الأربعاء، 28 ديسمبر 2011

محفوظ ... صاحب الحرافيش *

جيه إم كوتزي


غزا نابليون بونابرت مصر سنة 1789، فأفاق عرب الشرق الأدني بغتة من طول سبات. ووجدت مصر ـ والمنطقة كلها من ورائها ـ أنه لم يعد بديل عن أن تدير وجهها لتركيا وتوليه شطر أوربا. وتسللت حزمة من الأفكار العلمانية ـ التي أطلقت شرارة الثورة الفرنسية ـ فعبرت الحواجز التي كانت قائمة تفصل بين الإسلام والغرب.

غير أن العالم الإسلامي كان لفترة طويلة سابقة على عام 1789 مثار اهتمام الغرب، وموضعا مناسبا لمجال معرفي كامل يشترك فيه البحث والأسطورة، هو الذي أطلق عليه إدوارد سعيد اسم "الاستشراق ". وفي المقابل لم يكن الإسلام يعرف ـ أو يكترث بمعرفة ـ الكثير عن الغرب. فلم ينشأ فيه ما تمكن تسميته بالاستغراب ولم تظهر فيه رؤية للغرب تصوغها فنونه وعلومه.

ومنذ ما بعد نابليون، وعلى مدار قرن ونصف القرن، استمدت الدول الإسلامية جملة من المفاهيم والمؤسسات الغربية واعتبرتها جزءا أصيلا من عمليتها التحديثية. وإن كثيرا من الاضطراب الذي تشهده المنطقة اليوم لنابع من الفشل في تهيئة هذه المفاهيم الغربية ذات الجوهر العلمانية من قبيل الديمقراطية واللبرالية والاشتراكية تهيئة كاملة واستيعابها الاستيعاب الكامل. والسؤال الذي تواجهه المنطقة اليوم هو: "هل بوسع ثقافة أن تكون حديثة بدون أن تنتسب إلى الحداثة، أو بعبارة أخرى، هل لثقافة أن تكون حديثة بدون أن تمر بالثورة الإبستمولوجية بكل ما فيها مما نشأت منه المعرفة العلمية الغربية؟ إن المظهر الخارجي في العالم الإسلامي مظهر حديث ولكنه ـ كما يكتب "داريوش شاييجان" ـ مظهر شائه. فلقد تم استيعاب الحداثة، لكنه استيعاب "مبتور". ولذا فإن العالم الإسلامي من الداخل لا يزال "متخلفا وراء الحداثة".

كانت الرواية من جملة الأشكال الفنية التي استوردها العالم الإسلامي من الغرب. وقد جاءت الرواية، بما هي جنس حكائي ـ لا سيما الرواية الواقعية ـ مزودة بمتاع ثقافي ثقيل. وهي لا تشغل نفسها بتقديم أمثلة من الحياة يُحتذى بها، بل هي معنية بمصائر الأفراد وألوان معاناتهم. وهي تكن العداء للتقليد والاتباع، إذ الابتداع والأصالة والتفرد قيمها. وهي تحاكي نموذج دراسة الحالة العلمي أو المذكرة القانونية أكثر مما تحاكي حواديت السهر والتسلية. وهي تزهو بلغة خالية من التنميق، وملاحظة نثرية ثابتة، وتسجيل للتفاصيل. وهي الأداة المثالية التي يتوقع المرء من تاجر بورجوازي أوربي أن يستخدمها في تسجيل مثله ومنجزاته والاحتفاء بها.

ظهرت أولى الروايات غربية الأسلوب في اللغة العربية قبل قرن من الزمان. ومنذ ذلك الحين ازدهر هذا النوع الأدبي في مصر على وجه خاص، حيث كان المجتمع المدني والإحساس بالهوية الوطنية أشد قوة منهما في غيرها من البلاد العربية. هنالك ولد الجسر العظيم نجيب محفوظ سنة 1911. وبرغم أن محفوظ قد لا يحظى اليوم بمثل ما حظي به في خمسينيات القرن الماضي وستينياته من اهتمام في الوسط الأدبي، إلا أن نموذجه هو الذي دفع بالرواية إلى التقدم في العالم العربي، من مراكش إلى البحرين.

