الثلاثاء، 18 أكتوبر، 2011

ماذا يحدث لفيلسوف يساري حينما يكتشف الرب؟



بيتر برجر
سوسيتي [المجتمع] مجلة معنية بعلم الاجتماع يقوم بتحريريها ببراعة جوناثان إمبر  Jonathan Imber. يحمل عدد الخريف من هذه المجلة مقالا لـ فيليب بورتييه Philippe Portier  بعنوان "الدين والديمقراطية في فكر يورجن هابرماس  Juergen Habermas. وبالمصادفة يتزامن صدور هذا المقال مع قيام جريدة إخبارية ألمكانية هي دير شبيجل بنشر اسم هابرماس ضمن قائمة المفكرين الألمان الأكثر ظهورا في وسائل الإعلام. (تتضمن القائمة أيضا مارجوت كاييزمان Margot Kaessmann  وهي البروتستنتية التي استقالت من منصبها الكنسي بعدما تم التقاء القبض عليها أثناء قيادتها للسيارة وهي سكرانة. والمثير أنها لم تتحول إلى نجمة إلات بعد هذه الواقعة المؤسفة). أما هابرماس فهو مثقف جماهيري (وهو التعبير المهذب البديل لـ النجم) منذ وقت طويل، ومع أنني لست مهتما بهابرماس اهتماما كبيرا إلا أن هذا التزامن جعلني أفكر فيه. خاصة وأن مقالة بورتييه مثيرة إلى الحد الذي يمكن أن توصف به بأنها قصة الكلب الذي عضه رجل.
هابرماس من عمري تماما. تقاطع طريقي وطريقه لوهلة في ستينيات القرن الماضي حينما كان أستاذا زائرا في المدرسة الجديدة للعلوم الاجتماعية بكلية الدراسات العليا التي كنت أقوم بالتدريس فيها. لم نتلاق كثيرا، فقد كانت تنفرني من ذلك آراؤه اليسارية ولغته الفلسفية الثقيلة (يتبارى الفلاسفة الألمان مهما يكن موقعهم من الطيف الأيدولوجي في إنتاج نصوص لا يفهمها غير قلة من البشر). علاوة على أنني استشعرت فيه نوعا من الغطرسة الأكاديمية. أتذكر أني قرأت ردا من هابرماس على ناقد، وأن ذلك الرد اقتصر على رفض مناقشة شخص نقل مقتطفا عن هيجل مأخوذا من مصدر ثان [وليس من نص هيجل نفسه].
حصل هابرماس أول الأمر على دكتوراه في الفلسفة، ولكنه انتقل منها إلى علم الاجتماع بتأثير من مدرسة فرانكفورت الماركسية الجديدة، ثم حصل على دكتوراه أخرى في ذلك الفرع المعرفي وكان المشرف عليه هو الماركسي العتيد فولفجانج أبيندروث Wolfgang Abendroth. وفي عام 1964 أصبح أستاذا في فرانكفورت، خلفا لماكس هوركهيمر Max Horkheimer الذي كان في ذلك الوقت من جملة أيقونات الماركسية الجديدة. كان هابرماس بطلا لما سمي بالثورة الطلابية في أواخر ستينيات القرن الماضي. وانتشر تلاميذه في شتى أرجاء الوسط الأكاديمي في ألمانيا الغربية، خالقين شبكة استطاعت لفترة أن تبسط هيمنة أيديولوجية فعالة على العلوم الإنسانية. بدا لي في ذلك الوقت أن الدور الذي يلعبه هابرماس مرفوض، ولكنني حمدت له أن نأى بنفسه تماما عن الجناح الراديكالي وسط الحركة الطلابية، مثلما نأى بنفسه في وقت لاحق عن آراء ما بعد الحداثيين المناهضة للتنوير. في عام 1981 أصدر هابرماس رائعته "نظرية الفعل التواصلي" مؤكدا فيها تماما على دور العقل reason  كأساس للحياة العامة في الدول الديمقراطية. تقاعد هابرماس من التدريس الجامعي في عام 1993، ولكنه لم يتقاعد من دوره كنصير فاعل للعقلانية التنويرية. وهناك جدال يدور حول مدى انتماء أعماله الأخيرة إلى مظلة الفكر التنظيري الماركسي الجديد. فلقد تحولت آراؤه في الدين تحولا غير هين.
يميز بورتييه بين ثلاث مراحل في تعامل هابرماس مع الدين. في المرحلة الأولى ـ التي استمرت حتى مطلع الثمانينيات ـ كان لا يزال ينظر إلى الدين بوصفه "واقعا غرائبيا" ووسيلة سيطرة في أيدي الأقوياء. وكان وفقا للتراث الماركسي الأصيل يرى أن الدين سوف يختفي في نهاية المطاف، مع تحول المجتمع الحديث إلى القيام على قاعدة "العقلانية التواصلية" وتوقفه عن الاحتياج إلى الأوهام البالية. في المرحلة الثانية، وتمتد تقريبا من 1985 وحتى 2000، يصمت هذا العداء للدين. وينظر الآن إلى الدين نظرة تستبعد اختفاءه، لأن كثيرا من الناس (وإن لم يكن بينهم هابرماس نفسه فيما يبدو) لا يزالون بحاجة إلى الراحة التي يوفرها لهم. في حين لا بد أن لا يخضع المجال العام لسيطرة إلا سيطرة العقلانية. في حين يتحدد وجود الدين في الحياة الخاصة. ولعل بوسعنا القول إن هابرماس ـ على الأقل في تلك المرحلة، وعلى الأقل فيما يتعلق بالدين ـ قد كبر على الماركسية ودخل في لواء العلمانية الفرنسية التي تبقي الحياة العامة نقية تمام النقاء من الشوائب الدينية.
