الأربعاء، 15 أغسطس 2018

قصص من سيناء


قصص من سيناء

بقلم: كلينتن بايلي
ما يلي ذكريات أحداث شهدتها في السبعينيات والثمانينيات [من القرن العشرين] وسط القبائل البدوية في شبه جزيرة سيناء، وتكشف عن وجهات نظر قد تبدو لأعيننا الغربية متناقضة. وليست النية هنا هي التهوين من شأنها، بل عرضها على خلفية الحيوات التي عاشها البدو عبر قرون كثيرة من الكفاح من أجل البقاء في ظروف صحراوية. إنني أقدِّر البدو ـ وقد عشت بينهم ودرستهم لخمسين عاما ـ بوصفهم بشرا استثنائيين لا تقل رؤاهم صلاحية عن رؤانا.
***
احترام النفس
كنا جالسين على كثيب مطل على البحر الأحمر المتألق في شرق سيناء. ومن مجلسنا كنا نرى جبال السعودية في البعيد. كنا سنة 1984.
معي الشاعر والمهرِّب الشهير عياد Ayaad  وأكبر أبنائه سالم. طلبا الجلوس معي لمناقشتي في "أمر خطير" بعيدا عن سمع من يخيمون معهم. كنا نعرف بعضنا معرفة جيدة. فقد كنت أسجِّل الشعر البدويَّ وأدرسه منذ أكثر من خمسة عشر عاما. وعياد كان أفضل شعراء سيناء.
ما كدنا نفترش الرمل متربعين حتى بدأ سالم الجالس قبالتي النقاش. اعتدل على ركبتيه، ونظر في عينيَّ بمزيج من الصداقة والتهديد وقال "دكتور بايلي، نحن نريدك أن تساعدنا".
 قلت "بكل سرور. ما الذي يمكن أن أفعله؟"
"حينما تنزل إلى سيناء قادما من إسرائيل، نريدك أن تتوقف عند ورشة أحمد في قطاع غزة، غير بعيد من خان يونس، وهناك سوف يفك أحمد علبة التروس من سيارتك الجيب".
تعجبت قائلا "يفك علبة تروس سيارتي. لماذا يفكها؟ وليس فيها عيب".
هنا اشترك والده الأكبر سنا والأكثر حكمة في الحوار بنبرة أكثر لينا. قال "دكتور، أنت تعرف أنه منذ إقامة الحدود بين مصر وإسرائيل، يصعب إدخال ’البضائع’ إلى سيناء. الأوضاع ساءت لكثير منا. ففكرنا لو أنك تقدر أن تذهب إلى أحمد، يمكن أن يضع لفافة أفيون في علبة تروسك، ويمكنك أن تعبر بها الحدود بدون أي مشاكل. لن يشك فيك أحد. وعندما تصل إلى هنا، سوف يستخرجها منصور، أنت تعرف منصور، من علبة تروسك، وتذهب إلى حال سبيلك".
ثم، بعد برهة من الصمت، مال ناحيتي، وابتسم في عينيّ، وقال بأكثر قليلا من الهمس "سأعطيك أربعة عشر ألف دينار [أردني] على الفور. ما رأيك في هذا؟"
بقيا ينظران لي في ترقب قلق.
ولكنني لم أكن بحاجة إلى أن أفكر طويلا. لم يكن لدي شك في أن عياد سوف يدفع "على الفور". ولكن عقلي شرد على الفور في صورتي لو ساءت الأمور وأنا أذوي لفترة لا يعلم أمدها إلا الله في سجن مصري أقل من أن يوصف بالمودة.