2

محفوظ في المقام الأول هو روائي القاهرة، والقاهرة الفاطمية على وجه التحديد ["قاهرة العصور الوسطى" في الأصل] تلك المنطقة التي لا تتجاوز كيلو متر مربعا في قلب الحاضرة القاهرية العملاقة (التي يقدر عدد سكانها اليوم بست عشرة مليون نسمة). يتذكر محفوظ أنه وقف طفلا في شباك بيت أسرته في حي الجمالية يشاهد الجنود البريطانيين وهم يحاولون منع مظاهرة من مظاهرات ثورة 1919 (والمشهد حاضر في "بين القصرين"). وبرغم أن أسرته هجرت الجمالية وهو في الثانية عشرة من عمره، بقيت أزقتها بمزيجها الطبقي الاجتماعي في مركز عالمه الروائي. ويكتب الروائي المصري "جمال الغيطاني" قائلا إن بوسع المرء أن يجد بسهولة في هذا الزقاق قصرا تحيط به حديقة واسعة غناء يلتصق به مباشرة بيت تاجر بسيط. وفي الجوار قد يوجد ... سكن لعشرات من الفقراء". (والحي منذ ثلاثينيات القرن الماضي في تدهور مستمر حتى لقد بات الفقر في أزقته مستعصيا).

تتخذ روايات مرحلة محفوظ الواقعية ـ لا سيما "زقاق المدق" (1947) والثلاثية (1956-1957) ـ من حي الجمالية مسرحا لها تحاكيه بدقة. ولكن هذا الإخلاص للواقع تبدد ـ بحلول عام 1959 وصدور "أولاد حارتنا" ـ وتسرب إلى أزقة الحي عنصرٌ خرافي من شوارع بغداد في "ألف ليلة وليلة".

تركز روايات محفوظ الواقعية على أبناء المدينة. لا أثر فيها للفلاحين أو الريف، بل ولا يبدو لأن لأبناء المدن في رواياته أقارب في الريف. ولو أن ثمة شيئا يناقض المدينة فهو المدينة نفسها وإن في مرحلة أسبق من نموها، وليس القرية. ومحفوظ يتعامل في الأغلب مع أشخاص معوزين يناضلون من أجل البقاء في أوقات الشدة، ويبذلون أقصى ما في وسعهم لمجاراة الطبقة الوسطى في نمطها السلوكي والمظهري.

ولقد انتقد "أميتاف جوش" وغيره ما نتج عن ذلك من ضيق في نطاق الرؤية. ويرى جوش أن المعايير التي تلتزم بها العائلات في أدب نجيب محفوظ هي أقوى في علاقتها بتقاليد الاحترام [البريطانية] الفكتورية منها بالتراث المصري. ولكن هذه القراءة التي توحي بأن قلب نجيب محفوظ معلق بنسخة مقلدة من المثل الغربية (سرعان ما سيتجاوزها الزمن) هي قراءة يغيب عنها ما يقوله محفوظ في لحظات أشد سوداوية عن أخلاقيات الاحترام. فـ "بداية ونهاية" (1949) على سبيل المثال، رواية تصور الجهود المضنية التي تبذلها عائلة بورجوازية صغيرة لتمويل صعود أحد أبنائها إلى طبقة ضباط الجيش، وما يلي ذلك من جهود يبذلها الابن تنكرا لأصوله الاجتماعية المتواضعة، وهذه الرواية لا تقل قسوة ووحشة عن أي شيء خطه قلم [الروائي الأمريكي ثيودور] دريزر.

تقوم شهرة نجيب محفوظ ـ عن استحقاق ـ على إنجازه في الثلاثية ("بين القصرين" و"قصر الشوق" و"السكرية") والتي عدت فور ظهورها معيارا جديدا للرواية العربية. ترصد الثلاثية ما يطرأ من تحولات على جيلين في عائلة مصرية تنتمي إلى الطبقة الوسطى ابتداء من ثورة 1919 وحتى الحرب العالمية الثانية. وهي تسجل في صفحاتها المتهادية تحرر المرأة التدريجي، وتضاؤل التزام الطبقة الوسطى بالدين، وعلو مكانة العلم وغيره من المظاهر الثقافية الغربية. وتبرز من بين طائفة من الشخصيات المفعمة بالحيوية شخصيةُ التاجر السيد أحمد: فهو في البيت طاغية قاهر لزوجته وأولاده، أما في سهراته خارج البيت فهو رجل ظريف متعوي، يستطيب الطعام والغناء، وعاشق لبنات الهوى لا ينقصه السخاء. أما ابنه الذكي المحبوب كمال ـ وهو مجايل لنجيب محفوظ نفسه ـ فيكبر على مدار الرواية إلى أن يصير مثقفا وطنيا شابا مأزوما.

