجيا يعرفون الآن أن النمل يبدل مهامه. فكيف تقرر النملة اختيار المهمة التي تتولاها وتوقيت القيام بها؟ كلنا نعرف أنه حيثما توجد نزهة، يوجد نمل. إذن ما الذي يحدد ذهاب مجموعة نمل إلى النزهة، وعدد النمل الذي يتوجه إليها؟
تنتظم المستعمرات من خلال شبكات تفاعل. والنمل لا يستجيب إلا للبيئة المحيطة به مباشرة ولتفاعلاته مع النمل الآخر القريب منه. والمهم هنا هو إيقاع التفاعل، وليس معناه. فالنمل يستجيب لنمط الحركة وسرعتها لدى ما يصادفه من نمل، كما يستجيب أيضا للروائح التي يتلقاها من العالم، ومن ذلك روائح سندوتشات النزهة.
أما نمل الحصاد ـ وهو النمل الذي أعرفه أكثر من سواه ـ فالتفاعلات المهمة تتمثل في الاتصالات الاستشعارية  الوجيزة. حيث تستعين النملة بالسرعة التي تجدها فيما تقابل من نمل على تحديد ما ستفعله هي. ولو كنتَ شاهدت نملا عن قرب، فقد رأيت تلامسات استشعارية تتم بينها. حينما تقوم نملة من نمل الحصاد بالانتقال من أداء مهام داخل العش، إلى أداء مهام خارجه، تتغير رائحتها، فهيدروكربونات النملة تحدد هوية مهمتها الراهنة كما تحدد مستعمرتها. ولاختبار كيفية تأثير الاتصالات الاستشعارية على سلوك النملة، جئت أنا وزميلي مايكل جرين بنملات ووضعنا في طريقها خرزات زجاجية مشبعة برائحة نمل يقوم بأداء مهمة معينة. كانت لبعض الخرزات رائحة نملات الحراسة وهي النملات التي تكون أول ما يخرج من العش كل صباح لتفقد منطقة جلب طعام المستعمرة. ويكون رجوع هذه النملات في أمان، وبسرعة عشرة نملات تقريبا في الثانية، محفزا لخروج أوائل النملات جالبة الطعام للبحث عن الطعام. حينما تلتقي نملات جلب الطعام بالخرزات حاملة هيدروكربونات نمل الحراسة، بالسرعة الصحيحة، فإنها تترك العش. وهذه التجربة تبين أن سرعة النملة في الاتصال الاستشعاري تؤثر على ما ستقوم به النملة لاحقا من مهام.
وما تقوم به النملة لاحقا من مهام قد لا يكون كثيرا على الإطلاق. فخلافا لأساطيرنا الحبيبة الخاصة بالنمل، التي حكاها أيسوب وهوميروس وكاتب سفر الأمثال، نجد أن كثيرا من النمل لا يعمل بكثير من الجدية. ففي أي مستعمرة ضخمة من مستعمرات نمل الحصاد، نجد أن ثلث النمل ـ في أي وقت من الأوقات ـ يظل يتسكع دون أن يقوم بعمل أي شيء. وهذا ـ كما يقول مارك توين "سيكون محبطا لمدارس الأحد". ذلك أن سلوك مستعمرة النمل ينتظم من خلال شبكة تفاعلات، فقد يكون للكسل نفعه. حيث تكون النملات الكسولة بمثابة مخفف صدمات لإبطاء سرعة التفاعلات حينما تزداد عن المعدل المطلوب. وقد اكتشفت أنا وزميلي أن النمل يتحرك في الجوار لتعديل سرعة التفاعل، فالنملات إما أن تسعى إلى مقابلة بعضها البعض حين لا يكون ثمة الكثير منها، أو هي تتفادى بعضها البعض حين يكون هناك زحام غير مرغوب. وأحيانا تثمر التفاعالات عن معلومات إيجابية، كما يحدث حينما يخرج النمل للبحث عن الطعام استجابة لتفاعلات مع نملات عائدة إلى العش بطعام. ولكن ذلك قد يفضي في نهاية المطاف إلى أن يبحث النمل عن طعام بعد أن يكون هذا الطعام قد نفد. وهنا تحتاج المستعمرة بعض النمل البليد، الذي لا تحفزه التفاعلات، ليهدئ من سرعة الشبكة.