أخيرا قلت "لا. لا يناسبني هذا"
صاحا مشدوهي الأعين "ماذا؟ ألا تحترم نفسك؟"
"أحترم نفسي؟ وما علاقة احترام النفس بهذا؟"
قالا "بدون مال كيف تطعم ضيوفك؟"
إذ ذاك ظهر جمعة الصياد تحتنا، خارجا من البحر وشباكه على كتفيه. صاحا "انظر إلى جمعة. جمعة كان يجلب الحشيش من العقبة في مركبه فيستقبل ضيوفه في خيمته كل يوم، وكان لديه كثير من الضأن يقدمه لهم. لكنه منذ أن توقف عن التهريب، خويت خيمته. لم يعد يذهب إليه أحد. هل تريد أن ينتهي حالك مثله؟"
رؤى لإسرائيل
في 1979، قبل شهر من الموعد المحدد للمرحلة الأولى من انسحاب إسرائيل من سيناء التزاما باتفاقية كامب ديفيد الموقعة مع مصر في تلك السنة، قررت القيام بزيارة لشيخ قبيلة الدواجرة  Dawagra. كانت نيتي هي انتهاز فرصة ربما تكون الأخيرة للجلوس مع الشيخ، ويدعى جمعان الحويشيل Jum’an Huwayshil، لاستيضاح بعض نقاط القانون البدوي منه، إذ كنت أؤلف كتابا في الموضوع. وكان الشيخ المسنُّ يجلس للقضاء بين القبائل في الصراعات، فكنت حريصا على تسجيل آرائه. كنت منبهرا بما لمسته من سعة معرفته بالقانون، سواء من خلال المحاكمات التي حضرتها أو من خلال المناقشات التي أجريتها معه على مدار السنين.
كان جمعة يضرب خيمته عند نهاية شبه جزيرة رملية قاحلة طويلة تعرف محليًّا بالزغبة Zugba تمتد في البحر الأبيض المتوسط في خليج ضحل اسمه البردويل. وقد كان ذلك هو الاسم العربي للملك الصليبي بولدوين الأول Baldwin I  الذي يقال إنه مات هناك في أثناء غزو لمصر.
حينما بلغت خيمته الوحيدة في سيارتي اللاندروفر البالية صباح يوم اثنين، حيَّاني جمعان أحسن التحية، وأشعل نارا من أغصان أكمة يابسة، وشرع يعد لي الشاي والقهوة التزاما بالتقاليد. ثم انصرفنا إلى العمل فتكلمنا على مدار يومين بلا انقطاع تقريبا حتى حلول الليل. أطلعني على كثير من الآراء العميقة في المواضيع التي تناقشنا فيها: مكان المرأة في القانون القبلي، دور الضمانة في الاستغناء عن السجن، وبعض التعقيدات المتعلقة بالثأر.
في الصباح المبكر من اليوم الثالث، جاء إلى خيمة جمعان ثلاثة غلمان من قبيلته لاستشارته في قضية واضحة الأهمية. كان المتوقع أن يبعث المصريون في اليوم التالي فريق استطلاع لفحص المنطقة التي سترحل عنها إسرائيل عما قريب. وكان الغلمان يمتلكون مقهى مرتجلا على الطريق الرئيسي الممتد بين غزة وقناة السويس، فطلبوا مشورة شيخهم في أمر العلم الذي ينبغي أن يرفعوه فوق مقهاهم، علم مصر أم علم إسرائيل الذي ظلوا يرفعونه على مدار السنوات الاثنتي عشرة الماضية.
فيما بدأ الغلمان يتكلمون، لاحظ جمعان أنهم ينظرون إليّ شزرا. فلما كانوا لا يعلمون من يكون هذا الشخص الإسرائيلي بوضوح، لم يعرفوا إن كانت مناقشة الأمر في حضوري آمنة. لذلك قال الشيخ محاولا تهدئة مخاوفهم وطمأنتهم إلى أنه ما من داع للقلق "دكتور بايلي صديقنا".
غير أنني ـ في خرق واضح للأدب مع مضيفي ـ سمحت لنفسي بتعليق: "أرجو أن تظل تقول ذلك بعد رحيل إسرائيل".
مأخوذا قال الشيخ "أنا لم أشكُ من إسرائيل. إسرائيل جيدة".
سألته "جيدة؟ وما الجيد في إسرائيل؟"
تأمل جمعان لوهلة ثم قال. "في إسرائيل ثلاثة أمور جيدة...".