أما عن الأسلوب والمنهج السردي، فتنبع الثلاثية (التي اكتملت كتابة سنة 1952 وإن لم تنشر إلا بعد أربعة أعوام) و"بداية ونهاية" السابقة عليها من دراسة محفوظ الدءوب للرواية الغربية. فكلتا الروايتين تحتذيان مثال أساتذة الواقعية الغربية المتزنين. وأفضل ما في الروايتين أنهما تعلوان على مجرد التأريخ الدقيق لأقدار عائلة وتشريح عاداتها، إلى فضح بارد وإن يكن محبا للأكاذيب التي لا يرى الناس ـ لا سيما من أبناء الطبقة الوسطى ـ غضاضة من التعايش معها، وهو ما تفعله الروايتان بثقة تحيل المرء إلى تولستوي.

3

واجه محفوظ ـ شأنه شأن سلمان رشدي ـ مناوشات جدية من السلطات الدينية الإسلامية. وإن مجرد خروجه منها دون أن يصيبه أذى ليكشف عن حنكة سياسية كبيرة من جانبه، واستعداد لتقديم تنازلات رمزية كلما لزم ذلك. ولقد كان الصراع قائما على رواية "أولاد حارتنا" التي نشرت مسلسلة في الأهرام سنة 1959 ولم تصدر في كتاب داخل مصر نهائيا (لولا أنها نشرت مكتملة في بيروت سنة 1967).

تدور أحداث "أولاد حارتنا" ـ شأن روايات كثيرة أخرى لمحفوظ ـ في حارة واحدة من حواري القاهرة. وهي أليجوريا معقدة تلعب دورين متزامنين على المستويين الديني والسياسي. فهي ـ من حيث كونها أليجوريا دينية ـ تبدأ بقيام الجبلاوي ـ وهو الشخصية شبه الإلهية ـ بتأسيس قصره وتمضي إلى سرد قيام ولده الأصغر أدهم ـ أو آدم ـ بخيانة ثقته، وما يلي ذلك من تأسيس الحارة وجهود سلسلة متعاقبة من القواد الأبطال (الذين يناظر الثلاثة الأوائل منهم موسى وعيسى والنبي محمد، ورابعهم رجل عصري، عالم) لتغيير المصير الذي انتهت إليه الحارة وأهلها الذين استولى عليهم الفتوات. ولقد بين محفوظ الرسالة السياسية للرواية في حوار أجري معه سنة 1975، فالفتوات المسيطرون على الحارة يناظرون ضباط الجيش من زملاء ناصر: "السؤال الذي ... كان يزعجني هو: هل نحن في طريقنا إلى الاشتراكية أم نحو إقطاع من نوع جديد؟"

وليس من المدهش في شيء أن هوجمت "أولاد حارتنا" بدعوى الهرطقة. فأبى محفوظ، احتراما للمشاعر الدينية، أن يتحدى حكم الأزهر ـ وهو المؤسسة الإسلامية العليا في مصر ـ بحظر الرواية: وكان يرى أنه ليس من الحكمة في شيء أن يعادي الأزهر في مسألة بسيطة نسبيا، في حين أن مساندة الأزهر قد تلزم في مناهضة ما أطلق عليه محفوظ "الشكل القروسطي من الإسلام" أي الحركة الأصولية بعبارة أخرى.

وبدا أن هذه التسوية نحَّت المواجهة مع السلطات الإسلامية. غير أن الفوز بجائزة نوبل سنة 1988 تسبب في تجديد الضغط الرامي إلى نشر الرواية داخل مصر، وكانت الرواية آنذاك قد بلغت من العمر ثلاثين عاما. ولم يمض وقت يذكر حتى هبت عاصفة سلمان رشدي، فاقترنت "أولاد حارتنا" في الإعلام مع "الآيات الشيطانية" وتعرض محفوظ لضغوط من أجل إعلان موقف من موقع الكاتب في المجتمعات الإسلامية. فجاء كلامه واضحا في مساندته لحرية التعبير، وأدان فتوى الخوميني. وفي المقابل، هاجمه الأصوليون واتهموه بـ "التجديف، والردة، والماسونية" وأصدر مفتي إحدى الجماعات الأصولية فتوى ضده جاء فيها أن "محفوظ ... مرتد. وإن لم يتوبوا، فليقتلوا". ولا يكاد المرء يشك في أن وراء فتوى الحرمان هذه استياء من مساندة محفوظ لشكل من أشكال التعايش مع إسرائيل.