أما المرحلة الثالثة فمثيرة أشد ما تكون الإثارة. فاعتبارا من أواخر تسعينيات القرن الماضي، صارت رؤية هابرماس للدين أكثر رحمة. فالدين يرى في هذه المرحلة بوصفه ذا وظيفة عامة نافعة، بغض النظر عن الراحة التي يوفرها للأفراد. فلقد أدى :"استعمار" المجتمع من قبل الرأسمالية إلى خلق أزمة ثقافية، وعمل على تقويض إحساس التضامن الذي بدونه لا تقوم للعقلانية التواصلية قائمة. نحن الآن ننتقل إلى مجتمع "ما بعد علماني" بوسعه أن يحسن الانتفاع من "الحس الأخلاقي" الذي لا يزال الدين يغرسه. واتباعا لخطى إرنست بلوخ وغيره من فلاسفة الماركسية الجديدة الربوبيين، يحمد هابرماس للدين الإنجيلي، واليهودية، والمسيحية نبذها للفكر السحري (وها هنا صدى لفكرة ماكس فيبر Max Weber عن "فك لعنة العالم") ووضعها أسس استقلال الفرد وحقوقه.
أذاع هابرماس هذه الأفكار في عدد من الإصدارات والحوارات الإعلامية. غير أن أكثر المصادر إثارة للاهتمام (وإن لم يتناوله بورتييه في مقاله) هو إصدار نشرته المطبعة الكاثوليكية في عام 2007 بعنوان "ديالكتيك العلمانية". وهو حوار بين هابرماس والكاردينال جوزيف راتزنجر (الذي سيصبح فيما بعد البابا بينيدكت الرابع عشر). ها هنا هابرماس يقر للمسيحية بأنها معين للمساواة المطلقة والانفتاح على العقل، ومن ثم يقر لها بكونها تمثل جوهرا أخلاقيا للديمقراطية. وهو ما وافق عليه راتزنجر.
لست على يقين من ماهية معتقدات هابرماس الشخصية. ولكنني لا أعتقد أن لتغير رأيه فيما يتعلق بالدين أية علاقة بتغير على المستوى الشخصي. بل إن هابرماس ـ شأن كثير من علماء اجتماع الدين ـ قد نظر إلى العالم  وخلص إلى أن نظرية العلمنة ـ أي افتراض أن التحديث يفضي بالضرورة إلى تراجع الدين ـ لا تتفق مع الأمر الواقع. وبعيدا عن الاعتراف بجهل الواقع في عالمنا المعاصر، يعترف هابرماس بأن للفردية الحديثة جذورا في الديانة الإنجيلية، ويرى أن هذه الصلة لم تزل فاعلة اليوم. غير أنه لهابرماس الآن ـ في نهاية المطاف ـ وجهة نظر إيجابية في الدين (في نسخته اليهودية المسيحية على الأقل) وذلك لسبب عملي هو أن "الدين، سواء كان صادقا أم كاذبا، له نفعه الاجتماعي.
تعالوا نسلم بأن التدخين ضار بالصحة. ثم تعالوا نفترض أن قبيلة في غابة نائية هنا أو هناك تؤمن بأن تدخين التبغ يجتذب الأرواح الشريرة. وبفرض أن موظفا حكوميا يذهب إلى هذه المنطقة وهو لا يؤمن بخرافاتها بطبيعة الحال، لكنه يستعمل هذه القناعة الخاصة بهم في إثنائهم عن شراء السجائر، ذلك لأنه يعلم أن من الناس من يفعلون الصواب بناء على الأسباب الخاطئة.
ما من عالم اجتماع إلا وسيوافق على أن للدين ـ سواء كان صادقا أم كاذبا ـ دور نافع في التضامن داخل المجتمع، وكذلك في الحس الأخلاقي المشترك. ولكن المشكلة هي أن هذا النفع يعتمد على أن يؤمن بعض الناس على الأقل بوجود ذلك الواقع ما وراء الطبيعي الذي يقول به الدين. وينتفي النفع فور أن ينتفي إيمان أحد بهذا.
في تاريخه الشهير لانهيار الإمبراطورية الرومانية، يقول إدوارد جيبون إن "أنماط العبادة المتباينة السائدة في العالم الروماني كانت تعد لدى الناس: متساويةً في صحتها، ولدى الفيلسوف متساويةً في زيفها، ولدى الحاكم متساويةً في نفعها". ولئن أنت وضعت الفيلسوف في موضع الحاكم لصار لديك الوصف الأمثل لهابرماس اليوم

نقلا عن أمريكان إنتريست
نشرت اليوم 18 أكتوبر 2011 في شرفات