أثار فضولي فسألته "وما هذه الأشياء الثلاثة؟"
أكَّد بنبرة مشيخية "الاحترام والديمقراطية والحرية".
سألت "وكيف هو احترام إسرائيل؟"
قال جازما "في سنوات حكم إسرائيل الاثنتي عشر، لم نشهد حالة تحرش واحدة من الجنود براعياتنا عند وجودهن مع قطعانهن".
قلت "والديمقراطية؟ ما شأنها بكم أنتم؟ أنتم تحت الاحتلال".
وافقني قائلا "هذا صحيح. لكن عندما كانت مصر تحكم هنا، وكنت أذهب لمقابلة المحافظ في العريش، كان حرس البوابة يسألونني عما أريد، وحين أخبرهم يقولون لي ’اجلس هناك’ خارج المبنى. فقد أبقى جالسا طول اليوم ولا أقابل المحافظ لأن الحرس لا يخبرونه أصلا. في ظل حكم إسرائيل، حينما كنت أذهب إلى المحافظ، كان الحرس بمجرد أن أقول لهم يتصلون بمكتب المحافظ مباشرة، وأذهب إليه على الفور. وهذه هي الديمقراطية".
"والحرية؟"
أوضح جمعان "حسن، كما تعلم، يدعو محافظكم الشيوخ جميعا إلى اجتماع مرة في الشهر، فنفصح عن شكاونا ونسمع مطالبه. وفي أثناء الاجتماع يسمح لنا بالتدخين. وهذه هي الحرية".
الشرف والنقود
في سنة 1974، كنت وسط جمع غفير من البدو في رحلة حج إلى ضريح أحد أوليائهم المحليين، وفيما كنا جميعا جلوسا على الأرض في دائرة، بدأ نقاش بين شيخ اسمه منيفي الجبالي Munayfi al-Jabali، وقبليٍّ أصغر سنا اسمه سالم أبو صابحة Salim Abu Sabha  كان جالسا أمامه. كان الشيخ يسأل أبا صابحة عما جرى لشحنة حشيش كان يفترض به تسليمها إلى زملاء مهربين على ساحل مصر الشرقي. كانت المخدرات تقدر بمئة وأربعين ألف دينار، وهي عملة التهريب في ذلك الوقت (وتعادل مئتي ألف دولار أمريكي).
اعترف أبو صابحة، وقد اهتزّ قليلا، بأنه حينما كان في البحر في قاربه الصغير، هبّت عاصفة، وحاصرته وهو يدور حول شرم الشيخ، فأغرقت القارب. "ووقع كل شيء، بما في ذلك ’البضاعة’. وأنا نفسي لم أصل إلى الشاطئ إلى بأعجوبة".
قال الشيخ "ليكن. هم يريدون منك أن تحضر إلى مصر وتقسم على صدق روايتك. مئة وأربعون ألف دينار مبلغ كبير".
قال أبو صابحة ببساطة وقد استرد ثقته "حسن. سأذهب إليهم وأؤدي اليمين، لكن ليس قبل أن ينتهي الاحتلال [الإسرائيلي]".
كان الجميع يعلمون أنه لا أحد يعرف متى سيحدث ذلك، فانفجروا ضاحكين، وكانت إهانة للشيخ. فوجَّه إهانة مضادة وصاخبة لسالم "لأضعنَّ نعل حذائي في فمك" فكأنه قال "ستأكل الخراء".
ما كاد الجميع يتفرقون حتى كمن سالم وبعض أبناء قبيلته في بقعة نائية من الصحراء للمنيفي، وأطلقوا عليه الرصاص، وتركوه هناك يموت. غير أن الشيخ لم يعدم من عثروا عليه، فعولج وعاد إلى الحياة.
وعقدت إثر ذلك محاكمة بدوية، غرَّمت أبا صابحة تسعة عشر ألف دينار، وهو مبلغ ضخم بالنسبة لأي بدوي. ولكنه قبِل الحكم رابط الجأش بل بادي الفخر. كان سعيدا وقد علم الجميع أنه عازم دائما على صون شرفه، الذي مسه المنيفي بإهانته، مهما يكن الثمن. وتأكيدا على ذلك، مضى فامتنع عن الدفع للشيخ حتى بعد انتهاء التاريخ الذي حدَّده الضامنون.