4

كانت ستينيات القرن العشرين سنوات سوداء على مصر. فقد كان الوجه القمعي لنظام ناصر الحاكم يزداد سفورا كل يوم، وباتت الآمال تخيب، لا سيما بين المثقفين. وعبّر محفوظ بمواربة عن استيائه وغمه في روايات مثل "اللص والكلاب" (1961) و"ثرثرة فوق النيل" (1966) واللتين استخدم فيهما البارودي لمهاجمة الطبقة العليا من المجتمع وانتقاد مجونها وهروبها من الواقع، وأثارت هاتان الروايتان غضب الناصر، ولم يتم نشرهما إلا بعد تدخل من البعض دفاعا عن الكاتب. وبعد هزيمة 1967 العسكرية بات الجو غير مريح للمتشككين والمنتقدين، ولم يعد بوسع محفوظ أن يعتمد على ما حماية بعض الرعاة له من أمثال وزير الثقافة آنذاك ثروت عكاشة. وجاءت وفاة عبد الناصر بالفرج، وفي رواية "الكرنك" (1974) ـ التي لا بد أن نقول إنها صدرت بعدما انتقد أنور السادات بنفسه تجاوزات ناصرـ قام محفوظ بتوثيق بعض الممارسات الرهيبة التي تمت على أيدي شرطة ناصر السرية".

لم يكن محفوظ يوما كاتبا متفرغا، ففيما بين عامي 1934 و1971 كان موظفا، ولفترة من هذه السنوات كان على رأس جهاز الرقابة على السينما والمسرح. وبعد تقاعده سنة 1971، انضم إلى فريق تحرير جريدة الأهرام المرموقة، ومن خلال دوره ذلك، نصح في عام 1975 بأن تسعى الدول العربية إلى إيجاد سبيل للتعايش مع إسرائيل. وفي وقت لاحق على ذلك، أيّد علنا اتفاقية كامبد ديفيد، فكان أول كاتب عربي كبير يتخذ مثل ذلك الموقف، ومن هنا سر منع كتبه لبعض الوقت في بلاد عربية معينة. وفي مقالاته الصحفية أيضا أعرب عن استيائه البالغ من سياسات السادات الاقتصادية التي بسببها ـ فيما يرى محفوظ ـ ازداد الفقراء فقرا والأثرياء ثراء".

وعلى الرغم من سجل محفوظ المشرف ـ والحذر أيضا ـ في الاستقلال، انتقده البعض بدعوى توقفه عن مسايرة الزمن. فالكاتب اللبناني "إلياس خوري"، على سبيل المثال، يرى أن محفوظ فشل في إزالة التوتر بين مشروعه الضخم المعني بالتأريخ لصعود الطبقة التي كان يعرفها، وهي طبقة البورجوازية الصغيرة القديمة، إلى السلطة وبين الضغط ـ لا سيما في أعقاب حرب 1967 ـ من أجل إفساح المجال للهموم السياسية والأخلاقية الأوسع. يرى خوري أن تحول محفوظ عن الواقعية إلى الرمزية والأليجوريا كان عرَضا ـ بالمعنى الأدبي ـ لفقدان الصلة بالطبقة التي كانت تشغل حقا موضع المركز من النضال الاجتماعي في مصر الراهنة.

وهناك انتقادات أخرى من ذوي التوجه النسوي، فبعضهم يرى أن تراجع محفوظ عن تقديم الشخصيات النسائية المعقدة ذوات الأهمية الاجتماعية التي انتشرت في رواياته الواقعية (مثل نفيسة في "بداية ونهاية، وهي امرأة دميمة ترضى بالفقر والعنوسة من أجل مستقبل أخيها المهني لكنها تعجز عن قهر حاجاتها الجنسية فينتهي بها الحال إلى علاقات مهينة مع رجال يستعملونها ثم يسخرون منها) إلى النساء الأقرب إلى النمطية في كتبه الأخيرة لا يعدو كونه رد فعل دفاعيا على حركة نسوية جادة جديدة. ولقد جاء رد محفوظ على هؤلاء الذين انتقدوا تحوله إلى الأليجوريا والرمز بقوله إنه شعر في خمسينيات القرن العشرين بأنه من الملائم أن يكتب على غرار الواقعية الأوربية، ففقد من ثم الاهتمام بالفرد من حيث هو فرد يعيش بيئة تاريخية ومادية معينة. وهو يؤثر في التالي من أعماله أن يستخدم لغة قصصية أكثر كثافة وشعرية، وأقل "حداثة" مما استخدم أساتذة سنوات عمره الأولى من الأوربيين.