***
إن التباين بين ما نعرفه فعلا عن النمل ـ وهو أنه ما من نملة توجِّه سلوك نملة أخرى ـ والاستعارات المألوفة المتعلقة بالتنظيم الاجتماعي، لا ينفذ فقط إلى قصصنا، بل إلى دراساتنا العلمية للنمل. وتظهر هذه التناقضات في رواية إي أو ولسن E. O. Wilson "تل النمل" (الصادرة 2010) والتي تسرد قصة حرب مستعرة بين ثلاث من مستعمرات النمل. يستخدم ويلسن نملا مختلفا تماما عن نمل أيسوب للوصول إلى مغزى مماثل. فالنمل في "تل النمل" يتسم بالجشع، وقصر النظر والميل إلى الاستهلاك غير المحسوب، وذلك كله هو ما يفضي به إلى القضاء على موارده ومن ثم إلى الهلاك.
تموِّه رواية "تل النمل" الخطوط القائمة بين العلم والخيال. فسرعان ما تخيم التناقضات على حكاية ويلسن العلمية عن تنظيم المستعمرة في الوقت الذي يصور فيه النمل عبيدا سلبيين لدى أمه، بينما هو في الوقت نفسه يتخذ قرارات منبنية على ذكاء شبه بشري وفهم عميق لتاريخ المستعمرة وما تمثله بالنسبة للمستقبل. في أحيان كثيرة يتم تصوير النمل بوصفه مبرمَجا، مسيَّرًا بفعل "آلة غريزية". وفي أوقات أخرى، يقال إن لدى النمل قوة ولكنه مغصوب على التضحية من أجل أمه ـ التي تعد "معينا" للمستعمرة ـ فيذهب طائعا إلى ملاقاة حتفه. تلك الروبوتات الصغيرة التي يملى عليها كل حركة من حركاتها ـ إما من خلال برنامج داخلي أحيانا أو من خلال ولاء للملكة الأم ـ هي في الوقت نفسه كائنات ذكية جدا وذات أغراض واضحة لها بدرجة كافية لأن تضع خططا لمهامها وأن تكون لديها استراتيجية عسكرية.
مستعمرة النمل الحقيقية ليست مجتمعا من أفراد مبرمجة مستعدة للتضحية بأنفسها. بل هي أشبه بمكتب يتم التواصل فيه من خلال رسائل نصية عبثية تتحدد فيه مهمة كل عامل من خلال عدد ما يتلقاه من رسائل ـ بغض النظر عن فحوى هذه الرسائل. وليس للمستعمرة غرض مركزي. بل إن كل نملة تستجيب لسرعة لقاءاتها الوجيزة بغيرها من النمل، وليس لدى أي نملة إحساس بحالة المستعمرة كلها أو هدفها. وخلافا لما نراه في "تل النمل"، لا تكترث أي نملة لحياة الملكة أو وفاتها.
ومستعمرات النمل ليست النظام المعقد الوحيد الذي يعمل بدون سيطرة مركزية. فالمخ أيضا يفتقر إلى الأوامر المسلسلة. بل هو يعتمد على شبكات تفاعل قائمة بين العصبونات neurons. وهناك سؤال علمي غير محسوم حول ما إذا كان التناظر بين المخ ومستعمرة النمل أكبر من مجرد تناظر مصطنع، وإن كان ويلسن يناقض في "تل النمل" هذا السؤال الذي لا نملك الإجابة عليه بنفي أو بإثبات. فهو يوضح أن النمل شديد الذكاء لأنه يتعلم كيف يتحرك في متاهة، وأن مجموع ذكاء النمل يجعل المستعمرة ككل ذكية. ولكننا في موضع آخر نسمع أن "ذكاء المستعمرة موزع على أعضائها، بمثل ما يتوزع الذكاء البشري على الفصوص والأنوية في المخ البشري". والمشكلة هنا هي أنه لا أحد يعرف كيفية توزع الذكاء في المخ البشري، كما تكمن المشكلة في أن الفصوص والأنوية غير قادرة على المرور في متاهة.