في حالة وقوع مثل ذلك التأخير، يعطي القانون البدوي للمنيفي حق التوجه إلى الضامنين الذين يلزمهم القانون بفرض قوتهم على أبي صابحة لكي يدفع. غير أن الشيخ أعرض عن ذلك الخيار، مؤثرا عليه أن يعالج الأمر بنفسه. ولم يكن معنى ذلك إلا الثأر.
وهكذا هاجم أبناء المنيفي الأربعة في إحدى الليالي سالما في خيمته معتزمين قتله فلم يتمكنوا إلى من قطع أحد أصابعه. غير أن الأسوأ من ذلك أن زوجة سالم المستورة قليلا في أغطيتها كانت بصحبته في الخيمة وقاومت المهاجمين إنقاذا لزوجها. وعليه فقد تناوب الإخوة على إبعادها عن الشجار، غير قاصدين من ذلك ـ مثلما زعموا لاحقا ـ إلا حمايتها خشية أن يصيبها أذى. غير أن أبا صابحة أصر أن الاشتباك الجسدي مع امرأة، وإن غاب عنه الدافع الجنسي، يستوجب "محاكم شرف" من شأنها أن تتيح له ـ وفقا للقانون ـ تحديد أقصى الغرامات.
وفي تلك المحاكمة، التي حضرتها أيضا، خاطب سالم "قاضي الشرف" مؤكدا أن أبناء المنيفي "نفذوا هجمة في الليل الحالك وجاؤوا إلى امرأة في خيمتها وهي نائمة حاسرة الرأس". ودعمه آخر في المحكمة مستشهدا بالقول القانوني المأثور: "قد تأكل الذئبة قطيعها، ولا يقترب الرجل من راعية نائمة في مرعى أو يوقظها، خشية أن تكون مكشوفة الفم حاسرة الرأس. قال سالم "والأدهى أن أبناء المنيفي لمسوها لمسا. والقانون ينص على ’تغريم كل من يضع يده على امرأة’".
وفي النهاية، فإن المنيفي بسبب هجوم أبنائه الذي خرق قواعد الهدنة التي لا بد أن تسود خلال الإجراءات القضائية لم يخسر فقط التسعة عشر ألف دينار التي كان ينبغي أن يدفعها سالم في المحاكمة السابقة، بل صار عليه أن يدفع لسالم خمسة وثلاثين ألف دينار وذلك أساسا بسبب الاعتداء على زوجته.
حينما غادرت المحاكمة بصحبة الشيخ كنت أقول ما لعله يهدئه بعد خسارته إجمالي أربعة وخمسين ألف دينار، فتجاهل مخاوفي، وأكَّد على سروره. قال "لقد استرددت الآن شرفي. النقود تأتي وتذهب. إن كانت لدينا نقود فأهلا، وإن لم تكن لدينا فأهلا. لكن ما ينبغي أن يكون لدينا دائما هو الشرف. الشرف يظهر القوة ويحقق لنا الأمن".
الهوية
كنت كلما سألت بدويا سؤالا في تاريخ البدو ولم يعرفه أحالني إلى "الدير" جازما أن كل ما أريد أن أعرفه يمكن العثور عليه هناك مكتوبا. والدير المعني هو دي سانت كاترين القائم منذ سنة 565 في أفق جنوب سيناء الجبلي القاحل على جبل سيناء.
ولمعرفتي أن البدو أميون على مدار تاريخهم ولعلهم لم يدخلوا مكتبة الدير الشهيرة قط. فقد كنت أشك أن زعمهم ذلك لا أساس له، وأنه محض نتاج لتصوراتهم الفنتازية على مدار قرون حول البناء الأكثر مهابة في سيناء. ومع ذلك، وبفضل حاجتي إلى إكمال بعض المواد العشوائية، وغير المنتظمة في الغالب، التي سمعتها منهم، استسلمت أخيرا لاقتراحهم وقررت أن أزور الدير ومكتبته.