5

العنوان ذاته غامض، أعني عنوان الرواية السادسة عشرة من سلسلة محفوظ الجميلة التي تصدر عن دابلداي .. أعني"الحرافيش". "الحرافيش" مفردة عربية، ولكنها لم تعد مستخدمة في العربية الحديثة. وكانت في العصور الوسطى تعني الحشود المتقلبة ، تعني فقراء المجتمع في تجليهم المهتاج الخطير. ومن ثم فعنوان "ملحمة الحرافيش" العربي يمكن أن يصبح بالإنجليزية [ما معناه] "ملحمة الرعاع أو "ملحمة الدهماء " غير أنه لا الرعاع ولا الدهماء بالكلمة المنصفة للحرافيش حسب ما نراهم في الكتاب: اهتياجهم مؤكد، ولكنهم بالدرجة الأساسية متفتحو الأذهان قادرون على التجاوب مع القيادة الرشيدة. ولقد أبقت "كاثرين كوبهان" في ترجمتها على المفردة العربية مشيرة إلى أن محفوظ يستخدمها "استخداما إيجابيا كتسمية لأبناء من الشعب العاديين" (ولا يملك المرء إلا أن يلاحظ أن اللغة الإنجليزية خالية من كلمة حاوية لهذا المفهوم ـ فلماذا؟)

تدور أحداث الحرافيش (التي صدرت للمرة الأولى سنة 1977) في حارة من حواري القاهرة القديمة. وهي تتناول حياة أبناء هذه الحارة، لكنها أكثر تركيزا على زعماء العصابة، الذين يديرون شئون الحارة جيلا بعد جيل. كان أول هؤلاء الزعماء مكاريا رقيق الحال يدعى عاشور. يستبصر عاشور في حلم أن وباء سوف يصيب القاهرة، فيلوذ بالصحراء هو وزوجته وابنه. وعندما ينتهي الوباء يرجع إلى المدينة الهالكة، فيستولي على قصر مهجور، ويعيد توزيع الثروة التي يجدها في هذا القصر بهدف إحياء اقتصاد الحارة. ويقضي فترة في السجن تعزز صيته بين الفقراء بوصفه "عاشور الناجي"، ويخرج من السجن خروج الأبطال، ويتولى رئاسة العصابة، فيحمي من موقعه هذا حقوق البسطاء ويخلق جوا من الإيمان والتقوى".

إلى أن يختفي عاشور ذات ليلة في غموض. ويبتهج التجار، لولا أنها بهجة لا تطول. ففي غمار سلسلة من المعارك مع عصابات الحارات المجاورة، يؤكد شمس الدين الناجي ـ نجل عاشور ـ تفوق عصابة الناجي، وفي ظل قيادته الجديدة ينعم الحرافيش بمزيد من الرغد والعدالة.

غير أنه مع وصول الناجي الثالث، واسمه سليمان، تبدأ السلالة في الانحدار. حيث تمتد يد سليمان إلى الإتاوات ـ التي كان أفراد العصابة يحصّلونها نظير الحماية وينفقونها من بعد على الفقراء ـ ويبدأ أهل الحارة الفقراء في المعاناة في حين يثرى أفراد العصابة. أما عن ابنيْ سليمان، فإنهما لا يفهمان أن الرغد ـ الذي يعيشان فيه وتعيش فيه الحارة ـ يستند إلى ما للعصابة من قوة ومكانة. فيتفانيان في جمع المال، وتخرج الفتونة من آل الناجي، وسرعان ما تتحول عصابة الفتوات الجدد إلى أداة استغلال أكثر منها أداة حماية لأهل الحارة. (وفتوات القاهرة القديمة الذين يصورهم نجيب محفوظ مذبذبون بين هذين القطبين لا يكادون يختلفون في جوهرهم عن عصابات الجيتوهات في المدن الكبرى اليوم).