الأسئلة العلمية المدهشة المتعلقة بالنمل والمخ هي نفس أسئلتنا المتعلقة بأنظمة بيولوجية كثيرة تعمل بدون هيراركية، مثل نظام المناعة، ومجتمعات البكتريا في أجسامنا، والأنماط الحياتية التي نصادفها في مختلف الغابات الاستوائية. ففي حالات جميع هذه الأنظمة، لا نفهم بعد كيف تعمل الأجزاء معا لإنتاج الديناميكيات، والتاريخ، وتطور النظام كله.
***
حينما نفهم كيف يدير النمل مستعمراته، هل سنتعلم حينئذ أي شيء يكون عونا لنا على إدارة المجتمع البشري؟
صحيح أنه بازدياد عدد الناس نزادا اعتمادا على شبكات تفاعل شبه نملية مثل الرسائل النصية والإلكترونية، ومن ثم يمكننا القول ـ بطريقة ما ـ إن بعض البشر يسلكون سلوكا شبيها بسلوك النمل. وتأملوا الأنماط  في شبكات مراسلاتكم عبر البريد الإلكتروني، بما فيها الناس الذين راسلتموهم الأسبوع الماضي، والناس الذي سيرسلون إليهم من خلال البريد الإلكتروني، وهكذا. هناك بعض محاور التفاعلات المتكررة وبعض الصلات التي تتخذ وجهة ثم لا تعود لتربط بينكم وبين المصدر مرة أخرى. هذه الشبكات شبه النملية تستخدم الآن في مجال الاتصالات، والدعاية. ومن ذلك أنك تصادف على مواقع التسوق الإلكتروني رسائل تقول إن الذين اشتروا س قد اشتروا ص أيضا، مقترحة عليك اتباع نفس النمط الشرائي؛ فهي بديل عن الاتصال الاستشعاري.
ولكن على الرغم من إمكانية أن نكون نحن بني البشر نمليين بطريقة ما، إلا أن النمل ليس مثلنا. وليس سوى الخيال هو الذي يمنح النمل هوية ومشاعر ودوافع يمكننا كبشر أن ندركها. وإذا كان النمل لا يعنيه من الشبكة غير بنيتها. فإن المحتوى، بالنسبة لنا نحن البشر، أساسي. إذ يعنينا نحن ما تقوله الرسالة الإلكترونية، بينما النمل يعنيه الكمّ الذي يتلقاه من الرسائل الإلكترونية. وبينما نتنقل نحن بين الشبكات التي تتشكل منها حياتنا، نقوم طوال الوقت بإنتاج سرديات عما يحدث وعن سبب حدوثه. قد نخطئ فيما نذهب إليه، ولكن من المهم للغاية أن نصوِّر لأنفسنا أننا نعرف.
إن لحكاياتنا عن النمل مرامي تتعلق بما ينبغي أن يكون عليه سلوك البشر: على الجنود أن يموتوا من أجل بلدهم،  وعلينا أن نحافظ على مواردنا وأن نخطط للمستقبل، وعلى العامل المسئول في المصنع أن يؤدي المهمة الموكولة إليه وهو مبتهج. غير أن هذه المرامي المستخلصة من حكايات النمل غير صحيحة.
النمل الحقيقي لا يعطي دروسا في السلوك. ولكنه في واقع الأمر يعطي نظرة ثاقبة على ديناميكيات الشبكات. وبوسع النمل الحقيقي أن يبين لنا كيف أن إيقاع التفاعلات الداخلية يخلق أنماطا سلوكية وتنموية في جماعات أكبر. وليس من الممكن استخلاص مغزى من النمل، ولكن بوسعنا أن نتعلم الكثير عن أنظمة لا مكان فيها لسيطرة المركز.

نشر المقال في عدد سبتمبر/أكتوبر 2010  من مجلة بوسطن ريفيو ولا بد أن تكون ترجمته نشرت في مكان ما أيامها