غير أن دخول المكتبة لم يكن بتلك البساطة. فقديما في عام 1859، تعرضت أنفس كنوزهم وهي مخطوطة سينايتيكوس Codex Sinaiticus  للسرقة على يد باحث ألماني يدعى قنسطنطين تيشندورف وضعها بعد ذلك بين يدي القيصر الروسي ألكسندر الثاني. فلمَّا حان الوقت وأردت استعمالها، كانت المكتبة مغلقة وممنوعة على الزوار منذ مئة وعشرين عاما. فرأيت أن خير سبيل لي هو أن أدعم نفسي برسالتي توصية: إحداهما من البطريرك الأرثوذكسي اليوناني في القدس والثانية من القنصل اليوناني في المدينة نفسها.
غير أنني وصلت إلى الدير النائي فلم تجدني الرسالتان نفعا. وبعد الحديث مع الرهبان المقيمين قال لي كبير الأساقفة دميانوس إن استعمال المكتبة أمر لا مجال له.
حزينا تركت الدير ومضيت أسير إلى سيارتي. وفي الطريق صادفت شخصا كنت أعرفه منذ عهد بعيد هو الشيخ محمد أبو لهيم Muhammad Abu Luhaym شيخ قبيلة الجبالية. وقد كانت هذه القبيلة ـ التي يقال إن أصلها من رومانيا ـ في خدمة الدير منذ ألف وأربعمئة سنة متصلة، فهي التي تطهو للرهبان، وتقوم بأعمال التنظيف والإصلاح ورعاية واحة الدير الفسيحة. فلعل تلك كانت أقدم رابطة تعاقدية في تاريخ العالم.
رأى محمد حالي فسألني إن كنت أواجه مشكلات. ولما حكيت له عن خطتي المحبطة لاستعمال المكتبة قال على الفور "لا تقلق. سأتولى الأمر".
رجعنا إلى الدير واتجهنا مباشرة إلى دميانوس. قال الشيخ بالعربية "دكتور بايلي صديقي ويجب السماح له بالعمل في المكتبة". فإذا بكبير الأساقفة على الرغم من دهشته الواضحة من ذلك التدخل السافر غير قادر على رفض طلب لشيخ قوة العمل كلها. فما كان منه إلا أن أبدى موافقته الفورية.
غير أن موافقة دميانوس قوبلت باستياء من الراهب الشاب بولس المسؤول عن المكتبة. واتضح هذا بعد أن فتح أمامي الباب العظيم المفضي إلى قاعة واحدة متوسطة الحجم هي المكتبة ذات الجدران الثلاثة المكللة بالأرفف الممتلئة بكتب بدا لي أنها كتب دينية سوداء الأغلفة حتى السقف. كيف كان لي أن أعرف ما الموجود أمامي؟ سألت بولس "هل لديكم فهرست؟" فردّ بجفاء "لا. وأسرعْ بالعثور على ما تريد واخرج".
بالبحث في الأكوام الغامضة ومن ورائي الراهب الفظ يلحُّ عليّ أن أسرع، علمت أنني لن أحصل على أي شيء ذي نفع. غير أن عيني وقعتا بغتة على مجموعة من ثماني أسفار عشوائية مغلفة بالجلد لكن ليس بينها ما هو مغلف بالجلد الأسود. تناولت أحدها فتكشف لي عن دفتر مكتوب فيه بالعربية الدارجة سجل تعاملات الدير مع البدو منذ القرن الخامس.
قلت للراهب على الفور "سآخذ هذه"، فجمعها بين ذراعيه ومضى إلى غرفة مجاورة بسيطة (هي التي تصادف أن الدير يعلق فيها مجموعة أيقوناته النادرة التي نجت من تحطيم البيزنطيين للأيقونات في القرن الثامن)، فوضع المجلدات على طاولة كتابة بسيطة كان علي أن أعمل عليها وتركني.
