الجمعة، 3 فبراير 2012

في قبوي

المستطيل الأخضر 

أخيرا، بنى البيت. تنهد في سعادة. وقال لابنيه في أسى "الله يرحمها، كان حلمها هي الأخرى". وقرأ الثلاثة الفاتحة.
كان هناك مستطيل صغير فارغ، تصور الولدان أنه جراج رائع، يسع سيارتين واحدة أمام الأخرى، لا تنقصه إلا مظلة. لكنه قال لهما إنه حديقة صغيرة لا تنقصها إلا تكعيبة عنب. قالا له إن الأرض هنا لا تصلح لزراعة أي شيء، وكانت الأرض فعلا لا تثمر إلا ملحا أبيض بين الحين والآخر. وهو كان يرى هذا الملح، ولم يكن يقول لأبنائه عن تفسيره له.
تفسيره أن هناك بحرا تحت هذه الأرض. وشمسا تحت هذه الأرض، وأن هذه الشمس تشرق فوق هذا البحر، وتبخر ماءه، فيكون هذا الملح. ومع أنه كان يعرف بوجود ذلك كله تحت مستطيله الصغير، بقي مصرا على أنه حديقة. وأن عدم كونه حديقة إلى الآن هو السبب في كل هذه التعقيدات دون الأرضية.
هكذا، بقيت السيارتان خارج البيت، بينما أخذ هو يرمي في الأرض بذورا، ويغرس شتلات، وبصيلات، وجذورا، ولكنه للأسف الشديد، لم يعش ليرى تكعيبة العنب التي حلم أن تظلل حديقته الصغيرة. فالحقيقة أن هذا العنب يظهر قط، ولم يظهر إلا المزيد من الملح. والمزيد من الملح. والمزيد من الملح. كأنما وجوده ـ عليه رحمة الله ـ كان يحول دون أن يستأسد الملح على المكان.
كانت شبابيك في طوابق البيت، الأرضي، والأول، والثاني، تطل على المستطيل، فكان ولداه وزوجتاهما وأبناؤهما يطلون منها ويرون كأن عندهم وحدهم دون كل البيوت جليدا، وأحبوا ذلك بقدر ما قلقوا منه. وقرروا أنه لا بد من إزالة الملح الذي يرتفع مستواه بصورة تنذر بخطر لم يعرفوا طبيعته بدقة.
نزل الولدان، مسلحين بأدوات استعاراها من الجيران، وراحا يعبئان الملح في أكياس وأكياس يلقيان بها حيث يلقي أهل الحي قمامتهم. وخلا المستطيل آخيرا إلا من آثار ملحية بسيطة هنا وهناك ودخلت السيارتان، ووقفتا واحدة وراء الأخرى. وانبسط الولدان مما قاما به.
وفي الصباح وجدا إطارات السيارتين وقد تراكم من حولها الملح، وبات مستحيلا أن تتحرك. وقفا في ذهول لا يعرفان ما العمل. السيارات هكذا ستتعرض لأذى بالغ بلا شك. قال أحدهما عندي فكرة.
وفعلا، أمسك كل واحد منهما خرطوم ماء، ووقفا ساعات يصبان الماء على الملح، وقليلا قليلا، بحلول آخر النهار، كان الملح قد انساب في الشارع مع الماء ونجت السيارتان. وطبعا، بقي المستطيل في تلك الليلة فارغا تماما من الملح والسيارتين معا، وبقي الطين فيه يجف ببطء شديد، وذات صبح ظهر للولدين فيه مقعدان متقابلان.
مقعدان معدنيان، يبدوان قديمين جدا، ولكنهما مع ذلك يلمعان لمعة مبهرة، خاصة في شمس الضحى ذلك. لم يضع وقت طويل في الدهشة، ولكن ضاع وقت طويل في محاولة زحزحة المقعدين. اضطر الولدان أن يحفرا من حولهما، أن يبحثا في أعماق الأرض عن آخر لسيقان هذين المقعدين، وبلا أمل. كانت سيقان المقاعد تمتد إلى أعماق مجهولة من المستطيل؟ أهال الولدان التراب على الحفرة العميقة، سويا الأرض مرة أخرى من حولهما. وفي تعب شديد، وإعياء بالغ، صعدا كل إلى شقته، لا يريد إلا أن ينام.
وطوال الليل، كان كل واحد منهما يظن أن الدردشة الخافتة والضحك الصاخب اللذين يسمعهما إنما يصدران عن أخيه وزوجته. وفي الصباح تعاتبا على ذلك، ففهما أن كليهما بريئان. ورأيا المستطيل حول المقعدين مملوءا بقشر اليوسفي والبرتقال، ورأيا أعشابا صغيرة تحاول أن تخترق الأرض هنا وهنا.
يوما بعد يوم، أخذت أعشاب تكثر، وزهور تظهر، ودائما كان على أحدهما أن يجمع في الصباح قشر اليوسفي والبرتقال. وليلة بعد لية، كان كل واحد فيها يقف قليلا في الشباك، يدخن، مصغيا إلى دردشة لا تنتهي، مستمتعا بحكايات، يمنعه الحياء أن يحكيها في الصباح، حتى لأخيه.