وعلى مدار ثلاثة أجيال أخرى يتواصل الانحدار، انحدار الفتوات والحارة سواء بسواء. ويعيش الحرافيش عيش الفقر والبلادة، قاطعين الرجاء في عودة عاشور الناجي. وتنتقل الفتونة إلى "جلال"، وهو طاغية عاتٍ يقيم لنفسه بالفساد والغصب قصرا منيفا حافلا بالنفائس، ثم إنه يستعين بعراف شهير ويكرس كل جهده للوصول إلى سر الخلود. ويتهامس الحرافيش ـ وهم يلعبون دور الكورس الإغريقي في التعليق على أفعال الأقوياء ـ بأن نسل عاشور خانوا عهده، وأن نظام الفتونة تحول إلى "فاجعة مؤبدة".

وتضرب مجاعة القاهرة. ويختزن التجار الطعام، ولما يتمرد الحرافيش، يقابل الفتوات تمردهم بقمعه، وينزلون عقابهم على الفقراء، ويسبغون حمايتهم على الأثرياء. وفي ظل هذه الفتن يأتي من نسل عاشور الناجي رجل بسيط اسمه "فتح الباب" فيوقد الشرارة ويطلق انفجارة العنف الشعبي. ويمنى الفتوة بالهزيمة، ويكون مصيره الطرد من الحارة، ويولَّى فتح الباب الفتونة بدلا منه. فيحاول أن ينهي ما دأب عليه الفتوات من سلب ونهب ويعود إلى طريق خدمة الفقراء، لكن أتباعه من الفتوات يغتالونه ويغرق الحرافيش من جديد في سبات عظيم.

في تلك الأثناء، وفي عطفة مجهولة، يظهر شاب اسمه عاشور، وهو من أقارب فتح الباب. يتأمل في سيرة سميه الأسطوري، وفي مقدرته على الجمع بين القوة والفضيلة، ويجازى على تأملاته برؤيا، يتحدى على إثرها الفتوات، وإذا بالحرافيش في لحظة عجيبة يصطفون بجانبه وتحت لوائه اصطفافا عفويا. "وإذا بالحرافيش ـ وهم الأغلبية الكاسحة من أهل الحارة ـ توحد قواها بغتة وتسود على النبابيت والهراوات وإذا الخيط الذي كانت تنتظم به الأشياء وقد انقطع. وبات أي شيء ممكنا وإذا بعاشور الناجي، زعيم الحرافيش الجديد، يحولهم من لصوص وشحاذين إلى أكبرعصابة من الفتوات عرفتها الحارة؟ ويفرض ضرائب باهظة على الأثرياء، ويؤسس جيشا شعبيا، ويخلق وظائف، ويقيم مدارس. وابتدأ عهد في تاريخ الفتونة اتسم بالقوة والنزاهة.

تلخيص كالذي سبق لا يمكن أن ينقل عبق كتاب محفوظ هذا. والحرافيش ليست رواية بل هي سلسلة حكايات متصلة. وليس للحكايات بطل مشترك، وإن أمكن القول بأن لها جميعا ضحية واحدة: أي البائسين من الناس. ولقد رجع محفوظ في أسلوبه السردي في هذا الكتاب إلى الحكي الشفاهي الشعبي. وبهذا المعنى يكون الكتاب جزءا من مشروع ليس محفوظ إلا مساهما فيه (بل ربما يقوده كتاب مصريون أصغر منه في السن مثل "جمال الغيطاني")، وهو مشروع إعادة تعريف القص النثري العربي الحديث، وإقامته على أصوله الكلاسيكية والفولكلورية، والنأي به عن أعراف الواقعية الغربية التي اعتنقها في فترة سابقة.

لعل قراء الحرافيش الغربيين يواجهون مشقة في طائفة ضخمة من الشخصيات المارقة ذات الأسماء غير المألوفة وبانشغال القصة العميق بالسلالة والإرث. ففي منتصف الطريق، ووسط الفصول المخصصة للأشرار من نسل الناجي، قد يفتقد القراء مواضع أقدامهم (وربما اهتمامهم) بمن تزوج ممن، ومن أنجب من. وفي تلك اللحظات سوف يكون من المفيد أن نتذكر أن الثقافات الشفاهية ـ أو الثقافات ذات الأسس الشفاهية القوية ـ تدرب ملكة الذاكرة بطريقة لا تراها الثقافات الكتابية ـ ناهيكم عن الإلكترونية ـ لازمة (والكتابة ـ في نهاية المطاف ـ اختراع غايته التعامل مع استحالة تذكر كل شيء).