في اليوم الثاني من استعراضي للسجلات، صادفت صفحة يرجع تاريخها إلى القرن السادس لكنها تزعم أنها نسخة من وثيقة أقدم. كانت تحكي قصة قبيلة الشيخ محمد، أي الجبالية، وكيف أن الإمبراطور البيزنطي جوستانيان الأول الذي أقام الدير علم أن البدو المجاورين للدير يتحرشون بالرهبان، فأمر حاكم والاتشيا (وهي اليوم جزء من رومانيا) بإرسال مئة رجل بعائلاتهم لحماية رهبان الدير.
بمجرد اكتشافي هذا التوكيد للقصة الشفاهية الموروثة المتعلقة بالجبالية، دخل الشيخ محمد ودميانوس ليريا ما أفعله. فحكيت في إثارة عن اكتشافي، وأريته الصفحة. فأمرني قائلا "اقرأها" فتلوتها عليه حتى الجزء الأخير الذي ينقل عن جوستانيان قوله "سوف يكونون عبيدا للدير إلى الأبد" مستعملا كلمة عبيد abeed   العربية.
صاح محمد داكن البشرة قائلا "ماذا؟" وقد فهم كلمة عبيد بمعنى سود ذوي أصول أفريقية بحسب اللهجبة البدوية. صاح "هذا كذب. لسنا بعبيد"، فاتحا فمه بسبَّابتيه عن آخره وقال "عدّ أسناني. عندي اثنتان وثلاثون سنّة وكل الناس تعلم أن للعبيد أربعا وثلاثين". ثم رفع قدمه العارية حتى أرى باطنها وأمرني أن "انظر. ها هي مقوسة وكل الناس تعلم أن أقدام العبيد مفلطحة". وأخيرا أخرج قلما  من جيبه وأمرني بالعربية أن "اكشطها".
قلت "لا يمكن أن أكشطها. هذه الورقة ليست ورقتي". وألقيت نظرة على دميانوس فرأيت وجه الأسقف الهرم مصعوقا. وفي محاولة أخيرة لتهدئة الشيخ تناولت قاموسا عربيا كان معي وفتحته على كلمة عبيد. "انظر يا شيخ محمد. عبيد قد تعني عبيدا أو خدما أو معاونين أو عباد. ألا تعلم أن ’عبيد الله’ تعني عباد الله؟’". هدأ الشيخ قليلا وأبدى موافقة على مضض وغادر الغرفة مع دميانوس.
وبقيت في الدير أياما قليلة أخرى، محاولا إنهاء قراءة السجلات جاعلا واقعة الشيخ وراء ظهري. غير  أنني بعدما رجعت إلى البيت ونظرت في ملاحظاتي تبينت أنني بحاجة إلى نظرة أخرى على بعض النقاط. فرجعت إلى الدير بعد شهر بدون إنذار مسبق.
وفي طريق صعودي إلى المدخل، صادفت الشيخ محمد مثلما حدث في زيارتي السابقة. مندهشا من رؤيتي حيَّاني بحرارة وسألته بأدب "كيف حالك؟"
قال مبتسما "بخير. كل شيء بخير الآن".
سألته "ماذا تعني؟" وقد اندهشت قليلا "هل حدث خطب ما؟"
أخرج ورقة من الجيب العلوي في مغطفه العثمانلي، ولوَّح بها أمامي قائلا "أترى هذه؟ هذه رسالة من دميانوس يقول فيها إننا لسنا عبيدا. وهي في جيبي طيلة الوقت".
النساء وراء الرجال
في عام 1971، رتَّب حاكم وسط سيناء العسكري مع العديد من مشايخ البدو القيام برحلة بالجمال من بير حسنة Bir Hasana في جنوب ساحل المتوسط، نزولا إلى نقطة في جنوب شبه الجزيرة، في جنوب شرق السويس. يوفر كل شيخ الجمال للرحلة والرفقة للحاكم إذ يمرُّ بمناطقهم القبلية المتتالية. وكان للرحلة أن تستمر خمسة أيام.
دعيت للانضمام إلى الرحلة أنا وعالم آثار يعمل في سيناء هو وزوجته، وكذلك كاتب أدب رحلات وابنه. في مطلع كل صباح كان شيخ القبيلة ورجاله يسرجون الجمال ويجهزون ما نحتاج من طعام ولوازم. ثم ننطلق قاطعين قرابة خمسة وثلاثين ميلا قبل أن نخيم عند حلول الليل.
حل اليوم الأخير ونحن نتحرك في أراضي قبيلة العليجات Alaygat  بصحبة شيخ القبيلة سويلم الزميلي Swaylim al-Zumayli. في صباح ذلك اليوم بعد تناول كوب شاي كنت جالسا على ربوة صغيرة مع الشيخ سويلم نشاهد رجاله وهم يجهزون أغراضنا. لاحظت أن الجمل المخصص للحاكم موضوع وراء الجمل المخصص لزوجة عالم الآثار، فسألت الشيخ مداعبا "كيف يقرر رجالك أن يجعلوا امرأة تتقدم على الحاكم؟ هل تقصدون إهانته؟ هل تسمحون بذلك لو أنه بدوي؟"
مستشعرا أن حكما حضاريا يكمن وراء كلامي، برّأ نفسه قائلا "أصبت يا دكتور. لكننا نعرف أنكم مختلفون".
قلت بباعث من الاهتمام "ليكن يا شيخ سويلم. لكن من أين ينبع ترتيب الرجال والنساء بينكم؟"
قال بنبرة من يقر حقيقة "منكم أنتم. ومن سيدنا موسى". ومضى يوضح "كما تعلم، ثمة دم بين بيني إسرائيل وبني فرعون. في يوم من الأيام كان موسى يسير في شارع ورأى مصريا يتشاجر مع إسرائيلي ويوشك أن يغلبه. فضرب المصري وقتله. ولما سمع فرعون بالأمر اهتاج. وجاء الناس إلى موسى ونصحوه بالهرب"، ومال الشيخ سويلم ناحيتي ليرى إن كنت أدركت المغزى.
سألت نافد الصبر "لكن ما علاقة هذا بالنساء والرجال؟"
قال "هرب موسى إلى الصحراء حتى أقبل على بئر يدعى بئر مدين. ولما رأى الناس هناك يسقون قطعانهم، ظن أنه خير له أن يجلس مستندا إلى شجرة قريبة ليستريح حتى ينتهوا. وغلبه النوم.
فلما استيقظ رأى راعيتين لا تزالان عند البئر، لكنهما لا تستطيعان أن تسقيا قطيعهما. كان بعض الرعاة قد أغلقوا البئر بحجر ضخم  لم تستطع الراعيتان زحزحته. ذهب موسى ليرى ما الأمر، فحكتا له مشكلتهما. فرفع بنفسه الحجر (الذي يحتاج إلى رجلين لرفعه) وتقدم ليسقي الماعز. ولما انتهى، رجع إلى الشجرة وجلس ورجعت الفتاتان إلى البيت، وهما ابنتا شعيب.
حكتا لأبيهما لما وصلتا عن الغريب الذي حرَّك الصخرة وسقى لهما القطيع ولم يقل لهما كلمة واحدة غير لائقة. سألهما ’أين ذلك الرجل القوي المهذب؟’ ووبّخهما قائلا ’لمَ لمْ تدعواه إلى الطعام في خيمتنا؟’ وقال لإحداهما ’اذهبي إليه وقولي له إن أباك يريد أن يقابله’
فذهبت ابنة شعيب إلى موسى تحت الشجرة. وقالت له إن أباها يدعوه إلى خيمته. سألها ’أين يعيش أبوك؟’ فقالت ’سأريك. اتبعني’ ومضت تتقدمه.
وفي الطريق هبَّت الريح فرفعت ثوبها ورأى موسى فخذيها. فصاح ’لا. بل تسيرين ورائي وتقولين لي: اتجه يمينا أو يسارا’.
ومنذ ذلك الحين يا دكتور تمشي نساء البدو خلف رجالهن".

نشر الموضوع أصلا في مجلة هدسن رفيوـ عدد ربيع 2018