قد يبدو نثر الحرافيش كليشيهيا ، ولكن ما من شك في أن محفوظ يستمد قوة من الكليشيه. ففي ذرى رواياته الواقعية الأولى، أعني الذرى العاطفية، لا سيما في وصفه لمشاهد الحب ـ وهو أمر كثير التواتر في عالمه ، حيث الفتيان والفتيات المضطرمون جميعا بالرغبة الجنسية لا يجدون فرصا كافية للتلاقي فلا سبيل أمامهم إلا الارتداد إلى شرر النظرات الخاطفة المشحونة ـ يقع محفوظ بسهولة بالغة في ما يسميه جالن ستراوصن بـ "زخرف العربية القديمة" من قبيل القلب الخفاق والدم الملتهب، إلخ.غير أن اللغة القديمة ترد في سياق الحكي وقد ارتدت إلى الحياة في طزاجة مدهشة:

رآها لأول مرة في موسم القرافة ... سمراء غامقة السمرة، ضاربة للسواد، ممشوقة القد، واضحة القسمات مفصلة الأعضاء، باسمة الوجه، فائضة الحيوية والأنوثة مثل نافورة، فاضطرم بالرغبة والاندماج، تلاقت الأعين في حب استطلاع متبادل، واستجابة عامة مثل أرض خصبة. انصهر بأسرارهما الهواء المطهو بأشعة الشمس والأنفاس الحارة والأحزان وشذا الخوص والريحان والفطائر. مال نحو منعطفها مثل عباد الشمس، واستحثه الموت المحيط بأن يسرع وألا يتردد.(المطارد ـ الحكاية الرابعة من ملحمة الحرافيش)

برغم أن تاريخ الحرافيش يجري ـ وفق أي حساب ـ على مدار قرون عديدة، لا دليل على أن تغيرات العالم الخارجي تنفذ إلى الوجود المغلق داخل الحارة. وليس للأمر علاقة بأن الحارة توصد نفسها دون التاريخ المصري بل هو تجاهل محفوظ لطغيان الزمن التاريخي أو تحييده له. فحتى في أيام عاشور الأول، على سبيل المثال، كان الناس يقيمون منازلهم بأسطح من الصفيح ويحصلون من السلطات على رخص لبيع الكحوليات، وبعد ثلاثة عشر جيلا لم تتغير تفاصيل حياتهم اليومية وبقيت مؤسسات الدولة الحديثة، لا سيما الشرطة، قوى بعيدة، وغريبة، وشرسة.

تقوم الحرافيش حول حيوات سلسلة متعاقبة من الرجال الأقوياء، منهم المنغمس في رذيلة شخصية أو المستسلم لغواية الترف، ومنهم من تخايله العظمة مخايلة النجم الهادي. ووفقا لأقدار هؤلاء الزعماء ومصائرهم، يكون صعود أقدار العصابات وأهل الحارة أو هبوطها. والعصابة تريد جنرالا ذا بأس، وأهل الحارة تريده حاميا ذا عدل. ويشكل المزيج المراوغ المؤلف من القوة والبصيرة السياسية من جانب، والعدل والشفقة من جانب آخر، سمة العظمة، وهي بدورها الثيمة الأساسية التي تجعل من هذا الكتاب أسطورة تجسد بحث مصر عن زعيمها العادل.

يكتسب فكر محفوظ السياسي ـ من انشغاله بربط الفضيلة الشخصية بالعدل العام، واهتمامه بالأفراد على حساب الأنظمة ـ صبغةً طازجة البساطة على عتناقتها. غير أنه سيكون من الخطأ أن نستدل بكتب مثل الحرافيش على أن محفوظ متعلق بالماضي. فالحال أقرب إلى أن يكون المفكر الاجتماعي الذي آل إليه محفوظ في سني نضجه أكثر اهتماما بالخلاص منه بالتاريخ. ولسوف يجد القارئ في الحرافيش نغمتين متقابلتين، إحداهما مثيرة للمشاعر أسيانة، وهي التي تظهر عندما يتأمل عاشور الثاني أحوال العالم وكيف أن أساليب الثراء السريع التي يتبعها أخوه فايز باتت هي المتفشية:

وفي الليل دأب على التسلل إلى ساحة التكية، يتلفع بالظلام ويستضيء بضوء النجوم... يقعد مكان الناجي ويصغي إلى رقصات الأناشيد. ألا يبالي رجال الله بما يقع لخلق الله؟ متى إذن يفتحون الباب أو يهدمون السوار؟ يريد أن يسألهم ... لم ينعم الأنانيون والمجرمون؟ لم يجهض الطيبون والمحبون؟ لم يغط في النوم الحرافيش؟

وثمة دلالة لا تخفى في أن الفرصة تتاح لفايز كي يسخر من أساليب العمل التقليدية في الحارة، في حين لا تتاح له فرصة كبيرة ليتكلم عن النمط الحياتي الذي اختاره، وهو النمط القائم على "السمسرة" والمضاربة، أي باختصار، نمط الرأسمالية الحديثة وأساليبها التي سرعان ما تفضي به هو نفسه إلى القتل، لنعرف من بعد أن ثروته لم تكن نتاج التجارة بل نتاج قتله للأثرياء وسطوه على أموالهم.

النبرة الأخرى ـ ولعلها الأقل صدقا ـ هل التي نسمعها في نهاية الحكاية، عندما يكون السلطان لعاشور، والخفوت للبورجوازية، والصحوة للحرافيش، والإيحاء بأن يوم الحق قد دنا:

رأى [عاشور] هيكله [أي هيكل باب التكية] وهو ينفتح بنعومة وثبات. ومنه قدم شبح درويش كقطعة متجسدة من أنفاس الليل. مال عليه وهمس:

ـ استعدوا بالمزامير والطبول، غدا سيخرج الشيخ من خلوته، ويشق الحارة بنوره، وسيهب كل فتى نبوتا من الخيزران وثمرة من التوت، استعدوا بالمزامير والطبول

عاد [عاشور] إلى دنيا النجوم والأناشيد والليل والسور العتيق. قبض على أهداب الرؤية فغاصت قبضته في أمواج الظلام الجليل. وانتفض ناهضا ثملا بالإلهام والقدرة فقال له قلبه لا تجزع، فقد ينفتح الباب ذات يوم تحية لمن يخوضون الحياة ببراءة الأطفال وطموح الملائكة.

ليست الحرافيش بالدرجة الأساسية عملا عن الرجال ومصائرهم، إنما هي عمل يضع نصب عينيه مثالا ذكوريا. ولكن فيه مع ذلك مشاهد غواية حريفة (ونادرا ما يكون رجال محفوظ على قدر كيد نسائه)، وفيه أيضا الشخصية الأشد حيوية وإدهاشا في الكتاب كله، وهي شخصية زهيرة، أم جلال. فزهيرة حينما تسأم من لعب دورالزوجة المتفانية والأم والكنّة، تستخدم قانون الطلاق الإسلامي في الخلاص من سلسلة متعاقبة من الأزواج الذين لا يحققون لها الرضا، لتنتهي في آخر المطاف قتيلة، بفعل مؤامرة سابقة التجهيز تجعل المرء يشك أن القلق قد انتاب مؤلف هذه الشخصية وهو يتأمل منحنى طموح هذه المرأة الهائج الطائش دون أن يدري إلى أين يمكن أن يأخذها.


وليس لي وأنا لا أعرف العربية أن أتظاهر بالحكم على جودة الترجمة. ولكن القارئ لترجمة كاثرين كوبهام يجد فيها ثقة وسلاسة. وفي الترجمة عبارات اصطلاحية عامية تحمل إيحاءات أمريكية لا تستقيم مع ما في بقية الكتاب من إنجليزية عتيقة (وواجبة). تستخدم الترجمة تعبير call girl [المومس التي يتم استدعؤها بالتليفون] وهو تعبير يستوجب حتما أن يكون هناك تليفون، وتستخدم تعبير "الصليبي" ولعلها أقل الكلمات جدارة في وصف حملة عادلة يشنها أحد فتوات الحارة لإقرار العدل. وفي الكتاب شذرات من الشعر الفارسي ـ هي أغنيات تنبعث في الجارة من التكية الصوفية ـ بقيت بلا ترجمة، وهو قرار يحتمل النقاش، وإن يكن في ظني صحيحا، فما كان حرافيش الماضي بأقدر على فهم الفارسية من قراء محفوظ في القاهرة اليوم.


* من كتاب جيه إم كوتسي "شطآن غريبة .. مقالات 1986ـ1999"